فلسفة الرعب

عدوّ مُخيف !


big_thumb_f3552a157b304098a2b81af0e7f40cd1.jpg

مزاولة الحياة ومحاولتها شيء والكلام عنها والحلم بها شيء آخر تماما.. كما أن قراءة القرآن وتجويده شيء والعمل بمضمونه من حكم وأحكام أمر آخر مختلف عنه كل الاختلاف..

وقد قال الشاعر قديما:

ولم أر في عيوب الناس عيبا … كنقص القادرين على التمام

وأنا لا أرى سببا رئيسا لهذا العيب القاتل إلا آفة خطيرة وداء فتّاكا لا يعرف ذكاء من بلادة ولا قوة من ضعف، ومن ابتُلي به ليس يُغنيه أن يكون عبقريا أو قويا شديدا.. وإذا ما تسلط على المرء كبّل جسمه تكبيلا وجمّد عقله أو كاد حتى يجعل الروح تخبو وتشفّ كأنها لا وجود لها، وإن وُجدت فليس إلا وجودا بغيضا، ثقيلا مكلّفا على الأهل والأحباب، وعالة على الأمة والبشرية كلها..

فيأكل المريض بهذا الداء ويشرب ويطلب المزيد ثم لا يُفيد منه أحدٌ شيئا، حتى لربما عادت البهائم المركوبة والمأكولة خيرا منه وأكثر نفعا  !

هذه الأغلال الحديدية المحكمة.. هذا الداء المرعب الذي أقعد الكثير منا وقضى على الملايين أو هي الملايير من الناس قبلنا.. وقتل مواهبا في مهدها وطمس أخرى بعد أن اضطرمت شعلتها وخرجت زهرتها.. هذا العدوّ المخيف.. الكسل !

رفعت خالد المزوضي

 

فلسفة الرعب

رعب الزمن !


1465752

خطر لي أننا مخلوقات نتغدى على الزمن.. وكأن الزمن هو الوحدة الأساسية التي يُقاس بها كل شيء.. كل إنسان بأجل.. كل شيء بتوقيت محدد.. ننام كذا وكذا، نعمل كذا وكذا.. نسافر كذا وقت من مدينة إلى مدينة، وهكذا.. فالزمن رأس المال فعلا.. نكبر بالزمن، نتعلم بالزمن.. يصير العالم عالما بعد زمن والمجرم ينقلب محترفا بعد زمن.. والحدث الطريّ المباشر يصير ذكرى محببة أو أليمة بعد زمن..

غريب إغفالنا لهذه الحقيقة المصيرية !..

كنتُ داخل سيارة أجرة حين أشار السائق إلى (كاراج) مهجور وقال: (أتعلم ماذا كان هنا ؟.. كان هنا متجر للخمر، انظر إلى الدكان الآن وقد صار خربا.. سبحان الله، لا يدوم إلا وجه الله..)

هكذا قال لي، وبقيت أنا أحدّق في المكان للحظات غير مصدق !..

عجيبٌ حقا.. إن الزمن (يقطعنا) فعلا ما لم نغتنمه فـ(نقطعه).. لكن أكثرنا ينساه للأسف وينسى (جديته) في غمرة الكسل واللامبالاة..

هل تعرف هذا (الرعب) ؟ عندما تتذكر أن كل يوم يستهلكك.. عينك تُستهلك.. وجهك يُستهلك.. معدتك تُستهلك.. رجلاك، شعر رأسك.. كل شيء فيك يُستهلك استهلاكا.. والأدهى أن هذا يحدث مع المرء دون أن يتوقف مُستبصرا.. ليلحظ أنه لا زال بعدُ مُقصّرا.. يرجو أشياء ويتمناها.. متى يقوم الليل ؟ متى يصبح ذلك الإنسان النبيل الذي طالما حلم به وتمنى أن يجده في الناس ؟ متى يقرأ تلك الأكوام من الكتب ؟

هل ينقبض صدرك – مثلي – كلما فكرت في هذه الحقائق القاسية ؟.. فذاك الرعب الذي أقصد..

