مقالات حرة

عالم لا يستقرّ


عالم لا يستقر

خطر لي عند استيقاظي هذا الصباح أن كل من درست معهم في خلال مشواري الدراسي اختفوا تقريبا، ولم أعد أكلم إلا واحدا أو اثنين في مدد متباعدة..

لم تكن أول مرة يخطر لي مثل هذا الخاطر، ولا يوجد في ظني من لم يخطر في باله، إلا أني تقعرت في الفكرة كما لم أفعل قبلا، فبدا لي أني أيضا لا أسأل عن حال من عرفت إلا قليلا. وإن كنت لا أصدّ – بفضل الله – سائلا أو متودّدا. ولكني قدّرتُ  أن تكون هذه طبيعة البشر، فكيف لي أن ألوم عليها أحدا ؟ بل ربما كانت طبيعة الحياة نفسها.. فليس يجمع بين الناس – في الحقيقة – إلا الغرفة التي تجمعهم أو القسم أو المقصورة في القطار أو وثيقة الزواج الغليظة، التي قد تهترئ وتتمزق !

ولذلك حدثتُ نفسي بأن حركة الحياة المستمرة – وإن توهمنا أحيانا أنها ساكنة هادئة – قد تُستنبط منها فوائد كثيرة.. مثل عدم التعويل على أحد من البشر، ما دام الكل (يتحرك) ويغير مكانه، حتى لا يدري المرء من وأين يكون رفيقه غدا ! ومثل (عدم فقدان الأمل)، إذ أن الظروف التي يجد الإنسان نفسه فيها لا تدوم غالبا.. فالكل في حركة. وإذا كانت الأبواب كلها مغلقة، فلسوف تدور الدائرة حتما ويجد المرء أبوابا أخرى لن يعدم فيها بابا  مفتوحا. فدوام الحال – كما يُقال – من المحال.

وبمناسبة ذكر (فقدان الأمل)، خطر لي أنه لا ينبغي كذلك (طول الأمل) لنفس السبب الأول. ومادام كل شيء متحركا وفانيا آخر الأمر – إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام – فإنك لا تدري أبدا متى ينتهي هذا السباق المحموم، قد ينتهي غدا.. من ثمّ وجب استحضار فكرة الرحيل كلما استطاع المرء استحضارها لأجل أن يُحسن العمل، ولا يخدعنّه نهر الزمن الدفّاق..

كل هذا خطر لي عندما فتحتُ عيني وربما قبل ذلك، لا أدري لماذا.. هذا العالم دائم الحركة الذي يطير بنا، ونحن نحسب أننا في سكون وديمومة. وهؤلاء الناس الذين لا يكادون يثبتون على شيء. صديقك بالأمس عدوك اليوم، وكليمك اليوم خصيمك بعد غد، والعكس..

بقي فقط أن أربط شتات هذه الخاطرة بشكل ما، كما أفعل دائما، ثم لا أدري كيف فعلتها بعدها.. فحتى الكتابة عالم مجنون لا يستقر أبدا !

خالد

26-03-2020

مقالات حرة

لا حياة بلا فرنسية !


french-flag

سألني طالب في (الدراسات الإسلامية) عن أسرع طريقة لتعلم لغة أجنبية (كأني أستاذ في اللسانيات !). فأجبته بما أعرف عن طريقة (الغمر) أو (الغطس) أي أن يكثف من تلقيه لهذه اللغة، لاسيما السماع ويستعملها في أجهزته ما استطاع، حتى يعتادها شيئا فشيئا. إذ أن الطريقة التي ألفناها (حروف وكلمات وأفعال وجمل متداولة) طريقة مملة وبطيئة إلى حد قد يلجئ المتعلم إلى ترك هذا العذاب وتغيير رأيه في تعلم هذه اللغة !

ثم انتبهت إلى أن السائل يدرس في شعبة (الدراسات الإسلامية)، فاستدركتُ وقلت أنه لا ينبغي إغفال (الجدوى) من تعلم لغة أجنبية، ومدى (إمكانية) تعلمها، حسب الظروف الشخصية و(التكلفة) المادية والزمنية. لماذا يدرس طالب الطب الإسبانية مثلا؟ فيُشوّش عليه دراسته ويربك نفسه، بينما قد يتعلمها بعد إنهاء دراسته إذا احتاجها لسبب من الأسباب.

فقال هذا الطالب أن الفرنسية مفروضة عليهم، ومطالبون بإتقانها لسبب غامض ! وهذا والله عجيب.. هل يُطالب طالب فرنسي مثلا في شعبة (الكاثوليكية) بإتقان العربية ؟! أيركز طالب الشريعة على ضبط لغته العربية صرفا ونحوا وبلاغة وبيانا ونثرا وشعرا، وهو يحتاجها في علوم القرآن والحديث أم يمضي لياليه في تعلم ما فاته من تصريف أفعال هذه اللغة المستعمرة التي كانت مجرد لهجة من لهجات اللاتينية ففرضت علينا بالحديد والنار والأورو والدولار، فأفسدت علينا حياتنا أو كادت ؟

أوَتتبعنا هذه الفرنسية حتى في دراسة القرآن ؟!!

