مقالات نفسية

الذي أضحك وأبكى..


emotions-751602_640

من أهم ما ينبغي على ساكن هذا الكوكب أن يوطن نفسه عليه هو حسن تدبير تقلب الأمزجة والأحوال.. وأن يتذكر دائما قاعدة (دوام الحال من المحال). فيوقن – إن كان مستاء – أن سوف يُسرّى عنه بإذن الله، وإن كان مسرورا كَلِفا، فليهوّن عليه، إذ الحياة هي الحياة ولن تنقلب (جنة) لمجرد أنه في مزاج جيد !

هذا التذكر (لعكس المزاج) من الحيل النافعة لتجنب (الصدمات) التي تُصيب الإنسان من جرّاء تغير الأحوال. كما أن هذه الحيلة تُبقي على جذوة الأمل مُتّقدة مهما طال (العُسر)، فاليُسر لابد قادم.. شئت أم أبيت !

وأغرب ما وجدتُ في باب (تغير الأمزجة) هو ذاك الاعتقاد الواهم الساذج باستحالة الخروج من حال سيئ أو خصومة بائسة.. ذاك اليأس المتكرر من الصلح، على الرغم من وفرة التجارب التي نمر بها في الحياة. إلا أننا ننسى – من عجب – أن نقيس الحالة المُستجدّة بسابقاتها، وننسى أن (مع العسر يُسرا) كما أخبر ربنا.. وإنه لمن أعجب العجب.

ولعل هذه الطبائع الساذجة عند أكثر الناس، وهذا النسيان لمعلومات بالضرورة من قواعد الوجود، بسبب من انعدام (الحكمة) نظرا لندرة القدوات الحسنة والتربية على المنهاج القويم، فإننا – والله المستعان – لا نكاد نرى في الشارع رجلا صالحا، حكيما، سوي الأخلاق، ذا علم، فضلا عن التعلم على يديه.. ومن رُزق ذلك فقد رزق الخير كله.

إلا أن التوازن بين هذه الأمزجة يحصل – آخر الأمر – عند عموم البشر بشكل أو بآخر.. ولولا أنه يحصل لفسدت الحياة واختل توازن الكون بالكلية. فالواقع يُظهر أن (توازنا ما) يحدث عند أغلب النفوس حتى بعد نشوب الفوضى واختلال الموازين أحيانا بفعل الثورات والحروب والكوارث، فإنه لا تلبث حتى تعود المياه لمجاريها.. فتُشيّد البيوت، وتُقام الجنائز، وتُكنس الفوضى، وتجفف الدموع، وتشتاق الأنفس وتستيقظ الغرائز والشهوات، وتنطلق الابتسامات والضحكات، وتنشأ الصداقات، وتُقام الأعراس والحفلات، ويجتمع الناس للسمر. ويعمل العمال، ويكتب الكتّاب وتورق الأشجار التي كانت بالأمس خاوية جدباء.. فسبحان الذي أضحك وأبكى..

خالد

مقالات نفسية

أفقط لأن الملح قليل ؟!


Worth-Your-Salt

من أشنع صفات البشر هذا (التحيز) و(الإنكار) الذي وسمه علماء المسلمين (باتباع الهوى).. سواء أكان ذلك (التحيز) بقصد خبيث، أو بدون إدراك واضح.. لغلبة هذا الطبع الشيطاني على الإنسان.

لذلك – في ظني – لا يتوب أكثر الناس، ولذلك لا تفلح الجدالات أبدا، ولا تكف الحروب، ولا ينجح من الزيجات تقريبا إلا بقدر (الشعر الأبيض في الثور الأسود) كما يقال.. فالآخر غالبا – أو دائما – ما يذكر أسوء ما فيك، وينكر الجانب المشرق ولا يبرز منه إلا بقدر حاجته، وإذا تكلم عن نفسه تكلم عن أحسن ما فيها، فإن لم يجد فيها ما هو حسن، تعسّف في صناعة محاسن وهمية وأمجاد خرافية، وادعى لنفسه ثوب زور لم يكن يوما له.. ثم إنه يتناسى الكوارث والجراحات التي سببها لغيره.

فقد يُسبّب الزوج لزوجته – مثلا – الضغط والسكري بعد سنوات طوال من العذاب النفسي الشنيع ، بدعوى القوامة والرجولة.. ثم تنفجر المسكينة ذات مرة – مهما كانت صالحة صبورة – لأنه أخبرها أن الملح قليل في الطعام مثلا !.. فيقول ببراءة وعيناه (مشرعتان) ذهولا: (أفقط لأنني أخبرتك أنّ الملح في الطعام قليل ؟!).. وسطر تحت (أفقط؟) هذه..

ومع أن الإنكار في النساء أكثر، إلا أني تعمدت ذكر العكس لأنه واقع كذلك، وقلّ من يذكره..

ألا قبح الله هذا (الملح القليل)، وهذا (التحيّز) المقيت، و(الإنكار) عن سبق الترصّد، والتغابي (الذكي)، الذي يجعل طيران الماعز أكثر واقعية من إصلاح ذوات بيننا !.. والله تعالى المستعان.

رفعت خالد

مقالات نفسية

ألستَ وحيدا ؟


pexels-photo-433142

ألست وحيدا بلا صاحب ولا صاحبة ؟ فلتعتن بنفسك ولتخدم مصالحك واحرس حدودك من المتطفلين المرضى والمغفلين النوكى أن يدمروا دولتك الصغيرة ويعيثوا فيها فسادا !

