مقالات حرة

عالم لا يستقرّ


عالم لا يستقر

خطر لي عند استيقاظي هذا الصباح أن كل من درست معهم في خلال مشواري الدراسي اختفوا تقريبا، ولم أعد أكلم إلا واحدا أو اثنين في مدد متباعدة..

لم تكن أول مرة يخطر لي مثل هذا الخاطر، ولا يوجد في ظني من لم يخطر في باله، إلا أني تقعرت في الفكرة كما لم أفعل قبلا، فبدا لي أني أيضا لا أسأل عن حال من عرفت إلا قليلا. وإن كنت لا أصدّ – بفضل الله – سائلا أو متودّدا. ولكني قدّرتُ  أن تكون هذه طبيعة البشر، فكيف لي أن ألوم عليها أحدا ؟ بل ربما كانت طبيعة الحياة نفسها.. فليس يجمع بين الناس – في الحقيقة – إلا الغرفة التي تجمعهم أو القسم أو المقصورة في القطار أو وثيقة الزواج الغليظة، التي قد تهترئ وتتمزق !

ولذلك حدثتُ نفسي بأن حركة الحياة المستمرة – وإن توهمنا أحيانا أنها ساكنة هادئة – قد تُستنبط منها فوائد كثيرة.. مثل عدم التعويل على أحد من البشر، ما دام الكل (يتحرك) ويغير مكانه، حتى لا يدري المرء من وأين يكون رفيقه غدا ! ومثل (عدم فقدان الأمل)، إذ أن الظروف التي يجد الإنسان نفسه فيها لا تدوم غالبا.. فالكل في حركة. وإذا كانت الأبواب كلها مغلقة، فلسوف تدور الدائرة حتما ويجد المرء أبوابا أخرى لن يعدم فيها بابا  مفتوحا. فدوام الحال – كما يُقال – من المحال.

وبمناسبة ذكر (فقدان الأمل)، خطر لي أنه لا ينبغي كذلك (طول الأمل) لنفس السبب الأول. ومادام كل شيء متحركا وفانيا آخر الأمر – إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام – فإنك لا تدري أبدا متى ينتهي هذا السباق المحموم، قد ينتهي غدا.. من ثمّ وجب استحضار فكرة الرحيل كلما استطاع المرء استحضارها لأجل أن يُحسن العمل، ولا يخدعنّه نهر الزمن الدفّاق..

كل هذا خطر لي عندما فتحتُ عيني وربما قبل ذلك، لا أدري لماذا.. هذا العالم دائم الحركة الذي يطير بنا، ونحن نحسب أننا في سكون وديمومة. وهؤلاء الناس الذين لا يكادون يثبتون على شيء. صديقك بالأمس عدوك اليوم، وكليمك اليوم خصيمك بعد غد، والعكس..

بقي فقط أن أربط شتات هذه الخاطرة بشكل ما، كما أفعل دائما، ثم لا أدري كيف فعلتها بعدها.. فحتى الكتابة عالم مجنون لا يستقر أبدا !

خالد

26-03-2020

شذرات

الإخوة الأعداء


مممبم

أفهم العدو الصريح اللدود، وأفهم الأخ المحب الودود. ولكني لا أفهم (الأخ اللدود) !.. ذاك الذي يمجد هويته الإسلامية ولغته العربية وتراثه العظيم، ثم إذا هو يطعن – فجأة – في أئمة الإسلام، ويريد الخراب والعصيان في البلدان حتى يغير الحكام، مستشهدا في ذلك بثورات الغرب وتاريخهم وقوانينهم التي يتبرأ منها في مقامات أخرى ! وي كأن للمرء منهم قلبان، لكل قلب عقيدة، أو كأن تغيير الحكام ركن سادس من أركان الإسلام، وما أمرنا الله عز وجل بذلك ولا نبيه عليه الصلاة والسلام. بل نحن مأمورون بالعكس.. ولكنهم مصرون على مذهبهم، وفي غيهم ماضون حتى بعد خراب بلاد إسلامية عزيزة علينا، وتمزق أخرى إلى مزق تتجاذبها كلاب الأمم المسعورة.. ثم لا أدري آخر الأمر من الأخطر حقيقة.. ذاك (العدو الودود) أم هذا (الأخ اللدود) !

شذرات

عنصرية ضد الإنسان !


Breathe-scaled

ماذا لو وقعت حادثة (خنق الرجل الأسود الأمريكي حتى الموت) في السعودية مثلا، ماذا كان ليقول السفهاء منا ؟.. (الأعراب المتخلفون، شاربوا بول البعير، أبو لهب، الجاهلية، الإرهاب، الظلاميون، سلالة كذا، الناس وصلوا القمر وأنتم لا تفرقون بين الحيوان والبشر.. إلخ). والآن أكثر ما تسمع منهم: (عنصرية ضد السود، فرط استعمال القوة، يجب محاكمة الشرطي..).

والحق أنها عنصرية ضد الإنسان نفسه. ومنذ قديم الزمان ولكن المغفلين لا يعلمون. إنه ما يسميه علماء الاجتماع (الداروينية الاجتماعية)، ومنشأها من عقيدة مادية بحتة، تُجرّد الإنسان من التكريم الإلهي الذي امتاز به عن باقي المخلوقات، فيبقى عندهم مجرد خلية متطورة، (ووسخ كيميائي) كما قال كبيرهم الذي علمهم الإلحاد، “ستيفن هوكينغ”.

