مقالات فسلفية

لماذا (لا) نفعل ؟


artistic-surreal-photomanipulation-by-sarolta-ban-03

تكلمتُ سابقا عن (عدم تطبيق القواعد والملاحظات)، تكلمتُ عن (المزاجية)، وعن (خيانة وعدم احترام النفس).. مفاهيم كثيرة تكلمتُ عنها وسوّدتُ بها بياض الصفحات، لأجيب عن سؤال واحد محيّر: (لماذا لا نتغير ؟).. أو بصيغ أخرى: لماذا نعيد نفس الأخطاء ؟ لماذا نزداد غياّ ولا نرعوي ؟.. ماذا تريد منا هذه النفوس ؟ وكيف السبيل لإقناعها بالتوقف عن عبثها القاتل ؟

لا جواب..

قد تجيبُ عن كل أسئلة (لماذا تفعل كذا ؟) ولكنك عاجز غالبا أمام أسئلة (لماذا لا تفعل كذا ؟).. لماذا أكلتَ قطعة اللحم التي ليست لك ؟.. لأنك كنتَ جائعا جدا، مشتهيا بشدة فلم تتمالك نفسك مثلا.. لكن لماذا (لم) تأخذ حذرك ودخلت تلك الأمكنة المشبوهة وأنتَ تعرف أنها مشبوهة ؟.. لماذا (لا) تواظبُ على النوافل وأنت تعلم فضلها ؟ لماذا (لا) تطلب العلم وأنت خبير بضرورته ؟ لماذا (لا) تقرأ تلك الكتب المرتبة أمامك، وأنت مستلق مادّا رجليك في فراغ مهول ؟.. لا جواب !

هذا عجز.. وأكثر ما يثير الهلع هو العجز. لكأنما أنتَ مكبّل لا تملك الحركة.. ثم إذا ذكرت مكايد الشيطان – عياذا بالله – ازداد هلعك. فتقول لعله هو – أخزاه الله – من كبّلني وأحسن تكبيلي. حتى لا أغادر هذه الدائرة، ولا أكفّ عن تلكم الأخطاء..

لكن مجرد إحساسنا بالعجز وبخطورة ما نحن فيه، دليل على حياة قلوبنا – ولو كانت في مرض موتها – ودليل على وجود أمل على كل حال، وهذا كاف ليأخذ الأمل فرصته.. إذ الأمل – كالدّخان – يتسرّب من أضيق الثغرات، وفي آخر اللحظات، ليفعل ما يُشبه المُعجزات.. أليس كذلك ؟

أو لعلّ هذا من الأمور الفوق-بشرية، التي لا تستقيم إلا بتدخل إلهي – وكل شيء بإذن الإله العظيم – فلا يقترف أحدنا خطأ إلا بإذنه، ولا يُقلع عنه ويتوب منه إلا بإذنه.. لا يضل الضالّ ولا يهتدي المهتدي إلا بإذنه. فلنسأله لنا ولإخواننا الهداية والتوفيق. فإن هذه الدنيا – والله – فتّانة، والشيطان عدوّ لدود، والأعين خوّانة، والنفوس أمّارة بالفحشاء والسوء.. ويا ويح ابن آدم إن لم يأته المدد الرباني.

رفعت خالد المزوضي

19-07-2017

مقالات فسلفية

أتساءل..


9a86f42dab6ac95b3cc8558c8c916983

أتساءلُ.. ماذا لو لبثَ الإنسان وحيدا متفرّدا طَوال عُمره ولم يَتزوّج ؟ أعني.. إذا لم تُسعفه حياتُه، وضاق به الخِناق، وقُدِر عليه رزقُه بما جَنت يداه أو لحكمة يعلمها الذي خَلقه، هل في مَقدوره أن يَعثُر على طريقة يُطوّع بها حياته حتى يَجعل منها حياة (أحادية) ؟ هذا – على كل حال – خيرٌ من أن يَظلّ يبكي على مدار الساعة يَشكو بُؤس وحدانيته، أليس كذلك ؟ أو يَعيث في الأرض فسادا – عياذا بالله – وهو يظن أنه ينتقمُ من الحياة أو القدر، أو ما أوهمته نفسُه أنه ينتقم منه.. وما ينتقم – في الحقيقة – إلا من نَفسه، وما يزيدها إلا رهقا، فلا هو تَنعّم في الدنيا كما يبغي ولا…

ثم ماذا لو تزوّج ؟ أتُراه يملأُ عين زوجِه وتملأ هي عينه أبد الدهر ؟ أم يتوارى – بعد انطفاء جذوة الشباب – وراء اهتماماتها وأطفالها، ثم تُطلق لعينها وخيالها العنان، وتفتح قلبها لصور الرجال من كل الألوان، وصُورهم اليوم معلّقة في كل مكان. أم أن ما أقول ليس مجرد أوهام من وحي الغيرة التي تجري في دماء بني الإنسان ؟.. أتساءل، وحُقّ (لها) – طبعا – أن تسأل ذاتَ السؤال.