ألست وحيدا ؟ فكن واحدا على الأقل وذلك أضعف الوجود ! ولا تكن ثانويا في حياة الآخرين، يستغلون وجودك في قضاء مآربهم.. هذه تعبث بك وتجرب فيك أسلحتها قبل أن تنطلق لعشيقها أو خطيبها الذي شغفها حبا ! وهذا يريد أن يمتص منك كل ما تعرف في علم من العلوم، وذاك يريد أن يضع على كاهلك ما ليس له فضل وقت ليقوم به، حتى يتفرغ لطلب رزقه ليمتع أولاده وزوجه فترضى عنه وتذيقه من صنوف اللذائذ. وتقعد أنت في بيتك ملوما مدحورا. لا وقت ولا مال ولا صاحبة تنفق عليها حتى ترضى فتلاعبك وتلاعبها وتضاحكك وتضاحكها..

ألست وحيدا ؟ فلتكن إذن وحيدا حرفيا، واغنم من كل ما فى الوحدة من خير وصلاح، لا تبقينّ غنيمة واحدة إلا تلقّفتها، فتنال ما لم يقدر عليه غيرك، ولربما تمنوا لو كانوا مثلك وحيدين ! وهذه بتلك.. حازوا ما لم تحز، فحزت أنت ما لم يحوزوا.

ألست وحيدا ولا أحد يبالي ؟ فلا تبالي أنت أيضا بأحد، إلا أخا طيبا صالحا تحبه في الله – إن وجدته – فذاك اخدمه وتفانى في خدمته وتودد إليه فإنك لن تندم !

ألست وحيدا ؟.. عش إذن واع بهذه الحقيقة حتى يأذن الله بزوالها، ولا تسمح لأحد أن يشوش عليك، ولا يخدعنّك أحدٌ بقربه فتظن بنفسك غير ظن الحق، وتحسب أنك ما عدت وحيدا وأنت عند التحقيق وحيدٌ جدا !.. ولكن عش حياتك كما هي، بلا زيف ولا خداع. وجابه أعاصيرها المخيفة شجاعا عاري الصدر، ولا تدفننّ وجهك في التراب  !

ألست وحيدا ؟.. فليكن. ليست الوحدة جرما، ولعل الله يجعل فيها على مرارتها خيرا كثيرا.

خالد

27-05-2019

مقالات نفسية

خراب ُ النفس


glass-984457_640

لستُ أدّعي مرتبة لا أستحقّها، ولا أزعمُ بلوغي من الإدراك العميق مبلغا أنا دونه في الحقيقة. غير أني في أحيان كثيرة أعجبُ من مدى سطحية بعض من توسّمتُ فيهم حكمة وبُعدا في النظر، ليس لأخطائهم وضعفهم البشري. فكلّنا خطّاء وخيرنا التوّابون. إنّما أبغي أساسيات في الكائن البشري ومعلومات عنده بالضرورة، لا يُعقل أن يجهلها غلامٌ لعوب، فضلا عن رجل كهل لا تعوزه خبرة الحياة، ولا ينقصه المال ! إلا أنه يُبدي أمامك – على حين غفلة –  سلوكا مُتشنّجا إزاء شيء مادي تافه، أو سَورَةُ غضب عارمة بسبب فعل عادي قام به أحدهم في الشارع، مما اعتاده الناس وألفوه. فيصعقك كمّ الجشع أو السّطحية أو الأنانيّة أو العُنصرية التي طواها بين جناحيه طويلا، فكنتَ عنها من الغافلين !

حِرصٌ وهلع لا تعرف لهما شبيها، اللهم إلا في بعض القلوب المحطمة المبتلاة بالفقر الفادح أو التشرّد التام أو التخلّف العقلي. كمثل أولئك المساكين في الشارع الذين يحشرون رؤوسهم في كل سطل قمامة، باحثين عن (كنز) يغنيهم أو بقايا شطيرة لحم أكل منها الإنسان والحيوان علّها تسدّ شيئا من رمقهم.. أولئك قوم فقدوا كل كرامة تقريبا، وكل إحساس بالوجود الآدمي، حتى صارت عزة النفس عند أكثرهم ترف فلسفي لا يعنيهم في شيء. ولذلك إنما يتعلّقون بكل كيس بلاستيكي، وكل كسرة خبز.. ولكن ما بال هذا الرجل المنعّم يحرص على كيس بلاستيك تافه هو الآخر، ويجادل عنه ويغتاظ ؟ أو تراه يصرخ في وجه سائق التاكسي لأنه زاد في الأجرة المعتادة نصف درهم وحسابه البنكي ملآن عن آخره ؟! كيف وقد أغدق الله عليه من خيراته، وأعفاه من تلك الابتلاءات المهينة. وإلا ما الفرق إذن بين وجود المال من عدمه، ما دمنا سنحرصُ ونتحرّق وتتوتّر أعصابنا على كل حال؟ وفيم سنوات التعب والتحصيل والاستيقاظ الباكر، إن كنا لن ننعم بالهدوء، ولن يبدو منا سخاء القلب قبل سخاء الجيب ؟

سترى ما لم يخطر ببالك من البراعة في الملبس والفصاحة في المنطق. فتحسب أن وراء ذلك حكمة وحنكة وعمقا سحيقا وترفّعا وشبعا وإنسانية رقيقة ! وقد لا يخطر ببالك أبدا – لما تشهد من براعة في التمثيل – أن ليس وراء تلك الواجهة شيء.. ليس وراءها إلا حشرة ضخمة مقززة في مسلاخ إنسان ! ليس وراءها إلا نفسٌ شوهاء خربة.. 

وقانا الله وإياكم خراب النفوس.

خالد

08-01-2019

مقالات نفسية

مُعاشرة النفس


قبولُ عيوبنا وتفهّمها مهمّ جدا في عملية الإصلاح كما يقولون.. فكأنه نوع من (الاستسلام) المؤقت.. “أنا هكذا، فليكن !“. ثم بعدها يأتي التدرّج. ولا يوجد – فيما أعلم – مقياسٌ لهذا التدرّج، فربما تظهرُ نتائج الإصلاح بعد أسابيع فقط، وربما شهور أو سنوات.. أو لعلّ المرء لا يوفق إلا قبل موته بأيام قلائل، علم ذلك عند البارئ عزّ وجلّ.

