شذرات

فوضى الأحكام


controlled-chaos-for-innovation

ماذا لو لم تكن بعض الأشياء والأفكار كما تبدو عليه ؟ سؤال يدوخني كلما تأملته في لحظة صفاء وهدوء، لاسيما تلك اللحظات التي تعقبُ بعض المتع البسيطة، كرشفة حلوة ساخنة من فنجال قهوة، أو بسمة عذبة صادقة في وجه طفلة..

أقول.. ماذا لو كنا مخطئين في كثير من الأحكام النافذة التي نصدرها كل يوم ؟ وماذا لنا من علم أو حق لنبتّ في هذا الأمر أو ذاك، أو حتى في أنفسنا ؟ فكيف ببعضنا يحكمون على نيّات الآخرين وضمائرهم، ومواهبهم بل ومصائرهم ؟!

لا تقل أنا ذكي إذا، ولا غبي. الله أعلم بما تكونه في الحقيقة، فالعبقرية والذكاء والدونية والغباء مفاهيم مختلف فيها أصلا. وهذا يبدو سهلا يسيرا على كل حال.. أن ندع الكثير من الأحكام العشوائية التي نُطلقها بلا توقف، إلا ما كان بدهيا منها. فكم تفاجأنا بعكس الذي ظنناه، وكم جاءنا الغدر ممن أحببناه وقربناه، وكم سأل عنا آخر من نظنه ذكرنا كما ذكرناه. وكم انقلبت قلوب أحسن من كانوا لنا أمثلة في الثبات والكفاح. وكم وكم.. فلا تغرننا المظاهر كثيرا، ولا تخدعنا الأحكام التي نُطلقها من عند أنفسنا، ونحن نحسب أنها الأصل الذي لا محيد عنه، والحق الذي لا مزيد عليه.

رفعت خالد المزوضي
08-05-2017

Advertisements
مقالات فسلفية

عذاب الآخرين


1-hell-are-the-others-michal-boubin

هناك – لو فتّشنا – نسبة كبيرة من أفكارنا وأفعالنا هي من نصيب الآخرين ! فكم اشترينا من أشياء ليس إلاّ لأن الآخرين اشتروها، ثم يُقنع بعضنا نفسه أنما اشتراها عن رغبة واشتهاء، وكم من الابتسامات والعبارات والمنشورات لم تكن منّا ولا كانت لنا، فمتى نهتم بما يعنينا وندع الآخرين وشؤونهم، ولا ننظر إليهم – من طرف خفي – كل حين لنرى إن كانوا يلحظون وجودنا..

مسألة (العذاب هو الآخر) كما قال بعضهم لا أنفكّ أعالجها وأقلّبها في عقلي تقليبا، منذ طرقت أسماعي أول مرة. ولستُ أقول أني بمعزل عن هذا (العذاب).. ولكن أنّى الخلاص من (الآخر) على كل حال ؟ فهو بتجاهله يؤذيك، وباهتمامه وشفقته يؤذيك على حدّ سواء تقريبا. وأنت وُلدتَ وسطهم وتعيش بين ظهرانيهم، لا تملك أن تفعل غير ذلك. لاسيما في المجتمعات المتأخرة، حيث لا كهوف ثمة ولا فيافي ولا جُزر تنفرد فيها، حتى لو قدرت أو قرّرت الانفراد.

ليست المسألة مسألة جُبن وعجز، ولكن المسألة – كل المسألة – في اكتشاف هذه النفس الذائبة وسط النفوس، وجسّ هذا القلب الذي ضاعت نبضاته وسط الضوضاء. فما تدري – آخر الأمر – أيّ شيء تكون ! حتى أن المفاهيم الكبرى كالحبّ والبغض، النجاح والفشل، السعادة والشقاء، القناعة والجشع، العفة والعهر، البخل والسخاء.. كل أولئك صارت مُفعمة بالمغالطات والشبه التي هي أشبه ما يكون بالحق وما هي بحق.

من ذا الذي وضع قواعد العشق، وطقوس (الحب) والرومانسية ؟ هل تعرفه ؟ من حدّد النجاح في الشهادات الأكاديمية والبدلات الغربية والأعمال المالية ؟ ألم يكن في الناس نجاح قبل أن توجد هذه الأشياء ؟ من الذي حرّم التعددّ في النساء وسماه جشعا وقد جعله الله مُباحا، حلالا طيبا ؟ وهل تراهم وجدوا في العنوسة خيرا ويُسرا مثلا ؟ من الذي جعل من اختلاط الإناث بالذكران ومشاركة الأزواج في المسابقات التلفزية، ورقصهم وغنائهم تفتحا ونشاطا وتسلية، وسمى العفة وهجران المنكرات – طاعة للرب – كبتا وجهلا وظلاما ؟

إن حياتنا وسط هذه المغالطات إن لم تُفسد فطراتنا الأصيلة – وقد أفسدت الكثير منها فعلا – فإنها تضعنا في صراع دائم مرهق مع أنفسنا حتى نذكرها كل مرة بالصواب وسط هذه الأطنان من المغالطات، وصراع مع نسائنا حتى نقنعهن بخطأ آلاف الأفكار والسلوكيات التي ابتلين بها، وهو صراع ينشأ عنه في كثير من الأحيان دمار الأسر وشتاتها، وصراع – كذلك – مع أبنائنا وهو الأشد، إذ تجري هذه الطفرات الخبيثة في مجاري دمائهم منذ يفوعتهم، فمتى – يا تُرى – تغادرهم ؟

الله هو المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

رفعت خالد المزوضي

05-05-2017

بقايا القراءة

الإحساس بالعمق..