خالد

 

 

 

 

مقالات حرة

مهارة التظاهر بالمهارة !


th

أفدت من تحليل كاتب مصري (عبدالوهاب المسيري) لتطور التعليم في مصر، أن التعليم الذي صار في أكثر بلداننا العربية اليوم هو نوع من (تعليم مهارات اجتياز الامتحانات) فقط ! وهو ليس (تعليما) بالمعنى الأصلي للكلمة.

كما أن هذا (التعليم) صار (غير مجاني) ككل شيء في عصرنا المادي، ليس لأنه مدفوع الأجر مباشرة (بالرغم من تكاثر المؤسسات الخصوصية مدفوعة الأجر مباشرة) ولكن لأن (مهارات اجتياز الامتحانات) هذه تتطلب دروسا خصوصية (مدفوعة الأجر) خارج/داخل المدرسة، وخارج/داخل البيت.. وهذا يجيب تماما على الأسئلة التي (شيبتني) وأنا طالب في الإعدادي والثانوي.. لماذا – مثلا – لا يلتفت أحد للمبدعين من التلاميذ مهما أبدعوا ومهما ابتكروا ومهما تميزوا وأتوا بالجديد ؟.. هناك (عباقرة) تقريبا لا يبالي بهم أحد. وقد فهمت الآن مما قرأت – بعد ان أسقطته على أحداث تاريخي الشخصي مع المدارس والمعاهد وما سمعته من تردي أحوال التعليم في الوطن الإسلامي العربي – أن المهم هو (مهارة اجتياز الامتحان) التي قد تجدها عند طالب وقح فارغ سكير مدخن للحشيش، ولا تجدها بالضرورة عند ذلك الطالب المجد المؤدب واسع الخيال ! أو تجدها عند تلك ال*** ولا تجد أثرا لها عند زميلتها المتحجبة الحيية نقية الفطرة والعقل ! وذلك مترتب – كما أسلفت – على مبالغ سميكة تصرف للأساتذة (الداخلين/الخارجين) إياهم، حتى يقدموا قواعد عملية وملخصات ونصائح نفسية وتداريب تشبه الحركات الرياضية للنجاح في الامتحان..

وقد أضيف (مهارة) أخرى جديدة، تختزل في بلداننا العربية اليوم (التعليم) بكل مفاهيمه الخطيرة المغيرة لجذور المجتمعات، وهي ببساطة (مهارة تحدث لغة أجنبية)، وهي في كل دول إفريقيا تقريبا (اللغة الفرنسية)، إذ يعد (متعلما) و(مثقفا) كل من يرطن بالفرنسية، وتفرح الأم ويصفق الأب كالأبله عندما ينطق ابنهما (الرضيع) أول كلمة فرنسية، ولا يعلم المساكين أنه (إجهاض) قاسي للهوية من المهد ! وبتعبير آخر فأطفال فرنسا الذين نسعى لتعلم (مهارة الحديث بلغتهم) مثقفون ومتعلمون بحسب منطقنا ! بل ربما كلاب الصيد الذين يفهمون الكثير من الكلمات الفرنسية مثقفة كذلك !

أوددي..

خالد

مقالات حرة

الوصفة الثلاثية


bottles-1640819_640

كم هو سهل أن نربط كل مشاكلنا بهذا الثلاثي الخطير (عقيدة، لغة، ثقافة)..

لماذا كثر في مجتمعاتنا الإجرام والاغتصاب وقطع الطريق ؟ لماذا لا نجيد التواصل والتعبير عن مشاعرنا ؟ لماذا غابت عنا الفصاحة والكلام الجميل؟ لماذا اندثرت الإنسانية بيننا أو كادت ؟

كل ذلك جوابه في العقيدة التي جاء بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وليس عقيدة داعش أو الإخوان أو الطرق الصوفية. بل في هذه العقيدة السماوية المعصومة من الحلول الاقتصادية والاجتماعية ما لم يتفطن إليه الغرب بعد ! والآن تراهم يتحدثون في بريطانيا عن مدارس تفصل بين الجنسين من أجل رفع التركيز والمردودية عند التلاميذ، ومن قبل فكر بعضهم في إمكانية منع الربا لسد الهوة الساحقة بين الفقراء والأغنياء وتفادي الأزمات المالية القاتلة، وغدا يطالبون بالتعدد للحد من تفاقم العنوسة واختلال الموازين واختلاط الأنساب إلخ.. كل ذلك يا حبيبي في العقيدة  الإسلامية وأكثر. فاذهب حيث شئت فلن تجد حلولا لمعضلات الإنسانية، إلا أن تحل شيئا وتدمر آخر !

