مقالات فسلفية

وهم التحكّم


logo-1932539_640

الحياة (أضخم) من قُدرات الإنسان، تُعجزه ولا يُحيط بها أبدا مهما حاول وادّعى.. فلا تصدّق كل ما ترى.
لا أحد ممن تعرف عنده من القوة والحُظوة بحيث يتحكم في حياته كما تظن، كلهم مغلوبون، يُرقّعون ما استطاعوا ترقيعه. ويمضون في الطريق التي وجدوا أمامهم دون خيارات (أسطورية)، إلا ما نَدُر من البطولات التاريخية التي كثيرها مزيّف.
ولا تُصدّق كل ما تسمع من المقاطع التحفيزية التي لا تُحفّز إلا الأدرينالين بعروقك لنصف ساعة أو أقل من ذلك أو أكثر بقليل، ثم لا شيء بعدها.. نفس التحدّيات ستجدها بانتظارك، والظروف والتعقيدات التي تخصّك أنتَ وحدك، والتي لا يعرف عنها المحاضر شيئا، وأنت وحدك من عليه مقارعتها، فتغلبها أو تغلبك..
كم ممن وجد طريق الثراء أمامه مُمهّدا بطريقة ما، حلالا أم حراما.. فغرف من ذلك غَرفة بيده وذاقه، فلما استطاب ما ذاق قام من فوره كالملسوع، مُتحمّسا، يلهث وراء المزيد..
ثم إنه يخرج علينا ذات مساء أمام العدسات بوجه يلمع بالمساحيق، يتكلم بثقة، فيكاد يقول: (إنما أوتيته على علم عندي)، أو (أنا قوي ورائع كما ترون إذ لم أستسلم لما اعترض طريقي. وإنكم تستطيعون ذلك ما دُمتُ استطعتُه، إن أنتم اتبعتم نصائحي).
وبصرف النظر عن مدى (خيريّة) أو (شريّة) ما هو فيه من (الفتنة)، فهل يصنعُ الإنسان – يا تُرى – قدره حتى يضع نفسه في ظروف بعينها ؟ أم هل يلوي مجرى الأقدار قسرا حتى تُلائم ما يريد ؟
نعم.. قد يسعى الإنسان للنجاح في أمر باتخاذ أسبابه، والتوكّل على الله إذا كان من المؤمنين، فينجح – بإذن ربه – نوعا من النجاح، لا يكون بالضرورة هو نجاح (فلان). إذ ليس الناس كلهم (فلان)، ولا كل الأقدار قدر (فلان) !.. أفلم يُفضّل الله بيننا في الرزق ؟
ثم إن هذا (الثري) لا يضمن في المستقبل شيئا من صحته ولا ماله ولا أولاده ولا زوجه.. فلماذا لا يُخطط لهذا أيضا فينجح فيه ؟.. لماذا يُطلّقون، ويكتئبون وينتحرون ويصيب أولادهم ما لم يكن في الحسبان ؟ فليُخطّطوا كما يدّعون، وليُرونا سيطرتهم على الحياة والأقدار !
ينطلقون من النهايات ليثبتوا قواعد لم تكن بأيديهم. فلا تُصدّق أكاذيبهم، إنما هم ماضون فيما قُدّر لهم كما أنك ماضٍ في قدرك، وماضٍ هو فيك بما شاء الله – ذو الجلال – وكيفما شاء وقضى.. نسأله سُبحانه لنا ولكم اللّطف والمعافاة.

خالد

مقالات فسلفية

حالات خاصة


candy-1961536_640

“في الحياة لا يختبر إنسان الأحداث كما يختبرها أي أحد آخر وبنفس الترتيب، قد يرى أحد الموت وهو أكثر شبابا من غيره، وقد يُدرك أحد الحب أسرع من غيره. لو أن رجلين كما نعرف يشهدان على حادثة، سيُدوّنانها بإحالات مختلفة، وبشكل من الأبجدية يخصّ كلّ واحد منهما”.

قالها كاتب الخيال العلمي الأمريكي الشهير (راي برادبوري) فتوقفت عند قوله طويلا، وتذكرتُ عبارة سمعتها – أو قلتها أنا نفسي – (كلّ يكبر بطريقته). وقلتُ أن هذه الاختلافات الجوهرية تكفي لتكون المقارنات بين الناس شبه مستحيلة !

(كلّنا حالات خاصة) كما كتبت يوما.. لذلك يكثُر العجب من تصرفات الآخرين.. فكم يضرب من الآباء أبناءَهم ضربا مبرحا، وهو عندهم نوع من (الحب) والحرص على ما ينفعهم ! كم من الذين يعرضون تفاصيل حياتهم الشخصية على اليوتيوب، ظانين بذلك – ربما – أنهم يحرزون مجدا وشُهرة، وأن الجميع يتحدّث عنهم، وأنهم عادوا أمثالا تُضرب ونماذج تُحتذى ! وذاك الذي يصوّر مائدة إفطاره في رمضان أو كبش أضحيته في العيد.. هل يظن – يا ترى – أنه سمى قدره عند الناس بتلك الصور ؟ والأبوان اللذان يشتريان لابنهما أطنانا من الألعاب، وأحدث الأجهزة الرقمية، هل يظنان أنهما بفعلهما ذاك يجعلان ابنهم أسعد الأطفال وأنجحهم وأذكاهم ؟

ناهيك عن كيفية تفكير المجرم والثري والمُختلس والذي يرمي القاذورات في قارعة الطريق، والذين يكسرون المصابيح العمومية، وأولئك الذين يُقاتلون أنصار فريق الكرة الخصم قتال المجاهدين !