المهم دائما هو العمل وليس النتائج.. العمل هو حياة المرء نفسها، أما النتائج فأشبه ما تكون بحفل توزيع الجوائز، الذي يدوم كما يدوم العصير في الكؤوس الموزّعة بالحفل.. لحظات، ابتسامات، هزّات رأس مُتفهّمة.. هذا كل شيء.

يجب – إذن – أن نُعطي للمعاناة والتّعب قيمة وهيبة.. هذه أشياء لابدّ منها، كما لابدّ لنا من هواء لنستمر في الوجود.. قوانين كونية شاء الخالق العظيم – سُبحانه – أن تكون. ولا رادّ لحُكم أبرمه، وهو أحكم الحاكمين.

وما دام الإنسان يعمل ويعرق ويُكابد، مُستعينا بربّه، متوجّها للحلال، مُعرضا عن الحرام.. فلا بأس أن يرحم نفسه ويُسامحها إذا عثرت في واجباتها الدنيوية، ويستغفر الله عزّ وجلّ ويتوب إليه إذا عثرت في واجباتها الأخروية، ويستغفره على كل حال.. أما القسوة والفظاظة فمذمومة مع النفس كما هي مذمومة مع الغير.. فكما أنّ الآخرين ينفرون من غليظ القلب، كذلك نفسُ الإنسان الفظ قد تنفر منه، وذلك أشدّ وأنكى !

والهدف يبقى إصلاحُ هذه النفس الجموح دون خسارتها، والسموّ بها لا محاكمتها، والقوامة عليها مع حُسن معاشرتها..

خالد

06-05-2018

مقالات نفسية

تحدّي الإيجابية !


2

الإيجابية فنّ وموهبة..

كيف يقدر المرء أن يحافظ على الإيجابية وسط سلبية مجتمعاتنا العمياء ؟.. هذا – بالضبط – هو السؤال الذي يجعل من يجد له جوابا فنانا موهوبا.

الإيجابية ليست خداعا أو لا واقعية كما يُخيّل لكثير من العوام، ولكثير من المثقفين والفلاسفة، ولي – أنا نفسي – أحيانا !.. إنما هي فنّ تسليطُ الضوء على بُقع مختارة رغم اهتزاز الأرضية.. فنّ استخراج الفرص من الأنقاض والمتلاشيات، فنّ التغافل والتظاهر بعدم الفهم في أوقات بعينها !

وهذا على بساطته الظاهرية ليس بسيطا أبدا – في الحقيقة – إذا ما نزلت لواقع الناس ومشيت في أسواقهم، وتأمّلت حركاتهم وسكناتهم، واستمعت لكلامهم وسبابهم، ورأيت غشّهم وخداعهم..

ليس كل عاطل عن العمل بقادر على الحفاظ على إيجابيته مع توالي أعوام البطالة، وليست كل عانس تقدّم بها العمر حتى ترهّل الجسم تُطيق مزيدا من الإيجابية.. ولكنه تحدّي الحفاظ على التوازن وسط المزعجات الخارجية والمحبطات الداخلية.. لعبة تسليط الضوء على ما يستحق الاستمرار في الحياة، وإنه ليوجد فينا من له هذه الموهبة.. وهذا أجمل ما في الأمر !

الثقافة أحيانا وكثرة التفكير الذي يشحذ الإدراك قد يُنقص هذه القدرة الطبيعية على حفظ التوازن.. وكم من أديب كبير كتبه كلها – بلا استثناء – تقطر بالسلبية المركّزة، لحد يُشعرك بعدم واقعية ما يكتب، فترى انحرافا واضحا جهة الشمال، ومجاوزة كلية لحدود المعقول..

الحياة ليست بكل هذا السوء مهما أصابنا من جروح، ولو كانت كذلك لما استمرت من الأساس، ولانتهت منذ آلاف السنوات، وما وصلت إلى هذا الكاتب المترف حتى يحمل قلمه ويكتب عن سواد الدنيا المطبق !

كذلك العقيدة الضعيفة والثقة المهزوزة في الله – عز وجلّ – تنتهي بالمرء إلى عبثية في التفكير، ولا منطقية في الأفعال والأقوال.. لأن الحق ليس بعده إلا الضلال.

فكأني بهؤلاء الكُتّاب – وما أكثرهم – يكتبون عن عالم جاء صُدفة ويستمر بمحض الصّدفة ! وكأني بهم يتجاهلون – أو لا يؤمنون – بإله عظيم أوجد هذا الوجود البديع المتقن، وهو من يُدبّره ويحكم صغيره وكبيره. وإيجاده هذا الكون دليل على مدى حكمته البالغة وعظم رحمته الواسعة، وداع للإنسان ليأمل في أن يجعل – سبحانه – النهاية سعيدة لكل من آمن به، وعظّمه وبجّله، وأقرّ بربوبيته وألوهيته، وسمّاه بأسمائه العليا ووصفه بصفاته الحسنى، وصبر على إيمانه وحافظ عليه، ولم يستسلم لمصائب الدنيا، ولم يتركها تجرفه بعيدا عن دائرة الإيمان، فيتنكر له وينسلخ منه ويركض في حقول مُظلمة مخيفة من العبث والسلبية !

رفعت خالد

29-04-2018

 

مقالات نفسية

أنونيموس


Anonymou-NASA-about-to-announce-Alien-life-640x371

كتبتُ اليوم بعضا من مميزاتي وعيوبي.. تلك اللعبة المعروفة التي قد تبدو مملة في بدايتها، لكنك لا تلبث حتى تحسّ بمدى عمقها وتأثيرها حين تصل أغوارا بداخلك لم تصلها منذ أمد طويل، في بحث دؤوب عن حقيقتك، وما يجعلك (أنتَ) بالشكل الذي تعرف به نفسك ويعرفك به الآخرون..