كذلك لولا اللغة الموحدة التي تحمل تاريخ وضمير كل أمة لاختلفت الثقافات واختلطت التعابير وضاعت المعاني. ومن دون مطالعة وعلم وثقافة لن نواكب العالم وسوف نظل مهددين أبدا بالاستعمار الوحشي الذي هو (اغتصاب) الأمم بعضها بعضا..

ولكن بأي لغة نقرأ ونتعلم إن كنا لا نجيد لغتنا ولا أي لغة أجنبية، إلا عبارات من هنا وهناك نتبختر بها ونتنافس في نطقها ؟! أليس الشاب المسلم العربي لا يكاد اليوم يقرأ فقرة عربية واحدة من دون أخطاء فاحشة ؟ فضلا عن فهم ما وراء التعابير الأكاديمية الملتوية، التي يبرع في استنباطها شباب الأمم الأخرى التي تحترم لغاتها، فتجدهم يعبرون عما يريدون بسلاسة ويتهكمون، ويجيدون التلميح والتعريض وضرب الأمثال.. ويصل قراءهم لأعماق من الفهم والإدراك لا يصلها منا إلا ذو حظ عظيم !

العقيدة، واللغة والثقافة.. منها  أوتينا، وفيها خلاصنا بإذن المولى عز وجل.

خالد

05-09-2019

مقالات حرة

لو كانت كسرة خبز تكفي..


bread-food-olives-62313

لعل ما يكفيك من مؤونة الحياة أقل مما يخطر على بالك، وأنت تحمل همّ ثروة لا قبل لك بها !.. لعلها كسرة خبز، وسادة وجرعة ماء باردة.. وأنت تُقيم الدنيا ولا تقعدها، وتستنفر نفسك وأعصابك استنفار الحرب، إذ ترى عند الناس ما عندهم من زخرف كثير عبثي، لا يملأ النفس إلا مرضا وغُثاء، ولا يزيد التافه إلا تفاهة، والبعيد يزيده بعدا..

وإلا.. كم من المنعّمين ازداد بنعيمه تقوى ؟ قل لي.. كم منهم ازدادت نساؤه عفافا وسترا ؟ كم منهم أحسن كما أحسن الله إليه ؟ كم منهم أعطى عطاء من لا يخشى الفقر ؟.. كلا، بل كم منهم لا يسرق الفقراء ؟

لعل الدنيا أبسط مما نذهب إليه يا صاحبي.. فترة عبادة قصيرة مع لقيمات تقيم صلبنا وجُرعات ماء، ومتع ممزوجة بالمشاكل. ثم طلب علم ومعرفة يليها عمل.. فقط. ونحن جعلنا منها حربا شعواء مستعرة، وسباقا طويلا لاهثا لجمع هذه الأوراق البنكية بحق وبغير حق..

فأما الحق فهو إرادة الحلال من المأكل والمشرب والزوج.. وحتى ذاك ما كان ينبغي أن نحرص عليه شديد الحرص، فالأرزاق مقسمة شئنا أم أبينا، ولو كان الغنى بالجُهد الجهيد لاغتنى كل هؤلاء التجار بل كل من تلقاهم في طريقك من أولئك الجاحظة أعينهم من الحرص، الآكلين كل ما يطؤون من أخضر ويابس، فما لهم لم يغتنوا ؟

حتى الرزق الحق المشروع لا ينبغي  أن يُذهلنا عن العبادة التي هي الغاية من خلقنا. وما أكثر ما نتورّط – بدعوى الحلال – في (حق أريد به باطل).. وأما إرادة غير الحق فظاهرة لا تحتاج تبيانا.

فماذا لو رأى المرء الحياة بسيطة كما هي في الأصل ؟ وأي سعادة وهناء يجدهما بإذن ربه لو كانت الكِسرة من الخبز تكفيه، ورقعة الثوب البسيط تُرضيه، وجُرعة الماء الزلال ترويه؟ ولديه فوق ذلك كثير..

وليُسألنّ عن النعيم.

رفعت خالد

29-08-2019

مقالات حرة

ظاهرة رياضية


ChoufTV-81-600x314

على الرغم من أن الرياضة رياضة آخر الأمر، يبقى منتخب المغرب من أغرب الظواهر الرياضية في العالم.. تقريبا كل قواعد الفيزياء والمنطق والحظ والسبب والنتيجة حطمها باقتدار !

إلى جانب التقصير والأخطاء التي يرتكبها كل بني آدم، فكل ما يمكن أن يعترض طريق الفوز أمام هذا الفريق تراه يتجمع ويتخندق في ظاهرة محيرة !.. القرعة التي تضعه دائما في (مجموعة الموت).. آلاف الهجمات الضائعة – وبعضهم يلمسها بأنفه فتدخل -.. الكرات المصيرية التي تتفنن في ضرب العارضة – وبعضهم تضرب كرته العارضة لكن بزاوية منحرفة قليلا فترتد إلى داخل الشبكة -.. تقنية الفيديو التي تصير عمياء فجأة أو يعود الزمن إلى ما قبل اختراعها !.. التسللات الوهمية، الأهداف الملغية لأسباب غامضة، الانهيار النفسي المفاجئ لواحد من أحسن لاعبي العالم الذي تفاخر به الفرق.. المغادرة المفاجئة لآخر حصل على أعلى معدل تهديفي عالمي في موسمه قبيل لحظات من بدء البطولة لأسباب يمتنع عن التصريح بها، على سبيل التشويق ولكي لا يسجل سلسلة أهداف تكون سببا للظفر بالكأس طبعا..