… والذين يجلسون في المقهى ليكتبوا عن (الحالات الخاصة) أليسوا حالات خاصة كذلك ؟

نعم.. كما أن لنا بصمات مختلفة، أعتقد أن كل فرد منا حالة خاصة، أو ينتمي (لطائفة) خاصة من البشر.

رفعت خالد

12-2019

مقالات فسلفية

Just do it !


alkoghol-2714489_640

فلان الموسيقي الشهير في فرقة كذا انتحر في أوج شهرته. لماذا ؟.. إدمان، كحول، جرعة زائدة.. ولماذا تعاطى تلك السموم أساسا ؟.. اكتئاب وهموم إلخ. ولكن.. أي هموم وقد كانت له تلك الجبال من الأموال وهو بعد شاب، والشهرة مع ذلك والمعجبين الذين يصرخون لدى رؤيته ويغمى عليهم ؟.. وهل يجري الناس إلا لذلك ؟ وهل ترى أغلبهم يهتمون ويغتمون لغير ذلك ؟

أو قد يكون تعاطى ذلك وأدمنه في أوج (نشاطه) وليس بسبب قنوط أو إحباط.. أي أنه تناول تلكم المخدرات – أول مرة – فقط من باب (just do it) أو (why not ?)..

… إذن المسألة مسألة عقيدة آخر الأمر.. وقد يسميها بعضهم (فلسفة) أو (لايفستايل) أو (مسائل شخصية) أو أيا ما كان مسماها.. فهي (عقيدة) آخر الأمر. ولا علاقة للأمر بالأموال، وإن أصر الناس أن المال هو المشكل وهو الحل. والحق أن الأمر غير ذلك تماما.. فنحن كائنات (روحانية) ولسنا صناديق بنكية تحشر بالأموال..

المسألة مرتبطة بالعقيدة، التي على ضوئها يرى الواحد الوجود ويحسه ويشمه ويدرك الغرض منه وما بعده.. وإذا أخطأ أو ضل فهو يعود لها، فهي الأصل وهي المرجع..

المسألة دائما مسألة عقيدة، سواء عند الحديث عن صعوبات الحياة وهمومها، أو متعها وشهواتها، وتلكم القواعد الشيطانية من قبيل (تجاست ددو ايت) و (واي نوت؟) ومقولات الحريات المطلقة إلخ.. كل ذلك يدفع الإنسان ثمنه إذا اختار التعامل معه (وفق ما يناسبه) وليس وفق ما أنزل الخالق العظيم من إرشادات وتعاليم..

هي مسألة عقيدة شئت أم أبيت.. ومهما كانت درجة (الجدية) التي تنظر بها لهذه (العقيدة). وحي.. فولكلور.. ثقافة.. أساطير. ستدفع الثمن.. ستدفعه هنا أولا، أما هناك فقصة أخرى..

نسأل الله العفو والعافية.

رفعت خالد

مقالات فسلفية

إبتسم فأنت لا تدري !


graphic-3718616_640

الإنسان يبحث عن الأمان.. هذا من البدهيات. إلا أن الحياة لم تعدك يوما بالأمان !

لذلك ربما وجدت نفسك فجأة أمام مفترق طرق هائل، كل شيء فيه ممكن.. لا ضمان ثمة ولا أمان. ممكن أن تكون ضيّعت حياتك – حرفيا – في تفاهات لا جدوى منها، في حين كان بوسعك كسب ما هو أنفع وأبقى. وأنت الآن على شفا جرف هار ! كما يمكن أن تكون مبالغا، والحقيقة أنك في الوجهة الصحيحة، لا ينقصك إلا إصلاحات هنا وهناك.. تعودٌّ على هذه العادة وإقلاعٌ عن أخرى، مع صدق وإخلاص، وسدّ لبعض الثغرات التي (يأتي منها الريح).. ثم تكمل طريقك بسلام إن شاء الله تعالى.

لا تدري أبدا التقييم الصحيح لوضعك أنت بالذات.. لذلك أهل الصدّق (يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون).. لا يوجد مفتٍ يُحيط بحياتك كلها، ويعلم يقينا قُبول أعمالك الصالحة، وغفران ذنوبك السابقة، حتى يُفتيك في المسألة ويكشف لُبسها..

على سبيل المثال، قد أكون أنا الآن مخطئا في تضييع وقت كتابة هذا الكلام، الذي ربما لا يغني ولا يُسمن من جوع. كما قد أكون مُصيبا في تسويده، إذ يحسُن – ربما – الإشارة إلى أمثال هذه الأمور والتأمل فيها، لعل قلوبا تستيقظ من سُباتها، أو قلب كاتبها على أقل تقدير !

أنت لا تدري – تماما – كيف تنتهي الأمور..

وعلى وزن عنوان ساخر لأحد الكُتب: (إبتسم فأنت لا تدري) !

رفعت خالد

03-04-2019

مقالات فسلفية

الحياة ليست مفردا !


sea-2585016_640

الحياة ليست مفردا، ليست شيئا واحدا.. نفسا طويلا نستنشقه وبعدها زفير فموت !