ماذا لو نال الإنسانُ شُهرةَ، وذاع صِيتُه وطار اسمُه كلّ مطار، من جرّاء عمل نافع مفيد – ولا أتكلم عن الشهرة الأخرى ! – هل تُراه يتحمّل سطوع الأضواء، ويُحافظ على أصله الأصيل، ويظل على تواضعه الأول – إن كان له تواضعٌ – أم أن قلبه الصغير لن يتحمل كل ذلكم، فيسري به داء النفاق والرياء، وحُبُّ المديح وخوف الهجاء ؟

ثم ماذا لو بقي على خموله، بل وازداد خمولا مع مرّ الأيام، وتناقص (الشهود) على حياته، حتى لا يعرفه بعض الجيران ؟.. أتُرى ذلك نافعه ؟ أم أنه يزيده تحقيرا لنفسه، ووضاعةً وقلة شان، حتى لا يُصدّق أن بإمكانه أن يغير ما بنفسه وغيره ما شاء الله له أن يُغيّر، ويترك في عَقِبه أثرا كبيرا يعرفه النّاس ويحسّونه ؟ أتساءل..

ماذا لو اغتنى الإنسان، وصارت بين يديه مقاليد الأموال يصرفها كيف يشاء، يبتاع بها ما يشتهى وما لا يشتهي، هل يجرفه الزّهو، ويُرديه الكبرياء ؟ أم أن في إمكانه الثبات أمام لمعان الدراهم، والمبالغ التي عن يمينها سلسلة طويلة من الأصفار الأنيقة، والأثاث الفخم الوثير، والسرر والأرائك والأباريق المصفوفة، والغرف النظيفة الفسيحة، والحليّ المتلألئة التي يسيل للألائها لعاب النساء ؟

أم ماذا لو افتقر هذا الإنسان، ودام على فقره وعوزه طيلة أيامه ولياليه ؟ هل يحفظ ذلك تواضعه وانكساره وإقباله على عبادة خالقه ؟ أم – على النقيض – لا يزيده إلا انشغالا وهمّا وحزنا، فتذهب نفسه حسرات على حرمانه من متع الدنيا فيجزعُ قلبه ويعجزُ عن الصبر، فيطلب المال الحرام، فيتورّط فيه، فيزداد بذلك بؤسا على بؤس والعياذ بالله، وتصيرُ حتى آخرته مهددة (بالفقر). وذلك الخسران العظيم..

أتساءل.. والله العليم الخبير.

رفعت خالد المزوضي

19-04-2017

مقالات فسلفية

عذاب الآخرين


1-hell-are-the-others-michal-boubin

هناك – لو فتّشنا – نسبة كبيرة من أفكارنا وأفعالنا هي من نصيب الآخرين ! فكم اشترينا من أشياء ليس إلاّ لأن الآخرين اشتروها، ثم يُقنع بعضنا نفسه أنما اشتراها عن رغبة واشتهاء، وكم من الابتسامات والعبارات والمنشورات لم تكن منّا ولا كانت لنا، فمتى نهتم بما يعنينا وندع الآخرين وشؤونهم، ولا ننظر إليهم – من طرف خفي – كل حين لنرى إن كانوا يلحظون وجودنا..

مسألة (العذاب هو الآخر) كما قال بعضهم لا أنفكّ أعالجها وأقلّبها في عقلي تقليبا، منذ طرقت أسماعي أول مرة. ولستُ أقول أني بمعزل عن هذا (العذاب).. ولكن أنّى الخلاص من (الآخر) على كل حال ؟ فهو بتجاهله يؤذيك، وباهتمامه وشفقته يؤذيك على حدّ سواء تقريبا. وأنت وُلدتَ وسطهم وتعيش بين ظهرانيهم، لا تملك أن تفعل غير ذلك. لاسيما في المجتمعات المتأخرة، حيث لا كهوف ثمة ولا فيافي ولا جُزر تنفرد فيها، حتى لو قدرت أو قرّرت الانفراد.

ليست المسألة مسألة جُبن وعجز، ولكن المسألة – كل المسألة – في اكتشاف هذه النفس الذائبة وسط النفوس، وجسّ هذا القلب الذي ضاعت نبضاته وسط الضوضاء. فما تدري – آخر الأمر – أيّ شيء تكون ! حتى أن المفاهيم الكبرى كالحبّ والبغض، النجاح والفشل، السعادة والشقاء، القناعة والجشع، العفة والعهر، البخل والسخاء.. كل أولئك صارت مُفعمة بالمغالطات والشبه التي هي أشبه ما يكون بالحق وما هي بحق.