رعب الزمن !

رفعت خالد المزوضي

15-06-2014

فلسفة الرعب

رعب الموت !


images

العنوان هذه المرة واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، بل هو أوضح مما سأقول.

الموت.

أول ما يذهب إليه تفكيري في كل مرة يخطر الموت ببالي هي كلمة “النهاية” التي تظهر وسط الشاشة في الأفلام الكلاسيكية. وحين تظهر فذلك يعني أن الستار سيُسدل والضوء سيُطفأ وأن عليك أن تغادر مكانك حالا ولا داعي لبقائك متسمرا في شوق.

متابعة قراءة “رعب الموت !”

فلسفة الرعب

رعب الخواتيم !


إن من الأمور المخيفة فعلا، أمر النهاية وكيف تكون !.. لاسيما عندما تسمع الحديث الشريف الذي يبث الخوف في قلب كل مؤمن، والذي مفاده أن الرجل قد يعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة حتى إذا دنا أجله عمل بعمل أهل النار فدخلها، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار حتى إذا شارف على الرحيل عمل بعمل أهل الجنة فدخلها  !

وجاءت العبارة التي تخفف بعض الرعب في حديث آخر له نفس السياق، والحمد لله، وهي «فيما يبدو للناس» أي أن الرجل يعمل عمل أهل الجنة أو عمل الغاوين فيما يبدو للناس فقط !

ولكن الخوف لا يزال قائما.. والخطر يظل متربصا، فلا أحد يملك لنفسه تزكية وليس أحدا يحكم قلبه أبدا.. والنهاية هي الخاتم الذي يتوج الورقة وعليه تكون النتيجة، وتلك هي اللحظة التي تنجلي فيها الحقيقة، مُسفرة عن نفسها.. فتُفتح أفواه وتحُبس أنفاس وتُصعق قلوب.. وليس ذلك بعزيز إلا على صاحب الورقة  !

فكيف ستكون خاتمتك ؟

اللهم سلّم سلّم..

26-07-2010

فلسفة الرعب

رعب الفتن !


ليس في الدنيا، واللهّ، دعة وسعادة دائمتين، ولا اطمئنان وسلام كاملين، وكذب من قال بذلك.. لأن الموت متربّص بنا والنوازل والخطوب حوالينا، ثم هناك يوم عصيب غير يسير ينتظرنا.. أوَ هناك بعد هذا راحة أو أمن أو هنى ؟

إنّ من أول مسببات الانحراف والغفلة والإعراض عن الآخرة سوء تقدير الدنيا والإفراط في تقييمها وتهوين أخطارها وفتنها المزلزلة  !

أما لماذا يُعدّ هذا من ‘الرعب’ فلأنه مخفيّ، لا يظهر إلا لأصحاب القلوب ولا يعقله إلا أولوا الألباب.. فهو بذلك كالحرب الباردة أو كالجرثوم الغامض يسقط ضحاياه فرادى، بعيدا عن الأعين.. وحتى عند بروز جثثهم لا ترى هنالك من معتبر كأن القلوب قد علاها الثلج !

إنه رعب الفتن !.. عندما لا تكون لديك فكرة عن الاختبارات التي ستُعرض عليك، ولا مدى استعدادك لاجتيازها ولا تاريخها ولا فرص النجاح بها  !

عندما تعبد خالقك، وتأتي الصالحات، وتسارع في الخيرات، ودمعاتك منهمرات شفقة من زوال أم النعم والهِبات  !

لما ترى الموتى الأحياء حولك بالألوف المؤلفة.. فيرتجف قلبك وتتساءل عن الشيء الذي يميزك عنهم وكيف هو قريب أن تصاب بما هم مصابون به  !

ألا إنك مفتون وإنهم مفتونون.. فهل أنت مستعد للفتن التالية ؟

فلسفة الرعب

رعب الباب الكبير !


رعب الباب الكبير

من الأمور المهمة التي أثارت انتباهي وشغلت تفكيري وألحت على خواطري إلحاحا عجيبا، أمر (الباب الكبير الذي إذا انفتح دخل منه شر مستطير وإذا غُلّق استراح المرء وأبشر بالخير).

