خواطر عن الكتابة

إفهموني إن استطعتم !


indice-puntato1

ربما تأثّرتُ بعض التأثّر بطريقة أحد الكتاب الواضحة والممتعة في آن لإيصال الأفكار والمعاني، وهي على مباشرتها المفرطة أحيانا وهزالتها البلاغية غالبا، تمتاز ببعض الذكاء والدهاء في جلب انتباه القارئ كليا، وطرد كل ملل يمكن أن يراوده، أو ُشبهة عدم فهم، أو إغراق في الوصف السّاذج الذي يجعل من الكاتب كالطفل الخجول عندما يقف أمام زملائه في القسم، يستظهر ما يحفظه من دروس بجدية مبالغ فيها، وقد شبّك ساعديه فوق صدره، ودفن ناظريه في حذائه.. أفينتبه التلاميذ لما يقولُ أو يستفيدون ؟

وقد كانت من حسنات هذا (التأثر) أن بدأت أكوّن – بحمد الله – ذائقة أميز بها جودة الأفكار والأساليب.. تلك الحاسّة التي تجعلك تفرق بين حساء جيد وآخر رديء. حتى إن كانت المكونات هي المكونات، والتوابل نفسها في الحسائين، ولكن شتاّن بين هذا وذاك، ويا بُعد ما بينهما  !

لا أريد بكلامي هذا اللغة والأسلوب، بقدر ما أريد وضوح التعبير. فالرمزية أسلوب من أساليب الكتابة الفذّة بلا شكّ، إلا أنها لعبة صعبة وتقنية دقيقة غاية الدقة، ومن لا يجيد استعمالها كيفا وكما سينتهي به الحال إلى كتابة أطنان من الجمل المتحذلقة التي لا أول لها ولا آخر. وهذه ملاحظتي حول كثير من الشباب الكتاب. بل حتى أكثر من يخرجون علينا في التلفاز ويدعون أنهم كتاب وشعراء. تجدهم يقلدون (غادة السمان) و(أحلام مستغانمي) ومن شاكلهما في ما يكتبون من هراء عاطفي، ثم لا يجيدون حتى التقليد.

وحتى لو كانت الفكرة جيدة والمشاعر ثاقبة، ثم أخرج الكاتب ذلك في شيء هلامي ضبابي، لم يصل مراده للقارئ. فلا يمكننا وصف هذا إلا بالفشل. فشل الكاتب الذريع في استعمال أدواته التي يجيد لفعل ما يجب فعله، كما يفشل النجار إذا لم يصنع نافذة مناسبة للزبون. إلا أن الكاتب لا يعترف بهذا الفشل، بل يقول أنا عبقري زماني ولكن أين من يفهمني ؟.. وهكذا يمضي حياته في خطّ التفاهات التي لا يفهمها أحد ولسان حاله يقول: (إفهموني إن استطعتم). هذا على اعتبار أنه يفهم أصلا !

ولكن الكاتب المجيد يضمن – في المقام الأول – وصول المعنى ثم بعد ذلك يزوّق الكلام ما شاء من التزويق، ويضيف إليه ما يحب من الرموز والتشبيهات. أما أن يبدأ بالترميز المتذاكي ويطلب من الناس أن يفهموه قسرا، فهذا كمثل الرسم التجريدي الغريب الذي يحير فيه أساتذته ويختلفون، فضلا عن المشاهد المسكين الذي يتهم نفسه بالغباء لأنه لم يفهم منه شيئا يُذكر ! وكمثل السكر لا يظل حلوا مهما استزدت منه، وإنما إذا جِزت قدرا مَعلوما فلتسكب الفنجان في أقرب مصرف للمياه، لأن القهوة ستصير حينئذ سائلا مقززا لا معنى له.

وهذا في رأيي سبب من أسباب عزوف قومي عن القراءة، بل ربما كان سببا في إقبالهم على اللغات الأجنبية الأخرى كذلك وهجرهم لغتهم الأم، لغة القرآن المعجز.. أبلغ وأحكم ما قد يقرأه قارئ على الإطلاق. فيتهمون العربية – وا حسرتاه – بالقصور بسبب هؤلاء السفهاء، هذه اللغة الرائقة التي حملت كلام الخالق، وقد تحدّى – سبحانه – المنكرين أن يأتوا بمثل ما قيل بها  ! فأين هم من التحدّي ؟

ولكي أضمن – أنا الآخر – وصول فكرتي للقارئ، والتي كان موضوعها (وصول الفكرة للقارئ) !.. أضرب مثالا لهذه التعابير المتحذلقة التي يكفي أن تسمع أن كاتبتها (غادة السمان) أو أيا كان من تلك الأسماء التجارية المروّج لها، حتى تتهم نفسك بالتقصير والعجز اللغوي: (الحبّ كزهور الربيع التي تلطمها آهات الذات، بل هو آثار وجدان خلّفته سيول الحنين المهزوم. بل هو الحب، بصمات الكيان المرّ) !