2

 

“الشهود على حياتنا يتناقصون، ومعهم يتناقص التوثيق اللازم”.

هذه هي العبارة المحورية لرواية (الإحساس بالنهاية) لجوليان بارنز، والتي لابد أن يحسّ قارئها بالعمق الشديد، والتقعر البعيد في أغوار التأملات في النفس والحياة. ولاسيما في الذاكرة البشرية الغامضة، وفي التاريخ الذي نراكمه على مر السنين.

هي رواية غريبة ليست ككل الروايات، مكتوبة على طريقة (تيار الوعي) الحديثة التي شَهرها جيمس جويس بروايته الغريبة (عولس)، وهي تقنية تركز على ما يتبادر للذهن من أفكار وملاحظات، كما هي تقريبا، وقد لا تكون تلك الأفكار مرتبة بالضرورة، بل قد لا يكون لبعضها منطق أصلا ! كما تفكر في زمن الطفولة – مثلا – وأنت تتأمل التلاميذ يركضون خارجين من المدرسة، ثم فجأة تتذكر رائحة التفاح، وتذكر بعدها أن الموزة التي تناولتها قبل قليل لذيذة جدا ! هذا يبدو غير مترابط كثيرا، لكننا نفكر هكذا فعلا، والكاتب لم يكثر من هذا الشتات على كل حال، وإنما استعمله باعتدال وحذر، ولقد كان ممتعا في الحقيقة، كمثل ذاك المشهد الذي قبيل النهاية، حين كان البطل يتناول طعامه في أحد المطاعم وأخبره أحدهم بخبر صادم جدا، من شأنه تغيير مجرى الأحداث كلها، وبدل أن يعبّر البطل عن صدمته، وصف شرائح البطاطس التي يأكلها، وتمنى لو كانت أرق مما هي عليه لكي يلتذّ – أكثر – (بالقرمشة) وبطعم الملح !

الرواية كلها عبارة عن ذكريات رجل متقدم في السن، أتى عليها منذ أيام المدرسة مرورا بتجاربه العاطفية والإحباط الذي جاء بعدها، كل ذلك في حديث داخلي طويل متصل. وهي رواية (دافئة) إن صحّ وصفها بالدفء، وإن كان فيها بعض الأسى والإحباط، ولكنه نصّ تأملي هادئ وطويل، يُظهر مدى العمق الذي يمتاز به كاتبه. وحتى سخريته وحواراته عميقة جدا، تقرأ سطرا وتتوقف طويلا تتأمل ما قيل، وتمطّ شفتيك تعجبا كيف خطرت له الفكرة.

لطالما تمنيت أن يكون لي أصدقاء بهذا المستوى من العمق، واحد على الأقل.. يصدمك مرة بنظريته عن التاريخ، ومرة برأيه في تصرفات النساء، وهكذا.. عوض الكلام المعاد الذي يقتل التأمل فينا ويقتل الإحساس، حتى ننسى أننا كائنات مزودة بعقل قابل للتفكر والتأمل، ولسنا آلات للتنفس والمضغ والمشي في الأسواق فحسب !

رفعت خالد المزوضي

24-04-2017

شذرات

آلة الإنسان


779023ba2c099dec14bce54f833f459c

من الحُمق أن يسأل بعضهم عن الغاية من علم الرياضيات والحساب، أو قواعد اللغة والإنشاء، أو التاريخ وتراجم الأولين، أو الأدب والشعر وقصص الغابرين. لأن هذا الإنسان ما كان ليصل إلى ما وصل إليه اليوم لولا مشيئة خالقه ثم هذه التراكمات الهائلة عبر القرون للمعارف والعلوم والفنون والآداب والمهن والحيل.

في ماذا أفادنا الجذر المربع مثلا ؟.. في صناعة الحاسوب والطائرات والأقمار الاصطناعية، وهذا الهاتف المحمول الذي لا نفارقه آناء الليل وأطراف النهار ! وفي ماذا أفادنا الصرف والإعراب وحصص القراءة ؟.. في فهمنا ما يقول المذيع، وفي كتابة ما أكتبه الآن، وتدوين كل العلوم والآداب وحفظها للأجيال التي تأتي بعدنا، وفي امتلاكنا ناصية اللغة والتعابير، فنقول ما نريد بالحدة التي نريد، ونفصح عما نريد ونُغمض فيما نريد، ونُخصّص ونُعمّم ونستثني، ونُرسل المعاني المستترات، ونُزوّق الكلام حين ينبغي التزويق، ونختصره ونبتره إذا اقتضى الحال ذلك.