كمثل باب الدار، فأنت لا تُناقش إمكانية دخول ريح باردة، أو سارق مجرم، أو أفعى زاحفة، أو عفريت أزرق، أو دخول جنود المارينز أنفسهم !.. وإنما تغلق الباب وكفى.. فهذا الفعل جامع مانع كامل شامل لكل مخوف ولكل غير مرغوب فيه..

كذلك أمر الفتن.. فإنك بتحديد الأبواب والمداخل ثم إغلاقها تكون قد وأدت قصصا مأساوية في مهدها قبل أن تحيا وتتحرك زاحفة على أرضك كتمساح مريع ينشر الذعر والموت أينما حل.. فكم هو رائع أن تدهسه وهو بعد في بيضته غاف !.. قبل أن يدهسك هو !

ألا وإن منافذ الشر كثيرة في حياتنا، وفي هذا الزمن بالخصوص.. فكم تمكنت منا بعض الشرور حتى صارت تزاحم ما خُلقنا من أجله، وصارت كأنها حيوية، ضرورية للبقاء في الحياة.. وليس لنا أبسط استعداد للتخلي عنها طرفة عين.. وهذا عجيب غاية العجب !

من منا يقدر على ترك التلفاز والشبكة العنكبوتية والعزوف عن متابعة الأخبار والكلام حول الفتن ؟ من يستطيع ترك الكتب المشبوهة والجلوس إلى المشبوهين بل ومصادقتهم ؟.. من ؟ لا يقدر على ذلك إلا من رحم ربي، وبصره بحقيقة الأشياء وما يأتي من وراءها، ثم وفقه لتخطيها.. وغلق الباب.

وحدها عزيمة قوية وإرادة فولاذية وتوكل صادق وتوبة نصوح.. تمكّن من غلق الباب وإحكام رتاجه.. حتى ينعم المرء بالأمن ويحظى بالسلام، فتحلو له الحياة، ويذوق طعم الهناء ويستسيغ طيب العيش.. على عكس أكثر أهل الأرض الضائعين وسط الأمواج المتلاطمة، لا يعرفون متى وقع عليهم ما وقع، أفي ليل أم ضحى أم أتاهم وهم قائلون ؟؟ لا يذكرون من أي ناحية جاءهم، أمن فوقهم أم من تحت أرجلهم أم حلّ عليهم بغتة وهم ينظرون ؟

لقد تاهوا وأمعنوا في التيه حتى حيل بينهم وبين الباب الكبير.. فلم يعودوا يرونه فضلا عن إغلاقه..

فهلم، اقطع خيوط الشبكة العنكبوتية في بيتك، واجعلها خارجه، بعيدة عنك تقصدها إذا ما احتجتها في إحدى شؤونك المهمة.. ولا تتركها مع كتبك وأوانيك فتفتنك في دينك ودنياك.. ولا أحد ألزمك بها  !

أعرض عن التلفاز أو أخرجه من عندك بالكلية إن كنت تملك زمام بيتك.. فحري بك هذا إذا ما رأيت آثاره السيئة عليك وعلى أهلك وأبنائك.. أم هو سنة مؤكدة أم ماذا ؟

دع مصافحة الأجنبيات وملاعبتهن والتسامح في تكليمهنّ، وانفض عنك وساوس (لا بأس) تلك.. فهي حراس من الشياطين، كأني بهما اثنان يقفان عن يمين الباب وشماله ليمنعانك من غلقه.. حتى يظل مفتوحا عليك آناء الليل وأطراف النهار.. بل اركل هذا في وسط بطنه، ووجه للآخر لكمة بين عينيه.. وأوصد الباب دونهما.. تنعم بالراحة والسكينة.

هل عرفت ضرب (نوع) الرعب الذي أحدثك عنه هذه المرة ؟

هل ترى ذلك الباب الخشبي الكبير الذي أشير إليه ؟

هل فهمت الآن ؟

اللهم اجعلنا ممن ينهون عن المنكر وعنه ينتهون، ويأمرون بالمعروف وبه يأتمرون.