إفهموني إن استطعتم !

رفعت خالد المزوضى

خواطر عن الكتابة

فلسفة الكتابة


purest-lake-in-the-world-lake

أعلم أننّي أكثرتُ الحديث عن الكتابة، ولكن ما حيلتي ؟ فإن مثلي كمثل طفل لمّا يحسن التعبير بعدُ، خرج لمهرجان مليء بالألعاب والمُتع التي تخلب ألباب الصغار، فعبّ من تلك السعادة الغامرة ما استطاع أن يعبّ، ثم عاد ركضا لبيته حتى يحكي لأهله عما رأى وسمع، ولكن أنّى له التعبير ؟ وأين تراه يجد الوصف الذي يسعفه ؟ فيريد لو يخرج لهم قلبه ليروا ما رآه، موثقا بالصوت والصورة.. ولكن هيهات. فيطفق المسكين يتلعثم ويقفز ويصرخ، ليقرب لهم الصورة ما وسعه أن يفعل، والأهل غارقون في ضحكهم، يسخرون من منظره الطريف. فكذلك أجدني لما أعود من عالم الكتابة، على تواضعي وقلة زادي، لا أعرف كيف أصف الذي رأيت، وإنما أجتهد ما استطعت، فأقول – مثلا – أنه مكان أشبه ما يكون ببحيرة طويلة لا نهاية لها، تحفّها الأشجار الباسقات، وماء تلك البحيرة من الصفاء بحيث ترى القاع البعيد تتراقص فوقه الظلال تراقص الأشباح، وأنتَ تنساب فوقه بقاربك، وتحتك تمرق أفواج السمك بسلام، والجو هادئ ساكن، يلفك بهدوئه وسكونه حتى تغدو جزءا لا يتجزأ من ذاك المشهد البديع، وطرفا لا غنى عنه من جمال تلك اللوحة الزاهية، فتلمس بأناملك الماء الهادئ كأنما تلمس الجمال نفسه، وترى وجهك على صفحته كأنما هو وجه روحك ذاتها، فتراه جميلا بلا سكرة من كبر، وتُلفي عقلك متوازنا، مرتب المنطق بلا ذرة من تكلف. ثم تجعل – وأنت على تلك الحال – تصطاد بقصبتك من تلك البحيرة الدافئة، فإذا السمك يخرج في هيأة كلمات.. فيا لجمال تلك البحيرة ويا لغرابتها ! كلا بل هو شيء آخر غير الجمال، ومفهوم مغاير لمفهوم الغرابة. لأن الجمال والسعادة والغرابة كلها معان محجوزة سلفا، ولا يمكن حشر هذا الشعور الفريد بجانبها، إذ أنه ليس من جنسها، ولا يمتّ إليها بسبب من الأسباب، إلا ما كان من قياس أو تشبيه، فالفرحة والراحة والطمأنينة والسكينة، كل أولئك مشاعر من نفس العائلة، عائلة السعادة. ولا يمكن أن ندخل عليها هذا الشعور الجديد، الذي ليس من عالمنا المعاش، والذي ورطت نفسي – يا ويحها – في وصفه وتحليله.

متابعة قراءة “فلسفة الكتابة”

خواطر عن الكتابة

قصة حب..


write-what-you-love

كلُّ إخلاص وراءه حبّ دفين، لأن الحبّ هو العزاء الأخير عندما تحلّ المدلهمّات، أو تبعُد الشُقّة ويحين وقت التضحيات. خطر لي هذا وأنا أتأمل في شأن الكاتب الذي لا يجني من كتابته درهما ولا دينارا، فيم تعبه ذاك، وفيم ضيعة وقته وشبابه، بدون أصحاب يؤنسونه في بيته الصامت كالقبر وهو يكتب كالمحموم ؟ ولكن.. كل كاتب له – ولابد – مع هذه الكتابة قصة حبّ.. قصّة نشأت رويدا رويدا منذ أيام الشباب الأولى، حين كانت تأكله الحيرة، فكانت الكتابة أنسه، وخير منها الأنس بالله. وكانت مما تداوى به من بعض أسقام الدنيا، ولا دواء إلا بإذن الله. فكيف ينساها بعدُ ؟ وهل الحبيب من الحبيب يشبعُ ؟ وكيف لا يكون لها مُخلصا ؟ والحبيب للحبيب مطيعُ.. بل لو كانت هذه الكتابة امرأة لطلب الكاتبُ يدها بلا تردّد !

