بقايا القراءة

مرحبا.. تحولتُ إلى حشرة!


Untitled

“إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب، وجد أنه قد تحول، وهو في سريره، إلى حشرة عملاقة”.

هكذا صدّر (فرانتس كافكا) قصته الطويلة (التحول) أو (الانمساخ) في واحدة من أغرب الجمل الافتتاحية في الأدب البشري.. وهذه في ذاتها لفتة عميقة ساخرة و(عبثية). قد تُثير الصدمة والإعجاب في نفوس الكثير من القراء (المتذوقين)..

لكن بعد ذلك – ولربما سوف أحرق الأحداث لمن ينوي قراءتها – أكملَ الكاتب قصته بشكل عادي كما لو كان بطل القصة استيقظ ليجد أن الوقت تأخر أو الشتاء ينهمر أو أي حدث عادي ممل.. ولعلّ ذلك أيضا مُتعمّد لتظل المفارقة العجيبة ملازمة للقارئ طيلة القصة.

الغريب كذلك أن البطل نفسه بدا غير واع تماما بما حدث له، هو فقط يصف بعض الكآبة والانزعاج لما آل إليه حاله ! وإن احتفظ بذاكرته ومعارفه كاملة، لكن الكاتب لم يُشر حتى لهذا.. أي لم يقل في جملة أو كلمة مثلا أن (غريغور) فقد إدراكه بجسمه أو شيئا من هذا القبيل !

أما أعمق وأبدع ما وجدتُ في القصة بعد ذلك – على سوداويتها المطلقة وكابوسيتها – هو يوميات غريغور الحشرة بعدما رأت عائلته ما حلّ به، والنفور الذي دبّ في قلوبهم رويدا رويدا.. هذا لعمري من أغرب المواقف التي قرأت على الإطلاق، ولا أدري أين أصنّفها، ضِمن أدب الرعب أو ضمن الفانتازيا أو هي مما يدعونه (السحرية الواقعية).. لا أدري.

يتفاقم النفور والإهمال من طرف العائلة التي اتضح أنها كانت ترى في غريغور مورد رزق أكثر من أي شيء آخر، وهذا مؤسف جدا.. ورغم بعض الحنان الذي قد تلمسه في الأخت التي أخذت على عاتقها تنظيف بيت غريغور وإطعامه، وخصوصا حنان الأم وحرقتها. إلا أن كل ذلك يتلاشى مع اقتراب النهاية، وينتصر النفور على كل تعاطف وود.. وإنه حقا لموقف يصعب القطع فيه.. ماذا تصنع عائلة مع ابنها الذي تحول إلى حشرة ؟ أتستمر في رعايته أم تتخلى عنه ؟ ونحن نرى في الواقع أسرا تتخلى عن أبناء معاقين.. أو معافين حتى !

ثم لا أنسى القسوة التي وصف بها الكاتب والد غريغور الذي لا يتوانى على أن يسدّد إليه ضربة مؤلمة كلما رآه، لاسيما وقد كنتُ قرأتُ من قبل عن علاقة كافكا – نفسه – المتوترة مع أبيه، كما أن هذه الترجمة من (منشورات الجمل) تضمّ مقالا تحليليا بنهاية الكتاب عن (ملابسات) كتابة القصة، جاء فيها أن والد كافكا كان ينعته (بالطفيلي) بسبب انعزاله الشديد وميوله للكتابة والأدب، ولعلّ ذلك ما حزّ في نفس كافكا ودفعه لكتابة هذه القصة (الشنيعة) !

وتبقى هذه (النوفيللا) – على كل حال – من أعجب ما قرأتُ في الأدب العالمي.. وإنها – على شناعتها وأحداثها الكابوسية الأليمة – لا تخلو من عُمق ورمزية فلسفية مدوّخة. باستثناء النهاية التي لم تُحسن ختم هذا العمل الفريد، إذ جاءت باهتة ومبتورة كأن الكاتب قرّر فجأة وضع القلم !

خالد

بقايا القراءة

عن كتيب (يا بنيّ..)


DTWo5JDXcAMxnd7

شذرات متفرقة.. تبدأ كلها بعبارة (يا بني)..
بعضها جيد، ونافع، والبعض منها مكرر ومتكلف.. أما ما أثار حفيظتي فهو تحامل الكاتب على من يسميهم (المداخلة) أي من هم على منهج الشيخ الفاضل (ربيع المدخلي) لأنه اشتد على بعض المبتدعة والمتحزبين في كتبه وهو واحد من عمالقة العلم الشرعي الأحياء، ولا نزكي على الله أحدا، سماه العلامة المحدث الألباني نفسه رحمه الله (حامل لواء الجرح والتعديل) وسئل عنه الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله فقال (بل هو يسأل عني..). الرجل من كبار العلماء وليس فقط من العلماء، ويأتي الكاتب عفا الله عنه ليحط من شأنه ومن منهجه ويحذر منه أشد تحذير لأنه يحذر من (آخرين) أشد تحذير !.. فكيف تلومه على صنيع تصنع مثله في نفس الجملة ؟! وبعدها سمى الكاتب في نصائح أخرى من نصائحه بعض المنحرفين بأسمائهم.. من أمثال عدنان إبراهيم والجفري وحذر منهم وقال (ولا كرامة !).. إذن لماذا تشن الحرب على العلامة ربيع ؟ أم أنه ضرب لك رأسا من رؤوس المبتدعة التي تهيم به حبا ؟.. إذن المسألة عندك مسألة هوى وأذواق وليست كتابا وسنة ومنهج الصحابة.. عفا الله عنا وعنك.