فلسفة الرعب

رعب الجنون !


رعب الجنون

قد تُعين أخا لك على تجاوز محنة تعترضه أو سلوك غير لائق علق بشخصيته..

قد تُصلح فاسدا، تُصوّب مخطئا، تقود أعمى وترشده الطريق بإذن الله وقدرته لكن.. ماذا عنك ؟

ماذا إن تحرك ذلك الوحشُ القابع بداخلك (الأمّار بالسوء) فأفسد صفاء ذهنك، وعبث بالأسلاك وبلوحات المفاتيح.. حتى فسُدت أخلاقك، وساءت أفعالك ولم يعد القبيح عندك قبيحا، ولا المحظور صار لديك محذورا..

ثم تنبري مقاتلا مجاهدا نفسك، لكن.. دون جدوى. ذلك الشيء جلد قوي، يجيد التخريب والإفساد حقا !

لو تأملت معي لتجدنّ الأمر أشبه بتمزق فرامل شاحنة ضخمة تهوي بها حمولتها – التي هي جزء منها – إلى الهاوية.. كذلك تجرنا أنفسنا – التي هي نحن – من نواصينا إلى.. المحرقة !

وهذا سفه وغياب فادح للعقل.. يشبه الجنون أو هو جنون ولكننا لا ندري..

ألم يقل الله – تعالى جدّه – عن الكفار (موتى) وهم بيننا أحياء يمشون مرحين ؟ إن المفاهيم التي تعارف عليها البشر ليست هي الحق بالضرورة.. فالله أعلم، والله أحكم..

وقد قال سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) الأنعام 36.

فكذلك العقل نعمة.. ولكن أين مظاهر هذه النعمة في حياة البشر اليوم ؟ مالنا نسقط في الشر زرافات ووُحدانا وفطرتنا تعرف الشر شرا والخير خيرا ؟

ولكن.. لربما أذهب الله عقل الفتى إذا لم يعد له داع !!

 ألا ترى إلى المجنون.. هل يملك من تصرفه شيئا ؟

تخيل أن تقودك أهوال الحياة إلى القمة.. أعني قمة اللامنطق، ثم تهوي على أم رأسك إلى مستنقعات آسنة من الجنون، مترامية الأطراف.. حيث لا عقل !

هل تملك حينها أن تقرر ؟ أن تستحسن أو تستشنع ؟ هل تملك الحذر من المحذور وفعل المأمور وتقبل المقدور ؟ هل تملك أن تبقى متأنقا عزيز الشأن ؟ هل يمكنك حينها أن تختار الأفضل لنفسك فضلا عن غيرك ؟ كلا.. لقد تقطعت الفرامل.. ولم يعد بينك وبين هذا العقل خيط تمسكه به.. إنه يهوي ويهذي ويتدحرج في غيابات الظلام.. بلا نهاية..

هل فكرت في هذا ؟ أن يسلبك الله نعمة العقل بالكلية.. نسأل الله العافية..

انظر لهم في الشارع.. حفاة، عراة، منكوشي الشعر واللحية.. ينظرون لك نظرات زائغة، متجهمة تارة، وتارة أخرى باسمة.. ولعل الواحد منهم يراك نعجة تنظر له بتوجس أو قطعة بطيخ.. من يدري ؟

أعرف يقينا أنك لا تتمنى خوض هذه التجربة حتى ترى العالم بذلك المنظار الغريب.. ولا ألومك صراحة !

ولكنه أمر مفزع غاية الفزع.. كيف سيراك الناس ؟ ماذا سيقولون عنك ؟ ماذا عن أهلك ؟ ماذا عن علمك وعملك وأحلامك ومشاريع إصلاحاتك التي لا تنتهي ؟ وقد انتهت الآن..

هل أدركت هذا الهول ؟ إنه رعب تقطع الفرامل..

رعب.. الجنون !

فلسفة الرعب

رعب الفراغ !