رفعت خالد المزوضي

خواطر عن الكتابة

المناورات الكتابية !


writing-quotes-wallpaper.jpg

هو أمر ثقيل على النفس أن تقوم من سقطة أو فشل، حتى لقد أعتبره أحيانا أخطر من الفشل في حد ذاته.. أن تتغلب على الفشل ! هذا قاس جدا. أعرف الكثير ممن أحبطوا وتركوا القلم للأبد، وقد حكى لي أحدهم عن شخص يعرفه كان يقرأ بشكل مخيف، يقرأ بغزارة ويحمل على أكتافه مشروع كاتب.. ثم إنه بعد غيبة لقاه فسأله عن مشروعه القديم، فقال أنه ترك القراءة والكتابة جملة وتفصيلا، لأنه اكتشف أدباء عظام أعجزه أدبهم فانهار واستسلم !.. هذا ليس غريبا فلا تعجب، فهي مشاعر مفهومة ومنطقية، وبحمد الله، لم أقع فيما وقع فيه هؤلاء لحدّ الساعة لسبب بسيط ربما.. وهو (مناوراتي) المتواصلة، وعدم اعترافي التام بالفشل. نعم أعترف بالخطأ هنا وهناك.. لكني لا أقول (أنا كاتب فاشل) أبدا، مثلما يقولون. لأن مجرد هذا الحكم قد ينهي المشروع من أساسه، ويُسكت ذلك المحرك الذي يجعل اليد تنبض بالحياة وتكتب.. كل من يكتب فإن له أملا في أن يكون كاتبا ناجحا يوما، فإذا أسكت بنفسه هذا الأمل، سكتت اليد تبعا لذلك، ولم يلفظ القلم بعدها حرفا واحدا. إذا فهو قرار يقرره المرء بنفسه دون إكراه ولا اضطرار.. وهذه المناورات هي ما ينسيك مرارة الفشل وتجاهل القراء، بحيث تحاول في كل مرة أن تعيش التجربة من جديد دون قياسات على تجارب ماضية.. هذه (المناورات) هي الحل برأيي للتغلب على إخفاق الكاتب وكل إخفاق غيره.. والله أعلم.

خواطر عن الكتابة

الروايات قذرة !


Bad-books-by-favourite-authors1-e1355053665671

في الروايات عموما نوع أنانية بغيضة، الكاتب يرسم العالم كما يراه أو كما يريد أن يراه، ويحكم على كل شيء فيه من الناس إلى الجمادات بمعتقده الذي هو في الغالب معتقد معتل مريض.. هل قرأت من قبل رواية تدعو للمعتقد الصحيح ؟ وتنقد أفعال الناس وأقوالهم على ضوء القرآن والسنة ؟ أنا شخصيا لم أقابل هذه الرواية بعد.. كل هذه القاذورات التي نقرأ والتي تختلط بشيء من الموهبة وسعة الخيال تشبه النفايات التي رُشّ عليها بعض العطر أو بُذل مجهودٌ لتزيينها أمام نظر الناظر لكنها لا تعدو كونها قاذورات آخر الأمر.. ولا أدري لماذا لا يتكلمون عنها كقاذورات ويحاولون إزالتها وتنظيف الأرض منها، فيكتبون كيف تنصلح أحوالنا و يكتبون عن الذي علينا عمله لكي تتغير حيواتنا كما أمرنا ربنا ! ويضربوا لذلك الأمثال والقصص.. ولكنهم لا يفعلون ويزكمون أنوف القراء بما يكتبون.. ليس هذا هو العالم يا كذبة، ليس الأمر بهذه الشناعة وحتى لو كان كما تصوّرون فلماذا تتجاهلون الطيبات والحلال الجميل وترتعون في المحرمات القذرة كالذّباب بحجة أن هذا هو الواقع، فكما أنك – أيها الكاتب – عندما تنصح ابنك تقول له انظر إلى الجانب الممتلئ من الكأس، انصح أبناء الناس الذين يقرأون لك وقل لهم كذلك.. وكما أنك ترى كثرة البغايا وبائعات الهوى في العالم لكنك ترفض أن تعتبر زوجتك منهم (حتى لو…)، وتعاملها على أساس أنها استثناء وأنها محترمة، وتحمد الله على أن الخير باق إلخ.. فلماذا لا تفعل مثل ذلك مع الناس، فتحسن الظن بهم وتستر عيبهم كما تستر عيبك وعيب زوجك، وتنصح لهم بصدق وأمانة ؟.. لماذا تزيدون الدنيا قتامة على قتامتها ؟ لماذا لا تشعلون شمعة بدل أن تسبّوا الظلام ؟ ليس العالم كما تكتبون ولا هكذا ينبغي أن يكون، وإنما هي أوهام قذرة داخل رؤوسكم المريضة أخرجتموها لنا في كتب أغلفتها براقة !

