بقايا القراءة

القراءة الحرجة للمدعو خ. : مراجعة رواية (الحالة الحرجة للمدعو ك.)


35513795._SX318_

بدأتُ قراءة هذه الرواية وأنا أظنها رواية أخرى ! إذ خلطت عنوانها بعنوان رواية (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل)، والتي كنتُ أنوي قراءتها بعد أن علمت أنها من الروايات الأوائل في تصنيف اتحاد كتاب العرب.. فاختلطت (الحالة الحرجة) مع (الوقائع الغريبة)، لا أدري كيف !

ولكني ما لبثتُ أن انتبهت إلى أن هذه الرواية أيضا معروفة بما يكفي ومقروءة بكثرة على موقع الكودريدز، كما أن تنقيطها جيد. وقد راسلت كاتبها عبر البريد، وأنا في صفحاتها الأولى لا أزال.. وسألته إن كان كتب رواية أخرى غيرها، مادحا أسلوبها المُنساب، والحديث الداخلي العذب واللغة الرشيقة المبينة فأجابني شاكرا.

ولكني تسرعتُ للأسف، إذ كان علي معرفة موضوع الرواية – على الأقل – فأنا أتفادى أدب السجون ما استطعت، كما أتجنب أدب (المرض) حيث يصف الكاتب تدهور الحالة الجسدية والنفسية للمريض – حقيقة أو خيالا – وقد كانت هذه الرواية من هذا النوع الأخير.. أي (أدب المرض).

هذا علاوة على أن شخصية الرواية – الراوية للقصة – مستفزة جدا، أثارت بعد فصول من القراءة تقززي الشديد. على ما قد يجد البعض في هذه الشخصية من جاذبية مردها إلى هذه التقنية من الحديث الداخلي المتواصل، التي تُشبه عدسة متنقلة تصور لنا ما تريد تصويره، فيألف القارئ بعد حين طريقة التصوير هذه ويستكين لها، وربما أعجب بتحليل هذا (الصوت الداخلي) للأشياء، أو تمرده أو شجاعته أو ذكاءه.. ومثال ذلك رواية ( الحارس في حقل الشوفان) للأمريكي (سالنجر) التي أعجب بشخصيتها (كولفيلد) جماهير غفيرة من القراء عبر العالم بسبب ذكائه الحاد، وحسه النقدي للمجتمع والناس.

ولكن عدمية هذه الشخصية – العربية السعودية يا حسرة !  – فاقت الحدود، فهو يتحدث كأنه (كافكا) شخصيا، الكاتب التشيكي اليهودي بسوداويته وعدميته المعروفة، ولقد ذكر اسمه وكتاباته مرارا حتى شككت في أن المقصود بحرف (الكاف) في العنوان هو هذا الكاتب البائس المريض.

ومرة أخرى أصطدم بالانحياز الكلي لأدب الغرب، وعقائد الغرب وخبز الغرب وقهوة الغرب !.. لاسيما بعد قراءتي لكتاب عبد الوهاب المسيري – رحمه الله – (العالم من منظور غربي).. حيث كل شيء بنكهة الغرب، كأننا لئام في مائدة كرام.. وما نحن بلئام وما هم – والله – بكرام. ولكن من يرمي هويته وراء ظهره، ويضع قناعا أعجميا فيصبح يرى المجتمع غريبا لأنه ليس مجتمعا غربيا.. فذاك اللئيم حقا.