لذلك طالما تخدعنا مغالطات منطقية وأسئلة خاطئة على غرار: (كيف تعيش حياة هادئة ؟) أو (كيف تحقق المستقبل الذي تخطط له ؟)، (كيف تظفر بفتاة أحلامك ؟).. إلى آخر تلكم الإعلانات التجارية. ذلك غير صحيح أصلا.. كما لو قلت لك (في أي دولة تقع المدينة الفاضلة ؟)، الجواب: السؤال خطأ.. لا وجود للمدينة الفاضلة أساسا !

إنما الحياة الدنيا – كما أعرفها – أحوال ومراحل. أنفاس، زفرات، ضحكات وأنات. حب، حسد، بغض كان من قبل حبا.. إلخ. الأشياء والقلوب في تقلب وتحرك مستمر، كمثل حركة الإلكترونات والذرات فيما بينها.. التحام ثم افتراق، اتحاد هنا واصطدام عنيف هناك. عن أي (تخطيط) و(سعادة) و(فتاة أحلام) يتكلمون ؟

لأجل ذلك لا ينبغي – في نظري – محاولة السيطرة على الحياة، فليس ما نراه من قوة وثقة عند بعض الأشخاص أو الدول إلا استعراضات فارغة، ومعارك لا تنتهي تشبه ما نرى عليه وحوش الغاب في (ناشيونال جيو): أسد يتبول على حجر ظنا منه أنه بذلك سيطر على العالم ! وضبع مزهو بقوته وسط رفاقه الضباع وهم ينهشون جيفة نتنة.

إنما هذه الحياة – في الحقيقة – بحر هائل مترامي الأطراف، متلاطم الأمواج، لا يمكن السيطرة عليه ولا الاستقرار فيه.. والغاية من ركوبنا هذا البحر المخيف هي اختبار مطلوب منا فيه اجتيازه بسلام ومعنا بضاعتنا الثمينة.. أن نصل اليابسة ونحن مسلمون موحدون.

خالد

07-03-2019

مقالات فسلفية

فراغ حلقيّ!


tropical-2747315_640

عبث البشر هو ما يوهمنا بعبث الحياة نفسها ! هذه اللامنطقية الباردة التي تسود البشر، كأنما هم مخدّرون عنوة من جهة مجهولة !..

لهاثهم خلف المال مثلا، وإن المال لمغٍر، وإنه لضروري لابتياع كل شيء تقريبا. ولكن ماذا يفعل به أكثر البشر غير ما تفعله الحيوانات ؟

أنظر إلى ذاك التاجر الذي – ربما – لو اطّلعت على رأس ماله لصدمتك الدّهشة !  أنظر للباسه، أنظر لحركاته وقلقه. هو دائما يبيع أو يشتري أو يعدّ المداخيل، أو يرتب سلعة جديدة، أو يتصايح مع أحدهم، دعك من الذين لا يغادرون حوانيتهم إلا بعد منتصف الليل فضلا عن الذين يبيتون فيها !.. ماذا أدخل المال على هؤلاء ؟ هل صارت حيواتهم أرقى ؟ هل ازدادوا علما وتقوى ؟ هل عرفوا حقيقة المال أخيرا فاتقوا شحّ أنفسهم وأنفقوا يمنة ويسرة بغير حساب ؟ هل حقق أحدهم حلما من أحلام الطفولة الفانتازية التي كانت تراوده صغيرا ؟ كلا.. انشغل من أجل المال، فلما كسب المال ازداد انشغالا ! حلقة مفرغة.. فراغ حَلقيّ !

حتى أصحاب السيارات الفخمة وربطات العنق الملونة.. كم تمنيت لو أرى أحدهم يوما يستقر بسيارته الفارهة أمام مقهى من المقاهي، ويترجل منها ضاغطا زر المفتاح لينطلق ذلك الصوت الذي يلوي الأعناق ! فأراه متأبطا مجلدا ضخما وهو يمشي في لباسه الوثير، قاصدا في مشيه، متجها ناحية المقهى ليقتعد مقعدا هناك، فيباشر القراءة في مشهد راق فخم كما ينبغي أن يكون.. ولكن ما بالي لا أرى إلا (ربطات عنق) تمشي مهرولة في الشارع، ولا يكفّون لحظة عن محادثة السماعات المحشورة في آذانهم، إذ لا يملكون الوقت حتى ليخرجوا أيديهم من جيوبهم !  

هذا هو العبث بعينه.. نبحث عن المال (لنعيش) ثم إذا حصّلناه نعيش الحياة طولا وعرضا من أجله ! فإذا سألت أحدهم في ذلك أجابك بيقين العارف ببواطن الأمور: (يا أخي كيف أعيش إن لم أفعل ؟ أموت جوعا ؟).. كلهم يقولها، ولم أر من قبل في قارعة طريق جثة رجل مات جوعا !

فلا تقل أرجوك ما هذه الحياة العبثية، ولكن قل: ما هؤلاء البشر العبثيون !

خالد

01-02-2019

مقالات فسلفية

ما أسخف كلماتي وما أعمقها !


the_last_paradox_by_mihai82000-d36tke1

لعل من المفيد – أحيانا – أن يُشكّك المرء في تفسيره للواقع المُعاش، لاسيما وهو يرى هذا التضارب المهول في تفسير ما وصلت إليه حياة البشر اليوم !