سوف تفاجأ – حتما – بميزات أنساكها تعاقب الليل والنهار، ولسوف تصدمك عيوبٌ تجدها مختبئة بمكر في داخلك، كأنها أفاع سامّة يمكن أن تنهي حياتك في أي وقت ، ما لم يُسعفك الرحمن برحمته ويعينك على التخلّص منها !

تتكلم كثيرا عن الإيجابية والأمل، لتجد أنك سلبي في الحقيقة ! تتكلم عن النظام، وتُنفق الساعات في عرض أهميته وفوائده، ولكنك لازلت فوضويا للأسف.. تريد الانفتاح على العالم واستكشافه وتعلم ما فاتك منه، ولكنك سجين وحدتك لا تزال !

ثم من يعترف بعيوبه أصلا ؟ ربما لا يعترف بها بعض الناس حتى أمام المرايا !.. لذلك يتعذر قياس مثل هذه الأمور إلا ما كان منها باديا، مثل النظام الظاهر والهندام الخارجي والأخلاق التي يُعرف بها الإنسان، أما غير ذلك من الصفات الحقيقية المتأصلة في المرء فهو بها عليم والله تعالى أعلم. فكم من قاتل ومغتصب أطفال يمشي بيننا متأنقا متعطرا يلقي التحايا ويردها بكل أدب !

عرفتُ أشخاصا في فترة دراستي كانت بيوتهم مثل المزابل العمومية تقريبا ! حتى أن بعضهم كان يرمي بقايا الخبز وأعقاب السجائر فوق أرضية بيته، وأسفل سريره فصارت أزقة المدينة القذرة أنظف وأرقى من بيته ! أما في العالم الخارجي فهو من أوسم الشباب وأشدّهم تأنّقا وجاذبية، وكانت بنات الجامعة يملن إليه ميلانا عظيما ويُفتنّ به افتتانا !

خُدع كبرى محبوكة بعناية.. حتى صار المجتمع البشري أشبه ما يكون بأولئك القراصنة في المجتمع الرقمي.. (أنونيموس)، حيث لا تعرف هوية المتكلم ولا حقيقته.. فقط وجوه باردة، وعيون فارغة، وشوارب ولحى مشذبة، ونظارات براقة، وابتسامات صفراء قاسية.. يعلم الله من يقبع وراءها !

بتعبير آخر.. هي أزمة هوية مستفحلة يعيشها الإنسان، بشقيها الفردي والأممي، إلا من رحم ربي، وقليل ما هم..

من أنت ؟ ما عقيدتك ؟ ما لغتك ؟ ما تاريخك ؟.. ما هي عيوبك وما مميزاتك ؟؟

رفعت خالد

07-04-2018

مقالات نفسية

الشخصية الذهبية


2

بسم الله الرحمن الرحيم.

ما هي الشخصية الراقية النبيلة وكيف تكون ؟

قلّما فكرت في هذا السؤال أو ما يُشبهه من الأسئلة النفسية التي يعجبني تأمّلها ومعالجتها، وكلما تذكرته أحسست بوخز أليم وندم عظيم على ما ضيّعت من سنوات بلا عمل في إصلاح صرح هذه النفس وترميمها، فكأني بنفسي جالس أنظر ساهما في نهر الزمن يتدفق بقوة إلى منحدر الفناء.. ولا أتململ إلا مرة كل سنة أو مرتين !

ومما يحضرني الآن حول معالم هذه الشخصية الرفيعة التي أتخيلها:

الإيمان: وهو أسمى ما تحلّت به النفوس، وأنبل ما حملته القلوب. فالذي لا إيمان له لا معنى له في الحياة، وكل حركاته وسكناته إنما تكون في مصالحه فقط. فكأنما هو جرثومة تمتص من هذا الوجود مادة حياتها وتضخمها. وحتى لو عمل هذا الفاقد للإيمان من الأعمال التي يمتد أثرها إلى غيره، فإنها تكون صادرة عن أنانية مطلقة، وربما استعمله الرب تعالى لإيصال بعض المنافع لغيره، ولكنه إنما أراد بها في المقام الأول مصلحة إسمه وجسمه فحسب. فلا رب يرضيه ويخاف أن يعصيه، ولا إله يدعوه ويتوب إليه. ولا أجر أخروي يبتغيه، فبئست الحياة حياة هؤلاء، وساء ما يعملون.

ولكنك ترى الإنسان المؤمن مرتبط قلبه – مهما ضعف – بخالق الوجود الذي في السماء مستو على عرشه العظيم.. فيكفيه بهذا الارتباط فخرا، ويكفيه بذلك رفعة ونبلا ومعنى للحياة.

النظافة: والمقصود بها الشقين الظاهر والباطن. فالشخص نظيف اللباس، نظيف القلب، وسيم الطلعة، خالي الصدر من الأحقاد والسموم، حييّ الكلام بليغه.. هذا لا يمكن إلا أن تحترمه وتهابه. وضده القذر البذيء.

الحزم: حيث تشعر أن جلّ ما يقوله هذا الإنسان جاد لا هزل فيه. واضح لا مزيد عليه. حازم لا رجعة فيه. هذا تعمل له حسابك، وتُرعيه سمعك واحترامك. وضده المتراخي، المتلوّن الهازئ على الدوام.

الجِدّة: وهي تلك الميزة التي من كانت فيه لا يكرّر نفسه، ويعرف كيف يشحن الجو حوله بهجة وتشويقا وفائدة وتجديدا، ويُجيد تفادي الملل والكسل. حتى تنتظر أن (يفاجئك) في كل لحظة.. ذاك الذي تحسّ كلما نظرت في وجهه بدماء جديدة تجري في عروقك،كأنما عُدت أصغر سنا من سنك.  وضد هذا الرتيب الممل، السلبي الكئيب.