ومن شدّة ولع الكاتب بالغرب وآدابهم – وإن كانت لغته العربية رشيقة نوعا، وفي بعض تحليلاته النفسية عمق وشاعرية لا تخفى – ذكره كلمة “القذارة” بأشنع صورها اللغوية التي أتورّع عن كتابتها هنا احتراما لقرائي الكرام. وذلك مثلما يقول الأمريكيون بالضبط في أفلامهم، في تقليد بائس ركيك. ومن ذلك أيضا علاقاته المضطربة المريضة مع كل أفراد أسرته، بل مع الكل بلا استثناء. مما ينافي أخلاقيات مجتمعاتنا الإسلامية (العائلية) حيث تعظيم الأم، والأخ الكبير الخ.. دون الكلام عن التغافل و(التعايش) الذي تمتاز به مجتمعاتنا بشكل ظاهر. أما هو فيصرح بأنه لا يحب أمه ولا تحبه ! ويجد أخاه الكبير متصنعا في محاولاته تعويضه نقص الأب. ويسيء الظن بكل زيارة لصديق أو فرد من العائلة، ويقول أنها محاولة لإرضاء النفس لا غير.. في جزم مثير للأعصاب. ويصف زملاءه في العمل بأبناء (الفاعلة) بدون سبب ولا دليل على أن أمهاتهم (فاعلات) ! ويصف من رفضت الوقوف معه طويلا بأنها (فاعلة) كذلك.. ألا قبحها الله من حياة ومن رواية.

ربما كان هذا كله ضياعا خلقيا وانحرافا ومخالفات يُرجى برؤها. أصلحنا الله جميعا.. أما وقد صرح بنظرته للدين، فتلك كانت النقطة التي ندمت عندها فعلا على قراءتي هذه الرواية اللعينة. فقد قال المخذول: (لم أكن أفتقر إلى الإيمان بالله عموما، ولم أكن شديد الحرص على إيماني به أيضا).. وهذا يذكرني بمذهب (اللاأدرية) الذي يحسب أصحابه أنهم نجوا من الانتماء للفريقين معا – كأن الفضيلة في عدم الانتماء ! – ولكنهم عند التحقيق كفار طبعا، فمن لا يبالي بوجود الله كافر به، بل ربما كان كفره أشنع ممن يقول بعدم وجوده جحودا أو انتكاسا فطريا.. فهذا لم يعط الموضوع حتى وقتا للتفكير ! ولستُ أكفّر الكاتب هنا، فليس ذلك لي.

وثالثة الأثافي – كما يُقال – تعاطيه الحشيش في مرحلة من مراحل إصابته بالسرطان.. بل إنه عرض الحشيش على أمه. وهذا بدل أن يتوب، أو يدعو الله بدعاء واحد – رغم أن هذا ما يفعله حتى الكفار في مثل هذه الحالات – لكنه أمعن في التغريب والعبثية – فصار غربيا أكثر من الغربيين – ونهج منهج (ألبير كامو) في روايته (الغريب). حيث موت أمه وحياتها سيان، وإعدامه أو إطلاق سراحه نفس الشيء ! فانبرى هذا أيضا على نفس المنوال يسخر من كل شيء ومن الموت كذلك سخرية (حامضة) كقوله أنه يفكر (أن يدفن معه حاسوبه النقال حتى يشاهد فيلما كوميديا)   !

ألا كم أكره المتعجرفين، الذين يحسبون أنهم سبقوا الناس جميعا.

خالد

بقايا القراءة

العالم من منظور غربي: انزع النظارة السوداء ترى أفضل


lines-3659995_640

الكتاب: العالم من منظور غربي

المؤلف: عبد الوهاب المسيري – 2001

يُناقش الكتاب موضوعا خطيرا جدا، لم أقرأ من قبل لأحد بسطه مثل هذا البسط وأصّله هذا التأصيل طويل النفس. ألا وهو موضوع (التحيّز)، والتحيز للغرب بخاصة، بحيث حلّل ذلك فلسفيا وتاريخيا وحضاريا وأدبيا إلخ..

ولو تأمّلتَ لوجدت الكثير من آرائك واختياراتك ليست هي آراءك تماما ولا اختياراتك حقا.. اللباس والأذواق والعمران واللغة والأقوال المأثورة والمناهج والطقوس والمشاعر والمقتنيات، (ولا داعي لألج ميدان الموسيقى والسينما..). كل أولئك مصبوغ بصبغة غربية نهائية.. كأن العالم هو ما يراه الغرب.