أقول.. مادام السحر كائنا فلربما…

خالد

 

مقالات حرة

القارئ المسكين


books-1655783_640

إن القارئ المنهوم بالمعرفة والعلم في زماننا يجد تحديات ومشاق ما كان يجدها القارئ قديما، مع توافر المواد العلمية والأدبية اليوم بمختلف الأنواع الممكنة. ذلك أن تراكم الكتب في ازدياد مطّرد شهرا بعد شهر وعاما بعد عام، والأنواع الأدبية نفسها في تفرّع مستمر. فالقديم اليوم من الكتب كثير، والجديد كثير، وكثير أيضا ما بينهما ! فما أصبر القارئ الفضولي أمام هذه الجبال من الكتب! من أين تراه يبدأ وأين ينتهي؟ وكم يحتاج من الدقة في الانتقاء وحبس النفس عند الاشتهاء. إذ الرغبة الأصلية عند هذا النوع المنهوم من البشر هي قراءة كل كتب الدنيا ! فإذا لم يكن – ولن يكون – فجلّها، وإلا نصفها، ثلثها، ربعها، عشرها.. والعُشر كثير ! بل هو مستحيل.

حتى يقتنع المسكين – آخر الأمر – أنه إذا ما اجتهد فأبقى من أوقات عبادته وضروريات حياته فسحة، فإن بمقدوره – إن شاء الله – أن يقرأ رؤوس الرؤوس من الأعمال المكتوبة فحسب، زبدة الزبدة.. الكرزة الحمراء فوق الحلوى الهائلة !

وما يزيد الطين بلة في هذا العصر المادي التجاري، أن أشباه الكتاب قد أفاضوا المكتبات والأكشاك والمعارض بكتبهم العبثية حتى اختلط الحابل بالنابل، وصار من الحمق الوثوق بعنوان الكتاب أو غلافه أو موضوعه. ومن ثم فالكتابات العبقرية الساحرة الماتعة – التي لابد أن تكون في كل زمان – صارت محشورة تحت أطنان من هذه الكتب السرطانية! ولربما تمضي عقود طويلة أو قرون حتى تُكتشف قيمة هذه الكتب فتصير من (الكلاسيكيات) التي يتهافت عليها الناس ويتفاخرون بقراءتها، وتشتهر في الآفاق أسماء كتابها الذين يمشون بين الناس اليوم، ولا يعرفهم أحد !

أما اليوم فإن ما يهم أكثر دور النشر هو عدد المتابعين والمعجبين بالكاتب على منصات التواصل الرقمية، هذا هو مقياس العصر. فأشعر الشعراء اليوم أشهرهم! وأنبغ الأدباء (أبيعهم).. وليس الغرض البحث عن (متنبي) جديد، أو (رافعي) آخر يرفع اللغة إلى الأعالي، أو حفيد (لشاكر) ورث عنه نقده العبقري المؤدّب ولغته الفخمة التي تُناطح السحاب !

ولكن.. ربما تكون للفوضى فوائد كذلك لا ندركها. وقد قرأت صباحا في إحدى المقولات أن من حسنات (الفوضى) دوام البحث والاكتشاف. فلنبحث ولنكتشف إذن.. والله المستعان.

خالد

10-02-2019

 

مقالات حرة

ذلك الرجل.. أتعرفه ؟


2

حتى لا تفقد اتجاه البوصلة وتهيم على وجهك في ظلمات الوجود. احرص دائما على أن تكون على شيء من تلك الشخصية الساحرة التي كنتَ – ولابد – تصوّرها لنفسك في صباك.. ذلك الرجل الشهم النبيل الذي يُقدّم العون بلا مقابل ثم يختفي فجأة.. أتعرفه ؟

ذلك الرجل المسلم، الموحّد الذي لا تهمّه الدنيا كثيرا بقدر ما يريد الدار الآخرة..

ذلك المثقف، واسع الخيال والمعرفة، الذي يسحر ببليغ الكلام الآذان السامعة ويطرب بعميق المعاني القلوب الخاشعة.. ذاك الذي مزاحه حلو ذكي لا كذب فيه..

ذلك البطل في زمن الجرذان، النبيل في زمن الأنذال، الأمين وسط الخونة، الوفي لدينه وأماناته وكلماته وهويته ولغته وأجداده في غير ما باطل أو شرك بالإله العظيم. ذلك الثابت على الحق الذي وافق الفطرة السليمة مهما اغتنى ومهما افتقر. ومهما ابتسمت في وجهه الأيام أو نظر إليه الحظّ وكشّر !