الخفة: وهي التي تجدها عند الأشخاص الذين يمرون عليك كمر السحاب، فتشتاق لبقائهم.. أولئك الذين لا يكلفونك مالا كثيرا ولا وقتا طويلا ولا مجهودا عنيفا. إذ الإنسان بطبعه يتبرم من التكاليف الزائدة، وضد هؤلاء الثقيلون الذين كلما رأيتهم تململت مكانك مستاء، وانتظرت – متحرجا – أعباء ومسؤوليات جديدة.

التلقائية: وهي ما تجده من أريحية في الكلام، وفي الحركة والتعبير بدون تصنع زائد ولا رسميات مرهقة وتظاهر بغيض بالعظمة. ومن يتحلون بهذه الصفة تجلس معهم كما تجلس مع نفسك تقريبا.. وتكلمهم بما تريد كيفما تريد وليس بما يفرضه المكان والموقف. وخلاف هذا التكلّف و(عمليات التجميل) تلك التي يحتاجها أكثرنا كلما أرادوا الخروج للناس والكلام في مجامعهم.

هذه أهم الصفات التي لاحظتها، ولا شك كلما جمع الإنسان منها – مع الإيمان – عددا أكبر كلما كان عنصرا مشعا بين الناس، وتقلّد – حتما – الزعامة حيث كان، وتحلّى بالهيبة والقبول أنّى حلّ وارتحل في البلدان.

والله تعالى أعلم، وهو وليّ التوفيق.

خالد

03-12-2016

مقالات نفسية

دورة المزاج


01_Infinite-Cycle

كم أعجب لتغير الحال النفسي، وتبدّل الطور المزاجي ! وإني متأكد إن شاء الله أن الذين انتحروا لو أنهم لبثوا دقائق إضافية قبل أن يقدموا على إزهاق أرواحهم لأحجموا عن قرارهم أو أجّلوه على الأقل. وإنه لموهوب موهبةً عظيمة من يملك مزاجه لأطول قدر ممكن، لأن التغيير لابد منه، ودوام الحال من المحال كما يُقال. ولكن الفرق بين الناس – فيما أرى – هو في الحفاظ على التوازن لمدد متفاوتة، وما أشدّ هذا التوازن على النفس الجموح المتفلّتة، حتى لكأنك تمشي حذِرا على جدار لا يسمح سُمكه بأكثر من قدم واحدة !

وقد يصل هذا (التبدّل) ببعضهم إلى ذاك المرض المخيف، الذي لا يقل بشاعة عن مرض الكآبة عياذا بالله، والذي يدعونه بالهَوَس أو (اضطراب المزاج ثنائي القطبية). حيث ينتقل المريض باستمرار من الفرح المفرط المخيف إلى الكآبة السوداء القصوى !

ومن أسوء ما في تقلّب المزاج هذا، أن المرء يعيش ذات (المآسي) مرات متعددة.. هلع، ملل، ارتخاء، هدوء، نشاط، فتور، هلع.. إلخ. وفي كل مرة يمسّه ذاك (الهلع) يقول أن أموره بلغت من السوء الغاية، فصارت ميؤوسا منها، ولا داعي إذا للأحلام، فالكارثة آتية لا ريب فيها.. وهكذا يغوص المسكين في تلكم الأوهام الشيطانية ما لم يتداركه الله برحمته، وينبهه من غفلته ثم ينتقل إلى الحالات الأخرى ويسترجع بعض هدوءه واستقراره، ولكنه – غالبا – يذوق نفس (المأساة النفسية) الأولى عندما تدور الدائرة من جديد، كأنما هو بلا ذاكرة !

وعلى ذكر الذاكرة.. عجيب كيف ينسى هذا الإنسان ويتناسى ! وهي معضلة (إنسانية) أخرى إن عرفتَ جوابها عرفتَ لماذا يعصي الإنسان ربه بعد التوبة، ولماذا يطلّق الرجل امرأته الطلقة الثانية وقد أرجعها، وتصالحا وتعاهدا إلخ..

ولكن ليت الإنسان يوطّن نفسه على حالة وسط يعود لها دائما إذا ضلّ أو ضاقت به السبيل، ثم لا تكون هذه الحالة حالة نشاط ولا فتور ولا فرح ولا أسى، وإنما مزيج من هدوء متفهم، وتغافل بارد، وتسامٍ جميل عن المهاترات والانتقامات، وجنوح إلى القناعة وعدم حرص على (المزيد)، ولا بحث دؤوب عن كل جديد، ولا رغبة حارقة في المتعة، ولا تأوه مزعج من الآلام، ولا نظر في حركات البشر المثيرة للغيظ، ولا تنقيب في درج الماضي المغبر، أو تطلع إلى صور المستقبل المبهمة الغامضة.. فلا هو يفرح بما أوتي ولا يأسى على ما فاته، كما جاء في وصايا القرآن العظيم.

هذا وأعلم أنه ليس من السهل فكّ طلاسم هذا الإنسان بجرّات قلم سريعة.. وإنما غاية مرادي أن أتفكر – في كل مرة – في واحدة من مشكلاته، التي قد تكون من مشكلاتي، عساني أتخطاها أو أذكرها أضعف الإيمان، أو يذكرها آخرون غيري إذا قرأوا ثرثرتي ثم وجدوا فيها ما يستاهل الذكر..

رفعت خالد المزوضي

26-05-2017

مقالات نفسية

فنّ الاستمرار


في صغري كان إذا صرخ في وجهي أحد المعلمين أو لكزني بيده في إحدى حصص المراجعة انقبض قلبي، وتملّكني ذاك الشعور القاسي الذي يجمع بين الصّدمة والإحباط والخجل والحزن والغضب !.. ثم لا أعرف بعدها كيف أستمر في ما كنتُ فيه من قراءة أو استظهار. حقا لقد كانت لحظات عصيبة.. ومنذ ذلك الحين وأنا أتساءل كيف يستمر الناس في ما يفعلون ؟ كيف ينسون ؟ كيف يتصالحون أصلا ؟ كيف تُجبر المزهرية إذا انكسرت وصارت أشتاتا ؟.. لم أكن أعلم. واليوم قد فهمتُ أنها خَصلة تُعلّم، ومهارة تُكتسب، وعادة يتعوّد عليها من كان محظوظا، وحَظِيَ بالتربية اللازمة، وإلا فإنها من أعسر الدروس التي يُمكن أن تتعلمها من تلقاء نفسك. وقد ينتُج عن غيابها إذا غابت ما يُسمّى (بالفجور عند الخصام) والذي هو من صفات المنافقين عياذا بالله.