رفعت خالد المزوضي

خواطر عن الكتابة, شذرات

فقط اكتب..


just-write

بسم الله الرحمن الرحيم

تعود الكتابة هاجسي وشاغلي بخاصة عندما أهجرها لأيام أو أسابيع.. حتى لقد أسمع برأسي أسئلة واضحة مجلجلة.. لماذا لا أكتب ؟ ماذا حدث ؟ هل أنا أهرب ؟ مم أهرب ؟ ثم متى أكتب ؟ متى أحمل القلم وسط هذه الفوضى من المهام المتناسلة ؟ أين أكتب ؟ والأهم.. ماذا أكتب ؟

ثم لا يلبث حتى ينطلق صوتٌ آخر من مكان ما مُجيبا: أكتب كل ما أثر ويؤثر فيك الآن، أكتب كل الخيالات التي راودتك وتُراودك الآن.. أكتب عسى أن تخلق نصوصا بديعة.. أكتب وما يدريك ؟

لا تُصدّق كل اتّهام من نفسك أو غيرك، فكم استمتعت بالنصوص الأولى وكم (نجحت) في وسطي الصغير وبين أصحابي البسطاء..

فقط اكتب.. كذا يأتيني الجواب. فأمطّ شفتيّ وأقوّس حاجبيّ مُستغربا.. وأجده كلاما في الصميم حقا، دقيق وعميق ينبع من تجربة سنوات من (العِشْرة) مع الأوراق !

فقط اكتب.. لأن أصعب ما في الكتابة – كما في كثير من الأمور – هو التفكير فيها، فعندما تفكر كيف تكون القطعة التي تعزم كتابتها فثمة الحيرة وثمة المشكلة.. لأنه يصعُب رؤية الصورة أو يستحيل تماما قبل أن تنحت الورقة الملساء وتعرف يداك ماذا تفعل.. يصعب أن تتمثّل ما تريد إذا لم تسّمّع إلى صوت القلم يعمل في الورق، ويدور رأسه مئات الدورات، فينفث المداد فوق الأرض البيضاء، وأناملك – بعدُ – شاهدة على عملية الولادة هذه، تكاد تتصبّب عرقا وهي تحمل القلم على أكتافها وتهمسُ له مؤيدة مُصبّرة !

فقط اكتب.. وبعدها أخبر القلم برأيك فيما صنع، وفي (المولود) الذي وضع !.. فقط أعط لنفسك الفرصة وبعدها تأتي المحاسبة والمراجعة..

فقط اكتب..

رفعت خالد المزوضي

خواطر عن الكتابة

الكتابة والوحدة


2.png

تحيّرتُ طويلا في جواب سؤال وصلني عبر (الأسك) عن علاقة الوحدة بالكتابة، وهو سؤال هام جدا.. وإنما تحيّرتُ في جوابه لأنه من عينة تلك المسائل التي لم أنهِ البحث فيها بعدُ والتقصّي عنها والنظر في غوامضها.. ما علاقة الوحدة بالكتابة فعلا ؟ ولماذا يميل أغلب الكتّاب إلى العزلة والتفرّد ؟

أعتقد – أولا – أن الوحدة فرصة سانحة لأي “جُرأة” محمودة كانت أم مذمومة.. فالإنسان الذي يعتزل ويختلي بنفسه بعض الوقت يسهل عليه أن يكسر رهبة الخطوة الأولى في كثير من الأشياء.. وكم من الشباب من لم يتخلّص بعدُ من رهبة القلم، ولم يجرؤ بعد على أن يخلو بنفسه ساعة من الزمان أمام الورقة البيضاء وجها لوجه !