وليت شعري ماذا كان قبل هذه الحضارة الغربية ؟ ألم تتعاقب على هذه الأرض حضارات وشعوب شتى ؟ ولغات وعلوم وأطعمة وأزياء لا حدّ لها.. بل هناك من يزعم وجود علوم متقدمة جدا اندثرت في الماضي فلم يصلنا منها شيء تقريبا.. كمثل أسرار الفراعنة وطرقهم في البناء والتحنيط التي لم يعثر العلم (=العلم الغربي) عن مفاتيحها بعد.

يُعجبني في المسيري رحمه الله، وضوح عبارته وذكاء مجازه، وجرأته في نحت مصطلحات جديدة وربطها بظواهر نراها رأي العين – وإن كان يُبالغ أحيانا – ولكم أطربني ذكره مثالين في غاية من الإبداع والإعجاز. بحيث لو تأملهما القارئ كما ينبغي وخرج بهما فحسب من الكتاب كله، لكان غانما مُستفيدا إن شاء الله.

أما المثال الأول فهو (اكتشاف أرض جديدة تُدعى أمريكا).. هذه العبارة التي تكررت أمامنا كثيرا في المناهج الدراسية والعناوين الكثيرة، وفي أقوال الناس. وبغض النظر عن أكذوبة اكتشاف (كولومبوس المبيد) لهذه الأرض، فهل كانت فعلا أرضا (جديدة) ؟ أم كانت (قديمة) بالنسبة لمن يقطنها من الهنود الحمر الذين أُبيدوا عن بكرة أبيهم. أي أنه تمّ تجاهل وجودهم تماما ؟ فالإنسان الغربي المغرور لم يكن يرى إلا نفسه فوق هذه الأرض، أما الشعوب الأخرى فحشرات ليلية أو دود يدوسه بامتعاض ثم يصيح غير عابئ: (انظروا هذه أرض جديدة !).. لكن هل انتبهنا نحن لهذا الغرور القبيح وصحّحنا العبارة.. للأسف لا. نحن فقط نردد ما يقولون.

وأما المثال الثاني فهما (الحربان العالميتان الأولى والثانية)، وكيف انقسم (العالم)، وانفجر العالم، وتعسكر العالم، وتضرر العالم إلخ.. وهذه ملاحظة طالما عذبتني. هل كان العالم كله معنيا فعلا بتلك الحربين المهلكتين ؟ فلماذا إذن وُصفتا بالعالميتين ؟.. ببساطة – يقول المسيري – لأن الغرب يرى نفسه هو العالم.. أما الباقي فمجرد محميات ومستعمرات دواب – هذه قلتها أنا – قد يستعملون بعضهم في حروبهم وأشغالهم، ومن بقي يملؤون بهم أسواقا ضخمة لمنتجاهم !

ثم تكلم بعدها عن التحيز في المصطلحات، وكيف نلهث وراء كل ما يسكونه من مصطلحات لندخلها في قاموسنا بتعسّف وحماسة مضحكة وإقصاء للذات يثير الشفقة والغيظ لمن له عقل يعقل به.. إلى آخر تأصيلاته العجيبة للموضوع.

حقا.. كيف نعمى عن وجود حضارات ورؤى أخرى في هذا العالم (الصين واليابان والهند وهلمّ جرا..)، مع استبعاد الوثنيات والشركيات والخرافات بطبيعة الحال.. فلا نحن حافظنا على هويتنا وتراثنا ورؤيتنا للعالم – التي هي أكثر إنسانية من رؤيتهم المادية الاستغلالية – ولا نحن انفتحنا على رؤى وحضارات أخرى لها ما لها وعليها ما عليها..

وبصرف النظر عن الربع الأخير من الكتاب الذي بالغ فيه الكاتب برأيي في تقديس (مبدأ الحجارة) في الانتفاضة الفلسطينية باعتباره (رؤية فلسطينية عبقرية)، ما أثار حفيظتي. فالقوم يرموننا بالقنابل والصواريخ المدمرة فيقع الآلاف من الضحايا ، ونحن نرقص طربا لأننا استطعنا قذفهم بالحجارة بدل أن (نعدّ لهم) !.. بصرف النظر عن هذه المبالغة العاطفية التي لا معنى لها عندي، فإن الكتاب خطير جدا في موضوعه، ويبدو أن نظرتي للعالم تغيرت فعلا بعد قرائته. ولن أقبل بعد اليوم رأيا أو ذوقا فقط لأنه من الغرب.