من ذا الذي وضع قواعد العشق، وطقوس (الحب) والرومانسية ؟ هل تعرفه ؟ من حدّد النجاح في الشهادات الأكاديمية والبدلات الغربية والأعمال المالية ؟ ألم يكن في الناس نجاح قبل أن توجد هذه الأشياء ؟ من الذي حرّم التعددّ في النساء وسماه جشعا وقد جعله الله مُباحا، حلالا طيبا ؟ وهل تراهم وجدوا في العنوسة خيرا ويُسرا مثلا ؟ من الذي جعل من اختلاط الإناث بالذكران ومشاركة الأزواج في المسابقات التلفزية، ورقصهم وغنائهم تفتحا ونشاطا وتسلية، وسمى العفة وهجران المنكرات – طاعة للرب – كبتا وجهلا وظلاما ؟

إن حياتنا وسط هذه المغالطات إن لم تُفسد فطراتنا الأصيلة – وقد أفسدت الكثير منها فعلا – فإنها تضعنا في صراع دائم مرهق مع أنفسنا حتى نذكرها كل مرة بالصواب وسط هذه الأطنان من المغالطات، وصراع مع نسائنا حتى نقنعهن بخطأ آلاف الأفكار والسلوكيات التي ابتلين بها، وهو صراع ينشأ عنه في كثير من الأحيان دمار الأسر وشتاتها، وصراع – كذلك – مع أبنائنا وهو الأشد، إذ تجري هذه الطفرات الخبيثة في مجاري دمائهم منذ يفوعتهم، فمتى – يا تُرى – تغادرهم ؟

الله هو المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

رفعت خالد المزوضي

05-05-2017

مقالات فسلفية

مشروع الحياة


2016-05-07_data-analysis-is-the-prerequisite_blackboard-600x343

في كل أطوار الحياة، وخصوصا في الطور الانتقالي الذي قد يعيشه المرء فيما بين الدراسة والعمل فائضٌ من الفراغ وفائضٌ من الوساوس، وفائضٌ من كلام الناس وفائضٌ من المخاوف والكوابيس. وكل تلك تُشوّش عليه، وتحجُبُ عنه النظر السديد، فلا يرى إذا مدّ بصره إلاّ فوضى من الأشياء والكلمات التي لا معنى لها، حتى يتعذّر عليه المسير فيقف حائرا متخبّطا، ويسأل في ماذا بقاؤه على قيد الحياة ؟

في خضمّ كلّ ذلكم يبقى المفروض على هذا الإنسان أن يواصل كفاحه في (مشروع الحياة) الذي هو أهلٌ له، متوكلا على الله جلّ في علاه وحده، غير عابئ بأكثر المشاريع والآراء التي تعجّ حوله. ولا مستمع لكثير مما يقولُ أهل زمانه، فإن كثيرا مما يقولون إما مُثبّط من المثبّطات أو مضيعة للأوقات، والقليل منه النافع المفيد.

في هذا الطوّر بالذات الذي يسمّونه (البطالة)، يكون المرء قد قارب النضج العقلي والعاطفي، فلا هو في المراهقة المشتعلة، ولا في عجز المشيب. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ثم هو غير منشغل بالمناهج الدراسية، ولا منخرط في مهمات وظيفية.. ولذلك يمرح الشيطان بجنبه ويرتع، عياذا بالله. فيوسوس له الوساوس، ويصنع له الأوهام والكوابيس.. يُضخّم هذا ويهوّن ذاك، ويزيّن هذه ويُقبّح تلك. فيغيب وسط هذه الزوابع مشروعُ حياته الذي كان يُمنّي النفس به، ويستعدّ له منذ سنوات.. ويختلط عليه كل شيء، وتكثر الطرائد أمام عينيه، ويتوهمّ الغنائم في الأفق كما يتوهّم الماءَ من ضاع في الصحراء. ثم يُسقط بين قدميه، ويكون كمن قيل فيه (تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراشٌ ما يصيد) !

هنالك وجب التشمير والصمود الكثير. هنالك القتال والجهاد.. جهادُ النّفس قبل كلّ عدوّ، وقتالُ الجزع واليأس. وما هو – آخر الأمر – إلا طورٌ قد خلت من قبله أطوار، والله المستعان على كل حال.

 

رفعت خالد المزوضي

05-04-2017

مقالات فسلفية

الذي يبقى لك من الحياة


22

ما أقسى ذاك الشعور بالخيبة والغبن، حينما يبسُمُ قلبك بعد شهور من التلاحم مع امتحانات الحياة العسيرة ومفاجآتها الصّادمة، وتقلّباتها المريرة. التي أنستك ما يُسمّى المرح، وأنستك الابتسام وأنستك الفرح !