وهكذا ترى الإنسان كالآلة السحرية، تدخل إليها مواد متفرقة شتى، قد لا يكون لها في ذاتها أي فائدة تُرتجى، ولكن ما يخرج من الآلة بعدُ يُبهر الأنظار، ويَخلُب النُظّار.. فسبحان من خلق هذه الآلة، إنه لحكيم مُقتدر جبّار.

رفعت خالد المزوضي
27-03-2017
مقالات فسلفية

مشروع الحياة


2016-05-07_data-analysis-is-the-prerequisite_blackboard-600x343

في كل أطوار الحياة، وخصوصا في الطور الانتقالي الذي قد يعيشه المرء فيما بين الدراسة والعمل فائضٌ من الفراغ وفائضٌ من الوساوس، وفائضٌ من كلام الناس وفائضٌ من المخاوف والكوابيس. وكل تلك تُشوّش عليه، وتحجُبُ عنه النظر السديد، فلا يرى إذا مدّ بصره إلاّ فوضى من الأشياء والكلمات التي لا معنى لها، حتى يتعذّر عليه المسير فيقف حائرا متخبّطا، ويسأل في ماذا بقاؤه على قيد الحياة ؟

في خضمّ كلّ ذلكم يبقى المفروض على هذا الإنسان أن يواصل كفاحه في (مشروع الحياة) الذي هو أهلٌ له، متوكلا على الله جلّ في علاه وحده، غير عابئ بأكثر المشاريع والآراء التي تعجّ حوله. ولا مستمع لكثير مما يقولُ أهل زمانه، فإن كثيرا مما يقولون إما مُثبّط من المثبّطات أو مضيعة للأوقات، والقليل منه النافع المفيد.

في هذا الطوّر بالذات الذي يسمّونه (البطالة)، يكون المرء قد قارب النضج العقلي والعاطفي، فلا هو في المراهقة المشتعلة، ولا في عجز المشيب. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ثم هو غير منشغل بالمناهج الدراسية، ولا منخرط في مهمات وظيفية.. ولذلك يمرح الشيطان بجنبه ويرتع، عياذا بالله. فيوسوس له الوساوس، ويصنع له الأوهام والكوابيس.. يُضخّم هذا ويهوّن ذاك، ويزيّن هذه ويُقبّح تلك. فيغيب وسط هذه الزوابع مشروعُ حياته الذي كان يُمنّي النفس به، ويستعدّ له منذ سنوات.. ويختلط عليه كل شيء، وتكثر الطرائد أمام عينيه، ويتوهمّ الغنائم في الأفق كما يتوهّم الماءَ من ضاع في الصحراء. ثم يُسقط بين قدميه، ويكون كمن قيل فيه (تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراشٌ ما يصيد) !

هنالك وجب التشمير والصمود الكثير. هنالك القتال والجهاد.. جهادُ النّفس قبل كلّ عدوّ، وقتالُ الجزع واليأس. وما هو – آخر الأمر – إلا طورٌ قد خلت من قبله أطوار، والله المستعان على كل حال.

 

رفعت خالد المزوضي

05-04-2017

مقالات نفسية

فنّ الاستمرار


في صغري كان إذا صرخ في وجهي أحد المعلمين أو لكزني بيده في إحدى حصص المراجعة انقبض قلبي، وتملّكني ذاك الشعور القاسي الذي يجمع بين الصّدمة والإحباط والخجل والحزن والغضب !.. ثم لا أعرف بعدها كيف أستمر في ما كنتُ فيه من قراءة أو استظهار. حقا لقد كانت لحظات عصيبة.. ومنذ ذلك الحين وأنا أتساءل كيف يستمر الناس في ما يفعلون ؟ كيف ينسون ؟ كيف يتصالحون أصلا ؟ كيف تُجبر المزهرية إذا انكسرت وصارت أشتاتا ؟.. لم أكن أعلم. واليوم قد فهمتُ أنها خَصلة تُعلّم، ومهارة تُكتسب، وعادة يتعوّد عليها من كان محظوظا، وحَظِيَ بالتربية اللازمة، وإلا فإنها من أعسر الدروس التي يُمكن أن تتعلمها من تلقاء نفسك. وقد ينتُج عن غيابها إذا غابت ما يُسمّى (بالفجور عند الخصام) والذي هو من صفات المنافقين عياذا بالله.

وهذا الفن – فنّ الاستمرار – يحتاجه المرء في علاقته مع نفسه وإلا هلك في واد من وديان الحياة المقفرة، ويحتاجه – بعدُ – في العلاقات كلها التي تربطه بالبشر. فأما أصحاب هذا الفن فيجيدون طلب الاعتذار عند وجوبه، ويجيدون قبوله. وأما غيرهم فعلاقاتهم لا تكون إلا سلسلة من النهايات المفجعة ! وستلاحظ أهل هذا الفن كيف يغيرون المواضيع بيُسر وسلاسة، وينسون الخلافات الحادة بعد دقائق من نشوبها، كأنهم ينقلبون أطفالا لا يعقلون شيئا ولا يعون ! أو كأن ذاكرتهم قد أصابها تلف فهم لا يذكرون !