فلنستيقظ يا صاحبي.. 

خالد

بقايا القراءة

العربية ورهانات التدريج: اعتماد العامية تعميم للجهل


52700658

الكتاب: العربية ورهانات التدريج

المؤلف: سعيد بنكراد – 2020

الكتاب دسم، مليء بالفلسفة والتنظير.. مع أن بعض فصوله عسيرة الهضم، تصلح لأهل الاختصاص من اللسانيين و(السيميائيين) كما يسمونهم – كأن العربية تعجز عن تسمية هذا الاختصاص باسم عربي مبين ! – وفيه ردّ قوي على أصحاب قاموس الدارجة السخيف، الذي حملته بيدي مرة وتصفحته فقرأت فيه شرح عبارة (ديباني) التي هي في الأصل فعل فرنسي Dépanner ينطقه بعضهم مشوها، ويعني في العربية (مرّر الشيء على ما هو عليه، أو تصرّف بما وُجد دون تكلف). فعرفتُ حينها قدر هذا الكتاب الخبيث الذي سموه قاموسا زورا وبهتانا.

إلا أني لاحظت منذ الصفحات الأولى – من هذا الكتاب – تجاهل الكاتب للجانب الديني كليا، كأنما لو حازت لغة أخرى شرف استعمال آخر كُتب الله السماوية لها، فلن تفتخر بهذا ولن تزهو به بين اللغات والأمم ! ولكن الكاتب – ومن على منهجه – لا تهمهم إلا (القوميات) ولذلك فشلوا في دعوتهم، وإلا فبهذه القومية ذاتها يُهاجم الأمازيغيون المتعصبون العرب والعربية، بل وبهذه القومية الجاهلية ذاتها يُهاجمنا الفرنكفونيون ويغزوننا، وهم أكثر منا قوة وعتادا. فماذا بقي لنا إذن غير هذا الدين العظيم وهذه العقيدة الربانية التي من شأنها توحيد الصفوف وتحريك الجبال ؟

ثم بعد تحليلات عميقة – للأمانة – عن علاقة اللغة بالفرد والمجتمع، والفرق بين تأثير الفصحى والعامية في النفوس والعقول، لفت انتباهي في معرض نقده لمحتوى مقاطع وقحة على اليوتيوب، يستعمل فيها بعض الشباب – هداهم الله – مصطلحات دارجة نابية، لفت انتباهي رأي الكاتب الذي مُفاده أن أمثال تلك المقاطع مما يؤجج الغرائز ويجعل من المرأة مثل السلعة – ونحن معه في هذا – إلى أن قال أن هذه الوقاحة بخلاف (الجنس الجميل) الذي يكون من خلال (علاقات رضائية) !

كذا قال مثل قول العلمانيين والملحدين. طيب ومن قال لك أن بعض النساء لا يُردن مثل هذه الوقاحة وهذا (الجنس الغليظ) ؟ ألم تقل أنت نفسك أن من الشخصيات الكرتونية الأنثوية في تلك المقاطع من تطلب من الرجال أن يفعلوا لهن كذا وكذا.. إذن ما دام ذلك كذلك، والأمر راجع في النهاية إلى رضى الطرفين – وليس إلى دين وعقيدة – فليس من حقك انتقاد هؤلاء (الوقحين) على رأيك.. لأن رأيهم كذلك ولأن المتعة والسعادة عندهم في الوقاحة، مالك أنت ومالهم.. لك جنسك الجميل (الرضائي اللاديني) ولهم جنسهم الوقح !