ومن ثم وقعت معظم الإبادات التي تعرف والتي لا تعرف، واستعباد السود والنساء والأطفال – الذي لم يزل قائما إلى يوم الناس هذا – والحروب الغربية، والتجارب المتوحشة، وإعدام الأقليات وذوي الإعاقات في مرحلة النازية وغير ذلك..

إنه قانون (الانتخاب الطبيعي) كما يسمونه في داروينيتهم، حيث العرق الأبيض هو أرقى الأعراق وأكثرها تطورا في سلالة (حيوان الإنسان)، ولذلك فإن لهم مطلق الحق في الإبادات والاستعمارات وافتعال الحروب والأوبئة والتجريب وهلم شرا. فهي ليست مجرد عنصرية وجرائم متفرقة فحسب.. إنها عقيدة يا حبيبي.

#blacklivesmatter

بقايا القراءة

القراءة الحرجة للمدعو خ. : مراجعة رواية (الحالة الحرجة للمدعو ك.)


35513795._SX318_

الكتاب: الحالة الحرجة للمدعو ك.

المؤلف: عزيز محمد – 2017

بدأتُ قراءة هذه الرواية وأنا أظنها رواية أخرى ! إذ خلطت عنوانها بعنوان رواية (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل)، والتي كنتُ أنوي قراءتها بعد أن علمت أنها من الروايات الأوائل في تصنيف اتحاد كتاب العرب.. فاختلطت (الحالة الحرجة) مع (الوقائع الغريبة)، لا أدري كيف !

ولكني ما لبثتُ أن انتبهت إلى أن هذه الرواية أيضا معروفة بما يكفي ومقروءة بكثرة على موقع الكودريدز، كما أن تنقيطها جيد. وقد راسلت كاتبها عبر البريد، وأنا في صفحاتها الأولى لا أزال.. وسألته إن كان كتب رواية أخرى غيرها، مادحا أسلوبها المُنساب، والحديث الداخلي العذب واللغة الرشيقة المبينة فأجابني شاكرا.

ولكني تسرعتُ للأسف، إذ كان علي معرفة موضوع الرواية – على الأقل – فأنا أتفادى أدب السجون ما استطعت، كما أتجنب أدب (المرض) حيث يصف الكاتب تدهور الحالة الجسدية والنفسية للمريض – حقيقة أو خيالا – وقد كانت هذه الرواية من هذا النوع الأخير.. أي (أدب المرض).

هذا علاوة على أن شخصية الرواية – الراوية للقصة – مستفزة جدا، أثارت بعد فصول من القراءة تقززي الشديد. على ما قد يجد البعض في هذه الشخصية من جاذبية مردها إلى هذه التقنية من الحديث الداخلي المتواصل، التي تُشبه عدسة متنقلة تصور لنا ما تريد تصويره، فيألف القارئ بعد حين طريقة التصوير هذه ويستكين لها، وربما أعجب بتحليل هذا (الصوت الداخلي) للأشياء، أو تمرده أو شجاعته أو ذكاءه.. ومثال ذلك رواية ( الحارس في حقل الشوفان) للأمريكي (سالنجر) التي أعجب بشخصيتها (كولفيلد) جماهير غفيرة من القراء عبر العالم بسبب ذكائه الحاد، وحسه النقدي للمجتمع والناس.

ولكن عدمية هذه الشخصية – العربية السعودية يا حسرة !  – فاقت الحدود، فهو يتحدث كأنه (كافكا) شخصيا، الكاتب التشيكي اليهودي بسوداويته وعدميته المعروفة، ولقد ذكر اسمه وكتاباته مرارا حتى شككت في أن المقصود بحرف (الكاف) في العنوان هو هذا الكاتب البائس المريض.

ومرة أخرى أصطدم بالانحياز الكلي لأدب الغرب، وعقائد الغرب وخبز الغرب وقهوة الغرب !.. لاسيما بعد قراءتي لكتاب عبد الوهاب المسيري – رحمه الله – (العالم من منظور غربي).. حيث كل شيء بنكهة الغرب، كأننا لئام في مائدة كرام.. وما نحن بلئام وما هم – والله – بكرام. ولكن من يرمي هويته وراء ظهره، ويضع قناعا أعجميا فيصبح يرى المجتمع غريبا لأنه ليس مجتمعا غربيا.. فذاك اللئيم حقا.

ومن شدّة ولع الكاتب بالغرب وآدابهم – وإن كانت لغته العربية رشيقة نوعا، وفي بعض تحليلاته النفسية عمق وشاعرية لا تخفى – ذكره كلمة “القذارة” بأشنع صورها اللغوية التي أتورّع عن كتابتها هنا احتراما لقرائي الكرام. وذلك مثلما يقول الأمريكيون بالضبط في أفلامهم، في تقليد بائس ركيك. ومن ذلك أيضا علاقاته المضطربة المريضة مع كل أفراد أسرته، بل مع الكل بلا استثناء. مما ينافي أخلاقيات مجتمعاتنا الإسلامية (العائلية) حيث تعظيم الأم، والأخ الكبير الخ.. دون الكلام عن التغافل و(التعايش) الذي تمتاز به مجتمعاتنا بشكل ظاهر. أما هو فيصرح بأنه لا يحب أمه ولا تحبه ! ويجد أخاه الكبير متصنعا في محاولاته تعويضه نقص الأب. ويسيء الظن بكل زيارة لصديق أو فرد من العائلة، ويقول أنها محاولة لإرضاء النفس لا غير.. في جزم مثير للأعصاب. ويصف زملاءه في العمل بأبناء (الفاعلة) بدون سبب ولا دليل على أن أمهاتهم (فاعلات) ! ويصف من رفضت الوقوف معه طويلا بأنها (فاعلة) كذلك.. ألا قبحها الله من حياة ومن رواية.