هناك من لازال يقول أن الحياة جميلة ! وهو رأي غريب على كل حال. حتى أن بعض الناس من المبتلين ابتلاءات شديدة – تخشى مجرد ذكرها – قد ينقضّ على من يُصرّح بهذا الرأي ! ومن الناس كذلك من يُصرّ – إلحاحا – على رأي أبي العلاء المعريّ وشوبنهاور وسيوران: (الحياة شرّ كلها، ليتنا ما وُلدنا، ليتنا نموت..).

وبغض الطّرف عن خطأ كلا الفريقين عندي، فإن تأرجح مؤشر الجمال والبشاعة أمر يستحيل ضبطه بضابط يفهمه البشر.. هناك توازن في اللاّتوازن ! كوميديا في المأساة، شهوة في البغض، خوف في الحبّ، إلخ.. وحتى طريقة استقبال الكائن البشري لهذه الموجات المتراقصة من المشاعر والأحداث والحقائق وتفاعله معها، ثم ما يصدره – بعدُ – نتيجة لهذا التفاعل من ردود أفعال وقرارات، حتى هذا لا يقل غرابة واستحالة للضبط ! وهكذا يجد المرء نفسه بعد عشرات السنوات جالسا مكانه – كما بدأ – يتأمل الحياة بشرود عاجزا عن لمسها لينظر إن كانت ساخنة أم باردة، رطبة أم خشنة !

لا نعرف شيئا مثل (الدنيا) يحمل كل هذه المتناقضات كالفقر الفادح والغنى الفاحش، الغباء المطبق والعبقرية المذهلة، التضحية المتفانية في سبيل العقائد والخيانة الشيطانية للأمانات، رغبة الانتحار وغريزة البقاء التي تمسك في الوجود، وتغرس فيه مخالبها ألا يُفلت منها !

ثم.. كيف حافظت البشرية على شهية الحياة، رغم هذا القطار الطويل من الأحزان والمصائب الذي تجره وراءها وتلهث من ثقل ما تجر ؟ ومع أن الإيمان بالله – عز وجل – يصنع العجائب ويهوّن الموت والحياة، ويدفع المؤمن للتضحيات الجسام، إلا أنك قد تجد أناسا كُفّارا أو جُهّالا لا يفقهون حتى معنى الإيمان، تجدهم يعملون أعمالا مهينة كتلميع الأحذية أو تقليم الأظافر، لا تدري كيف يصبرون عليها !.. ومع هذا البؤس الذي هم فيه تراهم ممتلئين بالحياة والضحكات والشهوات !

ما أقوى الإنسان وما أضعفه..

ما أبسط الحياة وما أعقدها..

ما أسخف كلماتي هذه.. وما أعمقها !

خالد

15-04-2018

 

مقالات فسلفية

مشاعر نادرة !


21-surreal-art-by-ohmuller.preview

بسم الله الرحمن الرحيم.

هناك مشاعر نادرة يستحيل أحيانا وصفها.. مستويات من الحب والشوق أو الخوف والوحشة أو الضعف والإحباط أو الحماس والبهجة تتعذّر ترجمتها إلى كلمات تسمعها أذن أو تقرأها عين.

ومن تلك اللحظات.. لحظات صفاء عجيب، تكاد تلمسُ فيها (روحك) وتجسّها بيديك ! وقد يُخيّل إليك خلالها من فرط الصفاء أنك ترى مواطن الجمال فيك، وترى مواهبك رأي العين، وتنظرُ إلى ما بلغته من كل موهبة على امتداد سنوات خلت..

كلّ ذلك يتبدّى لثوان معدودات !.. فكأنما كنتَ في ظلمة ظلماء فإذا البرق يومض ومضات خاطفة تكشف فجأة عن حقائق حولك مُشكّلة برّاقة، لم تكن رأيتها من قبل أو كنتَ شاكا في وجودها أصلا ! فتسري على ظهرك قشعريرة باردة لذيذة، ترجو أن تبقى وتدوم طويلا حتى تنعم بهذا الاكتشاف الجديد.. وربما رجوتَ لو تنشرها في الناس وتصفها ليروا ما رأيت ويحسّوا ما أحسست ولكن.. هيهات !

حينها تشعر أنك كنتَ مخدوعا. أو كنتَ تظن أنك لستَ بشيء.. وكأن هناك من كانت مصلحته في تعمية هذه الحقائق عنك ! وكأن ثمة من في صالحه أن تنسى تلك المواهب التي رزقك الله، وتلك التّحف البديعة القابعة هناك داخلك في مكان ما.. وقد لطالما حاول – هذا الشيء – إقناعك أنك مجرد شخص مزيّف آخر تسري عليه آفات أكثر الناس، فتغيب وسط قطعانهم وتضيع، ثم لا يذكر اسمك بعدها أحدٌ، ولا يلتفت لذكرى وجودك أحد..