ذلك الرجل الذي لا يبخس الناس أشياءهم، ولا يحقر نفسه بعدُ.. فهو معتدل أجمل اعتدال، واثق في غير ما كبر، لطيف في غير ما خور، بسيط في غير ما سذاجة، جاد في غير ما فجاجة، حازم في غير ما عنف، صارم في غير ما حيف، غامض في غير ما ريبة..

ذلك الرجل الذي لابد أن تكون قرأتَ عنه يوما، أو شاهدت بعض من يشبهه وتخيلت خيالات على غراره..

ذلك الرجل.. أتعرفه ؟

خالد

28-04-2019

مقالات حرة

أنا رائع!


election-978904_960_720

صار اليوم الترشح للمناصب السياسية عملا إيجابيا محمودا يشيد به الناس ويتفاخرون.. إذ لا يكفي الواحد أن ينشر بطاقات مطبوعة عليها صورته المتكلفة مع كلام كثير معناه (أنا رائع!) فحسب. بل يذهب بعدها يزف لمن حوله خبر ترشحه، وينشر ذلك في حساباته، فيصفر بانبهار من يصفر، ويعلق على منشوراته مهنئا من يعلق، ويعجب بمدى روعته من يعجب ! أما عن إقامة حفلات الشواء ورشوة حثالة الناس الذين (أعطي) لهم حق تقرير المصير هم أيضا ! فحدث ولا غضاضة..

هذا وفي ديننا العظيم لا تعطى الرياسة لمن يطلبها ويحرص عليها أصلا ! إذن كل من (يصوت) عليهم الناس اليوم تقريبا لتمثيلهم لا تنبغي لهم تلكم المناصب حتى لو كانوا من حزب (الأنصار والمهاجرين) !

وإذن.. لا عجب مما نحن فيه من استفحال الفساد واستشراء الغش في البلاد والعباد، وتناسل الموظفين الأشباح أصحاب الكراسي الفارغة ! حيث صار المسؤول عن توظيف الناس يوظف أهله وعشيرته بكل سخاء فإذا ما فضلت مناصب شاغرة نسبها لنفسه.. فتجده وزيرا، ورئيسا للمؤسسة الوطنية للإحصاء وتدبير المشاريع الهيروغليفية، وهو هو نائب رئيس مركز المال والأعمال، ومستشار الجامعة الكروية لأبطال إفريقيا إلخ.. فلو أنه قال في خلال حملته الانتخابية: (أقسم ألا أوظف فيكم أحدا، وأن أجعل منكم جميعا مثالا للبطالة يحتذى !) لكان أوفى الناس وأصدقهم..

نحن نمشي يا صاحبي في الطريق الخطأ أصلا، فلا تسلني عن العدل والمساواة.. سل من اتبعتهم – من دون الله – في سياستك وترشحك وانتخابك وبرلمانك وتشريعك، سلهم عن حل لما نحن فيه، وسلهم كيف نوقف النزيف. أما العدل والحياة الطيبة التي وعدنا الله تبارك وتعالى في الدنيا قبل الآخرة فليس في هذا الطريق الذي نحن فيه سائرون.. الطريق الصحيح لا يصوت فيه الفاسق والعاهرة والشاذ والكلب والحمار على مصير البلاد ! ولا يرشح فيه رجل أعمال مجرم نفسه فيصوت عليه الدهماء بحماس !

إنما العدل يا صاحبي في اتباع النور الذي أنزل الله من فوق سبع سماوات، وامتثال ما أمر به نبيه المصطفى – صلى الله عليه وسلم – ما استطعنا من الامتثال. فإذا فعلنا، حينها فقط حق لك أن تسأل: أين العدل ؟ ولماذا فشى فينا كل هذا الغش والنصب والذل ؟ حتى صار المرء يشك في ماء الصنبور، هل هو ماء أم شيء آخر !

ولكن إذهب الآن وسل ذاك الذي يقول: (أنا رائع !).. فيصفق الناس له بشغف..

خالد

02-05-2019

مقالات حرة, شذرات

ويبقى المُمَزّقون..


poor-2386354_640

يذهب العقل أولا إلى أن الفقير الأعزب الذي لا دخل له ولا زوجة أولى أن يُفتن في دنياه وعقيدته.. المفاجأة أن العكس هو ما رأيته وسمعته مرارا كثيرة !

ذلك الشاب المهذب المهتم بإصلاح دينه واتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يعمل فيتزوج فتنتفخ أوداجه وتبرز كرشه ليبدأ بسبّ العلماء والسخرية من أتباع السنة في مفارقة صادمة، غير متوقعة.. كأنه تسلّم مقاليد الكون أو كُشفت له حُجُب الغيب!

ألم يمنّ الله عليه بدخل وفير وزوجة شابة ؟ أليس المفروض أن يشكر الله على أفضاله وينظر بشفقة إلى إخوانه الذين لازالوا في عنق الزجاجة لم يخرجوا منها، فيزيده ذلك حمدا وشكرا للإله العظيم ؟!