ربما كان هذا كله ضياعا خلقيا وانحرافا ومخالفات يُرجى برؤها. أصلحنا الله جميعا.. أما وقد صرح بنظرته للدين، فتلك كانت النقطة التي ندمت عندها فعلا على قراءتي هذه الرواية اللعينة. فقد قال المخذول: (لم أكن أفتقر إلى الإيمان بالله عموما، ولم أكن شديد الحرص على إيماني به أيضا).. وهذا يذكرني بمذهب (اللاأدرية) الذي يحسب أصحابه أنهم نجوا من الانتماء للفريقين معا – كأن الفضيلة في عدم الانتماء ! – ولكنهم عند التحقيق كفار طبعا، فمن لا يبالي بوجود الله كافر به، بل ربما كان كفره أشنع ممن يقول بعدم وجوده جحودا أو انتكاسا فطريا.. فهذا لم يعط الموضوع حتى وقتا للتفكير ! ولستُ أكفّر الكاتب هنا، فليس ذلك لي.

وثالثة الأثافي – كما يُقال – تعاطيه الحشيش في مرحلة من مراحل إصابته بالسرطان.. بل إنه عرض الحشيش على أمه. وهذا بدل أن يتوب، أو يدعو الله بدعاء واحد – رغم أن هذا ما يفعله حتى الكفار في مثل هذه الحالات – لكنه أمعن في التغريب والعبثية – فصار غربيا أكثر من الغربيين – ونهج منهج (ألبير كامو) في روايته (الغريب). حيث موت أمه وحياتها سيان، وإعدامه أو إطلاق سراحه نفس الشيء ! فانبرى هذا أيضا على نفس المنوال يسخر من كل شيء ومن الموت كذلك سخرية (حامضة) كقوله أنه يفكر (أن يدفن معه حاسوبه النقال حتى يشاهد فيلما كوميديا)   !

ألا كم أكره المتعجرفين، الذين يحسبون أنهم سبقوا الناس جميعا.

خالد

بقايا القراءة

العالم من منظور غربي: انزع النظارة السوداء ترى أفضل


lines-3659995_640

الكتاب: العالم من منظور غربي

المؤلف: عبد الوهاب المسيري – 2001

يُناقش الكتاب موضوعا خطيرا جدا، لم أقرأ من قبل لأحد بسطه مثل هذا البسط وأصّله هذا التأصيل طويل النفس. ألا وهو موضوع (التحيّز)، والتحيز للغرب بخاصة، بحيث حلّل ذلك فلسفيا وتاريخيا وحضاريا وأدبيا إلخ..

ولو تأمّلتَ لوجدت الكثير من آرائك واختياراتك ليست هي آراءك تماما ولا اختياراتك حقا.. اللباس والأذواق والعمران واللغة والأقوال المأثورة والمناهج والطقوس والمشاعر والمقتنيات، (ولا داعي لألج ميدان الموسيقى والسينما..). كل أولئك مصبوغ بصبغة غربية نهائية.. كأن العالم هو ما يراه الغرب.

وليت شعري ماذا كان قبل هذه الحضارة الغربية ؟ ألم تتعاقب على هذه الأرض حضارات وشعوب شتى ؟ ولغات وعلوم وأطعمة وأزياء لا حدّ لها.. بل هناك من يزعم وجود علوم متقدمة جدا اندثرت في الماضي فلم يصلنا منها شيء تقريبا.. كمثل أسرار الفراعنة وطرقهم في البناء والتحنيط التي لم يعثر العلم (=العلم الغربي) عن مفاتيحها بعد.

يُعجبني في المسيري رحمه الله، وضوح عبارته وذكاء مجازه، وجرأته في نحت مصطلحات جديدة وربطها بظواهر نراها رأي العين – وإن كان يُبالغ أحيانا – ولكم أطربني ذكره مثالين في غاية من الإبداع والإعجاز. بحيث لو تأملهما القارئ كما ينبغي وخرج بهما فحسب من الكتاب كله، لكان غانما مُستفيدا إن شاء الله.

أما المثال الأول فهو (اكتشاف أرض جديدة تُدعى أمريكا).. هذه العبارة التي تكررت أمامنا كثيرا في المناهج الدراسية والعناوين الكثيرة، وفي أقوال الناس. وبغض النظر عن أكذوبة اكتشاف (كولومبوس المبيد) لهذه الأرض، فهل كانت فعلا أرضا (جديدة) ؟ أم كانت (قديمة) بالنسبة لمن يقطنها من الهنود الحمر الذين أُبيدوا عن بكرة أبيهم. أي أنه تمّ تجاهل وجودهم تماما ؟ فالإنسان الغربي المغرور لم يكن يرى إلا نفسه فوق هذه الأرض، أما الشعوب الأخرى فحشرات ليلية أو دود يدوسه بامتعاض ثم يصيح غير عابئ: (انظروا هذه أرض جديدة !).. لكن هل انتبهنا نحن لهذا الغرور القبيح وصحّحنا العبارة.. للأسف لا. نحن فقط نردد ما يقولون.