نعم ما أقسى ذاك الشعور وما أفظعه. ويكون ماذا لو تماسكتَ لئلا تغرق في بحر الحياة اللُجّي، فيضيع منك ما ضاع من العمر الثمين، والساعات التي تعدّ بالملايين ؟ يكون ماذا لو ملأت تلك الساعات بكل نافع مفيد ؟ وتملّيت بتفاصيلها الصغيرة، والتذذت بلذائذها، وشممت من عطرها وأريجها ؟

آه كم أليمة هي تلك الخيبة، ولكن لعلنا لم نكن نستحقُ ما نريد من ذاك النعيم المفقود، وكيف نستحقه وأعمالنا أعمالنا التي نعرف ؟ وقلوبنا هذه القلوب الملأى ببثور الآثام القبيحة ؟ نعم.. لعلنا لا نستحق، وخليق بنا أن نقنع بما وجدنا من راحة ولو كُدّرت، وما فضل لنا من مجالس هادئة ولو ندُرت، وساعات هنيئة ولو قصُرت، ورشفات دافئة ولو بردت، ولقمات مريئة ولو قلّت. أوليسَ ذاك من الرزق الذي فضّل الله به الناس بعضهم على بعض ؟ بلى وهو الرزاق العليم. يُعطي بالقدر الذي يعلم أنه أجدى بالنفع، ويمنع إذا اقتضت حكمته المنع. ثم لا مُعقب لحكمه إذا حكم. سُبحانه، جلّت قدرته وتقدّست أسماؤه وتعالى في عليائه.

رفعت خالد المزوضي

16-12-2016

مقالات فسلفية

العجز عن عدم الإفساد !


images

قال خالق كل شيء: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، إنّ إلى ربك الرجعى). وجاء في تفسير الطبري رحمه الله لهذه الآيات: (يقول تعالى ذكره: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان أن يُنعِم عليه ربُّه بتسويته خَلقه، وتعليمه ما لم يكن يعلم، وإنعامه بما لا كُفءَ له، ثم يكفر بربه الذي فعل به ذلك، ويطغى عليه، أن رآه استغنى. إن إلى ربك يا محمد مَرْجِعَه، فذائق من أليم عقابه ما لا قبل له به). اهـ

إن تكبّر الإنسان وعُجبه بما في حوزته من ممتلكات ومعارف هي ضئيلة كل الضآلة إذا ما قيست بشساعة الكون لأمر عجيب كل العجب. واستغناؤه وأمنه، بل وسعيه لتقديس نفسه و(حقوقه) فوق كل اعتبار، لدرجة (الألوهية) أعجب من ذلك وأغرب ! وإذا ما أعملنا الفكر في ما صنع هذا الإنسان منذ فجر التاريخ، وما أنشأ فوق هذه الأرض وتحتها، وكذا رحلاته (الخجلى) في السماء حواليها، من دون أن نغفل – ونحن نتفكّر – أصل الأشياء ومصادرها، فسنجد حتى هذه المخترعات والمنشآت والحلول الذكية التي أثرى الإنسان بها حياته، ما هي إلا نتائج بسيطة لاستخدامه آلة جبارة عنده.. العقل. فما أصل هذه الآلة نفسها ؟ من ابتكرها ومن أودعها جمجمته ؟ أفتمّ تركيبها في معمل بالصين، فوق بساط متحرك يمرّ عليه الناس مفتوحي الرؤوس، فتضع يدٌ آلية عقلا في كل رأس، وتختم أخرى هذا الرأس مع فروة من الشعر، وعبارة (صُنع في الصين) ؟

Continue reading “العجز عن عدم الإفساد !”

مقالات فسلفية

السياقة بلا رُخصة


caution__student_driver_by_zedarean

هناك رُخصٌ لسياقة كل شيء، حتى الغواصات تحت الماء، والمكوكات في جنبات الفضاء. ولكن كم منا لديه رخصة لسياقة نفسه ؟

أوَلا تحتاج هذه النفوس لمقود ومكابح ومعدّل سرعات ؟.. يكفي أن تنظر للدهماء في الشارع، لترى سيارات تتسابق بتهوّر، وتطلق لأبواقها العنان وتسفك الدماء ولا تُبالي.. أين تعلّم هؤلاء السياقة من قبل ؟ أم أنهم أطفال وجدوا سيارات فاعتلوها فرحين، وانطلقوا بأقصى ما في جهدهم، لا يلوون على شيء !

