بقايا القراءة

مقتل روجر أكرويد.. أو فن النهاية الصّادمة !


38e48b9a-5775-40fc-9853-957ee83f24c0

في خلال قراءتي لهذه الرواية من (الأدب الآجاثي)، كاد أملي أن يخيب، لاسيما وقد قرأتها مباشرة بعد رائعة دستوفسكي (الجريمة والعقاب). وقلتُ أن فكرة جريمة القتل في (الغرفة المغلقة) ببيت ثري، حيث الكل متهم – بما فيهم الخادم المؤدب – من (التيمات) المطروقة كثيرا في الأدب والتمثيليات، حتى لقد شاهدناها في حلقات (المفتش كونان). لكن (أجاثا) هذه تأبى كل مرة إلا أن تبهرني، وقد (خاب أملي) في (خيبة أملي) التي ذكرتُ عند نهاية القصة، وأثبتت هذه الكاتبة الغريبة أنها عبقرية، بل وملكة الأدب البوليسي بلا منازع..

إن نهاية هذه القصة من أروع وأبدع وأذكى النهايات التي قرأتُ قاطبة، ويكفي هذا التصريح مني، إذ لا يحتمل الأدب البوليسي تصريحات توضيحية – أكثر من اللازم – وإلا فسدت القصة لمن أراد قراءتها.

رفعت خالد المزوضي

19-05-2017

بقايا القراءة

الجريمة والعقاب.. أو نفسية القاتل


12009367

أجدني عاجزا عن وصف ما قرأتُ، والتعبير عما فعلته بي هذه الصفحات التسعمائة، وإنه لشعور مزعج محرج.

هذا ليس (أدبا) من النوع المتعارف عليه، وإنما كتابة من نوع آخر. حتى لقد يمكن أن تُسمى باسم آخر خاص بها، وتكون مدرسة أدبية قائمة بذاتها، وهي فعلا تُعدّ كذلك عند أدباء العالم. سمّه إن شئت (أدبا نفسيا فلسفيا)، وهو أدب عميق غاية العمق، مُؤثر غاية التأثير، لا يمكن أن يتجاهله كل مُدمن على التأمل والتفكير. إنها ملحمة نفسية إنسانية هائلة لا تعرف كيف استطاع كاتبها أن يجمعها بين دفتي مجلد أو مجلدين. ثم إنك لن تعرف – كذلك – كيف أفلح هذا الكاتب العبقري – دستوفسكي – في جعل الكثير من الثرثرة الطويلة تبدو في نهايتها لوحات مذهلة لشخصيات إنسانية مثيرة للاهتمام والدراسة فعلا.

ولا أنسى ذلك الشعور الذي تملّكني – أثناء القراءة – بأن الكاتب لا يحرص أيّ حرص على إيصال أفكار بعينها أو نهاية مُحددة، بل إنك تشعر أنما يكتب لينقل أحداثا حُكيت له أو رآها رأي العين، بلا أدنى رغبة في إطلاق أحكام أو نقل آراء. وهذا غريب.. لأننا اعتدنا من الكُتّاب أن يَحملونا حملا – من خلال نصوصهم – إلى أحداث وأفكار ونهايات يريدونها بعينها.. تكاد تُحسّ بهذا بوضوح، وتستنتجه بجلاء من خلال تعابيرهم.. ولكن هنا شيء مختلف، هنا روايةٌ كأنما تُحكى بطلاقة من تلقاء ذاتها !

Continue reading “الجريمة والعقاب.. أو نفسية القاتل”

بقايا القراءة

الإحساس بالعمق..


2

 

“الشهود على حياتنا يتناقصون، ومعهم يتناقص التوثيق اللازم”.

هذه هي العبارة المحورية لرواية (الإحساس بالنهاية) لجوليان بارنز، والتي لابد أن يحسّ قارئها بالعمق الشديد، والتقعر البعيد في أغوار التأملات في النفس والحياة. ولاسيما في الذاكرة البشرية الغامضة، وفي التاريخ الذي نراكمه على مر السنين.