إنه فن النسيان الرحيم، الذي يرحمك من أحزان أنتَ في غنى عنها، وسلسلة مناوشات وانتقامات لم يكن من داعٍ لها. وأزمات ومصائب قد عفى الزمان عنها. فطوبى لمن حاز هذا الفنّ الجميل.

رفعت خالد المزوضي

03-2017

خواطر عن الكتابة

إفهموني إن استطعتم !


indice-puntato1

ربما تأثّرتُ بعض التأثّر بطريقة أحد الكتاب الواضحة والممتعة في آن لإيصال الأفكار والمعاني، وهي على مباشرتها المفرطة أحيانا وهزالتها البلاغية غالبا، تمتاز ببعض الذكاء والدهاء في جلب انتباه القارئ كليا، وطرد كل ملل يمكن أن يراوده، أو ُشبهة عدم فهم، أو إغراق في الوصف السّاذج الذي يجعل من الكاتب كالطفل الخجول عندما يقف أمام زملائه في القسم، يستظهر ما يحفظه من دروس بجدية مبالغ فيها، وقد شبّك ساعديه فوق صدره، ودفن ناظريه في حذائه.. أفينتبه التلاميذ لما يقولُ أو يستفيدون ؟

وقد كانت من حسنات هذا (التأثر) أن بدأت أكوّن – بحمد الله – ذائقة أميز بها جودة الأفكار والأساليب.. تلك الحاسّة التي تجعلك تفرق بين حساء جيد وآخر رديء. حتى إن كانت المكونات هي المكونات، والتوابل نفسها في الحسائين، ولكن شتاّن بين هذا وذاك، ويا بُعد ما بينهما  !

لا أريد بكلامي هذا اللغة والأسلوب، بقدر ما أريد وضوح التعبير. فالرمزية أسلوب من أساليب الكتابة الفذّة بلا شكّ، إلا أنها لعبة صعبة وتقنية دقيقة غاية الدقة، ومن لا يجيد استعمالها كيفا وكما سينتهي به الحال إلى كتابة أطنان من الجمل المتحذلقة التي لا أول لها ولا آخر. وهذه ملاحظتي حول كثير من الشباب الكتاب. بل حتى أكثر من يخرجون علينا في التلفاز ويدعون أنهم كتاب وشعراء. تجدهم يقلدون (غادة السمان) و(أحلام مستغانمي) ومن شاكلهما في ما يكتبون من هراء عاطفي، ثم لا يجيدون حتى التقليد.

وحتى لو كانت الفكرة جيدة والمشاعر ثاقبة، ثم أخرج الكاتب ذلك في شيء هلامي ضبابي، لم يصل مراده للقارئ. فلا يمكننا وصف هذا إلا بالفشل. فشل الكاتب الذريع في استعمال أدواته التي يجيد لفعل ما يجب فعله، كما يفشل النجار إذا لم يصنع نافذة مناسبة للزبون. إلا أن الكاتب لا يعترف بهذا الفشل، بل يقول أنا عبقري زماني ولكن أين من يفهمني ؟.. وهكذا يمضي حياته في خطّ التفاهات التي لا يفهمها أحد ولسان حاله يقول: (إفهموني إن استطعتم). هذا على اعتبار أنه يفهم أصلا !

ولكن الكاتب المجيد يضمن – في المقام الأول – وصول المعنى ثم بعد ذلك يزوّق الكلام ما شاء من التزويق، ويضيف إليه ما يحب من الرموز والتشبيهات. أما أن يبدأ بالترميز المتذاكي ويطلب من الناس أن يفهموه قسرا، فهذا كمثل الرسم التجريدي الغريب الذي يحير فيه أساتذته ويختلفون، فضلا عن المشاهد المسكين الذي يتهم نفسه بالغباء لأنه لم يفهم منه شيئا يُذكر ! وكمثل السكر لا يظل حلوا مهما استزدت منه، وإنما إذا جِزت قدرا مَعلوما فلتسكب الفنجان في أقرب مصرف للمياه، لأن القهوة ستصير حينئذ سائلا مقززا لا معنى له.

وهذا في رأيي سبب من أسباب عزوف قومي عن القراءة، بل ربما كان سببا في إقبالهم على اللغات الأجنبية الأخرى كذلك وهجرهم لغتهم الأم، لغة القرآن المعجز.. أبلغ وأحكم ما قد يقرأه قارئ على الإطلاق. فيتهمون العربية – وا حسرتاه – بالقصور بسبب هؤلاء السفهاء، هذه اللغة الرائقة التي حملت كلام الخالق، وقد تحدّى – سبحانه – المنكرين أن يأتوا بمثل ما قيل بها  ! فأين هم من التحدّي ؟

ولكي أضمن – أنا الآخر – وصول فكرتي للقارئ، والتي كان موضوعها (وصول الفكرة للقارئ) !.. أضرب مثالا لهذه التعابير المتحذلقة التي يكفي أن تسمع أن كاتبتها (غادة السمان) أو أيا كان من تلك الأسماء التجارية المروّج لها، حتى تتهم نفسك بالتقصير والعجز اللغوي: (الحبّ كزهور الربيع التي تلطمها آهات الذات، بل هو آثار وجدان خلّفته سيول الحنين المهزوم. بل هو الحب، بصمات الكيان المرّ) !