بل انظر لنفسك قبل ذلك، ولأنظر لنفسي.. هل تعلّمنا يوما كيف نسوق أنفسنا ؟ هل علّمنا آباؤنا – غفر الله لهم وجزاهم الجزاء الحسن – ؟ هل تلقيتَ من قبل دروسا مفصّلة في تقنيات مراوغة الغضب، أو طُرق مناورة الشهوة ؟ أوَلسنا إلى (رخصة) في هذه الأمور أحوج منا إلى شهادة في (التسيير الربوي للشركات) ؟

إنها التربية الغائبة عند المربين قبل المتربين.. إنها الحلقة المفقودة التي قد لا تجدها – أحيانا – حتى مع توافر المعتقد الصحيح الذي هو أساس كل شيء ! والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ولكن النظرة من داخل المجتمع لا تشمل كل أبعاد الحقيقة، إذ قد تمّ التعارف على ثوابت وقواعد وعبارات وحركات وردود أفعال ما أنزل الله بها من سلطان، ولكنها عندنا صواب، ولا نكاد نرى الصواب في غيرها. ولذلك تتواتر هذه الأخلاقيات جيلا بعد جيل.. فيقلد الطفل أباه، ثم زميله في أقسام المدرسة، ثم أستاذه في مدرجات الجامعة، ثم كاتبه المفضل بين صفحات الكتب، أو هذا المغني أو ذاك الممثل، وربما شيخ مبتدع ضال مُضلّل.. فمتى يخرج الإنسان من الحلقة المفرغة هذه ؟ متى يتوقف ليسأل ويجيل النظر فيما حوله، وينتبه قليلا لما تعلّمه وما لم يتعّلمه، ويتأمّل هذه الفوضى حوله التي يُسمّونها حياة !

ولكنه غياب النموذج المقتدى، والمثال الذي يُحتذى، وهو ما جعلنا نقود بلا رخصة، ثم نظنّ – بعدُ – أننا نُحسن القيادة !

رفعت خالد المزوضي

مقالات فسلفية

حياة بلاستيكية !


%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9-%d8%a8%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%8a%d9%83%d9%8a%d8%a9

في عصرنا المالي بامتياز صارت كل فكرة من شأنها أن تدرّ دراهما مرحبا بها، فظهرت علوم جديدة مشتقة عن علوم، وبرزت اختصاصات داخل اختصاصات، وصارت المدارس تُدرّس ما لم يكن الأولون في حاجة لدرسه !

فالثقة في النفس لها دروس وكتب اليوم، مع ما في هذا المفهوم من تضخيم وتقديس للنفس البشرية التي هي دون ذلك بكثير. وصارت ثمة دورات في طرق إقناع الزّبون والتحايل عليه بكل سبيل ممكن، ودورات في ماهية القراءة، ومحاضرات تتساءل عن ما هو الكتاب ؟ وما المدينة ؟ وما الإنسان ؟ ولماذا نلبس الملابس ؟ وكتب لها عناوين على غرار (الأولوية للأولويات) ! وقد تجد لافتة تدعوك لحضور محاضرة بعنوان (ماذا يريد الطفل من أمه ؟)، وكأن هناك من يعتقد أن الطفل يريد من أمه حلا سياسيا للأزمة بين الهند وباكستان مثلا !

“كثرة القوانين تقتل القوانين” فعلا، كما يقول الفرنسيون عن الشيء إذا زاد عن حدّه، وهذا ما وقع في زماننا، فافتُعلت علوم ودراسات لا داعي لها من الأساس، إلاّ داعي الجيب.. حتى ما عادت للإنسان تلك الفسحة لاكتشاف الأشياء لوحده، وتكوين ذوق خاص ورأي من عند نفسه..

أما الطامة الكبرى أن هذه الاجتهادات المتحذلقة طالت حتى دين رب السماوات والأرض الذي ارتضاه لعباده، فخرجت علينا قراءات جديدة للقرآن، وتفسيرات عصرية لسنة العدنان عليه أزكى صلاة وسلام. فأين يذهب هذا الإنسان ؟ وهو حيثما تلفّت يجد عشرات القوانين ؟ وماذا يأخذ أم ماذا يدع في هذه التفسيرات والقواعد التي تلاحقه حيثما يمّم وجهه ؟

خلاصة المقال أن إنسان هذا الزمان قد ابتعد في طريقه جدا عن الفطرة الأصيلة وأصول الأشياء، لمّا انبهر بالعلوم الحديثة، وشغف قلبه سنا بريق الدرهم والدينار.. فصرنا نحيا حياة لا كحياة الأسلاف الساخنة الطريّة، التي كانت لها رائحة الرّوض الممطور.. فصارت حياتنا اليوم باردة، وصارت ورودها الاصطناعية تفلة من غير عطور ! فكأنها (حياة بلاستيكية) مُعلّبة، ومكتوب على علبتها: (تعلّم قوانين الحياة الجديدة في عشرة أيام بدون معلّم) !