وأما المثال الثاني فهما (الحربان العالميتان الأولى والثانية)، وكيف انقسم (العالم)، وانفجر العالم، وتعسكر العالم، وتضرر العالم إلخ.. وهذه ملاحظة طالما عذبتني. هل كان العالم كله معنيا فعلا بتلك الحربين المهلكتين ؟ فلماذا إذن وُصفتا بالعالميتين ؟.. ببساطة – يقول المسيري – لأن الغرب يرى نفسه هو العالم.. أما الباقي فمجرد محميات ومستعمرات دواب – هذه قلتها أنا – قد يستعملون بعضهم في حروبهم وأشغالهم، ومن بقي يملؤون بهم أسواقا ضخمة لمنتجاهم !

ثم تكلم بعدها عن التحيز في المصطلحات، وكيف نلهث وراء كل ما يسكونه من مصطلحات لندخلها في قاموسنا بتعسّف وحماسة مضحكة وإقصاء للذات يثير الشفقة والغيظ لمن له عقل يعقل به.. إلى آخر تأصيلاته العجيبة للموضوع.

حقا.. كيف نعمى عن وجود حضارات ورؤى أخرى في هذا العالم (الصين واليابان والهند وهلمّ جرا..)، مع استبعاد الوثنيات والشركيات والخرافات بطبيعة الحال.. فلا نحن حافظنا على هويتنا وتراثنا ورؤيتنا للعالم – التي هي أكثر إنسانية من رؤيتهم المادية الاستغلالية – ولا نحن انفتحنا على رؤى وحضارات أخرى لها ما لها وعليها ما عليها..

وبصرف النظر عن الربع الأخير من الكتاب الذي بالغ فيه الكاتب برأيي في تقديس (مبدأ الحجارة) في الانتفاضة الفلسطينية باعتباره (رؤية فلسطينية عبقرية)، ما أثار حفيظتي. فالقوم يرموننا بالقنابل والصواريخ المدمرة فيقع الآلاف من الضحايا ، ونحن نرقص طربا لأننا استطعنا قذفهم بالحجارة بدل أن (نعدّ لهم) !.. بصرف النظر عن هذه المبالغة العاطفية التي لا معنى لها عندي، فإن الكتاب خطير جدا في موضوعه، ويبدو أن نظرتي للعالم تغيرت فعلا بعد قرائته. ولن أقبل بعد اليوم رأيا أو ذوقا فقط لأنه من الغرب.

فلنستيقظ يا صاحبي.. 

خالد

بقايا القراءة

العربية ورهانات التدريج: اعتماد العامية تعميم للجهل


52700658

الكتاب: العربية ورهانات التدريج

المؤلف: سعيد بنكراد – 2020

الكتاب دسم، مليء بالفلسفة والتنظير.. مع أن بعض فصوله عسيرة الهضم، تصلح لأهل الاختصاص من اللسانيين و(السيميائيين) كما يسمونهم – كأن العربية تعجز عن تسمية هذا الاختصاص باسم عربي مبين ! – وفيه ردّ قوي على أصحاب قاموس الدارجة السخيف، الذي حملته بيدي مرة وتصفحته فقرأت فيه شرح عبارة (ديباني) التي هي في الأصل فعل فرنسي Dépanner ينطقه بعضهم مشوها، ويعني في العربية (مرّر الشيء على ما هو عليه، أو تصرّف بما وُجد دون تكلف). فعرفتُ حينها قدر هذا الكتاب الخبيث الذي سموه قاموسا زورا وبهتانا.

إلا أني لاحظت منذ الصفحات الأولى – من هذا الكتاب – تجاهل الكاتب للجانب الديني كليا، كأنما لو حازت لغة أخرى شرف استعمال آخر كُتب الله السماوية لها، فلن تفتخر بهذا ولن تزهو به بين اللغات والأمم ! ولكن الكاتب – ومن على منهجه – لا تهمهم إلا (القوميات) ولذلك فشلوا في دعوتهم، وإلا فبهذه القومية ذاتها يُهاجم الأمازيغيون المتعصبون العرب والعربية، بل وبهذه القومية الجاهلية ذاتها يُهاجمنا الفرنكفونيون ويغزوننا، وهم أكثر منا قوة وعتادا. فماذا بقي لنا إذن غير هذا الدين العظيم وهذه العقيدة الربانية التي من شأنها توحيد الصفوف وتحريك الجبال ؟

ثم بعد تحليلات عميقة – للأمانة – عن علاقة اللغة بالفرد والمجتمع، والفرق بين تأثير الفصحى والعامية في النفوس والعقول، لفت انتباهي في معرض نقده لمحتوى مقاطع وقحة على اليوتيوب، يستعمل فيها بعض الشباب – هداهم الله – مصطلحات دارجة نابية، لفت انتباهي رأي الكاتب الذي مُفاده أن أمثال تلك المقاطع مما يؤجج الغرائز ويجعل من المرأة مثل السلعة – ونحن معه في هذا – إلى أن قال أن هذه الوقاحة بخلاف (الجنس الجميل) الذي يكون من خلال (علاقات رضائية) !