إفهموني إن استطعتم !

رفعت خالد المزوضى

مقالات نفسية

خواطر عن الأمل


n0u8mwB

لا أحد يريد أن تُسحبَ الحياة من تحت قدميه كما يُسحب الحصير، ولمّا يُحدث في نفسه ودنياه شيئا يسرّ. لا أحد يريد أن تصيبه الوفاة وهو كما يعلم من نفسه، عاداته هي عاداته، وكسله عن المعالي باقٍ لم ينقضي، وأخطاؤه ممتدة لم تنقطع، ونفسه العاقة منطلقة في عقوقها لم ترجع. ولذلك نُسلّي أنفسنا بالأمل، هذه النّسمة الباردة المغرية التي تداعبنا وتهمس لنا بقُرب الخلاص. ولكننا بعد استنشاق هذا الأمل وسَريان مفعلوه بشراييننا، سرعان ما نطرح نَفَسا كريها، سمّه إن شئت (ثنائي أكسيد التشاؤم)، وهو كالدخان الأسود الخبيث يختلف في كل مرة شَكلا ورائحة إلاّ أنه – في الأصل – شيء واحد، وجوهره متمثل في سؤال مخيف بارد: (ماذا لو لم يكن ثمة أمل ؟ ولا غد أفضل ؟).
ومع أن الأمل منهج رائع للحياة، ومغامرة قليلة التكاليف، وملهاة من أحسن الملهيات، ومولّد للطاقة بلا مصاريف، فما هو إلا أن يرد على الخاطر ذلك الوارد الذي لا يحبّ أحد ذكره.. ذلك الدخان الأسود الكئيب، حتى يتزلزل الأمل ويُزحزح عن مكانه ! فلا تعرف إن كنتَ في الحقيقة متفائلا أم – عياذا بالله – متشائما ! وهذا الضيف الثقيل الذي يحبطنا عن العمل، ويبطئنا ويريد أن نقعد مع القاعدين، لا يأتي من فراغ، وإنما وراءه سنوات طوال كان فيها الواحد يقارع نفسه، ويصارعها علّه يثنيها عن غيّها وعصيانها وتصابيها، ويأمل ذلك ويتـمناه ويحاوله ويعمل من أجله ويكسل، ويقوم له ويقعد عن العمل. فما انثنت هذه النفس – بعدُ – ولا ارعوت، وما كفّت ولا اكتفت، فهل تراه يضمن أنها تنصلح في مستقبل الأيام ؟ هل يأمل ؟ وماذا إن لم تفعل ؟ بل ماذا إن زادت في غيّها وصارت أسوء وأرذل ؟

ولكن على هذا الإنسان – وإن لم ير بعدُ نتيجة تسر – ألا يترك حبلَ الأمل، بل عليه أن يزداد به تعلّقا ويعضّ عليه بالنواجذ عضاّ، لأن المؤمن يعرف أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن من يعلم الله في قلبه خيرا يوته خيرا، وأنه مهما طال الظلام فالفجر آت، وإن بعد العسر يُسرا. وإلاّ يفعل فلن يقوَ على مواصلة ما بقي من الحياة، وستكفّ كل قواه عن العمل شيئا فشيئا، ثم يُشلّ تماما عن الحركة والتفكير، وقد يكف حتى عن الشهيق والزفير ثم لا يعود له وجود بين الموجودات. فالأمل إذا ضرورة خطيرة في حياة المرء، كالهواء أو أشد منه خطورة. ودائما أبدا نجد الأمل جوابا مقنعا لأعسر المشكلات وأشنع الورطات.. كيف ننجح ؟ كيف نتغير ؟ كيف نجد عملا ؟ من نتزوج ؟ كيف نتوب ؟ كيف نمضي في الحياة بعد الذي وقع ويقع ؟.. بل حتى لكي لا نفقد الأمل في الأمل ذاته.. يلزمنا أمل!
والأمل إنما يأتي مع العمل، كما أن الشهية تأتي مع الأكل وتقوى به وتزداد، فحيث كان العمل يكون الأمل، وتقول النفس هل من مزيد، وحيث كان الفراغ يندحر الأمل ويهزل، وتظهر أشباح التشاؤم تكاد تسمع لها زفيرا وهي تميز من الغيظ !
وإنما نحن كالأطفال آخر الأمر، ترى عقولنا الأعمال اليسيرة في صورة إنجازات خطيرة، فتشتاق لمزيد منها، وكلما نالت المزيد انشرحت منا القلوب، وأُثلجت الصدور، وتغيّرت كيمياء الدماء التي تجري في العروق، فنكاد نرى الأمل رأي العين ونصافحه، ونسأله عن غيابه فيم كان، وأين كان!
هذا وقد قال ربّنا وخالقنا في محكم تنزيله: (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
فلنتفاءل – أخي المسلم – ولنزد في الأمل مع العمل، ولا تعجزنا هذه الحياة ولا تهزمنا و(لا تحزن إنّ الله معنا).