إنه والله للعبث.. ننحي الدين من كل اعتبار، ثم نريد بعدها أن نفرض آراءنا وأذواقنا – لأنها آراءنا وأذواقنا – كأننا آلهة ! فإما نحتكم إلى الدين الرباني المعصوم، إلى الإله العظيم الذي خلقنا وسوانا وعلمنا وربانا، وإلا فكل شيء نسبي كما تقولون.. ونقدك هذا كله – لا لغويا ولا جنسيا – وكل شيء بعدها مجرد عبث وهباء..

بقايا القراءة

عن سيرة (ألبير كامو)


kkdkdkd

لم تفارقني أبدا صورة (كاموس) الشاب الوسيم على خلفية روايته (الطاعون) بنسختها الفرنسية القديمة التي عثرت عليها بخزانة أبي – وأنا في سني الإعدادية – تلك السيجارة المتدلية من شفتيه والنظرة (المتمردة) المنبثقة من عينيه..

عرفت فيما بعد أن له “أصولا” جزائرية، ثم عرفت أنه فيلسوف، ثم عرفت أنه رائد مذهب (العبث).. هذه الفلسفة التي تغازل الإنسان المكلوم وتربت على كتفه قائلة: (لا بأس، الحياة عبث أصلا). والحق أن هذه الفلسفة هي (العبث) بعينه، أما خلق الله عز وجل فإنه أكبر وأنزه وأجلّ من (عبث) إنسان يبول ويتغوّط وينسى ويفقد توازنه ويُغلب ويبكي ويشيخ ويحزن ثم يموت.. كائن هذا حاله، لا يُعقل أن يُفسر لنا خلق الخالق، أو (يُصحّحه) كما يدّعي هؤلاء المخبولون..

ثم عرفت بعدها الإلحاد، ففهمت أنه ملحد.. عياذا بالله. فانقبض قلبي، وتشوهت تلك الصورة القديمة التي التقطتها عيناي للكاتب، والتي كانت مزيجا من (التفوّق) و(الدقّة) و(الذكاء) مع شيء من(الوسامة)..

بعدها صادفتني بين الفينة والأخرى مقولة أو اقتباس عميق له.. فكنت أشعر بثقله الأدبي، وأفهم في نفس الآن بُعده (الإلحادي).. فينقبض قلبي من جديد انقباضة أكاد أسمع رجع صداها. وأشعر بما يشبه الأسى لهذا الأديب “الذكي” – الذي ولد لعائلة فرنسية مستوطنة بالجزائر – فلو أنه كان على الحقّ والجادّة لربما زلزل الأوساط الأدبية والفلسفية بأوروبا بدقّته وتفكيره.. ولكنّك لا تهدي من أحببت.

ربما ما كان عليّ أن أقرأ هذا السّفر – أصلا – ولكني أحسب أنني أطفأت فضولا قديما حول شخص الكاتب لا فكره وفلسفته، مع ميولي الشخصية للتأمّل والتحليل – وهو ما يطلقون عليه فلسفة أيضا – إلا أني أكفر بفلسفاتهم جميعا..

كان سِفرا شاملا لمراحل حياة الكاتب وفكره، بطابع أدبي نقدي وعناوين (مسرحية) للفصول.. وفي الكتاب ما فيه من الحشو، ومن العبارات الإلحادية التي تفنن – للأسف – (جبرا إبراهيم) في ترجمتها.. كما لا يخلو من فصول مملة تشقّ قراءتها على النفوس.

وعلى كل حال.. أظنني عرفت سر تينك (العينين) أخيرا، إلا أنّ انقباضي لم يخفّ، بل زاد.. إذ من المخيف أن ترى كيف يهلك (الذكاء) أقواما ويقذف بهم في محيطات الضلال والكفر المتلاطمة ثم لا يخرجون منها !.. أستغفر الله العظيم من شرّ ما قرأت وشر ما فعلت، وأسأله الهداية والثبات على الحق حتى ألقاه.

وأرجو أن لا أقرأ أمثال هذه الأسفار أبدا.