رعب الفراغ

هو خيال من أكثر الخيالات التي أثارتني، وموقف من أشنع المواقف التي خيّلتها لنفسي..

أعلم أن أفلاما كثيرة تناولته، بل قتلته قتلا.. حتى لربما فقد بريقه عند بعضهم، لكنه عندي – على الأقل – باقٍ في أعلى رفّ بمكتبة خيالي.. مكتوبا بخط غليظ يستفزني استفزازا..

رعب الفراغ..

لم تفهم بعد ؟ حسنا، أعرني خيالك كله لو سمحت..

(تقترب الكاميرا منك رويدا رويدا)

أنت الآن في حمام البيت تحت الرشّاش – ليس رشّاش الحرب طبعا ! – تتملّى ببرودة الماء في عزّ الصيف، وتتمنى لو بقيت على حالك – تحت الرشّاش – إلى أجل غير مُسمّى، لا ترغب في تسميته الآن !

إلا أنك سرعان ما تنفض عن رأسك هذا الجنون المنعش فتغلق الصنبور، ليستقبل جسدك المبلل النظيف آخر القطرات بعطش لا يُروى..

تُغادر مكانك (وتتبعك الكاميرا).. تتناول المنشفة البيضاء من خلف الباب لتجفف بدنك مزيلا بقايا الماء الذي كنت تطلب منه المزيد قبل قليل فقط.. يا للعجب، كم بهذه الدنيا من التناقضات !

تتأمل وجهك بالمرآة، وتدقق النظر في عضلات صدرك وفي بطنك الذي بدأ يترهل شيئا يسيرا..

(مشهد من خارج الحمام على رواق البيت)

هدوء مريب بالمكان.. هذا غريب !.. قد كان ممتلأ بالضجيج والثرثرة قبل دخولك الحمام..

تبحث بعين متكاسلة في أرجاء الشقة وأنت تتلمس شعر رأسك المبلل.. لا أحد !

حسن، ربما خرجوا لسبب ما..

تطل من زجاج نافذة الصالون الكبيرة، لتنظر إلى الشارع الواسع المزعج إياه..

(تنتقل الكاميرا لتصور الشارع)

 قد توقف فجأة على أن يكون مزعجا !.. كل شيء جامد، السيارات مكانها، مفتوحة أبوابها.. ماذا ؟ مفتوحة ؟! لم ننعم بكل هذا الأمن من قبل ؟ أي شيء هذا ؟

(مشهد يصور وجهك المشدوه)

ماذا يجري ؟ أين أصوات الحياة بالخارج ؟.. لماذا توقف كل شيء ؟

– لماذا توقف كل شيء ؟

تقولها بصوت متحشرج، متوتر حتى تؤكد لنفسك سلامة أذنيك من الصمم !

(تنتقل الكاميرا إلى مشهد يصور السلم الفارغ لحظة.. قبل أن ينفتح الباب بعنف)

تخرج أنت، وتترك الباب مفتوحا خلفك غير مبالٍ ووجهك يحمل أمارات عدم التصديق.. ثم تلتهم الدرجات نازلا..

بالخارج كل شيء هادئ.. هادئ أكثر من اللازم في الحقيقة !

لقد اختفى الجميع !

(تراقبك عين الكاميرا للحظات)

تصفع وجهك لتستيقظ من الحلم.. إلا أنك لا تستيقظ للأسف..

يا للهول !

(مشهد علوي يصورك وسط الشارع وحيدا)

تمشي بصمت وترمي خطوات ضائعة.. لا تدري أين تريد بالضبط.. فقط تمشي وتلتفت هنا وهناك.. كأنك جُننت !

الدكاكين مفتوحة، والأسواق الممتازة والمنازل والمآرب.. كل شيء !

حتى فمك مفتوح !.. تشدّ شعرك.. تمسح وجهك من فوق لتحت.. تضرب كفا بكف وتهم بقول شيء ما و..

(تظلم الشاشة)

عدنا..