رفعت خالد المزوضي

21-10-2016

مقالات فسلفية

فكرتان


theater-570-320x240

بسم الله الرحمن الرحيم..

هناك فكرتان تقضيان – وإن مُؤقتا – على كل مشكل دنيوي يعترض طريقي، وذلك ما تغلغلت إحداهما أو كلاهما بدواخلي وملكتا عليّ تركيزي وملأتا شاشة نظام تشغيلي حتى تتوارى خلفهما باقي “النوافذ” المبعثرة.. فتنحلّ – عندئذ – عُقد نفسي واحدة تلو الأخرى، وتنبسط أساريري تباعا.. وربما ضحكتُ على نفسي حتى الثمالة وتقلّصت الدنيا في ناظري حتى عادت مثل الحُثالة، وهزأت من التحديات أيّا كانت ومن الخسارات مهما بلغت.. كل ذلكم لا يهمني إذا ما حضرتني إحدى تلك الفكرتين.

Continue reading “فكرتان”

مقالات فسلفية

هل (الجحيم هو الآخر) على رأي (سارتر) الكافر.. أم أن نفسك من توردك المخاطر ؟


lPFgnuAlyGw69ndjA1dh9BxKjeg@312x175.gif

صرتُ أمقتُ الفلسفة وأعافها، لاسيما في سنيني الأخيرة عندما منّ الله عليّ بفضله فعرّفني ضررها على عقيدة المؤمن.. حتى صرتُ أشمئز من عناوين كتبها، وعادت عندي كما قال أحد الكتاب (كلاما عن التفاحة بدل أكلها).  

وإني أذكر تلاوتنا في فصول الثانوية لتلك النصوص السخيفة التي سموها زورا وبهتانا (فلسفة وفكرا إسلاميا).. إسلاميا ؟ كيف وهي تحمل الإلحاد الصريح والزندقة البيّنة !.. كلا، ما تلك النصوص – على الحقيقة – إلا ثرثرة وشقشقة كلام لا تُسمن ولا تغني من بِه جوع المعرفة.. فهذا يقول كذا في أطروحته والآخر يردّ عليه ويطرح أطروحته أرضا ويُفنّد رأيه ويشك في مقالته وفي وجود أمه نفسها ! أي سفه ؟.. أفكّلما جنّ أحدهم جاؤوا به وسمّوه فيلسوفا ؟

ولكن هناك ضرب من الأفكار – ليست تلك التي تخوض في الذات الإلهية – تأبى إلا التّشغيب والتفريخ في عقولنا.. فإما أن نقف على أثارة من علم نافع نضيء به تلك البؤرة المعتمة في أذهاننا وإما لا نجد..

هذه الأفكار الضبابية الهائمة التي كلّما مددت يدا لتمسك طرف خيط من خيوطها أو جناح عصفور من عصافيرها انزلق الخيط أو طار العصفور مولولا ثم لا تلبث حتى يخرج لك عصفور مستفزّ آخر من ركن ثانٍ..  

Continue reading “هل (الجحيم هو الآخر) على رأي (سارتر) الكافر.. أم أن نفسك من توردك المخاطر ؟”

مقالات فسلفية

الإنسان.. هذا البائس المسكين !


man_at_crossroad_450

يُنفق الإنسان – هذا البائس المسكين – من عمره سنوات ذوات العدد حتى يتسنّى له إدراك حقيقة ما استطاع من ألغاز هذا العالم الذي أناخ فيه راحلته.. ويفهم ما يُطيق من غوامض نفسه البشرية التي تلهج بداخله وتلهث وتتلاطم فيها النوازع والشهوات تلاطم أمواج البحر العاتيات.. أما النفوس البشرية الغريبة الملثمة من حوله فيكاد ينعدم السبيل إلى سبر أغوارها !

وهكذا يذهب شطرٌ مهم من عمر هذا الإنسان في فضول الاكتشاف ولذة التجريب قبل أن ينتبه لنفسه وهو في منتصف العمر – أو يزيد – واقفا في مفترق طرق متشابك مُحيّر.. فيتلفّت خلفه بحسرة، كيف مضى كل هذا العمر ولم يُحقّق – بعدُ – شيئا من أحلام قلبه القديمة وأمانيه المتراكمة ؟.. كيف مضى ما مضى وهو يكاد يكون نكرة لم يترك لأقاربه وذويه ما يذكرونه به بعد رحيله، فضلا عن تركة تذكره بها الإنسانية جمعاء !