متابعة قراءة “الكتابة والوحدة”

خواطر عن الكتابة, شذرات

لن يجدوه أبدا !


reading

لكل كاتب بداية، وهي دائما بين صفحات قصة أطفال بسيطة مضحكة.. لكنها – على بساطتها – مهمة بالغ الأهمية، إذ جعلت ذلك الطفل الفضولي يتذوق لذة جديدة ما كان يحلم بها، وربما انقدحت في لاوعيه منذ ذلك الحين فكرة الكتابة.. هذه اللعبة الغامضة التي يمارسها أناس غامضون فيخرجون لنا هذه العوالم السحرية الخيالية.. ومن ثمّ تجد هذا الطفل يبحث بين صفحات القصص الملونة عن المزيد، وسرعان ما تراه – وقد كبر – يبحث بين صفحات كتب أكثر سمكا وجدية.. يبحثُ عن ذلك العمل الكامل الذي يشفي غليله فلا يجده.. وربما هذا أهم الدوافع التي تدفع أكثر كتاب العالم ليكتبوا ما يكتبون.. إنهم يبحثون في دواخلهم عن ذلك العمل المفقود بعد أن لم يجدوه في كتب من قبلهم.. يبحثون عن العمل الذي لم يكتبه أحد بعد.. وأعتقد أنهم لن يجدوه أبدا !

رفعت خالد المزوضي

خواطر عن الكتابة, شذرات

مغامرة الكتابة..


مغامرة الكتابة

عندما أمتلئ، عندما أستوحش من الناس ومن نفسي، عندما أخاف أن أضيع مع الضائعين، عندما تلدغني الوحدة لدغتها القاسية، عندما تزدحم عليّ الأسئلة، عندما يتحدّاني أحدهم، عندما ترتفع أو تنخفض كثيرا ثقتي بنفسي.. عندها أفتح نافذة في حاسوبي كأنما أفتح نافذة على روحي.. لأنظر إلى ليل بهيم وحقول سوداء مخيفة، مترامية أطرافها على عتبات الأفق.. فأحمل كشافا بيميني ومسجلا صغيرا بشمالي وربما حشرت بجيبي شيئا أدفع به الخطر عن نفسي، ثم أقفز من النافذة لا ألوي على شيء.. صوت ما يخبرني أن أعود، لكني أنفضه من رأسي بعناد ولا أبالي.. أمشي خلف بقعة الضوء ضاما إليّ جناحي من الرهب، مستكشفا، مغامرا.. أدور حيث يدور الطريق وأقف حيثما وقف بي المسير، وخلال كل ذلك أسجل في مسجّلي كل ما أراه وأحسّه، فأسمع صوتي وأنا أتكلّم غريبا عليّ.. جريئا، حكيما أكثر مما أعرف عن نفسي، وقد أمطّ شفتيّ متعجبا من ذلك.. ثم ربما طالت رحلتي – بعدُ – على هذه الشاكلة وربما انتهت بعد وقت وجيز، لأعود منتعشا بعض الشيء، راضيا بعض الرضى، وربما كانت مغامرة ترتعش لها أوصالي من النشوة.. فأعودُ لبيتي وفي مسجّلي قصة جديدة.. أدخل من النافذة، ثم أغلقها مسرورا.. لتطالعني خلفية حاسبي الملونة..

رفعت خالد المزوضي

14-09-2015

خواطر عن الكتابة, شذرات

إفراغ القلب..


heart-health-by-soda-arogyamasthu

عندما تُصيبك الدنيا بحُمّى الغمّ ويَمسّك منها داء الحزن والهمّ ثم تأتي بعدها فِعلا أخرقا ما كان ينقصك، يكون أثره عليك مثل القطرة التي تُفيض ما بالكأس، فتضيق بك النفسُ، ولا يعود ثمة فيها موضع لزفرة أخرى، ويمتلؤ قلبك همّا وتصطكّ أسنانك ألما، ثم لا تجد مفرا ولا مستراحا – بعد ذكر الإله الأعظم ودعائه – إلا في إفراغ محتوى هذا القلب الثقيل أمامك على الورق.. لتنظر إلى سواده بعين تُنذر بالدمع وخاطر مبلبل هشّ كأنه الشمع !.. ثم لا تلبث حتى يخرج منك نَفَسٌ حارّ طويل، يخف بعده جسمك ويعود إلى رشده العود الجميل.. وهل يريد الكاتب – بعدُ – إلا هذه المصارحة ؟ وهل عساه يرجو من الكتابة إلا هذه المُصالحة ؟