عذرا على المقاطعة.. ولكنها فقط لقطة عرضتها عليك لتفهم الرعب الذي أحمله لك اليوم.. ما رأيك ؟

فكرة غريبة جدا وقاسية جدا لو تأملتها وزدتها تأملا..

رعب الفراغ !

حدثني صديق لي يوما عن قصة ذلك الطاقم العلمي الذي امتطى ظهر سفينة تمخر عباب البحر إلى القطب الشمالي لأغراض علمية ما.. ولأسباب مجهولة علقت السفينة وسط صفيحة من الجليد جمدت حركتها تماما.. ليكتشف المساكين حقيقة مهولة.. أنهم أسارى وسط عالم أبيض !

كل شيء حولهم أبيض وبارد.. ثم بعد شهور بيضاء تمكن منهم الجنون شيئا فشيئا.. جنونٌ سموه بعدها (جنون البياض) !

هل ترى معي رعب الفراغ في هذه القصة ؟

إننا مخلوقات اجتماعية يا صاحبي.. ولا نُطيق العيش لوحدنا كشجرة فريدة في جبل بعيد..

ومهما تظاهرت بالجلد والتحمل.. سوف تنهار بعد فترة ولابد، وستفقد الشعور بالأمان تماما.. ليحل مكانه شعور رهيب بالمراقبة ! كأن أعينا كثيرة ترقبك من بعيد ! الشيء الذي لا تفكر فيه وأنت بين الرؤوس في سوق أسبوعي مكتظ مثلا.. لكن إذا ما مررت ليلا بشارع خال، لتخيلت امرأة ترمقك من خلف ستار النافذة، وكلبا نصف غاف ينتظر الفرصة ليغرس أنيابه بفخدك، وحارس لا يغفل عن خطوة واحدة من خطواتك.. باختصار، لن تشعر بالأمن وحدك أبدا..

ربما يعد هذا – أيضا – من أسباب الزواج.. من يدري ؟ نحن لا نعرف سر الكثير من أفعالنا وتصرفاتنا، فقط نفعلها..

إنه رعب ذو مذاق غريب نوعا.. لن تفهمه كما يجب – ولا أنا – ما دمنا لم نجربه..

إنه ببساطة.. رعب الفراغ !

فلسفة الرعب

رعب الرحيل !


لماذا الرحيل مرتبط بالحزن إلى هذا الحد ؟

كم بكيتُ وأنا أجمع حاجياتي لأعود من المخيم الصيفي وقد كنتُ ساخطا عليه اليوم الذي سبق فقط !

وكم صعُب عليّ مفارقة كل قسم من أقسام الابتدائية وقد كنتُ أجلس في طاولتي مُختنقا طيلة العام تقريبا، ولم أتحمل وجودي بين تلك الكائنات العابثة !

وكم انتحبتُ بحُرقة حين رحيلي عن تلك القرية الصغيرة في منتصف سنوات الإعدادية لأترك تلك الوجوه الصغيرة المحبوبة التي تُمثّل عندي الطفولة ذاتها.. بكيتُ وأنا أدير ظهري لهم بعد أن ودّعتهم، حريصا على ألاّ يروا اهتزاز كتفي..

وكذلك انظر إلى المحتضر كيف يُنازع الموت حتى لا يأخذه – المسكين – وإن كان قد ذاق الأمرّين في هذه الدنيا، وربما كان يتمنّى الموت في قرارة نفسه من قبل !

لكنها الغريزة.. ذلك الطفل الذي كُنّاه يوما، لازال بداخلنا يخرج علينا في مثل هذه اللحظات ليبكي ويتمرّغ على الأرض حتى يبُثّ في قلب من يراه شيئا من الرّأفة..

لا نريد أن يُغادرنا أحباؤنا حتى وإن غادرناهم نحن أنفسنا !

لا نريد أن نرحل عن الدنيا وإن كنا نبكي من المعاناة والألم !

لا نريد أن نفارق بعض أموالنا حتى وإن لم نكن في حاجة ماسة لها !

إنه رعب الفراق.. رعب الرّحيل، حيث الوجهة التالية مجهولة، والحياة بعد الرحيل لن تظلّ كعهدنا بها..