هي رواية غريبة ليست ككل الروايات، مكتوبة على طريقة (تيار الوعي) الحديثة التي شَهرها جيمس جويس بروايته الغريبة (عولس)، وهي تقنية تركز على ما يتبادر للذهن من أفكار وملاحظات، كما هي تقريبا، وقد لا تكون تلك الأفكار مرتبة بالضرورة، بل قد لا يكون لبعضها منطق أصلا ! كما تفكر في زمن الطفولة – مثلا – وأنت تتأمل التلاميذ يركضون خارجين من المدرسة، ثم فجأة تتذكر رائحة التفاح، وتذكر بعدها أن الموزة التي تناولتها قبل قليل لذيذة جدا ! هذا يبدو غير مترابط كثيرا، لكننا نفكر هكذا فعلا، والكاتب لم يكثر من هذا الشتات على كل حال، وإنما استعمله باعتدال وحذر، ولقد كان ممتعا في الحقيقة، كمثل ذاك المشهد الذي قبيل النهاية، حين كان البطل يتناول طعامه في أحد المطاعم وأخبره أحدهم بخبر صادم جدا، من شأنه تغيير مجرى الأحداث كلها، وبدل أن يعبّر البطل عن صدمته، وصف شرائح البطاطس التي يأكلها، وتمنى لو كانت أرق مما هي عليه لكي يلتذّ – أكثر – (بالقرمشة) وبطعم الملح !

الرواية كلها عبارة عن ذكريات رجل متقدم في السن، أتى عليها منذ أيام المدرسة مرورا بتجاربه العاطفية والإحباط الذي جاء بعدها، كل ذلك في حديث داخلي طويل متصل. وهي رواية (دافئة) إن صحّ وصفها بالدفء، وإن كان فيها بعض الأسى والإحباط، ولكنه نصّ تأملي هادئ وطويل، يُظهر مدى العمق الذي يمتاز به كاتبه. وحتى سخريته وحواراته عميقة جدا، تقرأ سطرا وتتوقف طويلا تتأمل ما قيل، وتمطّ شفتيك تعجبا كيف خطرت له الفكرة.

لطالما تمنيت أن يكون لي أصدقاء بهذا المستوى من العمق، واحد على الأقل.. يصدمك مرة بنظريته عن التاريخ، ومرة برأيه في تصرفات النساء، وهكذا.. عوض الكلام المعاد الذي يقتل التأمل فينا ويقتل الإحساس، حتى ننسى أننا كائنات مزودة بعقل قابل للتفكر والتأمل، ولسنا آلات للتنفس والمضغ والمشي في الأسواق فحسب !

رفعت خالد المزوضي

24-04-2017

بقايا القراءة

ألعاب فارسية


9032621._UY270_SS270_

كنتُ وجدت ُ بنفسي – في الآونة الأخيرة – إقبالا على ثقافة الفُرس، ولغتهم التي جمعت بين العربية والفارسية الأصلية ليخرج من ذلك المزيج لسانٌ عجيب، ولذلك ربما لمستَ في أسماء الأشخاص والمدن عندهم سحرا لا أظنني قادرا على وصفه. وهو ما تجده لدى سماعك – مثلا – لـ(زبرجد) و(شهرزاد) و(شيراز) و(إصفنديار) و(سهراب) و(سيبويه) و(فيروزآبادي) !.. هذا خليط غريب بين العربية ولغة شرقية أخرى أو فضائية أو (عربية معكوسة) أو شيء من هذا القبيل !