لكن العجيب أنك غالبا ما ترى ذاك المسكين (المُمزّق) متمسّكا بالحق، ثابتا – بتثبيت الله – رغم السقطات والكبوات، ورغم أن كثيرا من رغباته الأساسية في الحياة لماّ يتحقّق بعد. أمّا المُنَعّم المستريح.. فوغد خائن !

الدنيا وما أدراك ما الدنيا.

خالد

15-02-2019

مقالات حرة

أشياء ليست كذلك !


gm-food-1668167_640

أشياء كثيرة كنتُ أظنها كما يدلّ اسمها، أو كما ينبغي أن تكون حسب الفطرة السليمة والعقيدة الإسلامية الصحيحة.. سهلة، يسيرة ومتاحة لكلّ أحد. ثم وجدتُ – بعد ممارسة الحياة – أن الكثيرمن تلكم الأشياء ليست كذلك، وربما لم يكن بعضها (كذلك) عند الناس يوما !

حبّ الوطن مثلا، كنتُ أرى أنه لا يحتاج إثباتا أو شروطا حتى سمعتُ من (يُرافع) ضدّ وطنه، ويسردُ البنود الطويلة التي لابد أن تتحقق حتى يعترف به ويحبه. وطنه الذي دُفنت به ذكرياته وعظام أحبابه، وطنه – هذا الكائن الصبور الصامت دوما – الذي فرّغ به كل أنفاسه وزفراته، بات يحتاج منه فاتورة فادحة الثمن حتى يحرك رأسه على مضض موافقا على انتمائه له !

كنت أظن أن جلّ النساء إنما يبحثن عن الحبّ والحنان مع الحقّ والصّدق، حتى تبيّن لي – لاحقا – حقائق مروّعة، ورغبات شاذة غريبة.. نساء يُردن المال ولا شيء غير المال، حتى لقد تتزوج هيكلا عظميا أو (دراكولا) شخصيا إن كان سيُغدق عليها ما تشاء من أموال! وأخريات يُقدمن على الزواج من أصدقاء من كانوا يخطبونهن فقط لأجل الانتقام وردّ الاعتبار.. أما السحر والشعوذة فحدّث ولا حرج.. حتى نسيتُ تلكم الطباع الأنثوية البريئة المواتية التي كنتُ أصوّرها لنفسي سابقا لهول ما رايتُ لاحقا !

كنتُ أظن كذلك أن كل مُستدين يشعر أنه (مدينٌ) جدا لمن أنقذه – بعون الله – من ورطة مالية خانقة، وأنه سيأتي ركضا فور توفر المال لديه، فيردّ ما عليه مع دعوات مباركات، وربما قبلات على الرأس كذلك ! فرأيتُ بعدها أكثر الناس لا يردّون الدين أصلا.. حتى لو كنزوا المال كنزا. بل منهم من يقطع العلاقة مع صاحب الدين تماما حتى لا (يُزعجه) بطلب حقه !

ظننت أن اعتراف المرء بخطيئته لمن أخطأ في حقه شيء بدهي لا يحتاج الكلام، فضلا عن اعتراف المذنب بذنبه بينه وبين نفسه على الأقل.. لأفاجأ بعدها بمن يفتخر بالذنب ويزهو به بين الناس. ومن يجزم أن ما قام به عادي جدا لا شُبهة فيه، ومن يقسم -بكل الثقة في النفس – أنه لا يخطئ أبدا !

حتى إفشاء السلام وردّه، كنتُ أظنه فيما مضى لا يقل بساطة عن التنفس أو شرب الماء.. واليوم أبحث حولي عن من يردّ السلام ردّا صحيحا فصيحا فلا أكاد أجد أحدا ! فإما يقول لك – من تفضّل وردّ عليك السلام – (سلام) أو (أهلا) أو (نعم؟).. وقلّ من يردّ فيقول (وعليكم السلام ورحمة الله) !

البساطة نفسها كنتُ أظنها بسيطة !.. فلما تعاقبت عليّ الأيام، رأيتُ كتبا أنيقة تتكلّم عن (فن البساطة) وكيف تتعلّمها بلا معلّم !

أشياء كثيرة ليست (كذلك) في الواقع.. والله المستعان.

خالد

28-10-2018

مقالات حرة

رمتني بدائها وانسلّت !