إنها مشاعر – كما أسلفتُ – يتعذّر وصفها فلا تحسبنّ ما كتبتُ وصفا لها، إنما هو وصف للعجز عن الوصف ! وكيف أصف أشياء لم يسبق أن خرجت للوجود ولم يسبق لها أن وُلدت ؟ أشياء لم تُصبغ يوما بصبغة المداد، ولم تحمل رائحته قط.. لحظات خاصة جدا، تخُصّ صاحبها فحسب. يرى فيها ما يرى، ويُحسّ ما يُحسّ، وقد تدمع عيناه لهول ما رأى أو لجمال ما تبدّى.. ثم لا يلبث حتى يطوي ذلك في صدره للأبد، ويمضي في طريقه مع الماضين، ليغرق من جديد في زيف الحياة..

رفعت خالد المزوضي

16-01-2018

مقالات فسلفية

لماذا (لا) نفعل ؟


artistic-surreal-photomanipulation-by-sarolta-ban-03

تكلمتُ سابقا عن (عدم تطبيق القواعد والملاحظات)، تكلمتُ عن (المزاجية)، وعن (خيانة وعدم احترام النفس).. مفاهيم كثيرة تكلمتُ عنها وسوّدتُ بها بياض الصفحات، لأجيب عن سؤال واحد محيّر: (لماذا لا نتغير ؟).. أو بصيغ أخرى: لماذا نعيد نفس الأخطاء ؟ لماذا نزداد غياّ ولا نرعوي ؟.. ماذا تريد منا هذه النفوس ؟ وكيف السبيل لإقناعها بالتوقف عن عبثها القاتل ؟

لا جواب..

قد تجيبُ عن كل أسئلة (لماذا تفعل كذا ؟) ولكنك عاجز غالبا أمام أسئلة (لماذا لا تفعل كذا ؟).. لماذا أكلتَ قطعة اللحم التي ليست لك ؟.. لأنك كنتَ جائعا جدا، مشتهيا بشدة فلم تتمالك نفسك مثلا.. لكن لماذا (لم) تأخذ حذرك ودخلت تلك الأمكنة المشبوهة وأنتَ تعرف أنها مشبوهة ؟.. لماذا (لا) تواظبُ على النوافل وأنت تعلم فضلها ؟ لماذا (لا) تطلب العلم وأنت خبير بضرورته ؟ لماذا (لا) تقرأ تلك الكتب المرتبة أمامك، وأنت مستلق مادّا رجليك في فراغ مهول ؟.. لا جواب !

هذا عجز.. وأكثر ما يثير الهلع هو العجز. لكأنما أنتَ مكبّل لا تملك الحركة.. ثم إذا ذكرت مكايد الشيطان – عياذا بالله – ازداد هلعك. فتقول لعله هو – أخزاه الله – من كبّلني وأحسن تكبيلي. حتى لا أغادر هذه الدائرة، ولا أكفّ عن تلكم الأخطاء..

لكن مجرد إحساسنا بالعجز وبخطورة ما نحن فيه، دليل على حياة قلوبنا – ولو كانت في مرض موتها – ودليل على وجود أمل على كل حال، وهذا كاف ليأخذ الأمل فرصته.. إذ الأمل – كالدّخان – يتسرّب من أضيق الثغرات، وفي آخر اللحظات، ليفعل ما يُشبه المُعجزات.. أليس كذلك ؟

أو لعلّ هذا من الأمور الفوق-بشرية، التي لا تستقيم إلا بتدخل إلهي – وكل شيء بإذن الإله العظيم – فلا يقترف أحدنا خطأ إلا بإذنه، ولا يُقلع عنه ويتوب منه إلا بإذنه.. لا يضل الضالّ ولا يهتدي المهتدي إلا بإذنه. فلنسأله لنا ولإخواننا الهداية والتوفيق. فإن هذه الدنيا – والله – فتّانة، والشيطان عدوّ لدود، والأعين خوّانة، والنفوس أمّارة بالفحشاء والسوء.. ويا ويح ابن آدم إن لم يأته المدد الرباني.

رفعت خالد المزوضي

19-07-2017

مقالات فسلفية

أتساءل..


9a86f42dab6ac95b3cc8558c8c916983

أتساءلُ.. ماذا لو لبثَ الإنسان وحيدا متفرّدا طَوال عُمره ولم يَتزوّج ؟ أعني.. إذا لم تُسعفه حياتُه، وضاق به الخِناق، وقُدِر عليه رزقُه بما جَنت يداه أو لحكمة يعلمها الذي خَلقه، هل في مَقدوره أن يَعثُر على طريقة يُطوّع بها حياته حتى يَجعل منها حياة (أحادية) ؟ هذا – على كل حال – خيرٌ من أن يَظلّ يبكي على مدار الساعة يَشكو بُؤس وحدانيته، أليس كذلك ؟ أو يَعيث في الأرض فسادا – عياذا بالله – وهو يظن أنه ينتقمُ من الحياة أو القدر، أو ما أوهمته نفسُه أنه ينتقم منه.. وما ينتقم – في الحقيقة – إلا من نَفسه، وما يزيدها إلا رهقا، فلا هو تَنعّم في الدنيا كما يبغي ولا…

ثم ماذا لو تزوّج ؟ أتُراه يملأُ عين زوجِه وتملأ هي عينه أبد الدهر ؟ أم يتوارى – بعد انطفاء جذوة الشباب – وراء اهتماماتها وأطفالها، ثم تُطلق لعينها وخيالها العنان، وتفتح قلبها لصور الرجال من كل الألوان، وصُورهم اليوم معلّقة في كل مكان. أم أن ما أقول ليس مجرد أوهام من وحي الغيرة التي تجري في دماء بني الإنسان ؟.. أتساءل، وحُقّ (لها) – طبعا – أن تسأل ذاتَ السؤال.