كذا قال مثل قول العلمانيين والملحدين. طيب ومن قال لك أن بعض النساء لا يُردن مثل هذه الوقاحة وهذا (الجنس الغليظ) ؟ ألم تقل أنت نفسك أن من الشخصيات الكرتونية الأنثوية في تلك المقاطع من تطلب من الرجال أن يفعلوا لهن كذا وكذا.. إذن ما دام ذلك كذلك، والأمر راجع في النهاية إلى رضى الطرفين – وليس إلى دين وعقيدة – فليس من حقك انتقاد هؤلاء (الوقحين) على رأيك.. لأن رأيهم كذلك ولأن المتعة والسعادة عندهم في الوقاحة، مالك أنت ومالهم.. لك جنسك الجميل (الرضائي اللاديني) ولهم جنسهم الوقح !

إنه والله للعبث.. ننحي الدين من كل اعتبار، ثم نريد بعدها أن نفرض آراءنا وأذواقنا – لأنها آراءنا وأذواقنا – كأننا آلهة ! فإما نحتكم إلى الدين الرباني المعصوم، إلى الإله العظيم الذي خلقنا وسوانا وعلمنا وربانا، وإلا فكل شيء نسبي كما تقولون.. ونقدك هذا كله – لا لغويا ولا جنسيا – وكل شيء بعدها مجرد عبث وهباء..

قصص رعب وتشويق

سرّ الزّرقة


مدينة شفشاون

قصة قصيرة

1

جَرَع حمزة ما فضل من قهوته المرّة، وقام بعُجالة ناظرا في شاشة هاتفه النقال.. لم يبق من الوقت الكثير.

أخرج حافظته واستلّ منها ورقة نقدية زرقاء مدّها للنّادل المتأنّق، فأمسكها هذا وعلى وجهه بعضُ الضّيق..

 – أليس معك عملات صغيرة يا سيدي ؟

حرّك حمزة رأسه نفيا، فزفر النادل وهو يفرد الورقة بتوتر وينظر حوله مرارا، باحثا عن سبيل لصرف المائتي درهم في مثل هذا الصباح الباكر. ثم لم يلبث كثيرا حتى هرول مُسرعا بخطوات واسعة لما لمح حارس السيارات البدين الذي ينقذه عادة من ورطة (الصّرف). وارتفع مع هرولته صوت رنين القطع المعدنية المصطكّة في جيبه الأمامي.

وقف حمزة مكانه أمام باب ذلك المقهى الرباطي، وبدا هادئا وهو يُدير رأسه في الناس والسيارات المتسابقة منذ الصباح الباكر، ماطّا شفتيه عجبا من أحوال الدنيا..

لطالما كان يعجب من مقدرة الناس على شراء السيارات بالخصوص، فقد صارت عنده علامة من علامات (النجاح) في جيله الذي تفشّت فيه البطالة حتى النّخاع، وصار العمل أشبه بمعجزة خارقة تستحق أن يشهدها الناس وتُقام لها الحفلات والأعراس !

درسَ حمزة الحقوق ثم انتقل للصحافة.. حُلمه الأوّل، والآن هو يتدرّب بمقرّ جريدة من الجرائد الرّائدة في المغرب.

تسع وعشرون سنة.. أسمر اللون، بُنّي العين. خفيف شعر الرأس، طويل القامة على شيء من النحافة. والغالب على طبعه الخجل والانطواء ودقة الملاحظة، مع الانكباب على القراءة والكتابة بغزارة عجيبة.

يُعاني من كل ما يمكن أن يعاني منه مُعظم الشباب العربي في الألفية الثالثة.. فقر وعزوبية ووحدة، وعدم استقرار في كل ما ينبغي الاستقرار فيه !  علاوة على عيوبه الشخصية التي منها ما هو عليه الآن.. التأخّر في المواعيد  !

جاءه النادل أخيرا وهو يلهث، ودسّ كومة من الأوراق والعملات في كفّه، منتظرا أن يتفضّل عليه بإكرامية جزاء وفاقا. ولكن حمزة ما لبث أن انطلق مهرولا – دون حتى أن يُدقّق في حسابه – ناحية محطة القطار المقابلة للمقهى، وعينه مُعلّقة على الساعة الضّخمة فوق بناية المحطة، والتي كانت تُشير إلى السابعة إلا خمس دقائق.

الجو غائم غامض، والسحب تخفي وراءها ما تخفي.. وحمزة لا يدري ما تؤول إليه مهمته الصحفية الأولى.

– – –

متابعة القراءة “سرّ الزّرقة”

قصص رعب وتشويق

لا تضغط الزر !


Red stop button on black keyboard. 3D rendered illustration.

قصة قصيرة

-1-

عصام من عينة الشباب الذين تجد عندهم دائما آخر البرامج الرقمية، وكل الحلول للمشاكل الغريبة التي يواجهها حاسوبك دون حواسيب العالمين !

نحيف، عصبي وصموت على الدوام.. يضع نظارات “قعر الكأس” – إياها – التي تبدو متوهّجة في جلسته الأبدية أمام شاشة الحاسوب، وفي (الخلفية الصوتية) هناك دائما ذاك الصوت المحبّب الرتيب للمفاتيح وهي تُنقر.. ماذا يكتب ؟ ماذا يصنع ؟ لا تدري أبدا !