ثم جاءت بعض نصائحه اللاحقة بخصوص قراءة الكتب متضاربة.. يدعو في بعضها للقراءة الحرة لما نشاء، وفي بعضها يجب أن نحذر فلانا وفلان، ثم ينبغي أن نوسع مداركنا ونقرأ كثيرا بلا استثناء ثم.. إياكم وكتب الفلسفة ثم.. تخبط وتناقض.

وفقنا الله جميعا للحق وثبتنا عليه حتى نلقاه.

خالد

بقايا القراءة

هكذا علمته الحياة !


هكذا علمتني الحياة - د.مصطفى السباعي

شذرات متفرقة ملؤها العاطفة الدينية وجراح إنسان هدّهُ المرض.. رحمه الله.

بعض الشذرات ركيك ومكرر أو سطحي المعنى.. لكن هذا ما كان ليمنعني أن أعطي الكتاب ثلاث نجمات لولا (المقال) الأخير الذي كان ألقاه أمام هيئة الجامعة العربية وما فيه من تسوية للقرآن ب(إنجيل) النصارى المحرف، وإن لم تكن في الغالب تسوية مقصودة من الكاتب رحمه الله، ولكن لعل رغبته في استلطاف بعض الحضور جعلته يخلط الأوراق، فتكلم عن عدم الابتعاد عن (أدياننا) كذا بالجمع ! ثم قرر أن (الإسلام كان يعلن للدنيا مبدأ حرية الاديان).. وكذب، لأن (الدين عند الله الإسلام). وكيف يُأمّنُ الله الناس ويدعوهم ليختاروا ما شاؤوا من الأديان بكل (حرية) ثم يعذبهم ؟.. هل هذا ظلم أم عبث أم تناقض أم خدعة ؟

ثم يصفق الناس لهؤلاء ويصنفون على رأس (الكتاب الإسلاميين) لا أدري كيف !.. والله لم نر من جماعة (الإخوان) هذه إلا ما يندى له الجبين. هدانا الله وإياهم وغفر لنا ولهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

خالد

مقالات حرة

القارئ المسكين


books-1655783_640

إن القارئ المنهوم بالمعرفة والعلم في زماننا يجد تحديات ومشاق ما كان يجدها القارئ قديما، مع توافر المواد العلمية والأدبية اليوم بمختلف الأنواع الممكنة. ذلك أن تراكم الكتب في ازدياد مطّرد شهرا بعد شهر وعاما بعد عام، والأنواع الأدبية نفسها في تفرّع مستمر. فالقديم اليوم من الكتب كثير، والجديد كثير، وكثير أيضا ما بينهما ! فما أصبر القارئ الفضولي أمام هذه الجبال من الكتب! من أين تراه يبدأ وأين ينتهي؟ وكم يحتاج من الدقة في الانتقاء وحبس النفس عند الاشتهاء. إذ الرغبة الأصلية عند هذا النوع المنهوم من البشر هي قراءة كل كتب الدنيا ! فإذا لم يكن – ولن يكون – فجلّها، وإلا نصفها، ثلثها، ربعها، عشرها.. والعُشر كثير ! بل هو مستحيل.

حتى يقتنع المسكين – آخر الأمر – أنه إذا ما اجتهد فأبقى من أوقات عبادته وضروريات حياته فسحة، فإن بمقدوره – إن شاء الله – أن يقرأ رؤوس الرؤوس من الأعمال المكتوبة فحسب، زبدة الزبدة.. الكرزة الحمراء فوق الحلوى الهائلة !

وما يزيد الطين بلة في هذا العصر المادي التجاري، أن أشباه الكتاب قد أفاضوا المكتبات والأكشاك والمعارض بكتبهم العبثية حتى اختلط الحابل بالنابل، وصار من الحمق الوثوق بعنوان الكتاب أو غلافه أو موضوعه. ومن ثم فالكتابات العبقرية الساحرة الماتعة – التي لابد أن تكون في كل زمان – صارت محشورة تحت أطنان من هذه الكتب السرطانية! ولربما تمضي عقود طويلة أو قرون حتى تُكتشف قيمة هذه الكتب فتصير من (الكلاسيكيات) التي يتهافت عليها الناس ويتفاخرون بقراءتها، وتشتهر في الآفاق أسماء كتابها الذين يمشون بين الناس اليوم، ولا يعرفهم أحد !

أما اليوم فإن ما يهم أكثر دور النشر هو عدد المتابعين والمعجبين بالكاتب على منصات التواصل الرقمية، هذا هو مقياس العصر. فأشعر الشعراء اليوم أشهرهم! وأنبغ الأدباء (أبيعهم).. وليس الغرض البحث عن (متنبي) جديد، أو (رافعي) آخر يرفع اللغة إلى الأعالي، أو حفيد (لشاكر) ورث عنه نقده العبقري المؤدّب ولغته الفخمة التي تُناطح السحاب !