ماذا لو نال الإنسانُ شُهرةَ، وذاع صِيتُه وطار اسمُه كلّ مطار، من جرّاء عمل نافع مفيد – ولا أتكلم عن الشهرة الأخرى ! – هل تُراه يتحمّل سطوع الأضواء، ويُحافظ على أصله الأصيل، ويظل على تواضعه الأول – إن كان له تواضعٌ – أم أن قلبه الصغير لن يتحمل كل ذلكم، فيسري به داء النفاق والرياء، وحُبُّ المديح وخوف الهجاء ؟

ثم ماذا لو بقي على خموله، بل وازداد خمولا مع مرّ الأيام، وتناقص (الشهود) على حياته، حتى لا يعرفه بعض الجيران ؟.. أتُرى ذلك نافعه ؟ أم أنه يزيده تحقيرا لنفسه، ووضاعةً وقلة شان، حتى لا يُصدّق أن بإمكانه أن يغير ما بنفسه وغيره ما شاء الله له أن يُغيّر، ويترك في عَقِبه أثرا كبيرا يعرفه النّاس ويحسّونه ؟ أتساءل..

ماذا لو اغتنى الإنسان، وصارت بين يديه مقاليد الأموال يصرفها كيف يشاء، يبتاع بها ما يشتهى وما لا يشتهي، هل يجرفه الزّهو، ويُرديه الكبرياء ؟ أم أن في إمكانه الثبات أمام لمعان الدراهم، والمبالغ التي عن يمينها سلسلة طويلة من الأصفار الأنيقة، والأثاث الفخم الوثير، والسرر والأرائك والأباريق المصفوفة، والغرف النظيفة الفسيحة، والحليّ المتلألئة التي يسيل للألائها لعاب النساء ؟

أم ماذا لو افتقر هذا الإنسان، ودام على فقره وعوزه طيلة أيامه ولياليه ؟ هل يحفظ ذلك تواضعه وانكساره وإقباله على عبادة خالقه ؟ أم – على النقيض – لا يزيده إلا انشغالا وهمّا وحزنا، فتذهب نفسه حسرات على حرمانه من متع الدنيا فيجزعُ قلبه ويعجزُ عن الصبر، فيطلب المال الحرام، فيتورّط فيه، فيزداد بذلك بؤسا على بؤس والعياذ بالله، وتصيرُ حتى آخرته مهددة (بالفقر). وذلك الخسران العظيم..

أتساءل.. والله العليم الخبير.

رفعت خالد المزوضي

19-04-2017

مقالات فسلفية

عذاب الآخرين


1-hell-are-the-others-michal-boubin

هناك – لو فتّشنا – نسبة كبيرة من أفكارنا وأفعالنا هي من نصيب الآخرين ! فكم اشترينا من أشياء ليس إلاّ لأن الآخرين اشتروها، ثم يُقنع بعضنا نفسه أنما اشتراها عن رغبة واشتهاء، وكم من الابتسامات والعبارات والمنشورات لم تكن منّا ولا كانت لنا، فمتى نهتم بما يعنينا وندع الآخرين وشؤونهم، ولا ننظر إليهم – من طرف خفي – كل حين لنرى إن كانوا يلحظون وجودنا..

مسألة (العذاب هو الآخر) كما قال بعضهم لا أنفكّ أعالجها وأقلّبها في عقلي تقليبا، منذ طرقت أسماعي أول مرة. ولستُ أقول أني بمعزل عن هذا (العذاب).. ولكن أنّى الخلاص من (الآخر) على كل حال ؟ فهو بتجاهله يؤذيك، وباهتمامه وشفقته يؤذيك على حدّ سواء تقريبا. وأنت وُلدتَ وسطهم وتعيش بين ظهرانيهم، لا تملك أن تفعل غير ذلك. لاسيما في المجتمعات المتأخرة، حيث لا كهوف ثمة ولا فيافي ولا جُزر تنفرد فيها، حتى لو قدرت أو قرّرت الانفراد.

ليست المسألة مسألة جُبن وعجز، ولكن المسألة – كل المسألة – في اكتشاف هذه النفس الذائبة وسط النفوس، وجسّ هذا القلب الذي ضاعت نبضاته وسط الضوضاء. فما تدري – آخر الأمر – أيّ شيء تكون ! حتى أن المفاهيم الكبرى كالحبّ والبغض، النجاح والفشل، السعادة والشقاء، القناعة والجشع، العفة والعهر، البخل والسخاء.. كل أولئك صارت مُفعمة بالمغالطات والشبه التي هي أشبه ما يكون بالحق وما هي بحق.