وهذا الفن – فنّ الاستمرار – يحتاجه المرء في علاقته مع نفسه وإلا هلك في واد من وديان الحياة المقفرة، ويحتاجه – بعدُ – في العلاقات كلها التي تربطه بالبشر. فأما أصحاب هذا الفن فيجيدون طلب الاعتذار عند وجوبه، ويجيدون قبوله. وأما غيرهم فعلاقاتهم لا تكون إلا سلسلة من النهايات المفجعة ! وستلاحظ أهل هذا الفن كيف يغيرون المواضيع بيُسر وسلاسة، وينسون الخلافات الحادة بعد دقائق من نشوبها، كأنهم ينقلبون أطفالا لا يعقلون شيئا ولا يعون ! أو كأن ذاكرتهم قد أصابها تلف فهم لا يذكرون !

إنه فن النسيان الرحيم، الذي يرحمك من أحزان أنتَ في غنى عنها، وسلسلة مناوشات وانتقامات لم يكن من داعٍ لها. وأزمات ومصائب قد عفى الزمان عنها. فطوبى لمن حاز هذا الفنّ الجميل.

رفعت خالد المزوضي

03-2017

مقالات نفسية

خواطر عن الأمل


n0u8mwB

لا أحد يريد أن تُسحبَ الحياة من تحت قدميه كما يُسحب الحصير، ولمّا يُحدث في نفسه ودنياه شيئا يسرّ. لا أحد يريد أن تصيبه الوفاة وهو كما يعلم من نفسه، عاداته هي عاداته، وكسله عن المعالي باقٍ لم ينقضي، وأخطاؤه ممتدة لم تنقطع، ونفسه العاقة منطلقة في عقوقها لم ترجع. ولذلك نُسلّي أنفسنا بالأمل، هذه النّسمة الباردة المغرية التي تداعبنا وتهمس لنا بقُرب الخلاص. ولكننا بعد استنشاق هذا الأمل وسَريان مفعلوه بشراييننا، سرعان ما نطرح نَفَسا كريها، سمّه إن شئت (ثنائي أكسيد التشاؤم)، وهو كالدخان الأسود الخبيث يختلف في كل مرة شَكلا ورائحة إلاّ أنه – في الأصل – شيء واحد، وجوهره متمثل في سؤال مخيف بارد: (ماذا لو لم يكن ثمة أمل ؟ ولا غد أفضل ؟).
ومع أن الأمل منهج رائع للحياة، ومغامرة قليلة التكاليف، وملهاة من أحسن الملهيات، ومولّد للطاقة بلا مصاريف، فما هو إلا أن يرد على الخاطر ذلك الوارد الذي لا يحبّ أحد ذكره.. ذلك الدخان الأسود الكئيب، حتى يتزلزل الأمل ويُزحزح عن مكانه ! فلا تعرف إن كنتَ في الحقيقة متفائلا أم – عياذا بالله – متشائما ! وهذا الضيف الثقيل الذي يحبطنا عن العمل، ويبطئنا ويريد أن نقعد مع القاعدين، لا يأتي من فراغ، وإنما وراءه سنوات طوال كان فيها الواحد يقارع نفسه، ويصارعها علّه يثنيها عن غيّها وعصيانها وتصابيها، ويأمل ذلك ويتـمناه ويحاوله ويعمل من أجله ويكسل، ويقوم له ويقعد عن العمل. فما انثنت هذه النفس – بعدُ – ولا ارعوت، وما كفّت ولا اكتفت، فهل تراه يضمن أنها تنصلح في مستقبل الأيام ؟ هل يأمل ؟ وماذا إن لم تفعل ؟ بل ماذا إن زادت في غيّها وصارت أسوء وأرذل ؟

ولكن على هذا الإنسان – وإن لم ير بعدُ نتيجة تسر – ألا يترك حبلَ الأمل، بل عليه أن يزداد به تعلّقا ويعضّ عليه بالنواجذ عضاّ، لأن المؤمن يعرف أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأن من يعلم الله في قلبه خيرا يوته خيرا، وأنه مهما طال الظلام فالفجر آت، وإن بعد العسر يُسرا. وإلاّ يفعل فلن يقوَ على مواصلة ما بقي من الحياة، وستكفّ كل قواه عن العمل شيئا فشيئا، ثم يُشلّ تماما عن الحركة والتفكير، وقد يكف حتى عن الشهيق والزفير ثم لا يعود له وجود بين الموجودات. فالأمل إذا ضرورة خطيرة في حياة المرء، كالهواء أو أشد منه خطورة. ودائما أبدا نجد الأمل جوابا مقنعا لأعسر المشكلات وأشنع الورطات.. كيف ننجح ؟ كيف نتغير ؟ كيف نجد عملا ؟ من نتزوج ؟ كيف نتوب ؟ كيف نمضي في الحياة بعد الذي وقع ويقع ؟.. بل حتى لكي لا نفقد الأمل في الأمل ذاته.. يلزمنا أمل!
والأمل إنما يأتي مع العمل، كما أن الشهية تأتي مع الأكل وتقوى به وتزداد، فحيث كان العمل يكون الأمل، وتقول النفس هل من مزيد، وحيث كان الفراغ يندحر الأمل ويهزل، وتظهر أشباح التشاؤم تكاد تسمع لها زفيرا وهي تميز من الغيظ !
وإنما نحن كالأطفال آخر الأمر، ترى عقولنا الأعمال اليسيرة في صورة إنجازات خطيرة، فتشتاق لمزيد منها، وكلما نالت المزيد انشرحت منا القلوب، وأُثلجت الصدور، وتغيّرت كيمياء الدماء التي تجري في العروق، فنكاد نرى الأمل رأي العين ونصافحه، ونسأله عن غيابه فيم كان، وأين كان!
هذا وقد قال ربّنا وخالقنا في محكم تنزيله: (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
فلنتفاءل – أخي المسلم – ولنزد في الأمل مع العمل، ولا تعجزنا هذه الحياة ولا تهزمنا و(لا تحزن إنّ الله معنا).