لن تفوّت – إذا دلفتَ بيته بالطابق العلوي – كمية (السيديهات) الهائلة في كل مكان من الغرفة الزرقاء المظلمة.. كُتب و دفاتر فوق السيديهات، كتب ودفاتر تحت السيديهات، محفظة فاغرة فمها وقد فاضت بالسيديهات. ثم تلك الأعمدة التي تحمل عشرات السيديهات بطريقة (الخازوق) المرعبة!

ماذا يوجد بكل تلكم الأقراص ؟.. لا تدري أبدا !

إذا اقتربت الآن من الكرسي الذي يحمل “جثة” عصام الساكنة، وهو ينظر في الشاشة برهبة وانبهار، سترى أنه يتصفّح موقعا ينتمي إلى المنطقة المحظورة من الشبكة العنكبوتية.. (الدارك ويب) كما يسمّونه، أي (الشبكة السوداء). وهي سوداء فعلا لو أردت رأيي !  

ينظر عصام في صفحة يطغى عليها اللونان الأحمر والأسود. فهو – أغلب الظن – موقع لبيع الأعضاء البشرية أو غرفة حمراء للتعذيب وأشياء لطيفة كهذه !

معذرة !.. أخطأت الظن، ليس لهذا الحد. لم ينحدر عصام كل هذا الانحدار بعد. إذا تفضّلت ودنوتَ من الشاشة أكثر سوف ترى أنه ينظر في صفحة لألعاب الرعب الغريبة ليس إلا..

* * *

أما (سعيد) – صاحبه – فهو حزين على الدوام ! ولا تسلني عن اسمه المتناقض مع حاله، فلستُ أمّه التي ولدته !

كلّ من أراد معرفة أعراض الاكتئاب وأنواعه وطُرق الوقاية منه ما عليه إلا النظر في سُحنة (سعيد) الحزين، وطريقة حركته وكلامه، ونظرته للأشياء.. فربما أغناه ذلك عن كل طبيب.

أمام مكتبه المرتّب – أكثر من اللاّزم – يجلسُ بتلك الوضعية الشهيرة التي تجسّد الحزن العميق الذي لا قرار له: الخدّ مُسندٌ إلى راحة اليد اليُسرى، والعين تكاد تثقب خشب المكتب من الاستغراق في تأمّل لا داعي له !

سقراط لم يكن يتأمل لهذا الحد يا أخي !

الغريب أنك تجد الموهوبين دائما ومن لهم عُمق في النظر، ودقة في الإدراك، وسِعة في الاطّلاع هم من يسقطون بين براثن الحزن والكآبة، أما التافهون ومن تستعبدهم الأشياء فــهم أسعد الناس !

نعم فكرت الآن – مثلك – في البيت الشعري: (وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ).

هاهوذا ينهض أخيرا ويمشي بخطوات مترنحة إلى الحمّام، يتوقف أمام الحوض الأزرق الذي يذكّرك بالمستشفيات ! يصفع وجهه بدفقات من ماء الصنبور، ثم ينظر لاهثا في صفحة المرآة النظيفة إلى وجه ذابل محمرّ من أثر البكاء، وفي عينيه انكسار وتوسّل. كأنما يتوسّل إلى الناظر للمرآة – كائنا من كان – أن ينقذه مما هو فيه، حتى يكفّ عن تذكّر من كان يريد تزوّجها فتزوّجت غيره..

القصة المملّة ذاتها. كالعادة.. بففف !

“أرجوك انسها، أرجوك امحها من ذاكرتك.. أتوسّل إليك لا تقتلني أيها الأحمق!”

هكذا يصيح وهو يلطم وجهه.. ثم يستدير بصمت، ويعود بخطوات قصيرة رتيبة إلى غرفته. ويجلس قبالة حاسوبه النقال ليواصل قراءة موضوع عن (الشعر العباسي). كأن هذا أنسب وقت !

إلا أن إشعار رسالة على الماسنجر يستوقفه.. وليته تجاهله وانغمس في شعره العباسي لأن..

دعونا لا نستبق الأحداث !

* * *

متابعة القراءة “لا تضغط الزر !”

قصص رعب وتشويق

الخيانة في زمن الكورونا !


alert-4960172_1280

قصة قصيرة

إنه زمن (الكورونا)..

لم يكن يتصور أن يعيش مثل هذه الأيام العصيبة.. هو الذي كان يصف أفلام هوليود بالمبالغة في الخيال، والإمعان في التلفيق المُحال. وقد لطالما كان  يُشاهد تلكم التمثيليات وهو يبتسم كأنما يقول: (لا يكاد يُصدّق.. لكن الفكرة لا بأس بها).

كان يظن أن هذه الطواعين لا تكون في زمننا، على الرغم من حدوث ما يُماثلها في الأزمان الغابرة ، فقد كان يتصّور – كما الكثير – أن العلم بلغ شأوا عاليا من الدقة والنجاعة حتى لا يكاد شيء يهزمه، فصار يثق بكل ما يُقال له (بحث علمي) أو(دراسة علمية موثوقة) ثقة عمياء لا تتزحزح.. كأن فيها شيئا من التقديس !

والآن دهم العالمَ هذا الفيروسُ الغامض مع مطلع العام الجديد..

* * *

– نعم سيدي.. هاهما.