رفعت خالد المزوضي

خواطر عن الكتابة, شذرات

الكتابة لاشيء عليها..


creative-writing

لم أكره الكتابة يوما.. نعم قد أخافها وقد خفتها طويلا، قد أهابها وطالما هبتها، وقد أهرب منها ولا زلت أهرب منها، وبخاصة لما أحس بها تستحوذ عليّ حتى ربما كتبت وأنا أمشي في الشارع !.. قد أتجاهلها وأتظاهر بضيق الوقت وبعدم الاستعداد النفسي.. قد أفعل كل ذلك، لكني سرعان ما أشتاق لها وأحن لتلك الجرعات التأملية المسكرة، وأتلهّف لإبداع جمل لم يكتبها أحد قبلي.. الكتابة لاشيء عليها، كل شيء منا، نحن من لا نستحق أن نكتب أحيانا.. أما الكتابة فبئر سحرية لا تنضب.. أيضا لا أحكم على نفسي حكما قاطعا، فأقول أنا كاتب فاشل، أنا كذا.. حتى عندما كنت أكتب جملة وأضع القلم لاهثا.. لم أكن أبالي. وكما قال لي يوما واحد من أساتذة الرياضيات (أنت لست مؤهلا لتحكم على نفسك!)..

رفعت خالد المزوضي

خواطر عن الكتابة

مرة أخرى.. ما الكتابة ؟


Writing-2

سألني بعضهم عن الكتابة ما تكون بالنسبة لي وكيف أصفها فقلت: (قبل أن أجيبك أشكر لك أسئلتك الطيبة.. أما الكتابة فعالم حار في وصفه أهله وخاصته ، ومن أنا حتى أفسرها ؟ ما أنا إلا متطفل من المتطفلين أحاول تلمّس طريقي في هذه الغابة المجهولة.. غابة الأدب. ولكني أقول ما بدا لي، إن حقا فلله الحمد وإن خطأ فالله أسأل أن يعلمني وإياكم وينفعنا بما علمنا. الكلام عن الكتابة يشبه عندي الكلام عن الحياة.. ما هي الحياة ؟.. هل عندك جواب محدد، فتقول الحياة كذا، أو كذا.. أرأيت ما أرمي إليه ؟ الكتابة عالم تولد فيه من جديد، وتتحول إلى شخصية صغيرة تعيش على الورق.. تركض فوق السطور بفضول وتقفز بحماس من سطر لآخر.. الكتابة ميزان دقيق جدا يتأرجح بين الاعتداد بالنفس كما يعتد المقاتل بسلاحه ولبسته، وبين الشك والشعور بالضعف والوحدة.. فلو رججت الكفة الأولى صار الكلام (باسلا كما نقول) لا طعم فيه، وكره الناس قراءته فيخفت بريق الكاتب. وإذا ما رجحت الكفة الثانية – كفة الشك والنقد المقوّض – سقط القلم من بين أصابعك مختنقا، كما حدث لغير واحد ممن أعرف.. وآه ما أقسى ذلك الشك الذي قد يعجزك عن كتابة كلمة واحدة.. إي والله كلمة واحدة، وما أكثر عجرفة الشباب الكتاب إلا من رحم ربي، فإن الواحد منهم إما يحسدك أو يشمت بك إذا كتبت شيئا رديئا أو يتجاهلك في جميع حالاتك، أما أن يحبك كشريك وزميل في الهواية فقليل ما يكون.. الكتابة.. الكتابة شجاعة، الكتابة تشريح للأفكار وتنقيب عن المسكوت عنه أو الذي لا يلاحظه أكثر الناس.. الكتابة كرسي اعتراف، الكتابة استدعاء لحوارات وقصص وأحلام مكبوتة قد يرجع تاريخ بعضها لسنوات الصبا الأولى.. الكتابة لعبة نفسية شديدة التعقيد.. تكتب أول كلمة متحكما بيدك وبالقلم، وما هي إلا لحظات حتى يستيقظ القلم من غفوته فيركض لا يلوي على شيء جارا خلفه يدك بلهفة، فلا تدري من يكتب – على الحقيقة – ومتى ينتهي هذا الذي ينكتب ! وأخيرا، كما قلتُ قبل أيام.. الكتابة مكشاف خطير للمشاعر، وإنما يكتبُ من يكتب ليفرغ مشاعره أمامه فيقلّبها تقليبا وينظر فيها مليّا ويروزها ويجسّها ويسّمعها وينتشيها.. يكتب ليفهم نفسه أولا قبل أن يكتب للأمّة فيغيّر فيها ما شاء الله له أن يغيّر.. يكتب بدافع الفضول والمغامرة قبل أن يصير صيّادا بارعا في أعالي الأفكار.. والله تعالى أعلم).