ولكن.. ربما تكون للفوضى فوائد كذلك لا ندركها. وقد قرأت صباحا في إحدى المقولات أن من حسنات (الفوضى) دوام البحث والاكتشاف. فلنبحث ولنكتشف إذن.. والله المستعان.

خالد

10-02-2019

 

مقالات حرة

ذلك الرجل.. أتعرفه ؟


2

حتى لا تفقد اتجاه البوصلة وتهيم على وجهك في ظلمات الوجود. احرص دائما على أن تكون على شيء من تلك الشخصية الساحرة التي كنتَ – ولابد – تصوّرها لنفسك في صباك.. ذلك الرجل الشهم النبيل الذي يُقدّم العون بلا مقابل ثم يختفي فجأة.. أتعرفه ؟

ذلك الرجل المسلم، الموحّد الذي لا تهمّه الدنيا كثيرا بقدر ما يريد الدار الآخرة..

ذلك المثقف، واسع الخيال والمعرفة، الذي يسحر ببليغ الكلام الآذان السامعة ويطرب بعميق المعاني القلوب الخاشعة.. ذاك الذي مزاحه حلو ذكي لا كذب فيه..

ذلك البطل في زمن الجرذان، النبيل في زمن الأنذال، الأمين وسط الخونة، الوفي لدينه وأماناته وكلماته وهويته ولغته وأجداده في غير ما باطل أو شرك بالإله العظيم. ذلك الثابت على الحق الذي وافق الفطرة السليمة مهما اغتنى ومهما افتقر. ومهما ابتسمت في وجهه الأيام أو نظر إليه الحظّ وكشّر !

ذلك الرجل الذي لا يبخس الناس أشياءهم، ولا يحقر نفسه بعدُ.. فهو معتدل أجمل اعتدال، واثق في غير ما كبر، لطيف في غير ما خور، بسيط في غير ما سذاجة، جاد في غير ما فجاجة، حازم في غير ما عنف، صارم في غير ما حيف، غامض في غير ما ريبة..

ذلك الرجل الذي لابد أن تكون قرأتَ عنه يوما، أو شاهدت بعض من يشبهه وتخيلت خيالات على غراره..

ذلك الرجل.. أتعرفه ؟

خالد

28-04-2019

مقالات نفسية

ألستَ وحيدا ؟


pexels-photo-433142

ألست وحيدا بلا صاحب ولا صاحبة ؟ فلتعتن بنفسك ولتخدم مصالحك واحرس حدودك من المتطفلين المرضى والمغفلين النوكى أن يدمروا دولتك الصغيرة ويعيثوا فيها فسادا !

ألست وحيدا ؟ فكن واحدا على الأقل وذلك أضعف الوجود ! ولا تكن ثانويا في حياة الآخرين، يستغلون وجودك في قضاء مآربهم.. هذه تعبث بك وتجرب فيك أسلحتها قبل أن تنطلق لعشيقها أو خطيبها الذي شغفها حبا ! وهذا يريد أن يمتص منك كل ما تعرف في علم من العلوم، وذاك يريد أن يضع على كاهلك ما ليس له فضل وقت ليقوم به، حتى يتفرغ لطلب رزقه ليمتع أولاده وزوجه فترضى عنه وتذيقه من صنوف اللذائذ. وتقعد أنت في بيتك ملوما مدحورا. لا وقت ولا مال ولا صاحبة تنفق عليها حتى ترضى فتلاعبك وتلاعبها وتضاحكك وتضاحكها..

ألست وحيدا ؟ فلتكن إذن وحيدا حرفيا، واغنم من كل ما فى الوحدة من خير وصلاح، لا تبقينّ غنيمة واحدة إلا تلقّفتها، فتنال ما لم يقدر عليه غيرك، ولربما تمنوا لو كانوا مثلك وحيدين ! وهذه بتلك.. حازوا ما لم تحز، فحزت أنت ما لم يحوزوا.

ألست وحيدا ولا أحد يبالي ؟ فلا تبالي أنت أيضا بأحد، إلا أخا طيبا صالحا تحبه في الله – إن وجدته – فذاك اخدمه وتفانى في خدمته وتودد إليه فإنك لن تندم !

ألست وحيدا ؟.. عش إذن واع بهذه الحقيقة حتى يأذن الله بزوالها، ولا تسمح لأحد أن يشوش عليك، ولا يخدعنّك أحدٌ بقربه فتظن بنفسك غير ظن الحق، وتحسب أنك ما عدت وحيدا وأنت عند التحقيق وحيدٌ جدا !.. ولكن عش حياتك كما هي، بلا زيف ولا خداع. وجابه أعاصيرها المخيفة شجاعا عاري الصدر، ولا تدفننّ وجهك في التراب  !

ألست وحيدا ؟.. فليكن. ليست الوحدة جرما، ولعل الله يجعل فيها على مرارتها خيرا كثيرا.