رفعت خالد المزوضى
17-03-2017

مقالات نفسية

وحشُ الهوى


16830659_10210100113037989_196576856477403920_n

أشنعُ ما قد يسدّ على الإنسان طريقه هو وحشُ الهوى. فإذا أراد منك العقل شيئا، يريدُ القلب غير تلك الإرادة، ثم تكون الغلبة – في الأكثر – لهذا القلب الشقي. ولذلك نجترح من المعاصي ما لا يُعدّ ولا يُحصى، فنؤذي أبداننا ونحن نعلم، ونؤذي عقولنا التي أرادت بنا خيرا لو أعرناها سمعا، ونؤذي غيرنا بعدها. وأغرب من ذلك، أننا نأتي الفعل نعلم أنه خاطئ ولا يجوز، كأننا مجبورين على إتيانه ! فيدخن المدخن وهو يعلم فداحة ما يفعل، كأن السيجارة هي من تُدخنه، وهو يتدلى منها عاجزا ! والعين تنظر بنا للعورات، وتركض بنا الأرجل، وتتلوى ألسنتنا كالأفاعي لتنفث أفحش الكلام، وأظلم الأحكام..  حتى تقول هل بقي في الناس من يسوس نفسه ويقودها حق القيادة، كما كان عظماء أسلافنا يفعلون ؟ فإننا لا نقوى اليوم على ترك المال الحرام. وكان أسلافنا يتركون حتى المال الحلال في بعض الأحيان، بل ويتركون الأهل والولد والحياة جميعا، ويذهبون لمقارعة العدو وسط السيوف المُشهرة البرّاقة التي تفصل الرأس عن الجسد كما تنتبه العين بعد غفلتها ! فكيف كانوا يطيقون ؟ كيف ملكوا زمام أنفسهم وأوثقوا لجامها ؟ ومالنا نحن مغلوبون من أنفسنا قبل عدونا ؟

ولكنه زمن الإشهار.. فكل ما تراه أمامك – إلا ما شاء الله – إعلانات وإشهارات كاذبة، مبالغ فيها. نلبس أفخر الثياب لنخفي أنفسنا الجوفاء، ونتكلم لغات أجنبية لنذيع ثقافة وهمية. نكنس الغبراء أسفل البساط حتى لا يراها الضيف ولا تقال فينا الأقاويل.. لكن ما بيننا وأنفسنا خراب. حتى لا يكاد الواحد يطيق الخلوة مع نفسه التي بين جنبيه.

إنه الهوى.. أشنعُ ما قد يسدّ على الإنسان طريقه. وهو ما يُلجئنا أن نلبي طلبات النفس صاغرين، لاهثين، غافلين عن احتراق عود العمر حتى لا يبقى منه غير الرماد، فندرك أنّا لم ننجز إنجازا شخصيا أو إنسانيا نختم به رحلة وجودنا القصيرة، وينفعنا حين تُعرض الكتب للحساب، أو ينفع الناس من بعد رحيلنا. وإنما أكثرنا دمى تلبسها شياطين الهوى ما شاءت أن تلبسها وكيف شاءت. وتحشر رؤوسها الفارغة بما اشتهت من الأباطيل، وبقدر ما اشتهت.. كأنما البشر لافتات إشهار مُتنقلة، تبثّ صورا وأصواتا وعبارات زائفة مغلوطة، لا تندرج تحت أيّ قانون، اللهم إلا قانون الهوى !  

والله المستعان.

رفعت خالد المزوضي

07-12-2016

مقالات نفسية

الدائرة الأنثوية


womens-power-globe-female-earth-free-image-symbol-7961

لا أدّعي الإحاطة بطبائع البشر، ولا أقول لكم أني مبرأ من كل العيوب، ولكني قد أسردُ بعض ملاحظاتي التي عرضت لي مرارا، فكنتُ أُمسك عن الحديث عنها مخافة أن تكون مغلوطة أو فيها لبس ما لم أتبينه، ولكنها لمّا تُكثر الورود عليّ يصعبُ تجاهلها، فلا أشعر إلا وأنا أخبرها أحدا من أصحابي، أو أكتبها على ورق أمامي باندفاع وحماس، كأنما لأتخلّص منها ومن صُداعها ! وقد تكون بعض هذه الملاحظات بدهية، معروفة لدى أكثر الناس، ولكني لماّ عرفتها – أول ما عرفتها – من زاويتي الخاصة، وأسقطتها على تجاربي وما مرّ أمام ناظريّ في الأيام والليالي، صارت ذات شأن عندي، وإن بقيت عند البعض بدهية وتافهة.

ومن تلك الملاحظات التي لفتت انتباهي، وشغلت فكري طويلا فارق بين شخصية الرجل وشخصية المرأة ظاهرٌ بجلاء، إلى جانب الفروقات الكثيرة بينهما التي لا حصر لها، والتي يُريد (النسونجيون) تحييدها حتى يصير الجنسان جنسا واحدا. وذلك أن معاشر الرجال كثيرا ما يخرجون عن ذواتهم ليهتموا بشتى المواضيع مُهمّها وسفسافها، ولذلك انفرد الرجال بعلوم وآداب لم تطأها أقدام الإناث إلا فيما قلّ ونَدُر، بيد أن عالم النسوة – في سواده الأعظم – محصور داخل دائرة معروفة، بائنة حدودها.. ثرثرة، حب، زواج، غيرة، تحليل (ميكروعاطفي) للكلام والصمت، زينة، ممتلكات، أواني، أكلات، أخبار الجيران دقّها وجلّها.. إلخ. وهنّ في ذلك مُشتركات مهما أنكرن، فمكثرات ومقتصدات..