خالد

بقايا القراءة

لأنه الله سبحانه


31938356._SX318_

كتاب خفيف منعش يذكر بالله من خلال حديث مباشر مع القارئ فيما يسميه البعض بالمواعظ والخطب، ويذمها بعضهم أشد الذم لست أدري لماذا !.. ولو كذب عليهم روائيون بأحداث يعلمون أنها كذب أصلع يصفقون بحرارة. لكن أن تذكرهم بالله وبالغاية من وجودهم.. هذا لا يطيقونه..

الكتاب يشبه إلى حد كبير كتاب (لا تحزن) الشهير.. الكثير من القصص وبعض الأبيات.. إلا أني أؤاخذ على الكاتب جزاه الله خيرا بعض السطحية والتكرار، وكونه لم يركز كثيرا على تأصيلات العلماء الكبار لأسماء الله الحسنى وإنما اكتفى بما يجود به خاطره وعاطفته.. فجاءت بعض الفصول التي اختص كل منها باسم من أسماء الله الحسنى متشابهة تقريبا ففصل (الحفيظ) لا يختلف تقريبا عن فصل (القريب). وهذا كما أسلفت لعدم اجتهاد الكاتب الكريم في ذكر تعريفات العلماء الكبار وتأصيلاتهم الدقيقة والاكتفاء بالكلام العاطفي وليد اللحظة..

ولكنها في ظني جرعات لا بأس بها لطائفة كبيرة من القراء المبتدئين في العالم اللذيذ لكتب الدين.. وأنا منهم.

خالد
بقايا القراءة

مرحبا.. تحولتُ إلى حشرة!


Untitled

“إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب، وجد أنه قد تحول، وهو في سريره، إلى حشرة عملاقة”.

هكذا صدّر (فرانتس كافكا) قصته الطويلة (التحول) أو (الانمساخ) في واحدة من أغرب الجمل الافتتاحية في الأدب البشري.. وهذه في ذاتها لفتة عميقة ساخرة و(عبثية). قد تُثير الصدمة والإعجاب في نفوس الكثير من القراء (المتذوقين)..

لكن بعد ذلك – ولربما سوف أحرق الأحداث لمن ينوي قراءتها – أكملَ الكاتب قصته بشكل عادي كما لو كان بطل القصة استيقظ ليجد أن الوقت تأخر أو الشتاء ينهمر أو أي حدث عادي ممل.. ولعلّ ذلك أيضا مُتعمّد لتظل المفارقة العجيبة ملازمة للقارئ طيلة القصة.

الغريب كذلك أن البطل نفسه بدا غير واع تماما بما حدث له، هو فقط يصف بعض الكآبة والانزعاج لما آل إليه حاله ! وإن احتفظ بذاكرته ومعارفه كاملة، لكن الكاتب لم يُشر حتى لهذا.. أي لم يقل في جملة أو كلمة مثلا أن (غريغور) فقد إدراكه بجسمه أو شيئا من هذا القبيل !

أما أعمق وأبدع ما وجدتُ في القصة بعد ذلك – على سوداويتها المطلقة وكابوسيتها – هو يوميات غريغور الحشرة بعدما رأت عائلته ما حلّ به، والنفور الذي دبّ في قلوبهم رويدا رويدا.. هذا لعمري من أغرب المواقف التي قرأت على الإطلاق، ولا أدري أين أصنّفها، ضِمن أدب الرعب أو ضمن الفانتازيا أو هي مما يدعونه (السحرية الواقعية).. لا أدري.

يتفاقم النفور والإهمال من طرف العائلة التي اتضح أنها كانت ترى في غريغور مورد رزق أكثر من أي شيء آخر، وهذا مؤسف جدا.. ورغم بعض الحنان الذي قد تلمسه في الأخت التي أخذت على عاتقها تنظيف بيت غريغور وإطعامه، وخصوصا حنان الأم وحرقتها. إلا أن كل ذلك يتلاشى مع اقتراب النهاية، وينتصر النفور على كل تعاطف وود.. وإنه حقا لموقف يصعب القطع فيه.. ماذا تصنع عائلة مع ابنها الذي تحول إلى حشرة ؟ أتستمر في رعايته أم تتخلى عنه ؟ ونحن نرى في الواقع أسرا تتخلى عن أبناء معاقين.. أو معافين حتى !