خالد

27-05-2019

مقالات حرة

أنا رائع!


election-978904_960_720

صار اليوم الترشح للمناصب السياسية عملا إيجابيا محمودا يشيد به الناس ويتفاخرون.. إذ لا يكفي الواحد أن ينشر بطاقات مطبوعة عليها صورته المتكلفة مع كلام كثير معناه (أنا رائع!) فحسب. بل يذهب بعدها يزف لمن حوله خبر ترشحه، وينشر ذلك في حساباته، فيصفر بانبهار من يصفر، ويعلق على منشوراته مهنئا من يعلق، ويعجب بمدى روعته من يعجب ! أما عن إقامة حفلات الشواء ورشوة حثالة الناس الذين (أعطي) لهم حق تقرير المصير هم أيضا ! فحدث ولا غضاضة..

هذا وفي ديننا العظيم لا تعطى الرياسة لمن يطلبها ويحرص عليها أصلا ! إذن كل من (يصوت) عليهم الناس اليوم تقريبا لتمثيلهم لا تنبغي لهم تلكم المناصب حتى لو كانوا من حزب (الأنصار والمهاجرين) !

وإذن.. لا عجب مما نحن فيه من استفحال الفساد واستشراء الغش في البلاد والعباد، وتناسل الموظفين الأشباح أصحاب الكراسي الفارغة ! حيث صار المسؤول عن توظيف الناس يوظف أهله وعشيرته بكل سخاء فإذا ما فضلت مناصب شاغرة نسبها لنفسه.. فتجده وزيرا، ورئيسا للمؤسسة الوطنية للإحصاء وتدبير المشاريع الهيروغليفية، وهو هو نائب رئيس مركز المال والأعمال، ومستشار الجامعة الكروية لأبطال إفريقيا إلخ.. فلو أنه قال في خلال حملته الانتخابية: (أقسم ألا أوظف فيكم أحدا، وأن أجعل منكم جميعا مثالا للبطالة يحتذى !) لكان أوفى الناس وأصدقهم..

نحن نمشي يا صاحبي في الطريق الخطأ أصلا، فلا تسلني عن العدل والمساواة.. سل من اتبعتهم – من دون الله – في سياستك وترشحك وانتخابك وبرلمانك وتشريعك، سلهم عن حل لما نحن فيه، وسلهم كيف نوقف النزيف. أما العدل والحياة الطيبة التي وعدنا الله تبارك وتعالى في الدنيا قبل الآخرة فليس في هذا الطريق الذي نحن فيه سائرون.. الطريق الصحيح لا يصوت فيه الفاسق والعاهرة والشاذ والكلب والحمار على مصير البلاد ! ولا يرشح فيه رجل أعمال مجرم نفسه فيصوت عليه الدهماء بحماس !

إنما العدل يا صاحبي في اتباع النور الذي أنزل الله من فوق سبع سماوات، وامتثال ما أمر به نبيه المصطفى – صلى الله عليه وسلم – ما استطعنا من الامتثال. فإذا فعلنا، حينها فقط حق لك أن تسأل: أين العدل ؟ ولماذا فشى فينا كل هذا الغش والنصب والذل ؟ حتى صار المرء يشك في ماء الصنبور، هل هو ماء أم شيء آخر !

ولكن إذهب الآن وسل ذاك الذي يقول: (أنا رائع !).. فيصفق الناس له بشغف..

خالد

02-05-2019

مقالات فسلفية

إبتسم فأنت لا تدري !


graphic-3718616_640

الإنسان يبحث عن الأمان.. هذا من البدهيات. إلا أن الحياة لم تعدك يوما بالأمان !

لذلك ربما وجدت نفسك فجأة أمام مفترق طرق هائل، كل شيء فيه ممكن.. لا ضمان ثمة ولا أمان. ممكن أن تكون ضيّعت حياتك – حرفيا – في تفاهات لا جدوى منها، في حين كان بوسعك كسب ما هو أنفع وأبقى. وأنت الآن على شفا جرف هار ! كما يمكن أن تكون مبالغا، والحقيقة أنك في الوجهة الصحيحة، لا ينقصك إلا إصلاحات هنا وهناك.. تعودٌّ على هذه العادة وإقلاعٌ عن أخرى، مع صدق وإخلاص، وسدّ لبعض الثغرات التي (يأتي منها الريح).. ثم تكمل طريقك بسلام إن شاء الله تعالى.

لا تدري أبدا التقييم الصحيح لوضعك أنت بالذات.. لذلك أهل الصدّق (يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون).. لا يوجد مفتٍ يُحيط بحياتك كلها، ويعلم يقينا قُبول أعمالك الصالحة، وغفران ذنوبك السابقة، حتى يُفتيك في المسألة ويكشف لُبسها..

على سبيل المثال، قد أكون أنا الآن مخطئا في تضييع وقت كتابة هذا الكلام، الذي ربما لا يغني ولا يُسمن من جوع. كما قد أكون مُصيبا في تسويده، إذ يحسُن – ربما – الإشارة إلى أمثال هذه الأمور والتأمل فيها، لعل قلوبا تستيقظ من سُباتها، أو قلب كاتبها على أقل تقدير !

أنت لا تدري – تماما – كيف تنتهي الأمور..