من ثمّ كانت قراءتي لهذا العدد قراءة متحمسة، عرفتُ من خلالها الكثير عن ملحمة الفرس الشعرية الأسطورية التي سطّرها الشاعر (فردوسى) في (كتاب الملوك) أو (الشاهنامِه): “يُنطق الألفان مفخّمان ولا تُنطق الهاء الأخيرة”. وذلك النزال الميلودرامي الشهير – الذي قرأت عنه في طفولتي – بين البطل الأسطوري (رستم) وابنه (سهراب) الذي لم يكن أحدهما يعرف الآخر وهما يتنازلان.

ورغم سب الفردوسي للعرب في منظومته، وحقده عليهم بسبب دخولهم بلاده، لنشر دين التوحيد وتحريرهم من عبادة النار والأوثان – لو كان يعلم – ورغم إساءة الروافض الأشرار لهذه المنطقة المهمة في تاريخ الإسلام، وهي التي أنجبت نوابغ وعلماء من أهل السنّة والجماعة خدموا العربية والإسلام أحسن خدمة رحمة الله عليهم، بالرغم من هذا كله فإني لا أترك بغضي للروافض يمتدّ لهذه المنطقة بأكملها، ناسها وتاريخها، ولغتها وأدبها وأساطيرها..

وأما تقديم الدكتور أحمد لهذه الأساطير فكان ممتعا وساخرا في آن، ولربما كان أحسن وأجود ما كتبه الدكتور في (السخرية) برأيي. ولهذا أعطي العدد النجوم كاملة بدون تردد، وأصنّفها في قائمة المفضلة عندي.

رفعت خالد المزوضي

بقايا القراءة

بين القصرين


22

كان هذا الجزء الأول من الثلاثية التي يعدّها إتحاد الكتاب العرب على رأس أحسن مائة رواية عربية كُتبت على الإطلاق. والحق أنها رواية ضخمة في حجمها، إذ يفوق عدد صفحات أجزائها الثلاثة مجتمعة ألف صفحة، وضخمة هي كذلك من ناحية أدبها وكيف كُتبت. وهي – بلا ريب – واحدة من الروايات (الكلاسيكية) التي يُقاس عليها كل ما كُتب بعدها في بابها، من روايات اجتماعية. وهي، على بلاغة لغتها، ونَفَس كاتبها الطويل في الاستطراد الذي لا يُملّ، والتعمّق الذي لا يُزعِج، والتنقل الكثير بين الأحداث والشخصيات بحيث لا يكاد القارئ يُعلن استنكارا أو انزعاجا من (قلة أدب) مشهد من المشاهد أو خيانة من خيانات شخوصها، حتى يسحره تداعي الأفكار الحالم، أو استرسال التحليلات النفسية الذكية المعمّقة، أو طرافة الحوارات الطويلة التي بلغ بعضها إثنتا عشرة صفحة متتالية ! هي على هذا كله فيها ريح خبيثة لا يُخطئها أنف من يتذوق الجمال ويعرفه، ولولا إباحية بعض المشاهد التي تحسب أن كاتبها كان سكيرا عربيدا، زيرا للنساء، وبعض الأخطاء العقدية الفادحة في القسم بغير الله، وفي تعزيز الشرك به سبحانه وتهوينه، وذكر لأدعية أو آيات في سياق المزاح والسخرية، لولا هذا لاستحقت عندي لقب الرواية العربية الأولى.

رفعت خالد المزوضي

بقايا القراءة

ثم لم يبق أحد !.. حيث لا سبيل لمعرفة الذي وقع


and-then-there-were-none-hb

إنها الرواية رقم واحد لأجاثا كريستي كما يجمع أكثر القراء، وهي التي ستجد عنوانها أول ما ستجد في صفحة الكاتبة على الكودريدز، إنها (الماستربيس) كما يطلقون على أشهر وأفضل ما أبدعه يراع كاتب، وهي كذلك فعلا، إذ يصعب نسيان جوّ هذه القصة التي أعتقد أن كل قصص (من فعلها ؟) خرجت من رحمها، وحتى بعض حلقات المحقق (كونان) التي شاهدناها في طفولتنا لا شك أنها مستقاة منها، تلك الحلقات التي يكون القاتل فيها واحدا من الضيوف..