ألصق هشام تصريح الخروج وبطاقته الوطنية بنافذة السيارة من الداخل. فمدّ الشُّرَطي المكمّم بالخارج عنقه ليقرأ الاستمارة، وحوّل بصره لبطاقة التعريف ليتأكد من الهوية.. ثم لم يلبث حتى استقام مرة أخرى، وأنزل الكمّامة عن فمه ليقول:

– يمكنك سيدّي الذهاب الآن للتبضّع.. وأكرر: عليك ألا تبتعد عن هذه المنطقة، ودكاكينها. ولا تتأخر، فساعة الحظر اقتربت..

شكر هشام للشرطي، وزفر وهو يدوس دوّاسة البنزين مبتعدا..

لطالما احترم رجال الأمن هؤلاء بالرغم من سوء سُمعة بعض المنتسبين لهم كما هي العادة في كل طائفة من البشر.. لكنهم في الأزمات رجال يعوّل عليهم حقا. لا بل إن الغرب يتعلّم منهم كيف تكون مجابهة الأخطار والإرهاب المنظّم.

تلهّى هشام – وألهانا معه – بهذه الخواطر الوطنية وهو يجوب بعض الشوارع التي بدت خالية على عروشها.. أغلب الدكاكين مغلقة، فليس كل أحد يُفضّل المال على السلامة كما يبدو..

حسن هاهوا ذا دكان صغير..

* * *

– السلام عليكم

– وعليكم السلام ورحمة الله.. نعم سيدي.

– أحتاج شيئا من المنظفات  ومناديل الورق و..

توقف هشام ليتذكر ما أخبرته زوجه..

– أرجو أن تُسرع يا سيدي، فأنا على وشك إغلاق الدكان.

– أأ.. نعم، نعم. سأحتاج أيضا لبعض المعجنات والخل.. والملح. هذا كل شيء.

أسرع البائع (الأمازيغي) النحيف لجلب ما طلب هشام في مزيج من السرعة ونفاذ الصبر.. كل الباعة هنا أمازيغيون نحيفون لسبب غامض !

ثم دار أخيرا محملا بالأكياس الورقية عائدا إلى سيارته..

شغّل المذياع ما إن أوصد باب السيارة، وبدأت قطرات من المطر تنقر زجاج نافذته وهو يلتهم الطريق بهدوء. يتملّى بأشباح المنازل الهائمة تحت هذا الدوش الصباحي الدافئ.. يا سلام !

أطلق زفرة ارتياح بسبب هذا التغيّر اللطيف في الجو، ثم إنه لم يكد ينهيها حتى دوّى الصّوت المرعب من حيث لا يدري !

أهذا حقا صوتُ نذير الحرب المشهور ؟.. أوَيوجد في مدينته الصغيرة أيضا مثل هذه الأبواق ؟

تلفّت بهلع يمنة ويسرة علّه يعثر على مصدر الصوت، أو سبب إطلاقه..

لا شيء. فقط طيور ترفرف فارّة من على الأغصان وحدانا وزرافات..

ليته يستطيع سؤال أحدها !

* * *

متابعة القراءة “الخيانة في زمن الكورونا !”

مقالات حرة

لا حياة بلا فرنسية !


french-flag

سألني طالب في (الدراسات الإسلامية) عن أسرع طريقة لتعلم لغة أجنبية (كأني أستاذ في اللسانيات !). فأجبته بما أعرف عن طريقة (الغمر) أو (الغطس) أي أن يكثف من تلقيه لهذه اللغة، لاسيما السماع ويستعملها في أجهزته ما استطاع، حتى يعتادها شيئا فشيئا. إذ أن الطريقة التي ألفناها (حروف وكلمات وأفعال وجمل متداولة) طريقة مملة وبطيئة إلى حد قد يلجئ المتعلم إلى ترك هذا العذاب وتغيير رأيه في تعلم هذه اللغة !

ثم انتبهت إلى أن السائل يدرس في شعبة (الدراسات الإسلامية)، فاستدركتُ وقلت أنه لا ينبغي إغفال (الجدوى) من تعلم لغة أجنبية، ومدى (إمكانية) تعلمها، حسب الظروف الشخصية و(التكلفة) المادية والزمنية. لماذا يدرس طالب الطب الإسبانية مثلا؟ فيُشوّش عليه دراسته ويربك نفسه، بينما قد يتعلمها بعد إنهاء دراسته إذا احتاجها لسبب من الأسباب.

فقال هذا الطالب أن الفرنسية مفروضة عليهم، ومطالبون بإتقانها لسبب غامض ! وهذا والله عجيب.. هل يُطالب طالب فرنسي مثلا في شعبة (الكاثوليكية) بإتقان العربية ؟! أيركز طالب الشريعة على ضبط لغته العربية صرفا ونحوا وبلاغة وبيانا ونثرا وشعرا، وهو يحتاجها في علوم القرآن والحديث أم يمضي لياليه في تعلم ما فاته من تصريف أفعال هذه اللغة المستعمرة التي كانت مجرد لهجة من لهجات اللاتينية ففرضت علينا بالحديد والنار والأورو والدولار، فأفسدت علينا حياتنا أو كادت ؟

أوَتتبعنا هذه الفرنسية حتى في دراسة القرآن ؟!!

خالد

 

 

 

 

شذرات

استهداف السنّة


smal120102716943

إلى الذين يشككون في السنة النبوية وفي كتب الصحاح التي أجمعت عليها الأمة..