وعلى وزن عنوان ساخر لأحد الكُتب: (إبتسم فأنت لا تدري) !

رفعت خالد

03-04-2019

مقالات فسلفية

الحياة ليست مفردا !


sea-2585016_640

الحياة ليست مفردا، ليست شيئا واحدا.. نفسا طويلا نستنشقه وبعدها زفير فموت !

لذلك طالما تخدعنا مغالطات منطقية وأسئلة خاطئة على غرار: (كيف تعيش حياة هادئة ؟) أو (كيف تحقق المستقبل الذي تخطط له ؟)، (كيف تظفر بفتاة أحلامك ؟).. إلى آخر تلكم الإعلانات التجارية. ذلك غير صحيح أصلا.. كما لو قلت لك (في أي دولة تقع المدينة الفاضلة ؟)، الجواب: السؤال خطأ.. لا وجود للمدينة الفاضلة أساسا !

إنما الحياة الدنيا – كما أعرفها – أحوال ومراحل. أنفاس، زفرات، ضحكات وأنات. حب، حسد، بغض كان من قبل حبا.. إلخ. الأشياء والقلوب في تقلب وتحرك مستمر، كمثل حركة الإلكترونات والذرات فيما بينها.. التحام ثم افتراق، اتحاد هنا واصطدام عنيف هناك. عن أي (تخطيط) و(سعادة) و(فتاة أحلام) يتكلمون ؟

لأجل ذلك لا ينبغي – في نظري – محاولة السيطرة على الحياة، فليس ما نراه من قوة وثقة عند بعض الأشخاص أو الدول إلا استعراضات فارغة، ومعارك لا تنتهي تشبه ما نرى عليه وحوش الغاب في (ناشيونال جيو): أسد يتبول على حجر ظنا منه أنه بذلك سيطر على العالم ! وضبع مزهو بقوته وسط رفاقه الضباع وهم ينهشون جيفة نتنة.

إنما هذه الحياة – في الحقيقة – بحر هائل مترامي الأطراف، متلاطم الأمواج، لا يمكن السيطرة عليه ولا الاستقرار فيه.. والغاية من ركوبنا هذا البحر المخيف هي اختبار مطلوب منا فيه اجتيازه بسلام ومعنا بضاعتنا الثمينة.. أن نصل اليابسة ونحن مسلمون موحدون.

خالد

07-03-2019

مقالات حرة, شذرات

ويبقى المُمَزّقون..


poor-2386354_640

يذهب العقل أولا إلى أن الفقير الأعزب الذي لا دخل له ولا زوجة أولى أن يُفتن في دنياه وعقيدته.. المفاجأة أن العكس هو ما رأيته وسمعته مرارا كثيرة !

ذلك الشاب المهذب المهتم بإصلاح دينه واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يعمل فيتزوج فتنتفخ أوداجه وتبرز كرشه ليبدأ بسبّ العلماء والسخرية من أتباع السنة في مفارقة صادمة، غير متوقعة.. كأنه تسلّم مقاليد الكون أو كُشفت له حُجُب الغيب!

ألم يمنّ الله عليه بدخل وفير وزوجة شابة ؟ أليس المفروض أن يشكر الله على أفضاله وينظر بشفقة إلى إخوانه الذين لازالوا في عنق الزجاجة لم يخرجوا منها، فيزيده ذلك حمدا وشكرا للإله العظيم ؟!

لكن العجيب أنك غالبا ما ترى ذاك المسكين (المُمزّق) متمسّكا بالحق، ثابتا – بتثبيت الله – رغم السقطات والكبوات، ورغم أن كثيرا من رغباته الأساسية في الحياة لماّ يتحقّق بعد. أمّا المُنَعّم المستريح.. فوغد خائن !

الدنيا وما أدراك ما الدنيا.

خالد

15-02-2019

مقالات حرة

أشياء ليست كذلك !


gm-food-1668167_640

أشياء كثيرة كنتُ أظنها كما يدلّ اسمها، أو كما ينبغي أن تكون حسب الفطرة السليمة والعقيدة الإسلامية الصحيحة.. سهلة، يسيرة ومتاحة لكلّ أحد. ثم وجدتُ – بعد ممارسة الحياة – أن الكثيرمن تلكم الأشياء ليست كذلك، وربما لم يكن بعضها (كذلك) عند الناس يوما !

حبّ الوطن مثلا، كنتُ أرى أنه لا يحتاج إثباتا أو شروطا حتى سمعتُ من (يُرافع) ضدّ وطنه، ويسردُ البنود الطويلة التي لابد أن تتحقق حتى يعترف به ويحبه. وطنه الذي دُفنت به ذكرياته وعظام أحبابه، وطنه – هذا الكائن الصبور الصامت دوما – الذي فرّغ به كل أنفاسه وزفراته، بات يحتاج منه فاتورة فادحة الثمن حتى يحرك رأسه على مضض موافقا على انتمائه له !