رفعت خالد المزوضي

31-08-2015

خواطر عن الكتابة

أنانية وتكبّر الكتّاب الهواة !


222

هي ملاحظة، و إن شئت قل رسالة للإخوة المولعين بالكتابة الذين عرفتهم لحدّ الساعة.. أما الذين لا يرون في الكتابة فائدة تُرجى ويعتبرونها ضياعا للوقت وبهرجة، فملاحظتي هذه مملة عندهم.. وإني لأنصحهم أن يوفروا أوقاتهم ولا يقرؤوها أصلا..

ربما لن يروق لبعضهم ما سأقول، لكني أقوله على كل حال، بعد أن حبسته في صدري سنوات كثيرة.. فقد طالما تمنيت أن أجد أخا، رفيقا للقلم، معوانا.. يهتم بما أكتب كما أهتم، وينصح لي كما أنصحه، ويتحمّس لمشاريع وأفكار إبداعية كبيرة.. كما يحبّ هاو الكرة اللعب مع من هم على مثل هوايته.. لكني وجدت – تقريبا – أكثر من تسعين في المائة ممن يكتبون لا يهمهم إلاّ ما يكتبون.. لن أتحدث عن الحسد والتنافس وما شابه، لأن تلك مسائل قلبية مستغلقة.. وإنما الذي أريد هو هذه الأنانية المهولة التي عند جل هؤلاء الشباب للأسف الشديد.. وإني لا أزكّي نفسي المذنبة، ولكني أقول ما أعرف أنه حق، وهو أني حاولت كثيرا مدّ جسور الصداقة والتعاون.. باقتراح الأفكار وقراءة الأعمال والتعليق المطوّل عليها، وإنشاء المجلات وتصميمها وبعث شيء من نصوصي، بل وحتى رسائل ورقية لبعضهم.. وبعد كل هذا لم أحصّل إلا على تجاهل وترفّع بغيض وكأنني أكلّم الرافعي نفسه أو دستوفسكي !

وكل ما أذكر أني نلته من مجهوداتي منذ أيام الثانوية هو علاقة خاطفة مع أحد أصدقائي المقربين حينئذ، حيث كنا نتبادل يومياتنا رأس كل أسبوع ونضحك مما فيها كثيرا، بل كنا نبعث لنفسينا الرسائل حتى داخل الفصل ! وكان كلّ منا يتشوّق لما يكتب الآخر، وكلّ يحسّ بأهمية تلك الكلمات التي خطّها زميله وما تحمله من المشاعر والتأملات.. لأننا كنا نقدّر عملية الكتابة ونعرف جماليتها.. ولكن قد طوى الزمان ذلك العهد، وتبدّل الصّديق أسوء تبدّل ممكن، وهو التبدّل العقدي ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أقول.. آسفا مما أقول: لاحظتُ أن أكثر الكتاب الشباب ممن عرفت يريدونك (معجبة) من معجباتهم أكثر مما يريديون صديقا وزميل هواية !.. وهذه الأنانية قد أزكمت نفسي – يعلم الله – وضاق بها صدري، وإني أعرف أن الوحدة في طريقي الطويل هي الحلّ والمخرج من كل هذا البلاء.. لكني ما قلتُ هذا إلا لأتحرّر منه بعد طول احتباس أتعبني.. قلتُه كي لا ألتفت إليه مرة أخرى أبدا.. والله تعالى المستعان.

رفعت خالد المزوضي

11-08-2015

خواطر عن الكتابة

الصيد في أعالي الأفكار !