welcome-905562_1280

منذ سنة 1958م، حين أصرت الحكومة المغربية على استمرار ازدواجية اللغة في المدارس بين العربية والفرنسية مع تغليب الفرنسية (لأسباب غامضة !) رغم طرد المستعمر القذر وفرحة المغاربة بمعانقة الحرية من جديد، ورغم المعارضة الشرسة لنخبة المفكرين والأدباء والعلماء لهذا الإصرار.. منذ ذلك الحين والفرنسية تقف فزاعة أمام التلميذ المغربي المسكين الذي ينظر بذعر إلى روايات ستاندال وبالزاك محاولا استيعاب هذه الرموز الغريبة والعبارات العجيبة المغرقة في تاريخ اللاتينية القديم، فلا يدري المسكين ما يقدم منها وما يؤخر.. منذ ذلك الوقت والفرنسية مفروضة قهرا علينا بحجة أنها السبيل الوحيد للرقي، وأما العربية فلن تذهب بنا إلا سنوات ضوئية للوراء ! فصدق ذلك الآباء والأمهات والتلاميذ إلا من رحم ربي.. بعد كل هذا الحرص والجهاد من طرف الحكومات المتعاقبة على الدفاع عن بيضة الفرنسية كأنها باب من أبواب الجنة الثمانية ! لا نرى الرقي الذي زعموا، بل نرى أننا تبوءنا ذيل الأمم في التربية والتعليم ! أين العلماء في تلكم الألوف المؤلفة من خريجي جامعاتنا الفرنسية إن كنتم صادقين ؟.. والله ما سمعت إسما ثقيلا واحدا علق بذهني لعالم مغربي أو مغاربي (فرنسي الثقافة) يضرب به المثل في فنه. بيد أن كل العلماء القدامى والمحدثين من العرب والمسلمين والمغاربة في العلوم الشرعية الجميلة، وفي علوم اللغة واللسانيات وكذا الحساب والميكانيكا والطب والتاريخ والجغرافيا والرحلات، ومثله في الآداب والمراسلات الرفيعة والنثر الفخم والشعر الفصيح المذهل.. كل ذلك لم أسمع فيه إلا أسماء متغلغلة في الثقافة العربية الإسلامية متشبعة بها.. فما ذنب هذه اللغة إن أنتم هجرتموها عجزا منكم وخيانة وضعفا في الرجولة ورداءة في الأصل ؟! إن المنطق والتاريخ والواقع.. كل أولئك يشهد أن ما ترمون به العربية فيكم أنتم بالتمام والكمال.. أنتم العاجزون، أنتم المتخلفون، أنتم المعقدون.. وما زعمكم في العربية إلا من قبيل (رمتني بدائها وانسلت) !

خالد

مقالات حرة

أصل الإنسان


scary-hockey-mask11

أرى الإنسان ميّالا إلى المبالغة ومجاوزة الحد في كل شيء تقريبا، إلا من رحم ربي. أوليست الحرب مبالغة في الكره والإذاية ؟.. القتل، التلفيق، زواج البنت بصديق خطيبها السابق إمعانا في إذايته والانتقام منه !

هذا الغلو والفجور في نفوس الناس دليل على أن الأصل فيهم الظلم والجهل كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه.. فكم على الإنسان من بذل الجهد وإنفاق السنوات لتعليم هذه النفس ما ينفعها، عسى أن يرفع عنها طبقات الجهل الثقيلة. وكم عليه من التدرب والرياضة لينبذ عنه الظلم الذي يعتريه.. فيصير عادلا، صادقا، صدوقا. حتى يقول الحق ولو على نفسه ؟

ولكن الكسل والانشغال بجمع الأموال والأملاك، ومتع الحياة وملذاتها، كل أولئك لا تترك للإنسان فرصة كي يتعلم ما ينفعه ويرفع به جهله. وربما تعلمه ثم لم يعمل به، فيبقى معدودا مع الجهال..

ألا ما أشنع الجهل ! فالإنسان الجاهل قد يبدو مثل وحش الغابة، حين يرغد ويزبد لمجرد رغبته في خبز للأكل ! أو حين يسطو على ما ليس له كأن رأسه لا شيء فيه، أو كأن صدره لا قلب فيه ! أو كأنه لا عقيدة يفعل على ضوئها ولا يفعل !

فلعل هؤلاء يظنون أنهم وُجدوا – عبثا – من دون خالق، ولا بعث ينتظرهم ولا حساب. إنما ظلمات فوق ظلمات من الجهل والعتمة المرعبة !

وكثيرا ما يُعبّر عن الجهل – في زماننا – بالأميّة، وإن كان الجهل أعمق منها وأخطر، فهو مستوى من عدم الإدراك، قد ينزل منزلة الحيوانية !

والأدهى من الجاهل من لا يعرف أنه جاهل !.. أما الجاهل الذي يعترف بجهله ويسعى لرفعه، فالخير مرجو منه إن شاء الله، ما دام على الطريقة الصحيحة التي أرادها لنا الخالق سبحانه وتعالى.

* * *

وأما الظلم فقد يُفسّر بغلبة الشهوة والهوى، ولكن.. ماذا تصنع مع من يُقرّ أنه (وصوليّ) لا يعرف إلا مصلحته ؟ أو تراه يمدح فلسفة ذاك الإيطالي: (الغاية تبرر الوسيلة).. ماذا تصنع مع من يتخذ الظلم عقيدة؟

وحتى بعض من لا يعرف هذه الفلسفات بمسمياتها، تجده يطبقها بحذافيرها.. مثل عقيدة (الجبر) التي اقتنع بها حتى الكثير من المسلمين للأسف، اقتنعوا أن (الله يجبرنا على ما نفعل من شرور !) وحاشاه الظلم عز وجل. أو عقيدة (الإرجاء) التي يخبرك بها أحدهم مطمئنا وهو يقول: (يا أخي الإيمان في القلب، ولا عليك من شيء ما دمت مؤمنا فأنت في الجنة بعينين مغمضتين..) !