كنت أظن أن جلّ النساء إنما يبحثن عن الحبّ والحنان مع الحقّ والصّدق، حتى تبيّن لي – لاحقا – حقائق مروّعة، ورغبات شاذة غريبة.. نساء يُردن المال ولا شيء غير المال، حتى لقد تتزوج هيكلا عظميا أو (دراكولا) شخصيا إن كان سيُغدق عليها ما تشاء من أموال! وأخريات يُقدمن على الزواج من أصدقاء من كانوا يخطبونهن فقط لأجل الانتقام وردّ الاعتبار.. أما السحر والشعوذة فحدّث ولا حرج.. حتى نسيتُ تلكم الطباع الأنثوية البريئة المواتية التي كنتُ أصوّرها لنفسي سابقا لهول ما رايتُ لاحقا !

كنتُ أظن كذلك أن كل مُستدين يشعر أنه (مدينٌ) جدا لمن أنقذه – بعون الله – من ورطة مالية خانقة، وأنه سيأتي ركضا فور توفر المال لديه، فيردّ ما عليه مع دعوات مباركات، وربما قبلات على الرأس كذلك ! فرأيتُ بعدها أكثر الناس لا يردّون الدين أصلا.. حتى لو كنزوا المال كنزا. بل منهم من يقطع العلاقة مع صاحب الدين تماما حتى لا (يُزعجه) بطلب حقه !

ظننت أن اعتراف المرء بخطيئته لمن أخطأ في حقه شيء بدهي لا يحتاج الكلام، فضلا عن اعتراف المذنب بذنبه بينه وبين نفسه على الأقل.. لأفاجأ بعدها بمن يفتخر بالذنب ويزهو به بين الناس. ومن يجزم أن ما قام به عادي جدا لا شُبهة فيه، ومن يقسم -بكل الثقة في النفس – أنه لا يخطئ أبدا !

حتى إفشاء السلام وردّه، كنتُ أظنه فيما مضى لا يقل بساطة عن التنفس أو شرب الماء.. واليوم أبحث حولي عن من يردّ السلام ردّا صحيحا فصيحا فلا أكاد أجد أحدا ! فإما يقول لك – من تفضّل وردّ عليك السلام – (سلام) أو (أهلا) أو (نعم؟).. وقلّ من يردّ فيقول (وعليكم السلام ورحمة الله) !

البساطة نفسها كنتُ أظنها بسيطة !.. فلما تعاقبت عليّ الأيام، رأيتُ كتبا أنيقة تتكلّم عن (فن البساطة) وكيف تتعلّمها بلا معلّم !

أشياء كثيرة ليست (كذلك) في الواقع.. والله المستعان.

خالد

28-10-2018

مقالات فسلفية

فراغ حلقيّ!


tropical-2747315_640

عبث البشر هو ما يوهمنا بعبث الحياة نفسها ! هذه اللامنطقية الباردة التي تسود البشر، كأنما هم مخدّرون عنوة من جهة مجهولة !..

لهاثهم خلف المال مثلا، وإن المال لمغٍر، وإنه لضروري لابتياع كل شيء تقريبا. ولكن ماذا يفعل به أكثر البشر غير ما تفعله الحيوانات ؟

أنظر إلى ذاك التاجر الذي – ربما – لو اطّلعت على رأس ماله لصدمتك الدّهشة !  أنظر للباسه، أنظر لحركاته وقلقه. هو دائما يبيع أو يشتري أو يعدّ المداخيل، أو يرتب سلعة جديدة، أو يتصايح مع أحدهم، دعك من الذين لا يغادرون حوانيتهم إلا بعد منتصف الليل فضلا عن الذين يبيتون فيها !.. ماذا أدخل المال على هؤلاء ؟ هل صارت حيواتهم أرقى ؟ هل ازدادوا علما وتقوى ؟ هل عرفوا حقيقة المال أخيرا فاتقوا شحّ أنفسهم وأنفقوا يمنة ويسرة بغير حساب ؟ هل حقق أحدهم حلما من أحلام الطفولة الفانتازية التي كانت تراوده صغيرا ؟ كلا.. انشغل من أجل المال، فلما كسب المال ازداد انشغالا ! حلقة مفرغة.. فراغ حَلقيّ !

حتى أصحاب السيارات الفخمة وربطات العنق الملونة.. كم تمنيت لو أرى أحدهم يوما يستقر بسيارته الفارهة أمام مقهى من المقاهي، ويترجل منها ضاغطا زر المفتاح لينطلق ذلك الصوت الذي يلوي الأعناق ! فأراه متأبطا مجلدا ضخما وهو يمشي في لباسه الوثير، قاصدا في مشيه، متجها ناحية المقهى ليقتعد مقعدا هناك، فيباشر القراءة في مشهد راق فخم كما ينبغي أن يكون.. ولكن ما بالي لا أرى إلا (ربطات عنق) تمشي مهرولة في الشارع، ولا يكفّون لحظة عن محادثة السماعات المحشورة في آذانهم، إذ لا يملكون الوقت حتى ليخرجوا أيديهم من جيوبهم !  

هذا هو العبث بعينه.. نبحث عن المال (لنعيش) ثم إذا حصّلناه نعيش الحياة طولا وعرضا من أجله ! فإذا سألت أحدهم في ذلك أجابك بيقين العارف ببواطن الأمور: (يا أخي كيف أعيش إن لم أفعل ؟ أموت جوعا ؟).. كلهم يقولها، ولم أر من قبل في قارعة طريق جثة رجل مات جوعا !