(جزيرة الموت) أو (ثم لم يبق أحد) هي رواية من الطراز العالي لملكة الإثارة والتشويق (أجاثا كريستي)، حيث عشرة أشخاص ما بين مدعوين وخدم في قصر بجزيرة غير مأهولة، يجدون أنفسهم وسط مأزق حقيقي، فالذي دعاهم للقصر مجهول، وهم منفيون في الجزيرة تحاصرهم الرياح والأمطار، والجرائم تحصدهم واحدا تلو الآخر وفق ترتيب معين بإحدى قصائد الأطفال المعلقة على الجدران. والقاتل والأسباب والمصائر، كل أولئك مجهول.. أما التفسير الختامي لكل ما جرى فهو ما سيجعل القصة لا تُنسى أبدا.

إني لا أعتقد أن أي محب للغموض والإثارة سوف لن يعثر على هذه القصة، أو يسمع عنها بطريقة أو أخرى..

رفعت خالد المزوضي

بقايا القراءة

القضية الكبرى !


18216940

فعلا إنها (القضية الكبرى) ! كما هو عنوان إحدى ترجمات هذه الرواية، وهي من أروع وأبدع الروايات البوليسية التي قرأت، ولعلها رقم واحد حتى الآن. ولا أريد الجزم، حتى إذا ما قرأتُ رواية تفوقها إتقانا لا تتكرر في مراجعاتي (المرتبة الأولى) لأحسن روايات الألغاز في نظري..

أنا – وكما قلت في مراجعتي لرواية بيت الحرير الرائعة – لا أعرف كيف يكتبون أدب الألغاز هذا ! أعتقد أن معاناة كتابة رواية واحدة من هذا اللون كمقدار معاناة عشر روايات مما يكتبه الروائيون. وإنّ أتعاب رواية عادية واحدة لجديرة بحمل وصف (معاناة) !

كمية مرعبة من التفاصيل والترابطات، ثم عليك ألا تجعل السرد مملا، أما الأدهى من كل ذلك هو استبعاد الاستنتاجات الطبيعية التي يمكن أن يهتدي إليها كل قارئ، أما إذا ما أردت التربع على عرش الأدب البوليسي مكان (أجاثا كريستي) فعليك أن تستبعد الاستنتاجات التي يهتدي إليها أذكى الناس ! باختصار يجب أن تكون عبقريا لكتابة مثل هذه الرواية المتكاملة، والتي تدور أحداثها الماتعة في ردهات قصر فخم لإحدى الثريات، حيث ستقع جريمة نكراء ذات ليلة، وسيشهد أكثر أهل القصر لحظات ضحيتها الأخيرة وهي تحتضر متشنجة، وأما الذي ارتكب هذه الجريمة فقد ارتكبها مع معاون له بأخفى الطرق التي يمكن أن تخطر على بال.

وهذا المجرم ذكي جدا بحيث يستحيل استنتاج هويته خلال مجريات القصة، كما يستحيل رؤية بقعة في جذر أذنك، حتى لو نظرت في المرآة متفحصا، ما لم يخبرك بها محقق بلجيكي عبقري.. قصير القامة، مفتول الشارب، غريب الأطوار، خفيف الحركات، سريع الانفعال، حادّ النظرات.. اسمه (هركيول بوارو) !