رفعت خالد المزوضى
17-03-2017

نصوص منقولة

أن تكتب في البيت


Script-Writing-Tips-930x514

(نص ساخر منقول)

بقلم أحمد خالد توفيق

أنا أكتب في البيت. الأمر يعود لمشكلة ضميرية، تتعلق بترك زوجتي وحدها مع وحشين صغيرين مفترسين لا يكفان عن العراك والشكوى والطلب. هذه قسوة لا توصف.. كل مؤلف أعرفه له مكان منعزل هادئ يكتب فيه، ومنهم من لجأ إلى المقابر مثل عمنا العبقري خيري شلبي. لكني ما زلت أجد نوعًا من التحذلق والادّعاء في أن أترك البيت كل صباح وأذهب للكتابة ثم أعود في المساء.. يعني دوستويفسكي يا خيّ؟ دعك بالطبع من أن زوجتي ستجد الفكرة سخيفة.. أوشك أن أسمعها تقول لصديقتها على الهاتف: “البيه واخد شقة لنفسه عشان يكتب!.. قال يكتب قال”.

ومن قال إن سمعة الرجل غير مهددة، وإنها ليست كعود الثقاب الذي لا يشتعل إلا مرة واحدة؟ إذا كنت تعتقد أن هذا الكلام للنساء فقط فأنا أهنئك.. أنت ستكون أديبًا عظيمًا.

هكذا أقرر أن أكتب في البيت، وهنا تأتي المشكلة التالية: لقد اعتدت الكتابة على الكمبيوتر، بحيث صرت فعلاً أجد عُسرًا في الإمساك بالقلم، وهناك في البيت جهاز كمبيوتر واحد.. والسبب؟ أعتقد دومًا أنه من الخطر ترك مراهق وحده مع جهاز الكمبيوتر خاصة في عصر الإنترنت، حيث يكفي أن تكتب بضعة حروف مثل (ؤبييععتغقكبقبغ) لتجد نفسك في ألعن موقع بورنو عرفته الشبكة.

أكتب (vdsrsrhgdgdhgdmmnnnb) ولسوف تجد نفسك في موقع لهواة أكل لحوم الموتى بعد اغتصابهم، أو موقع لهواة العلاقات المشينة مع سحلية الإجوانا. ذات مرة تركت ابنتي الصغيرة تلعب أمام الكمبيوتر وخرجت.. عدت لأجدها توشك على استكشاف موقع قادها له إعلان تلو إعلان تلو إعلان.. أدركت في هلع أنه موقع مخصص للثرثرة بين المصابين بانحرافات جنسية.. هكذا لم أغلق النت.. أغلقت الجهاز والحجرة ذاتها وخرجنا نشم الهواء. Continue reading “أن تكتب في البيت”

بقايا القراءة

ألعاب فارسية


9032621._UY270_SS270_

كنتُ وجدت ُ بنفسي – في الآونة الأخيرة – إقبالا على ثقافة الفُرس، ولغتهم التي جمعت بين العربية والفارسية الأصلية ليخرج من ذلك المزيج لسانٌ عجيب، ولذلك ربما لمستَ في أسماء الأشخاص والمدن عندهم سحرا لا أظنني قادرا على وصفه. وهو ما تجده لدى سماعك – مثلا – لـ(زبرجد) و(شهرزاد) و(شيراز) و(إصفنديار) و(سهراب) و(سيبويه) و(فيروزآبادي) !.. هذا خليط غريب بين العربية ولغة شرقية أخرى أو فضائية أو (عربية معكوسة) أو شيء من هذا القبيل !

من ثمّ كانت قراءتي لهذا العدد قراءة متحمسة، عرفتُ من خلالها الكثير عن ملحمة الفرس الشعرية الأسطورية التي سطّرها الشاعر (فردوسى) في (كتاب الملوك) أو (الشاهنامِه): “يُنطق الألفان مفخّمان ولا تُنطق الهاء الأخيرة”. وذلك النزال الميلودرامي الشهير – الذي قرأت عنه في طفولتي – بين البطل الأسطوري (رستم) وابنه (سهراب) الذي لم يكن أحدهما يعرف الآخر وهما يتنازلان.