وكذلك يجد الإنسان – هذا البائس المسكين – نفسه أمام خيارات صعبة مُخيفة.. أيستمر في سيره مع السائرين دون سؤال عن الوجهة.. متغافلا، مُتظاهرا بأن الحياة رائعة وأن كل شيء على ما يُرام ؟ هل يسكتُ عما يعلمه من الحق الذي تكاد فطرته تُقسم على صحّته – لو ملكت لسانا مبينا – لينعم بالراحة وينجو من الجدال ويفلت من العداوات التي لا يفلت منها من أعلن الحقّ أبدا ؟.. هل يجرؤ ؟

Continue reading “الإنسان.. هذا البائس المسكين !”

مقالات فسلفية

كلامٌ في السّعادة المفقودة والكينونة في الليمونة !


happiness-Oana1

إنما نُحسّ السعادة ونجد بردها لمّا نفعل ما علينا فعله بالضبط في الدنيا وللآخرة.. لأن هناك ما علينا فعله حقا، عكس ما يذهب إليه الكثير من عُشّاق العبث الذين يحسبون الحياة عبث ولهو ونزهة في حديقة وضرطة في فلاة !

الحق أننا موجودون – كما ترى – وموجود هذا العالم الفسيح حولنا، وهذه النعم التي لا تُعدّ ولا تُحصى، مُسخّرة لنا بالمجان.. كل هذا موجود لسبب قويّ جوهري حكيم.. عرفه من عرفه وجهله من جهله وتجاهله من تجاهله..

ومهما اصطنعنا لأنفسنا الحياة التي تُرضينا ومهما أعجبتنا أنفسنا ونجاحاتنا الصغيرة التي تُبهرنا وتُعمينا.. وهذه التقاليد والإجماعات الشعبية التي نختبئ وراءها معظم الوقت.. مهما فعلنا ذلك واثقين من أن أنفسنا الضعيفة الهزيلة ستُسعدنا وتروّض هذه المشاكل العصيّة من حولنا، وتُدبّر كل الأوضاع المؤسفة التي تفجعنا وتمنع الراحة والسلام عنا.. مهما ظننا ذلك وتوهمناه.. فلسنا ببالغيه أبدا، ولا نزال في وهمنا سادرين غافلين حتى تذهب أنفسنا وتنقضي أوقاتنا..  

Continue reading “كلامٌ في السّعادة المفقودة والكينونة في الليمونة !”

مقالات فسلفية

لغز العبقرية


222

من المواضع التي تحيرني بالغ الحيرة وتقذفني في متاهات ملتوية لا مخرج منها.. موضوع العبقرية. فمهما تحدثنا عن ذكاء هذا الإنسان الموصوف بالعبقرية وتفانيه في علمه ومجاهدته ليبرع في صنعته لن يكون ذلك كافيا ولا جوابا شافيا يبرد حرّ الفضول.. فالواقع يثبت أن ثمة هناك عوامل أخرى خفيّة وراء ذلكم النبوغ غير العادي، وقد حار في ذلك المختصون في علوم النفس البشرية بعدُ.. الكثير من الناس أذكياء، ويبذلون من الجهد ما يبذلون ويسهرون من الليالي ما يسهرون وقد ينجحون في نيل الشهادات والمناصب أو لا ينجحون.. ولكنهم لا يكونون عباقرة في اختصاصاتهم ولا يُحسبون من الأفراد الذين يحفظ العالم أسماءهم لما لهم من أثر على البشرية جمعاء بإذن رب الأرض والسماء.. فلماذا لا يصل هؤلاء أو نصفهم أو ثلثهم لما وصل إليه أولئك ؟

قد مضى عليّ ردح من الزمان منذ عرفتُ ما يسمونه (البرمجة العصبية) وتلك المحاضرات الساخنة الملتهبة التي يحاول أصحابها إقناعك بأنك أفضل شخص في العالم ! فيزعمون أن الإرادة والإصرار يصنعان كل شيء.. وينسون غالبا ذكر إرادة الملك عز وجل، الذي لا يكون ما يريد الناس حتى يشاء لهم ذلك، فهو – سبحانه – الذي يفعل ما يريد وما سمعنا أن الإنسان (فعاّل لما يريد) !

كذلك يدندنون حول مسألة (الثقة في النفس)، وهو مفهوم ذائع شائع، يتناصح الناس به ويوصي بعضهم بعضا.. وهو يبدو لي خاطئا، إذ في شرعتنا – كمسلمين – النفس أمارة بالسوء والفحشاء وكثيرا ما تورد صاحبها المهالك والضراء، كما تُعدّ في كثير من الأحيان عدوا من الأعداء.. والعاقل فينا من يتهمها ويلومها على الدوام ويتبرؤ من حولها وقوتها.. فكيف يوثق فيها بعدُ ؟

Continue reading “لغز العبقرية”

مقالات فسلفية

ليست لك إلا بطاقة واحدة !