رفعت خالد المزوضي

بقايا القراءة

ثلاثية (إيجور)


aaaa

فيما يلي نبذة عن قصة (إيجور) العجيبة التي قرأتها خلال الأيام القليلة السابقة، في ثلاثة كتيبات متتالية (إيجور، الجنرال العائد، المواجهة) من سلسلة (ما وراء الطبيعة) الشهيرة لكاتب الشباب المصري الأشهر (أحمد خالد توفيق).. وقد كتبت هذه النبذة كعادتي – بعد قراءة كل كتاب – حتى أدون ما يعلق بذاكرتي لأعود له يوما ما – إن شاء الله – وأنا شيخ ذو شيبة، فأتذكر ما قرأته في شبابي من هذه (السخافات) كما ربما سأسميها، وكذلك لأشارككم بعض ما أقرأ.. فإن كانت أمثال هذه الملاحظات لا تعني لبعضكم شيئا لعدم انجذابهم لقصص الخيال والتشويق عموما، فلا بأس.. يمكنكم تجاهل ما يلي بدون أدنى حرج..

Continue reading “ثلاثية (إيجور)”

بقايا القراءة

في قبو دستوفسكي


25034660

” أنا رجل مريض.. أنا إنسان خبيث. لستُ أملك شيئا مما يجذب أو يفتن. أحسب أنني أعاني مرضا في الكبد. على أنني لا أفهم من مرضي شيئا على الإطلاق، ولا أعرف على وجه الدقة أين وجعي. وأنا لا أداوي نفسي، ولا داويتُ نفسي في يوم من الأيام”.

بهذه الكلمات افتتح (فيودور دستوفسكي) “غريبته” – ولا أقول رائعته – المسماة (في قبوي) أو (رسائل من تحت الأرض) أو (في سردابي) أو غيرها من تلك العناوين التي صدرت بها الترجمات العربية لهذه الرواية الشهيرة التي كتبها (دستوفسكي) وهو يشهد احتضار زوجته الأولى.. فهي رواية غريبة كُتبت في ظروف غريبة، ويعدّها البعض أهم وأعمق أعمال الكاتب على الإطلاق. وقد قرأتُها بترجمة (سامي الدروبي)، في بداية المجلد السادس من الأعمال الكاملة لدستوفسكي التي عرّبها، وإني أعتقد – والله أعلم – أنها كانت ترجمة ماتعة فصيحة مُتقنة، يصعب أن تجد أجود منها..

خلال قراءتي لهذه “الغريبة” – التي لم أقرأ قبلها شيئا يشبهها تقريبا – مررتُ من أطوار نفسية عديدة.. ملل، إحباط، تشويق، انتظار، تفاجؤ.. بل كدتُ أرمي الرواية جانبا في أكثر من مناسبة لما استبد بي الملل وبلغ مني النكد ما بلغ – كدتُ أرميها مجازا إذ أني قرأتها في الحقيقة على شاشة حاسبي ! – لاسيما خلال الثلث الأول من الرواية الغارق في فلسفة سوداوية تخنق الأنفاس، حتى لربما خُيّل لقارئها أنه يجلس داخل زنزانة مريض عقلي ينصت لثرثرته الليلية المحمومة، فلن يرتاح من هذا العذاب النفسي الكريه إلا إن هو غادر الزنزانة الكئيبة المظلمة رأسا وبلا تردد، ليستنشق الهواء البارد ويرى الخُضرة من جديد فيتذكر أن الحياة ليست سيئة إلى هذا الحد !

Continue reading “في قبو دستوفسكي”

بقايا القراءة

وداعا يا شباب..


hqdefault

قرأتُ قصة للكاتب الفرنسي (جاي دو موباسان) عنوانها (وداعا).. تبدأ هذه القصة بنقاش هادئ يدور بين صديقين في مقهى باريسي ليلا.. بعد أن تفرجا للحظات على أضواء وناس مدينة باريس من خلال الزجاج في صمت وهدوء. ثم شرع أحدهما في الحديث بأن أبدى ملاحظته لسرعة مرور الزمن وتقدّم السن الذي يهرول هرولة، وكيف ذهب ما كان يجده من حرارة الشباب وعنفوانه.. فوافق الثاني قولة صاحبه واستطرد في القول وتعمّق فيه، وكان مما قاله أن الإنسان لو كفّ عن النظر في المرايا لستة أشهر مثلا ثم نظر فيها على حين غرّة لوجد في وجهه اختلافا كثيرا !