فلا تقل أرجوك ما هذه الحياة العبثية، ولكن قل: ما هؤلاء البشر العبثيون !

خالد

01-02-2019

مقالات نفسية

خراب ُ النفس


glass-984457_640

لستُ أدّعي مرتبة لا أستحقّها، ولا أزعمُ بلوغي من الإدراك العميق مبلغا أنا دونه في الحقيقة. غير أني في أحيان كثيرة أعجبُ من مدى سطحية بعض من توسّمتُ فيهم حكمة وبُعدا في النظر، ليس لأخطائهم وضعفهم البشري. فكلّنا خطّاء وخيرنا التوّابون. إنّما أبغي أساسيات في الكائن البشري ومعلومات عنده بالضرورة، لا يُعقل أن يجهلها غلامٌ لعوب، فضلا عن رجل كهل لا تعوزه خبرة الحياة، ولا ينقصه المال ! إلا أنه يُبدي أمامك – على حين غفلة –  سلوكا مُتشنّجا إزاء شيء مادي تافه، أو سَورَةُ غضب عارمة بسبب فعل عادي قام به أحدهم في الشارع، مما اعتاده الناس وألفوه. فيصعقك كمّ الجشع أو السّطحية أو الأنانيّة أو العُنصرية التي طواها بين جناحيه طويلا، فكنتَ عنها من الغافلين !

حِرصٌ وهلع لا تعرف لهما شبيها، اللهم إلا في بعض القلوب المحطمة المبتلاة بالفقر الفادح أو التشرّد التام أو التخلّف العقلي. كمثل أولئك المساكين في الشارع الذين يحشرون رؤوسهم في كل سطل قمامة، باحثين عن (كنز) يغنيهم أو بقايا شطيرة لحم أكل منها الإنسان والحيوان علّها تسدّ شيئا من رمقهم.. أولئك قوم فقدوا كل كرامة تقريبا، وكل إحساس بالوجود الآدمي، حتى صارت عزة النفس عند أكثرهم ترف فلسفي لا يعنيهم في شيء. ولذلك إنما يتعلّقون بكل كيس بلاستيكي، وكل كسرة خبز.. ولكن ما بال هذا الرجل المنعّم يحرص على كيس بلاستيك تافه هو الآخر، ويجادل عنه ويغتاظ ؟ أو تراه يصرخ في وجه سائق التاكسي لأنه زاد في الأجرة المعتادة نصف درهم وحسابه البنكي ملآن عن آخره ؟! كيف وقد أغدق الله عليه من خيراته، وأعفاه من تلك الابتلاءات المهينة. وإلا ما الفرق إذن بين وجود المال من عدمه، ما دمنا سنحرصُ ونتحرّق وتتوتّر أعصابنا على كل حال؟ وفيم سنوات التعب والتحصيل والاستيقاظ الباكر، إن كنا لن ننعم بالهدوء، ولن يبدو منا سخاء القلب قبل سخاء الجيب ؟

سترى ما لم يخطر ببالك من البراعة في الملبس والفصاحة في المنطق. فتحسب أن وراء ذلك حكمة وحنكة وعمقا سحيقا وترفّعا وشبعا وإنسانية رقيقة ! وقد لا يخطر ببالك أبدا – لما تشهد من براعة في التمثيل – أن ليس وراء تلك الواجهة شيء.. ليس وراءها إلا حشرة ضخمة مقززة في مسلاخ إنسان ! ليس وراءها إلا نفسٌ شوهاء خربة.. 

وقانا الله وإياكم خراب النفوس.

خالد

08-01-2019

بقايا القراءة

شيفرة بلال !


6134

مرة أخرى لا أستطيع تقييم ما أقرأ، ومرة أخرى أغتاظ مما أقرأ.. ربما على المرء أن يُضاعف الجهد لانتقاء الكتب المهمة فعلا والأعمال الفريدة حقا، إذ الحياة قصيرة، ومن الغبن أن نضيعها في قراءة محاولات غير مكتملة وكتابات لمن لا نفهم لم اختاروا حرفة الكتابة أصلا ! وعندهم ربما مواهب أخرى مذهلة، كالخطابة واللباقة مع الأناقة ومعلوم ما يتركه ذلكم في نفوس أكثر المشاهدين والمستمعين من أثر عظيم، فقط لو يكون أثرا يُرضي الله عز وجل لا يُسخطه.

الفكرة عموما جديدة ومثيرة.. قصة كفاح الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه، وما فيها من بطولة ورجولة تُضرب بها الأمثال، في طريقه الوعر شديد الوعورة ليُوحّدَ الله عز وجل لا يُشرك به شيئا، ويُخلص كل عبادة له وحده لا شريك له، من دعاء وخوف ورجاء وتوكّل وتوسّل وجهاد وغيرها من العبادات، لا (ليتحرر من الرقّ) فحسب ! ولا (ليجد قضية ما في حياته يعمل من أجلها!) كما أشار إلى ذلك الكاتب في آخر ما كتب من روايته.. فهذا تحريف لرسالة الإسلام – بقصد أو بغير قصد – وفهم قاصر للمغزى من الخلق كله، الذي أخبر به الخالق تبارك وتعالى في قوله الكريم: (وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون)..