أما أكبر رحيل ينتظرنا نحن معشر المسافرين فهو الرحيل من هذا الكوكب.. رحلة الموت. فهلاّ جمعنا حاجياتنا وحزمنا الأمتعة جيدا قبل أن يباغتنا الموعد.. إنه سفر طويل وشاقّ فعلا يا سادة.. فليُعنّا الرّب.

فلسفة الرعب

رعب.. ما يُراد لك أن ترى !


ماذا يراد لك أن ترى

في أذهاننا صور وتصنيفات وتقييمات لكل ما نعرفه في الحياة.. والناس عندنا أشكال وألوان وأذواق، لكل صنف منهم لونه وذوقه الخاص.. فمنهم اللاّذع ومنهم الحامض، والمالح والحُلوُ والـ…

لكن هل تلك الصور التي نحمل عنهم هي صورهم حقا ؟

تُصاحب الرجل شهورا أو أعواما ثم يظهر لك معدنه على حين غفلة، بعد موقف عسير.. من تلك المواقف التي تتمايز فيها الألوان وترسب الفلزات والمعادن، وتظهر المكنونات وقد لوّنتها الظروف كما تُبرز الملوّنات بعض المكونات الكيماوية التي لا تظهر للعين المُجرّدة..

فتُحرَقُ تلك الصورة الأنيقة التي كانت محفوظة في وجدانك.. تتلوّى أطرافها، وتتجعّد ثم تسودّ بالكامل وتتلاشى !

إذا فقد أعطاك الصورة الخطأ.. ويمكن أن نقول أنك لم تعرفه من قبل قط، حتى اللحظة التي سقط فيها القناع  !

ولاشكّ أن هذا من شأنه أن يدفعك للالتفات حولك وإعادة النظر في الموجودات التي ألِفتها..

هل خطيبتك هي كما تظنّ حقا ؟ هل هي مستعدّة للتّضحية والصّبر مثلك.. هل تحمل من المودّة والقدرة على احتمال هذا العبد الضعيف واحتوائه بقلب واسع وحضن دافئ كما تحاول أن تُبدي لك حتى لتكاد تبكي وتُقسم على ذلك بالأيمان المغلّظة.. أم أنها..

أم أنها أفعى رقطاء سليطة اللسان.. لم تر لسانها بعد.. إن هي إلا شهور وتراه مشقوقا يقطر سمّا زُعافا  !

هل جارك الجديد طيب حقا كما يدلّ ثغره البسّام أم أنك لن تسلم لحظة من بوائقه وحياتك بجواره ستكون نكدا وسلسلة من المحاضر والجلسات المؤجلة ؟

هل.. هل.. هل.. التفت حولك و(هلهل) كيفما شئت..

ألا تعتقد معي أننا لا نرى إلا ما يُرادُ لنا أن نرى ؟

سبحان الذي يعرف حقيقة كل شيء وخبيئته.. أما نحن يا صاحبي فلا ينبغي أن نصدّق كل ما نراه.. ويجمل بنا أن نجعل دائما حيزا من الحذر.. هامشا لنكتب فيه ملاحظات مستقبلية.. خطة طوارئ تساعدنا على الفرار بجلودنا في اللحظة المناسبة !

هذا لأن الصّدق عزيزٌ فعلا.. والعدل مفقود، وحتى إن عدلنا أحيانا فلأننا لا نرى بأسا من بعض العدل الذي لا يضر، وربما نفعل ذلك فقط ليقول الناس أننا عادلون.. وسرعان ما نغلق صنبور العدل بشحّ إذا ما لسعتنا مرارة الحقيقة.. فنمثل ونكذب ونغدر ونُعطي الوعود الزائفة ونُغري بالمال وبأشياء أخرى..

فأين الحقيقة وسط كلّ هذه الفوضى ؟ قل لي..

إنه زمان حقيق بمن أراد السلامة من أدوائه الاعتزال من أكثر مشاهده.. والاكتفاء بالقليل النافع من كل شيء، لعلنا نحافظ على ما تبقّى منا..