ثم عرّج هذا المتكلم – بعدها – على ذكرى قديمة من ذكرياته، فيها أنه أُعجب – قبل اثنتي عشرة سنة – بشابة حسناء مليحة، حتى أنها ملكت قلبه تماما واستحوذت على كيانه اتسحواذا فكانت عنده بمثابة الشباب نفسه والنضرة عينها، ثم كان ماذا ؟

Continue reading “وداعا يا شباب..”

بقايا القراءة

طيبون أم خبيثون ؟


27339914902044993307

حدّثني يوما صديق لي مولع بالكتب إلى حدّ بعيد، في معرض كلامنا عن كُتّاب المغرب ومدى شهرتهم وعالميتهم، فقال مُستنكرا (ألا تعرف مبارك ربيع ؟) فأجبته على خجل أن لا، ولم أكن قرأتُ له من قبل.. فمرّ عليّ منذ ذلك الحين زمان واسمُ الكاتب مُسجّل بذاكرتي أحرص على إبقاءه بها حتى لا يتبخّر كعادة الأسماء معي، لعلّي أصادف كتابا له فأقرأه..

وقد كان، إذ برز لي اسمه ذات صباح على إحدى رفوق خزانة بلدية أتردد عليها أحيانا.. فتوقفتُ عنده والتقطته أناملي بفضول وأنا أتأكدّ من الاسم جيدا.. كتابٌ عتيق هو طُبع في الثمانين من القرن الميلادي الماضي، رواية متوسطة القطع، متوسّطة السّمك عليها عنوان غليظ باللون الأحمر.. (الطيبون). فانصرفتُ من فوري قبل أن تسقطُ عليني على كتاب أشهى أو غلاف أبهى فأغير رأيي كعادتي !

ما يجدر ذكره هنا أن الرواية فازت في سنة 71 بجائزة أدبية ما على مستوى المغربي العربي.. فكان هذا مما عجّل قراءتي لها، وقد وجدتها عند الختام متوسطة الجودة كقطعها وسمكها !.. وقد تعجّبتُ للحظة من سبب فوزها بالجائزة إلا أني خِلتني – بعدها – قد عرفت السّبب فزال عندها العجبُ..

Continue reading “طيبون أم خبيثون ؟”

بقايا القراءة

بيت الحرير: مغامرة جديدة لشرلوك هولمز !


23997111

بيت الحرير (قضية جديدة لشرلوك هولمز) لكاتبها أنطوني هوروفيتز.. من أكثر الروايات البوليسية التي قرأتُ إثارة وتشويقا، قطعة فنية هي عالية المستوى عن عظمة العقل البشري، وما يمكن أن يصل إليه من دقّة في الملاحظة وترتيب للأفكار وحسن استعمال الذاكرة والتحليل الرياضي البارع لتفاصيل تافهة للتوصّل لاستنتاجات صادمة..

هو نجاح – برأيي – مبهر للكاتب هوروفيتز الذي أوكلوا إليه كتابة مغامرة جديدة لشرلوك هولمز.. التحري خارق الذكاء الذي ابتكره الكاتب الطبيب (آرثر كونان دويل) استنادا على شخصية واحد من أساتذته في الطب ، ويا له من تحدّ.. أن تكتب قصة جديدة لأشهر شخصية في عالم الأدب تقريبا ! حيث تنتظر رأي ملايين المعجبين بالشخصية والذين يحفظون تفاصيلها عن ظهر قلب.. فكانت النتيجة صادمة، فاقت كل التوقعات كما قرأت في خلفية الكتاب، وقد وجدت ذلك فعلا، كما قرأته.