من ذا الذي وضع قواعد العشق، وطقوس (الحب) والرومانسية ؟ هل تعرفه ؟ من حدّد النجاح في الشهادات الأكاديمية والبدلات الغربية والأعمال المالية ؟ ألم يكن في الناس نجاح قبل أن توجد هذه الأشياء ؟ من الذي حرّم التعددّ في النساء وسماه جشعا وقد جعله الله مُباحا، حلالا طيبا ؟ وهل تراهم وجدوا في العنوسة خيرا ويُسرا مثلا ؟ من الذي جعل من اختلاط الإناث بالذكران ومشاركة الأزواج في المسابقات التلفزية، ورقصهم وغنائهم تفتحا ونشاطا وتسلية، وسمى العفة وهجران المنكرات – طاعة للرب – كبتا وجهلا وظلاما ؟

إن حياتنا وسط هذه المغالطات إن لم تُفسد فطراتنا الأصيلة – وقد أفسدت الكثير منها فعلا – فإنها تضعنا في صراع دائم مرهق مع أنفسنا حتى نذكرها كل مرة بالصواب وسط هذه الأطنان من المغالطات، وصراع مع نسائنا حتى نقنعهن بخطأ آلاف الأفكار والسلوكيات التي ابتلين بها، وهو صراع ينشأ عنه في كثير من الأحيان دمار الأسر وشتاتها، وصراع – كذلك – مع أبنائنا وهو الأشد، إذ تجري هذه الطفرات الخبيثة في مجاري دمائهم منذ يفوعتهم، فمتى – يا تُرى – تغادرهم ؟

الله هو المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

رفعت خالد المزوضي

05-05-2017

مقالات فسلفية

مشروع الحياة


2016-05-07_data-analysis-is-the-prerequisite_blackboard-600x343

في كل أطوار الحياة، وخصوصا في الطور الانتقالي الذي قد يعيشه المرء فيما بين الدراسة والعمل فائضٌ من الفراغ وفائضٌ من الوساوس، وفائضٌ من كلام الناس وفائضٌ من المخاوف والكوابيس. وكل تلك تُشوّش عليه، وتحجُبُ عنه النظر السديد، فلا يرى إذا مدّ بصره إلاّ فوضى من الأشياء والكلمات التي لا معنى لها، حتى يتعذّر عليه المسير فيقف حائرا متخبّطا، ويسأل في ماذا بقاؤه على قيد الحياة ؟

في خضمّ كلّ ذلكم يبقى المفروض على هذا الإنسان أن يواصل كفاحه في (مشروع الحياة) الذي هو أهلٌ له، متوكلا على الله جلّ في علاه وحده، غير عابئ بأكثر المشاريع والآراء التي تعجّ حوله. ولا مستمع لكثير مما يقولُ أهل زمانه، فإن كثيرا مما يقولون إما مُثبّط من المثبّطات أو مضيعة للأوقات، والقليل منه النافع المفيد.

في هذا الطوّر بالذات الذي يسمّونه (البطالة)، يكون المرء قد قارب النضج العقلي والعاطفي، فلا هو في المراهقة المشتعلة، ولا في عجز المشيب. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ثم هو غير منشغل بالمناهج الدراسية، ولا منخرط في مهمات وظيفية.. ولذلك يمرح الشيطان بجنبه ويرتع، عياذا بالله. فيوسوس له الوساوس، ويصنع له الأوهام والكوابيس.. يُضخّم هذا ويهوّن ذاك، ويزيّن هذه ويُقبّح تلك. فيغيب وسط هذه الزوابع مشروعُ حياته الذي كان يُمنّي النفس به، ويستعدّ له منذ سنوات.. ويختلط عليه كل شيء، وتكثر الطرائد أمام عينيه، ويتوهمّ الغنائم في الأفق كما يتوهّم الماءَ من ضاع في الصحراء. ثم يُسقط بين قدميه، ويكون كمن قيل فيه (تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراشٌ ما يصيد) !

هنالك وجب التشمير والصمود الكثير. هنالك القتال والجهاد.. جهادُ النّفس قبل كلّ عدوّ، وقتالُ الجزع واليأس. وما هو – آخر الأمر – إلا طورٌ قد خلت من قبله أطوار، والله المستعان على كل حال.

 

رفعت خالد المزوضي

05-04-2017

مقالات فسلفية

الذي يبقى لك من الحياة


22

ما أقسى ذاك الشعور بالخيبة والغبن، حينما يبسُمُ قلبك بعد شهور من التلاحم مع امتحانات الحياة العسيرة ومفاجآتها الصّادمة، وتقلّباتها المريرة. التي أنستك ما يُسمّى المرح، وأنستك الابتسام وأنستك الفرح !

نعم ما أقسى ذاك الشعور وما أفظعه. ويكون ماذا لو تماسكتَ لئلا تغرق في بحر الحياة اللُجّي، فيضيع منك ما ضاع من العمر الثمين، والساعات التي تعدّ بالملايين ؟ يكون ماذا لو ملأت تلك الساعات بكل نافع مفيد ؟ وتملّيت بتفاصيلها الصغيرة، والتذذت بلذائذها، وشممت من عطرها وأريجها ؟

آه كم أليمة هي تلك الخيبة، ولكن لعلنا لم نكن نستحقُ ما نريد من ذاك النعيم المفقود، وكيف نستحقه وأعمالنا أعمالنا التي نعرف ؟ وقلوبنا هذه القلوب الملأى ببثور الآثام القبيحة ؟ نعم.. لعلنا لا نستحق، وخليق بنا أن نقنع بما وجدنا من راحة ولو كُدّرت، وما فضل لنا من مجالس هادئة ولو ندُرت، وساعات هنيئة ولو قصُرت، ورشفات دافئة ولو بردت، ولقمات مريئة ولو قلّت. أوليسَ ذاك من الرزق الذي فضّل الله به الناس بعضهم على بعض ؟ بلى وهو الرزاق العليم. يُعطي بالقدر الذي يعلم أنه أجدى بالنفع، ويمنع إذا اقتضت حكمته المنع. ثم لا مُعقب لحكمه إذا حكم. سُبحانه، جلّت قدرته وتقدّست أسماؤه وتعالى في عليائه.