ورغم سب الفردوسي للعرب في منظومته، وحقده عليهم بسبب دخولهم بلاده، لنشر دين التوحيد وتحريرهم من عبادة النار والأوثان – لو كان يعلم – ورغم إساءة الروافض الأشرار لهذه المنطقة المهمة في تاريخ الإسلام، وهي التي أنجبت نوابغ وعلماء من أهل السنّة والجماعة خدموا العربية والإسلام أحسن خدمة رحمة الله عليهم، بالرغم من هذا كله فإني لا أترك بغضي للروافض يمتدّ لهذه المنطقة بأكملها، ناسها وتاريخها، ولغتها وأدبها وأساطيرها..

وأما تقديم الدكتور أحمد لهذه الأساطير فكان ممتعا وساخرا في آن، ولربما كان أحسن وأجود ما كتبه الدكتور في (السخرية) برأيي. ولهذا أعطي العدد النجوم كاملة بدون تردد، وأصنّفها في قائمة المفضلة عندي.

رفعت خالد المزوضي

مقالات فسلفية

الذي يبقى لك من الحياة


22

ما أقسى ذاك الشعور بالخيبة والغبن، حينما يبسُمُ قلبك بعد شهور من التلاحم مع امتحانات الحياة العسيرة ومفاجآتها الصّادمة، وتقلّباتها المريرة. التي أنستك ما يُسمّى المرح، وأنستك الابتسام وأنستك الفرح !

نعم ما أقسى ذاك الشعور وما أفظعه. ويكون ماذا لو تماسكتَ لئلا تغرق في بحر الحياة اللُجّي، فيضيع منك ما ضاع من العمر الثمين، والساعات التي تعدّ بالملايين ؟ يكون ماذا لو ملأت تلك الساعات بكل نافع مفيد ؟ وتملّيت بتفاصيلها الصغيرة، والتذذت بلذائذها، وشممت من عطرها وأريجها ؟

آه كم أليمة هي تلك الخيبة، ولكن لعلنا لم نكن نستحقُ ما نريد من ذاك النعيم المفقود، وكيف نستحقه وأعمالنا أعمالنا التي نعرف ؟ وقلوبنا هذه القلوب الملأى ببثور الآثام القبيحة ؟ نعم.. لعلنا لا نستحق، وخليق بنا أن نقنع بما وجدنا من راحة ولو كُدّرت، وما فضل لنا من مجالس هادئة ولو ندُرت، وساعات هنيئة ولو قصُرت، ورشفات دافئة ولو بردت، ولقمات مريئة ولو قلّت. أوليسَ ذاك من الرزق الذي فضّل الله به الناس بعضهم على بعض ؟ بلى وهو الرزاق العليم. يُعطي بالقدر الذي يعلم أنه أجدى بالنفع، ويمنع إذا اقتضت حكمته المنع. ثم لا مُعقب لحكمه إذا حكم. سُبحانه، جلّت قدرته وتقدّست أسماؤه وتعالى في عليائه.

رفعت خالد المزوضي

16-12-2016

مقالات نفسية

وحشُ الهوى


16830659_10210100113037989_196576856477403920_n

أشنعُ ما قد يسدّ على الإنسان طريقه هو وحشُ الهوى. فإذا أراد منك العقل شيئا، يريدُ القلب غير تلك الإرادة، ثم تكون الغلبة – في الأكثر – لهذا القلب الشقي. ولذلك نجترح من المعاصي ما لا يُعدّ ولا يُحصى، فنؤذي أبداننا ونحن نعلم، ونؤذي عقولنا التي أرادت بنا خيرا لو أعرناها سمعا، ونؤذي غيرنا بعدها. وأغرب من ذلك، أننا نأتي الفعل نعلم أنه خاطئ ولا يجوز، كأننا مجبورين على إتيانه ! فيدخن المدخن وهو يعلم فداحة ما يفعل، كأن السيجارة هي من تُدخنه، وهو يتدلى منها عاجزا ! والعين تنظر بنا للعورات، وتركض بنا الأرجل، وتتلوى ألسنتنا كالأفاعي لتنفث أفحش الكلام، وأظلم الأحكام..  حتى تقول هل بقي في الناس من يسوس نفسه ويقودها حق القيادة، كما كان عظماء أسلافنا يفعلون ؟ فإننا لا نقوى اليوم على ترك المال الحرام. وكان أسلافنا يتركون حتى المال الحلال في بعض الأحيان، بل ويتركون الأهل والولد والحياة جميعا، ويذهبون لمقارعة العدو وسط السيوف المُشهرة البرّاقة التي تفصل الرأس عن الجسد كما تنتبه العين بعد غفلتها ! فكيف كانوا يطيقون ؟ كيف ملكوا زمام أنفسهم وأوثقوا لجامها ؟ ومالنا نحن مغلوبون من أنفسنا قبل عدونا ؟

ولكنه زمن الإشهار.. فكل ما تراه أمامك – إلا ما شاء الله – إعلانات وإشهارات كاذبة، مبالغ فيها. نلبس أفخر الثياب لنخفي أنفسنا الجوفاء، ونتكلم لغات أجنبية لنذيع ثقافة وهمية. نكنس الغبراء أسفل البساط حتى لا يراها الضيف ولا تقال فينا الأقاويل.. لكن ما بيننا وأنفسنا خراب. حتى لا يكاد الواحد يطيق الخلوة مع نفسه التي بين جنبيه.