حتى قالب القصة ذكي جدا، إذ اختار الكاتب أن يكتب مغامرته – كما هي العادة – بيد صديق شرلوك الوفي الدكتور (واطسون) على أنها قصة لم تُنشر، كُتبت بعد وفاة شرلوك ورأى الدكتور (واطسون) أن تُحفظ كمخطوطة ولا تُذاع إلا بعد مرور قرن من الزمان.. وهذا أحسن من أن يعيد (شرلوك هولمز) للحياة حتى يجري مغامرة جديدة !

Continue reading “بيت الحرير: مغامرة جديدة لشرلوك هولمز !”

بقايا القراءة

الهراء الأزرق


758856

لما رأيت وجه (أحمد مراد) أول ما رأيته قبل سنوات، رأيتُ ذكاء وتهذيبا ورصانة.. ولكن ما أكثر ما تخدع المظاهر ! فإني بعد أن قرأت أكثر رواياته التي أثارت ضجة وحققت نجاحا (تجاريا) ملفتا للأنظار، أعجب من نجاح مثل هذه الأعمال القذرة، وأتساءل كيف لذلك أن يكون ؟.. وإن كان بالرواية تشويق، ولكن هل التشويق وحده يكفي ليكون العمل ناجحا ويصنف مع العناوين الخالدة التي يفخر المرء بقراءتها واقتنائها مهما بلغ ثمنها ؟ هل تتحمس مثلا لقراءة مغامرات شيقة لعاهرة في بيوت الدعارة ؟ لا أعتقد أنك تفعل.. فكذلك هي الرواية التي أتكلم عنها..

الهراء الأزرق.. لن أتكلم عن الحوارات العامية الركيكة التي ينتصر لها فريق من الكتاب تحت دعوى أن الحوار باللغة المتداولة أقرب إلى التصديق، ولإنه يصعب تخيل فلاح أمي أو طفل صغير يتكلم عربية فصحى ! وهو رأي متهافت بنظري لأن العامية التي نتكلم بها نفكر بها أيضا.. فلماذا تنقل لنا أحاسيس الشخصيات وخواطرهم بالفصحى وتترجم حواراتهم للعامية ؟.. أليس هذا خلطا وتناقضا ؟ فلتكتب إما بالعربية أو بالعامية..

ثم ليس ذلك فحسب، فحتى النص العربي (الفصيح) تتخلله كلمات إنجليزية، وذلك ليقلد لغة العصر – زعم – حتى صارت الرواية فوضى عارمة من العربية والإنجليزية والعامية المصرية التي قد لا يفهم بعضها غير المصريين !

كذلك لن أتكلم عن الإفراط في ليّ العبارات من قبيل (لكم وجهه قبضتي) حتى يصعب أن تجد جملة معقولة وسط هذه العاصفة من الكلمات الشائهة.. كما لن ألتفت للتكرار المتعب والذي جعل الرواية تسمن من غير شبع ! فالبطل استيقظ مليون مرة )لتحرق أشعة الشمس عينيه وهو يحاول جاهدا الانتصاب على قدميه) الخ..

هذا عن شكل الرواية، أما مضمونها فثمة الفضيحة.. جنس ومخدرات وخمر وقمار وخيانة مبررة لامرأة متزوجة وقيء وبراز وكل ما تستفظعه الأنفس.. وقد حرتُ في سبب حشو الكاتب كل هذه القاذورات في الرواية ، فإما أن حياته الشخصية فيها كل ما ذكر فهو ينقل بذلك نسخة من حياة تُشبه حياته، وإما أنه يتمنى تلك الحياة من قرارة قلبه ! وهذا مستبعد، أو هو يتبنى مذهبا أدبيا ما من ضروريات النجاح فيه أن يحقن في نصه جرعات مشبعة من الجنس والكلام القبيح !..

Continue reading “الهراء الأزرق”

بقايا القراءة

مثل شوبنهاور !