الصيد في أعالي الأفكار

ليست الكتابة تلك السطور التي يسوّدها الصحفيون ليقبضوا أجورا ويشتروا أحذية لأبنائهم ! وليست هي مواضع الإنشاء السخيفة تلك التي كانت تُطلب منا في المدارس، لا.. ولن تكون ذلك الشعر العامي الركيك ولا حتى ذلك الهراء الفلسفي المسترسل بالفصحى الذي ينشره بعضهم في كتب مبتذلة كثيرة الألوان ويضعون على خلفياتها صورا تُظهر وجوههم الحالمة وهم يمسكون قلما فيما معناه (انظروا إلي.. ألست عبقريا ؟).

ليست الكتابة في شيء من ذلك أبدا.. لأن الكاتب إنما يكتب اضطرارا أكثر مما يكتب اختيارا واشتهاء.. فكما لا يمكنك ألا تتكلم إذا كان لك لسان !.. كذلك لا يمكنك ألاّ تكتب إذا كان لك قلم ! والفرق بين الأديب وبين هؤلاء كالفرق بين الأديب وبين من يبيع الأقلام !

إنما يكتبُ الكاتب الأصلي – قبل حتى أن يجيد اللغة ويعرف معنى الكتابة – ليكتب ببساطة.. يكتب لأن له تاريخا مع الكتابة، فهي صديقته في محنته ورفيقته في وحدته، وهو يعرف ملامحها وتعرفه.. كيف وقد كانت معه على الفراش في تلك الليالي القاسية الباردة، لما لم يجد بجانبه من يفهم مُراده ويكفكف بكفه عبراته أو يمدّ له – على الأقل – منديلا يمسحها به.. كيف وهو ولم يعرف من يعذره ويربّت على كتفه مُشجعا إلا ذلك الصوت العميق الغامض الذي يهمس في أذنه من لا مكان ويتجلى على أوراقه شيئا فشيئا، فيشمّ إثر ذلك عبق مداد ممزوج برائحة كبد يحترق ! كيف ولم يجد من ينصتُ بصمت واحترام لما يقول دونما تدخّل من أجل التدخّل أو مُعارضة متكلّفة أو سخرية سخيفة تزيده بلاء وحسرة.. كما وجد في القلم من أدب جمّ وصمت وقور وتفهّم صبور !..

إن هذه الكتابة منبرُ من لا منبر له، وهي كذلك فرس جموح صعب المراس يحتاج ترويضه لصبر عظيم وحب عميم.. والكتابة هذه مهرب جيد من الكآبة  -كذلك – ووقاية ممتازة من الجنون !

إنها ليست مجرد تسجيل للمشاعر حلوها ومرها فقط، وتدوين للخواطر جميلها وخبيثها فحسب.. بل إن الكتابة مكشاف خطير للمشاعر، وإنما يكتبُ من يكتب – في الحقيقة – ليفرغ مشاعره أمامه فيقلّبها تقليبا وينظر فيها مليّا ويروزها ويجسّها ويسّمعها وينتشيها.. يكتب ليفهم نفسه أولا قبل أن يكتب للأمّة فيغيّر فيها ما شاء الله له أن يغيّر.. يكتب بدافع الفضول والمغامرة قبل أن يصير صيّادا بارعا في أعالي الأفكار..

رفعت خالد المزوضي

25-08-2015

خواطر عن الكتابة, شذرات

الكتابة..


vol.29_p.23_718278602

” من أميز ميزات الكتابة أنك فيها سيّد نفسك وأميرها، تكتب متى شئت وأنّى أحببت، ثم تنتهي حيثما رأيت النهاية أجدى وأنسب، ولك ما رأيت. لا مواعيد للتسليم تُؤرقك ولا مشرفا بليد المزاج يُزعجك بطلب أو نقد أو كيت وكيت.. فقط أنت والقلم في مغامرة من مغامراتكما التي تكشفها رويدا رويدا وإن لم يكن كاتبها إلا أنت.. تلوح لك معالمها مع كل كلمة تُخَطّ وكل سطر يُمطّ وكل شطر من بيت.. ثم لا تزال متقدّما في رحلتك مع القلم لا تلويان على شيء، تمدّه أنت بالفكرة إذا عجز ويرويك هو بالمداد قطرة بقطرة كلما ظمئت.. حتى إذا وصلتما إلى نهاية المسير، حيث نقطة مدوّرة كبيرة ليس بعدها بعد، فتقول له حينها، باسم الثغر.. انتهيت. “

__ رفعت خالد