إنه الهوى.. أشنعُ ما قد يسدّ على الإنسان طريقه. وهو ما يُلجئنا أن نلبي طلبات النفس صاغرين، لاهثين، غافلين عن احتراق عود العمر حتى لا يبقى منه غير الرماد، فندرك أنّا لم ننجز إنجازا شخصيا أو إنسانيا نختم به رحلة وجودنا القصيرة، وينفعنا حين تُعرض الكتب للحساب، أو ينفع الناس من بعد رحيلنا. وإنما أكثرنا دمى تلبسها شياطين الهوى ما شاءت أن تلبسها وكيف شاءت. وتحشر رؤوسها الفارغة بما اشتهت من الأباطيل، وبقدر ما اشتهت.. كأنما البشر لافتات إشهار مُتنقلة، تبثّ صورا وأصواتا وعبارات زائفة مغلوطة، لا تندرج تحت أيّ قانون، اللهم إلا قانون الهوى !  

والله المستعان.

رفعت خالد المزوضي

07-12-2016

قصص رعب

ليلتان وليلى


2337252715_76825646a3_z

(قصة قصيرة)

“ظهر الآن ثقبٌ كبير وسط الباب، وامتدّت يدٌ متلهّفة من خلال الثقب لتدير المقبض من الداخل إلا أنها وجدت الباب موصدا بالمفتاح، ولا مفتاح بعين الباب، فعلت زمجرة غاضبة، وواصل الفأس تكسير الخشب السميك..”

 

-1-

كانت صويحباتها يرقُصن حولها بعنف ويجذبنها بين الفينة والأخرى، لتنتبه من غفلتها وتمرح وترقص كما يفعلن. لكنها لم تزدد مع ذلك إلا سُهوما، وإن وزّعت الابتسامات يمنة ويسرة، فإنها لم تتحرك من مكانها إلا قليلا، كأن الزينة التي عليها تثقل رأسها فلا تستطيع حراكا ! لَم تدرِ لِم بدا لها كلّ شيء غريبا وقتها، فجأة لم تعد تفهم ماذا أتى بها إلى ذلك البيت المبهرج بالألوان، والفُرش، وقفاطين النساء المتلألئة، والعطور الخانقة، وأصوات الحليّ التي ترنّ كأنها شلاّل هادر من النقود المعدنية، وأصوات الأواني وهي تُقرع في المطبخ المجاور، من كؤوس وصحون وملاعق، وأقدام الخادمات وهي تضرب البلاط جيئة وذهابا، يُحضرن ما يُحضرن، ويحملن ما يحملن ؟.. ماذا يحدث ؟ وما كل هذه الفرحة ؟ بل متى كانت بهذه الأهمية الخطيرة – أصلا – حتى يحتفلون بها هذا الاحتفال ؟ وأين كان مخفيا هذا الحب والتفاني من قبل ؟

ثم تذكرت، وسط الضوضاء الصوتية والبصرية، كيف لم تكن ‘ترضى’ كلما دُعيت إلى عُرس من أعراس الزواج.. كل ذلك الكمّ من الغرور والتفاخر باللّباس والشعور المسرّحة، والحليّ الباهرة، وأطايب الأكل الذي يطوفون به في مواكب، كأنها المواكب الملكية ! لم تكن تَسلَم من الضّيق الذي يخنق أنفاسها، والألم الذي يغصّ به قلبها في مثل تلك المناسبات، وقتَ أن كانت في عداد العوانس البائرات – كما يصرّ على تسميتهن الناس – ولذلك كانت تجاهد نفسها جهادا كبيرا حتى لا تحسد المتزوجة، لِما علمت من خطورة الحسد على الحاسد والمحسود معا. فهل تُصدّق الآن هذا الفرح البادي في العيون ؟ أوَتسامى الجميع عن الحسد فجأة ؟.. لا تصدق !

Continue reading “ليلتان وليلى”

خواطر بنكهة الشعر

يا كائنا من السماء !


swan_of_tenderness_by_sirena_pirey-d5eoil2

الأمّ، وما أدراك ما الأمّ ؟ كأنها كائن نزل من السماء.. كأنها التربة التي منها نبتنا جميعا، وقد أتى علينا يومٌ كنا بذورا تحت صحراء. فغذّتنا الأم مما رزقها الله، وسقتنا بلا شكور تبتغيه ولا جزاء، حتى إذا أينعنا وأورقت منا الوجوه كمثل الزهور، عُرفت في قسماتنا النّعمة والبهاء. ثم غطّتنا الأم بجناحيها السماويين وهمست في آذاننا الصغيرة، تُعلّمنا مما علّمها الله، كل ما في علمه ضرورة للبقاء. فعلمتنا أن نبتسم دوما ونكفّ عن البكاء، وعلّمتنا موضع القلب منا وكلّ الأسماء.. ألا رحمة الله وسلامه عليك يا كائنا من السماء.

رفعت خالد المزوضى