11149527_10204969110366129_3315392296128276494_n

كنت أعرف عن الدكتور أحمد خالد توفيق تشاؤمه من أقوال له قديمة، كقوله مثلا: (إن المتشائم يتوقع الشر فيجده، أو يجد ما هو أفضل، وبالتالي هو يحتاط لكل شيء ولايؤمن بالحظ.. أما المتفائل فهو يتوقع الخير دائمًا، وهذا شيء عسير، ولهذا يجد المتشائم في كل وضع سيء ما هو أفضل من توقعاته..)، لكني ما حسبتُ قط أن تشاؤمه قد بلغ الزبى، وسوداويته جاوزت الحدّ الأقصى حتى قرأت هذه الرواية.. وإني أتصور لو أن الدكتور كان فيلسوفا لربما قال بقول المعري وشوبنهاور بكون الحياة شرّ محض وغاية المنى الخلاص منها.. لا أقول أن كل ما قيل تنطّع مبالغ فيه، وإنما أقول أن بعض العورات من الخير سترها وبعض الحقائق من الحكمة ابتلاعها بعينين مغمضتين، فالمعافى أكثر من المبتلى كما هو معلوم، وإن متنا يوما فقد عشنا عقودا.. فلماذا هذا الغلو المتعنّت ؟

أعرف لذة التشاؤم – عياذا بالله – فقد جربتها من قبل.. حينما ترى أن كل شيء ليس على ما يرام ثم تطأطئ رأسك في أسى وتذرف دمعات ساخنة في مشهد رومانسي ملتهب.. لكن الحكمة الإلهية تقتضي الصبر، والتغافل و(التعايش) مع كل هذا الذي نراه ونسمعه مما يحزّ في القلب، يكاد يُدميه.. ويُذكي الحزن بالفتى، يكاد يرديه.. هكذا علمنا ديننا وهذه هي الطريقة (الصحية) للحياة..

Continue reading “مثل شوبنهاور !”

بقايا القراءة

فصل في الجحيم


3

فصل في الجحيم.. كان هذا العنوان مخزنا بذاكرتي منذ سنوات، حين قرأتُ سيرة هذا الشاعر الظاهرة.. رامبو. وحمّلته بعدها من الشبكة بالفرنسية كما كتبه صاحبه، إلا أني لم أنه قراءته.. فعباراته صعبة للغاية، ولا عجب فكاتبها شاعر، بل وشاعر رمزي كذلك، ما يجعل أكثر الفرنسيين لا يفهمونه فكيف أفهمه أنا ؟

عرفت رامبو أول ما عرفته حين قراءتي لدراسة مطولة عن (العبقرية والجنون) لأستاذ سوري مقيم بفرنسا، حيث ضرب أمثلة في دراسته عن عباقرة خالطتهم لوثة الجنون، فكان رامبو ممن ذكر..

آرثر رامبو من أعجب من قرأت سيرتهم من الكتاب والأدباء.. شاب لم يبلغ الثامن عشرة ربيعا بعد، يكتب أكثر شعر فرنسي شهرة، ومثارة للجدل، لينقطع بعدها فجأة عن الشعر والشعراء ويسخر من كل شيء.. ثم تجده يتيه بعدها في أفريقيا متاجرا ورحالة حتى يصيبه مرض بساقه، قرأت مرة أن ذلك بسبب إفراطه في المشي، ثم ترعاه أخته فترة قصيرة، وتُبتر ساقه ويموت حزينا في السابعة والثلاثين..

غريبة هذه الحياة.. حياته، ومجنونة هذه النفس.. نفسه. واليوم أقرؤ هذا الفصل في الجحيم.. وهو آخر ما كتب بعد هجره لصاحبه و(عشيقه) الشاعر الرمزي المنحرف – أيضا – (فيرلين)، مودعا بذلك حياته الأدبية بلا رجعة كما يقول: (والآن، علي أن أدفن خيالي وذكرياتي، مجد شاعر وراوٍ تذروه الرياح !).. وهي أوضح جملة في الكتاب، والبقية هذيان وحمى صاخبة !

Continue reading “فصل في الجحيم”