إذا كنا عاجزين اليوم عن التحقق من صحة الأحاديث كما تزعمون، وأنتم تدعون الناس لاتباع القرآن فقط وترك ما دونه.. فكيف يقول لنا الله عز وجل في هذا القرآن (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، ماذا نأخذ اليوم مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وعمّ ننتهي يا ترى ؟ وكيف نصلي ووصف الصلاة جاء في السنة ؟ هل صلاتنا خاطئة ؟ إذن كيف يأمرنا الله عز وجل بإيتاء الصلاة وليست معنا طريقة لنؤكد بها صفة هذه الصلاة ؟ أم يصلي كلّ كما شاء وأحب ؟

ألا يعلم الله عز وجل حالنا اليوم وحاجتنا إلى أحاديث رسوله الصحيحة حتى نأخذ بها وننتهي بنهيها ؟ أم هل يأمرنا الله عز وجل بما لا نطيق ؟ أم هو عبث ؟! حاشاه. أم.. غرضكم التشكيك في القرآن نفسه ؟؟

مقالات فسلفية

وهم التحكّم


logo-1932539_640

الحياة (أضخم) من قُدرات الإنسان، تُعجزه ولا يُحيط بها أبدا مهما حاول وادّعى.. فلا تصدّق كل ما ترى.
لا أحد ممن تعرف عنده من القوة والحُظوة بحيث يتحكم في حياته كما تظن، كلهم مغلوبون، يُرقّعون ما استطاعوا ترقيعه. ويمضون في الطريق التي وجدوا أمامهم دون خيارات (أسطورية)، إلا ما نَدُر من البطولات التاريخية التي كثيرها مزيّف.
ولا تُصدّق كل ما تسمع من المقاطع التحفيزية التي لا تُحفّز إلا الأدرينالين بعروقك لنصف ساعة أو أقل من ذلك أو أكثر بقليل، ثم لا شيء بعدها.. نفس التحدّيات ستجدها بانتظارك، والظروف والتعقيدات التي تخصّك أنتَ وحدك، والتي لا يعرف عنها المحاضر شيئا، وأنت وحدك من عليه مقارعتها، فتغلبها أو تغلبك..
كم ممن وجد طريق الثراء أمامه مُمهّدا بطريقة ما، حلالا أم حراما.. فغرف من ذلك غَرفة بيده وذاقه، فلما استطاب ما ذاق قام من فوره كالملسوع، مُتحمّسا، يلهث وراء المزيد..
ثم إنه يخرج علينا ذات مساء أمام العدسات بوجه يلمع بالمساحيق، يتكلم بثقة، فيكاد يقول: (إنما أوتيته على علم عندي)، أو (أنا قوي ورائع كما ترون إذ لم أستسلم لما اعترض طريقي. وإنكم تستطيعون ذلك ما دُمتُ استطعتُه، إن أنتم اتبعتم نصائحي).
وبصرف النظر عن مدى (خيريّة) أو (شريّة) ما هو فيه من (الفتنة)، فهل يصنعُ الإنسان – يا تُرى – قدره حتى يضع نفسه في ظروف بعينها ؟ أم هل يلوي مجرى الأقدار قسرا حتى تُلائم ما يريد ؟
نعم.. قد يسعى الإنسان للنجاح في أمر باتخاذ أسبابه، والتوكّل على الله إذا كان من المؤمنين، فينجح – بإذن ربه – نوعا من النجاح، لا يكون بالضرورة هو نجاح (فلان). إذ ليس الناس كلهم (فلان)، ولا كل الأقدار قدر (فلان) !.. أفلم يُفضّل الله بيننا في الرزق ؟
ثم إن هذا (الثري) لا يضمن في المستقبل شيئا من صحته ولا ماله ولا أولاده ولا زوجه.. فلماذا لا يُخطط لهذا أيضا فينجح فيه ؟.. لماذا يُطلّقون، ويكتئبون وينتحرون ويصيب أولادهم ما لم يكن في الحسبان ؟ فليُخطّطوا كما يدّعون، وليُرونا سيطرتهم على الحياة والأقدار !
ينطلقون من النهايات ليثبتوا قواعد لم تكن بأيديهم. فلا تُصدّق أكاذيبهم، إنما هم ماضون فيما قُدّر لهم كما أنك ماضٍ في قدرك، وماضٍ هو فيك بما شاء الله – ذو الجلال – وكيفما شاء وقضى.. نسأله سُبحانه لنا ولكم اللّطف والمعافاة.

خالد

شذرات

يَسمعُ ولا يُجيب..


teacup-2324842_640

الصمتُ يَسمعُ ولا يُجيب.. ننظر إليه فينظر إلينا من مكان بعيد..

وحين تهدأ نفوسنا المتلاطمة وتسكت، نُدرك كم كنا غافلين عن هذا المُعلّم الحكيم، مُستغرقين في لغونا وعبثنا..

إلا أنه لا ينفعل لغَيبتنا عنه كما نفعل، ولا يبدو عليه أدنى تأثر أو غضب.. بل يستمرّ في النظر إلينا والإنصات لزفراتنا وتحليل تعابير وجوهنا..

ثم ننتبه فجأة إلى أن (طريقته) هذه وحكمته وتغافله هي الطريقة المُثلى للعيش. فنفرح باكتشافنا هذا ونطمئن له.

ثم لا نلبث بعدها يسيرا حتى ننسى هذا (الاكتشاف)، وننسى أنّا نسيناه ! ونغوص من جديد وسط الزحام..

ويلبث هو هناك يرقبُ في صمت.

خالد