متابعة قراءة “الدائرة الأنثوية”

مقالات نفسية, شذرات

تلك اللحظة..


addictive-thinking.jpg

هل تعرف تلك اللحظة التي تشعر فيها باختناق من دون يد تخنقك ؟ حينها تريد لو تخرج من غرفتك وتركض فارا إلى مكان ما تجهله !

تلك اللحظة التي يبدو فيها كل شيء ضخما عملاقا ! وتبدو مشاكلك التافهة كأنها مصائب وكوارث يشيب لها الولدان ! ويُخيّل إليك أنك تتقازم وحدك من دون الموجودات، فتجزع جزعا عظيما وتريد وقتها من يربت على كتفك أو يعانقك – نعم “يُعانقك” ولا أستحيي من قولها – وتطمع أن يخبرك أنك تُبالغ، وأن كل شيء على ما يُرام، وأنك أفضلُ مما تعتقد ومشاكلك أهون مما تتخيل !

تلك اللحظة التي يقلّ فيها صبرك إلى حدود خطيرة فلا تطيق وحدتك ولا تريد استنشاق ذرة أوكسجين أخرى من هواء غرفتك لأنه مشبع بأفكارك وصورك التي حفظتها، ولا تريد النظر إليها مجددا !…في تلك اللحظة تحسّ بالجدران الأربعة لم تعد تأويك بل تحاصرك !.. والسقف لم يعد يظلك بل يستعدّ للانقضاض عليك وسحقك !.. والساعة لم تعد تخدمك وتنظم أوقاتك بل تتحدّاك وتذكرك بحماس لا ينقطع أن الوقت يسبقك بأشواط طويلة !

فيا لها من لحظات مخيفة تلك التي تأتي الإنسان أحيانا إذا ما طفح ذهنه بالخواطر والحسابات الدنيوية التي لا تنتهي.. إلا أنها – على وعورتها – سريعة الزوال، وبخاصة إذا ذكر المرء ربه، ثم أبدل مكانه بمكان أحسن وأدعى للبهجة، فإنه لا يلبث قليلا حتى تأخذه دروب الحياة الملتوية، وتشغله المهام المتنوعة المتوالدة، فيبتعد عن سجن نفسه الضيق الصدئ، ويتذكر أن الحياة رحبة واسعة، وأن هناك بالخارج عالما فسيحا يضجّ بخلق الله العجيب، فإذا هو يعود لرشده ويثوب لنفسه مثلما يستيقظ النائم من كوابيس الليل، فيجد أنه لم يكن يعيش فيها كما غلب على ظنّه !

رفعت خالد المزوضي

مقالات نفسية

الحاجة للجديد


clock_spiral

بسم الله الرحمن الرحيم

أنسى دائما أن للمكان أهمية خطيرة في الحالة النفسية، ولا أتذكر هذا إلا بعد أسابيع أو ربما شهور من ملازمة البيت المكتظ بروائح الأطعمة والملابس المتسخة، والأحلام الغريبة، والتنهدات العميقة، والوساوس البغيضة والخيالات المريضة ولون الكسل الباهت الذي يصبغ الجدران.. كل ذلكم وأكثر كيف يُساعد في صفاء الذهن ووضوح الرؤية ؟.. لابد من مغادرة هذه الزنزانة، لابد من استنشاق هواء جديد مغسول، وسماع أصوات ذوات الأجناح تُصفّق بابتهاج.. لابدّ من التجديد.

وقد نلمس مبدأ التجديد هذا في أغلب ما حولنا، بل في أجسامنا ذاتها.. ألا تتجدد خلايانا وجلودنا ؟.. ألا ننام كل يوم لنستيقظ – إن شاء الله – من جديد.. فكأنما هي ولادة أخرى.. فرصة أخرى.

وإن هذا الذي يُسمّيه الناس (روتينا) لأمر خطير فعلا.. يقتل الحسّ ويُبلّدُ المشاعر، فضروري أن يبحث الواحد منا على خطط لمواجهته.. وحتى هذه الخطط ينبغي أن يكون فيها تنويع وتجديد !

هذا النظام الذي تسير وفقه الحياة كما أراد الخالق العظيم لها أن تسير فيه مرونة وحركة لا تسكن.. تكبر الوجوه وتتغير، تبلى الملابس وتُستبدل.. تموت أجيال وتخلفها أجيال.. يجرب الإنسان ولا يكفّ عن الاختراع، ويجعل لكل اختراع مئات الإصدارات والأشكال.. الأكل، الكتب.. كل شيء يُبدّل ويُعدّل.. حتى في شرع ربّنا عبادات متنوّعة من دعاء وصلاة وصيام ونُسك وحقوق متنوعة.. فكيف يعيش الإنسان بمكان واحد وببرنامج يكاد يكون مقدّسا لا يتغير ؟

وهذا الملل الذي يشكو منه أكثر البشر قد يكون قاتلا بحق، فكثير ممن انتحروا يقولون نفس العبارة (مللتُ هذه الحياة !).. ولا ملل في الحياة برأيي، إنما هو عدم إجادتنا (فن العيش) كما ينبغي أن يكون، وكما أراد لنا خالقنا، هذا ما يجني علينا ويضيع لحظات عمرنا الغالية للأسف.. حتى نملّ من أنفسنا ومن حياتنا التي لوثناها وبعثرناها بأيدينا.. والله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

رفعت خالد المزوضي

كتبتها خلال سفري بالقطار

22-04-2015