(ليعبدون).. لا (ليحسّنوا أخلاقهم) أو (يحققوا أهدافهم) أو (يتحرروا من عبودياتهم) أو (يهزموا مخاوفهم) أو (يتعايشوا مع أمراضهم) أو (يتركوا شيئا بعد رحيلهم) أو (يجدوا قضية في حيواتهم) ولا حتى (لأجل العدل والسلام والحب والإنسانية وحسن الأخلاق) فحسب.. فكل ذلكم من حظوظ النفس وحقوق الغير، ولكن أين حق الله عز وجل من كل هذا ؟ الذي هو العبادة وإخلاصها له فقط عز وجل ؟ أحقّ الله أكبر أم حقّ الناس ؟ ثم إنه لا يكفي أن نعترف بهذا الحق ونذكره بين باقي الحقوق والأهواء البشرية فقط، بل يجب ذكره أول الأمر وآخره ووسطه، ثم يكون عليه مدار الرحى وخاتمة الكلام. فما بالكم أن نتجاهله كلية، ثم نضيع في بنيات الطريق وبين الحاجات البشرية الأنانية التي لا تنتهي..

إنما لتأدية حق الله عز وجل من توحيد وعبادة وُجدنا، ووُجد كل هذا الوجود. فهي غاية الغايات وهدف الأهداف شاء من شاء وأبى من أبى، فالله عز وجل هو من يخبرنا لماذا وُجدنا، لسنا نحن من نخبره سبحانه وتعالى ! لذلك فإن (أحدٌ، أحدٌ)، التي رددها بلال رضي الله عنه، ليس معناها التحرر من العبودية والعدل والسلام.. وإلا قلنا – مثلا – أن الهدف من ذهاب التلميذ لمدرسته هو احترام زملائه وتحسين خطّه !.. وأين (طلب العلم) الذي هو الهدف الرئيس ؟ ألا نذكره ؟ أو ترانا نذكره (ذكر الكرام) لنمضي مسرعين لفلسفتنا المحببة، واستحساناتنا الشخصية، واستنتاجاتنا العبقرية ؟ ولنصوغ دراما سخيفة وُجدت من قبل في مئات الأفلام والروايات ؟

* * *

متابعة قراءة “شيفرة بلال !”

مقالات حرة

رمتني بدائها وانسلّت !


welcome-905562_1280

منذ سنة 1958م، حين أصرت الحكومة المغربية على استمرار ازدواجية اللغة في المدارس بين العربية والفرنسية مع تغليب الفرنسية (لأسباب غامضة !) رغم طرد المستعمر القذر وفرحة المغاربة بمعانقة الحرية من جديد، ورغم المعارضة الشرسة لنخبة المفكرين والأدباء والعلماء لهذا الإصرار.. منذ ذلك الحين والفرنسية تقف فزاعة أمام التلميذ المغربي المسكين الذي ينظر بذعر إلى روايات ستاندال وبالزاك محاولا استيعاب هذه الرموز الغريبة والعبارات العجيبة المغرقة في تاريخ اللاتينية القديم، فلا يدري المسكين ما يقدم منها وما يؤخر.. منذ ذلك الوقت والفرنسية مفروضة قهرا علينا بحجة أنها السبيل الوحيد للرقي، وأما العربية فلن تذهب بنا إلا سنوات ضوئية للوراء ! فصدق ذلك الآباء والأمهات والتلاميذ إلا من رحم ربي.. بعد كل هذا الحرص والجهاد من طرف الحكومات المتعاقبة على الدفاع عن بيضة الفرنسية كأنها باب من أبواب الجنة الثمانية ! لا نرى الرقي الذي زعموا، بل نرى أننا تبوءنا ذيل الأمم في التربية والتعليم ! أين العلماء في تلكم الألوف المؤلفة من خريجي جامعاتنا الفرنسية إن كنتم صادقين ؟.. والله ما سمعت إسما ثقيلا واحدا علق بذهني لعالم مغربي أو مغاربي (فرنسي الثقافة) يضرب به المثل في فنه. بيد أن كل العلماء القدامى والمحدثين من العرب والمسلمين والمغاربة في العلوم الشرعية الجميلة، وفي علوم اللغة واللسانيات وكذا الحساب والميكانيكا والطب والتاريخ والجغرافيا والرحلات، ومثله في الآداب والمراسلات الرفيعة والنثر الفخم والشعر الفصيح المذهل.. كل ذلك لم أسمع فيه إلا أسماء متغلغلة في الثقافة العربية الإسلامية متشبعة بها.. فما ذنب هذه اللغة إن أنتم هجرتموها عجزا منكم وخيانة وضعفا في الرجولة ورداءة في الأصل ؟! إن المنطق والتاريخ والواقع.. كل أولئك يشهد أن ما ترمون به العربية فيكم أنتم بالتمام والكمال.. أنتم العاجزون، أنتم المتخلفون، أنتم المعقدون.. وما زعمكم في العربية إلا من قبيل (رمتني بدائها وانسلت) !

خالد