222

بسم الله الرحمن الرحيم..

النموذج الوحيد الكامل للإنسان الذي تعرفه أقصى قدر من المعرفة هو نفسك.. فأنت لم تر باطن أحدهم وما فيه من الأهواء المتلاطمة والنزاعات القائمة.. كما رأيت باطنك، ولم تر كيف اضطر إلى الابتسام في بعض الأيام وقلبه يكاد ينفجر من الضغط والألم كما تعرف من نفسك.. ولا تحصي عيوب امرئ كاملة من طريقة إعداد الشاي إلى كتابة تقرير في العمل كما تعرف عيوبك..

أما الآخرون فليسوا غير أجساد مغلفة بأحسن الثياب ومعطرة بأجمل الطيب، تمشي أمامك بثقة متظاهرة بالقوة ومعرفة بواطن الأمور.. ولست تعلم من حقائقهم مثل القطمير !

لذلك فإن مقارنتك نفسك بآخر من هذه الكائنات تُشبه الحكم على علبتين إحداهما من زجاج ترى ظاهرها وباطنها والأخرى من حديد، قد غُلّفت بورق الهدايا البرّاق.. فكيف لمثل هذا الحكم أن يكون صحيحا ؟

ولذلك يُفاجؤ الناس يوم الحساب بفقهاء وقراء ومجاهدين وهم يُعذّبون أشدّ العذاب، بل تُسعّر بهم النار – عياذا بالله الرحيم – وآخرون بسطاء لم يكن أحد يلتفت إليهم قد نالوا من الأجر والغنيمة ما لم يخطر على بالك.. وربما كان بعضهم يعرض عليك بضاعته في طريقك فترفع يدك غير عابئ.. أو يحمل صناديق السمك في الميناء وحاله يُضرب بها المثل في البؤس وسوء الحظ..

إن حياتنا لأشبه شيء بحفلة تنكرية ضخمة.. كل يلبس ما يشاء، ويضع ما استطاع من الزينة والعطر الفاخر، وكلّ على نفسه شهيد.. وهو إما صريح مع نفسه لما يعلم منها، وإما متملّصٌ مُخادع، يهرب من مواجهة وجهه بالمرآة !

أما الآخرون فليس عندنا من خبرهم إلا الظاهر تقريبا، ولا نكف عن التأرجح – عند الحكم عليهم – بين إحسان الظن وإساءته والتوقف فيما بين ذلك..

وتبقى في جيبك بطاقة تعريف واحدة.. عليها صورتك !

__ رفعت خالد المزوضي

30-04-2015

مقالات فسلفية

فلسفة الفراغ


good_emptiness_by_fokkusunm-d5qmarf

تُعجبني فلسلفة الفراغ.. المكتب الفارغ، الغرفة البيضاء الخالية إلا من منضدة وسرير وكرسي.. المهام القليلة الواضحة الخ.. وحتى الإصدارات الحديثة للأنظلمة المعلوماتية والبرامج الحاسوبية تجد فيها هذا الميول إلى البساطة والاختصار.. والهواتف الذكية اليوم صار لها زر واحد فقط !

عندما أوفق إلى التأمل في ما حولي أجد في أغلب الأحيان فوضى عارمة.. أشياء لا تنفع، أمور تضر تشغل مكان أمور نافعة مطلوبة.. أو مفضولات أجدها مكان الأفضل..

ثم أجعل أتخلص من بعض تلك الأشياء في سلة المهملات، فتغمرني سعادة عجيبة، وارتياح لذيذ.. مثل الصاروخ الذي يتخلص من بعض الثقل الذي يحيط به، فيزداد اندفاعا وتصير سباحته في الفضاء سلسة خفيفة.. وكما يتباطؤ أداء حاسوبك حتى إذا ما أسكتّ بعض البرامج الصغيرة التي تكون في خلفية النظام، وقد تشغل حيزا مهما من الذاكرة.. عاد النظام سريعا نشيطا..

ما أكثر الأشياء التي لا حاجة لها في حياتنا، في بيوتنا.. في حواسيبنا.. في عقولنا. وربما حسبنا الكثير من هذه الأشياء مسل ونافع لنا.. ولكن في تلك اللحظات النادرة من صفاء العقل أو ارتفاع الإيمان.. يبدو لك ما ظننته مسليا ولا خطر فيه نفايات سامة تنام بجانبها وتستهلكها ضاحكا كالأبله !

الفراغ النقاء، الوضوح، البياض، النظام.. هذا يفتح شهيتي للحياة بحق.. ويجعلها ممكنة ومُطاقة.. والله المستعان.

_ رفعت خالد المزوضي