هؤلاء المتفلسفون، أو المطبقون المخلصون لفلسفات وصلتهم روحها ولم تصلهم مسمياتها.. هم الذين يتفرع منهم باعة المخدرات، ومن يسمح بمرورها لعروق الشباب من الشرطيين وأصحاب الحكم والولايات، هم الذين يزورون الوثائق من أوراق العقار إلى كتب التاريخ !.. هم المختلسون وشاهدوا الزور والمغتصبون واللصوص وقاطعوا الطريق والقتلة المتسلسلون والموظفون الأشباح.. وهلم شرّا !

وإذا وسّعنا دائرة الظلم، فإنه لا يكاد ينجو منها أحد في الحقيقة، إلا ما شاء الله.. فمن ذا الذي لم يظلم نفسه من قبل قط ؟ إلا أن المراد هو الظلم الفاحش الذي يتعدى دائرة الإنسان إلى غيره، فيدمّر ويحطّم ويسلب ويقتل..

الجهل والظلم.. هذان الداءان المتأصّلان في بني الإنسان هما سببا كل القسوة والشرور التي عليها دنيانا اليوم.. والله أعلى وأعلم.

خالد

21-04-2018

مقالات حرة

رحمك الله يا معلمي..


عيناي تذرفان دموعا بلا إذن مني !

تلك اللحظات من العرفان بالجميل.. وإن كان عرفانا متأخرا.

لحظات وقوفك على استحياء أمام معلمك الذي تعدّه الأفضل في مادته، بل ربما كان عبقريا غير مسبوق في فنه !

راسلته مرة، وعرفّته اسمي وكنيتي فقال – رحمه الله -: (هل يناديك الأصدقاء خالد أم المزوضي) ؟

سميتُ نفسي بنصف تسمية شخصيته العجيبة (رفعت إسماعيل)..

رحم الله من علّمني فنا اسمه الكتابة، وحبّب إليّ عادة تُدعى القراءة..

د. أحمد خالد توفيق.

رحمه الله رحمة واسعة وغفر له مغفرة لا تغادر خطيئة ولا ذنبا.

آمين.

 

مقالات حرة

زنازن مُكيّفة !


Empty-desks

 هذا النظام المهني الحديث ما أشنعه !

لا أكاد أشكّ أن أكثر أصحاب السيارات الفارهة التي تمرّ علينا كل حين، حتى ربما خُيّلت إليك نظرة شماتة في كشافاتها الأنيقة ! دفعوا ثمنا لها أكثر من مجرّد أوراق بنكية مرصوصة ومربوطة بشرائط مطاطية.. دفعوا ثمنا باهظا من أعصابهم وصحّتهم النفسية والبدنية، وربما العقلية أيضا !

أن تعمل تحت إشراف بشري يعني – غالبا – أن تعمل تحت مطارق تطرق رأسك صباح مساء بلا رحمة ولا هوادة ولا مراعاة لأدنى حقوق الحيوان في بعض الأحيان.. ولن يعطيك أجرتك حتى يتأكّد من خروج آخر قطرة من عرقك، واستهلاك آخر خلية دماغية من خلاياك !

هؤلاء البشر..

ليت المرء يُوفّق لعمل تجاري بسيط يسدّ حاجاته الأساسية فحسب، ثم ينجو من صُنوف العذاب النفسي الذي تُسببّه هذه الكائنات الجشعة الظالمة.. إلا ما شاء الله.

أليست نعمة عظيمة أن تكون رئيس نفسك ؟

نعمة وما أدراك ما هي.. حياة زاهية !

ثم نحن نتحدث عن (أتعاب) العمل والتنقل والساعات الإضافية.. ماذا عن أتعاب الأعصاب المحروقة ؟.. وأتعاب الروّح ؟ بل ماذا عن ثمن ما يضيع من أجر العبادات بسبب المكوث ما بين شروق الشمس إلى غروبها في تلك الزنازن المُكيّفة ؟.. هذا بفرض أن لذلك ثمن يمكن تعويضه !

ولكنه خوف الإنسان من الفقر والضّياع والحرمان ما يجعله يُطأطئ الرأس ويحمل أثقالا على ظهره صابرا كالدابة التي لا حول لها ولا قوة.. خوفه الذي سببه ضعف الإيمان دائما، وتدنّي الثقة بالله عز وجل والتوكّل عليه وقد خلقه ورزقه مذ كان لحمة هشة مكورة في رحم أمه التي لم تملك أن تُطعمه أو تسقيه ! فكبر وصار هذا الكائن الحديث الذليل الذي يرتدي ربطة عنق ويجري في الطرقات مذعورا، ليلتقم أول ثدي يعثر عليه..

خالد
19-03-2018