رفعت خالد المزوضي

16-12-2016

مقالات فسلفية

العجز عن عدم الإفساد !


images

قال خالق كل شيء: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، إنّ إلى ربك الرجعى). وجاء في تفسير الطبري رحمه الله لهذه الآيات: (يقول تعالى ذكره: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان أن يُنعِم عليه ربُّه بتسويته خَلقه، وتعليمه ما لم يكن يعلم، وإنعامه بما لا كُفءَ له، ثم يكفر بربه الذي فعل به ذلك، ويطغى عليه، أن رآه استغنى. إن إلى ربك يا محمد مَرْجِعَه، فذائق من أليم عقابه ما لا قبل له به). اهـ

إن تكبّر الإنسان وعُجبه بما في حوزته من ممتلكات ومعارف هي ضئيلة كل الضآلة إذا ما قيست بشساعة الكون لأمر عجيب كل العجب. واستغناؤه وأمنه، بل وسعيه لتقديس نفسه و(حقوقه) فوق كل اعتبار، لدرجة (الألوهية) أعجب من ذلك وأغرب ! وإذا ما أعملنا الفكر في ما صنع هذا الإنسان منذ فجر التاريخ، وما أنشأ فوق هذه الأرض وتحتها، وكذا رحلاته (الخجلى) في السماء حواليها، من دون أن نغفل – ونحن نتفكّر – أصل الأشياء ومصادرها، فسنجد حتى هذه المخترعات والمنشآت والحلول الذكية التي أثرى الإنسان بها حياته، ما هي إلا نتائج بسيطة لاستخدامه آلة جبارة عنده.. العقل. فما أصل هذه الآلة نفسها ؟ من ابتكرها ومن أودعها جمجمته ؟ أفتمّ تركيبها في معمل بالصين، فوق بساط متحرك يمرّ عليه الناس مفتوحي الرؤوس، فتضع يدٌ آلية عقلا في كل رأس، وتختم أخرى هذا الرأس مع فروة من الشعر، وعبارة (صُنع في الصين) ؟

متابعة قراءة “العجز عن عدم الإفساد !”

مقالات فسلفية

السياقة بلا رُخصة


caution__student_driver_by_zedarean

هناك رُخصٌ لسياقة كل شيء، حتى الغواصات تحت الماء، والمكوكات في جنبات الفضاء. ولكن كم منا لديه رخصة لسياقة نفسه ؟

أوَلا تحتاج هذه النفوس لمقود ومكابح ومعدّل سرعات ؟.. يكفي أن تنظر للدهماء في الشارع، لترى سيارات تتسابق بتهوّر، وتطلق لأبواقها العنان وتسفك الدماء ولا تُبالي.. أين تعلّم هؤلاء السياقة من قبل ؟ أم أنهم أطفال وجدوا سيارات فاعتلوها فرحين، وانطلقوا بأقصى ما في جهدهم، لا يلوون على شيء !

بل انظر لنفسك قبل ذلك، ولأنظر لنفسي.. هل تعلّمنا يوما كيف نسوق أنفسنا ؟ هل علّمنا آباؤنا – غفر الله لهم وجزاهم الجزاء الحسن – ؟ هل تلقيتَ من قبل دروسا مفصّلة في تقنيات مراوغة الغضب، أو طُرق مناورة الشهوة ؟ أوَلسنا إلى (رخصة) في هذه الأمور أحوج منا إلى شهادة في (التسيير الربوي للشركات) ؟

إنها التربية الغائبة عند المربين قبل المتربين.. إنها الحلقة المفقودة التي قد لا تجدها – أحيانا – حتى مع توافر المعتقد الصحيح الذي هو أساس كل شيء ! والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ولكن النظرة من داخل المجتمع لا تشمل كل أبعاد الحقيقة، إذ قد تمّ التعارف على ثوابت وقواعد وعبارات وحركات وردود أفعال ما أنزل الله بها من سلطان، ولكنها عندنا صواب، ولا نكاد نرى الصواب في غيرها. ولذلك تتواتر هذه الأخلاقيات جيلا بعد جيل.. فيقلد الطفل أباه، ثم زميله في أقسام المدرسة، ثم أستاذه في مدرجات الجامعة، ثم كاتبه المفضل بين صفحات الكتب، أو هذا المغني أو ذاك الممثل، وربما شيخ مبتدع ضال مُضلّل.. فمتى يخرج الإنسان من الحلقة المفرغة هذه ؟ متى يتوقف ليسأل ويجيل النظر فيما حوله، وينتبه قليلا لما تعلّمه وما لم يتعّلمه، ويتأمّل هذه الفوضى حوله التي يُسمّونها حياة !

ولكنه غياب النموذج المقتدى، والمثال الذي يُحتذى، وهو ما جعلنا نقود بلا رخصة، ثم نظنّ – بعدُ – أننا نُحسن القيادة !

رفعت خالد المزوضي