ثم لا أنسى القسوة التي وصف بها الكاتب والد غريغور الذي لا يتوانى على أن يسدّد إليه ضربة مؤلمة كلما رآه، لاسيما وقد كنتُ قرأتُ من قبل عن علاقة كافكا – نفسه – المتوترة مع أبيه، كما أن هذه الترجمة من (منشورات الجمل) تضمّ مقالا تحليليا بنهاية الكتاب عن (ملابسات) كتابة القصة، جاء فيها أن والد كافكا كان ينعته (بالطفيلي) بسبب انعزاله الشديد وميوله للكتابة والأدب، ولعلّ ذلك ما حزّ في نفس كافكا ودفعه لكتابة هذه القصة (الشنيعة) !

وتبقى هذه (النوفيللا) – على كل حال – من أعجب ما قرأتُ في الأدب العالمي.. وإنها – على شناعتها وأحداثها الكابوسية الأليمة – لا تخلو من عُمق ورمزية فلسفية مدوّخة. باستثناء النهاية التي لم تُحسن ختم هذا العمل الفريد، إذ جاءت باهتة ومبتورة كأن الكاتب قرّر فجأة وضع القلم !

خالد

بقايا القراءة

عن كتيب (يا بنيّ..)


DTWo5JDXcAMxnd7

شذرات متفرقة.. تبدأ كلها بعبارة (يا بني)..
بعضها جيد، ونافع، والبعض منها مكرر ومتكلف.. أما ما أثار حفيظتي فهو تحامل الكاتب على من يسميهم (المداخلة) أي من هم على منهج الشيخ الفاضل (ربيع المدخلي) لأنه اشتد على بعض المبتدعة والمتحزبين في كتبه وهو واحد من عمالقة العلم الشرعي الأحياء، ولا نزكي على الله أحدا، سماه العلامة المحدث الألباني نفسه رحمه الله (حامل لواء الجرح والتعديل) وسئل عنه الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله فقال (بل هو يسأل عني..). الرجل من كبار العلماء وليس فقط من العلماء، ويأتي الكاتب عفا الله عنه ليحط من شأنه ومن منهجه ويحذر منه أشد تحذير لأنه يحذر من (آخرين) أشد تحذير !.. فكيف تلومه على صنيع تصنع مثله في نفس الجملة ؟! وبعدها سمى الكاتب في نصائح أخرى من نصائحه بعض المنحرفين بأسمائهم.. من أمثال عدنان إبراهيم والجفري وحذر منهم وقال (ولا كرامة !).. إذن لماذا تشن الحرب على العلامة ربيع ؟ أم أنه ضرب لك رأسا من رؤوس المبتدعة التي تهيم به حبا ؟.. إذن المسألة عندك مسألة هوى وأذواق وليست كتابا وسنة ومنهج الصحابة.. عفا الله عنا وعنك.

ثم جاءت بعض نصائحه اللاحقة بخصوص قراءة الكتب متضاربة.. يدعو في بعضها للقراءة الحرة لما نشاء، وفي بعضها يجب أن نحذر فلانا وفلان، ثم ينبغي أن نوسع مداركنا ونقرأ كثيرا بلا استثناء ثم.. إياكم وكتب الفلسفة ثم.. تخبط وتناقض.

وفقنا الله جميعا للحق وثبتنا عليه حتى نلقاه.

خالد

بقايا القراءة

هكذا علمته الحياة !


هكذا علمتني الحياة - د.مصطفى السباعي

شذرات متفرقة ملؤها العاطفة الدينية وجراح إنسان هدّهُ المرض.. رحمه الله.

بعض الشذرات ركيك ومكرر أو سطحي المعنى.. لكن هذا ما كان ليمنعني أن أعطي الكتاب ثلاث نجمات لولا (المقال) الأخير الذي كان ألقاه أمام هيئة الجامعة العربية وما فيه من تسوية للقرآن ب(إنجيل) النصارى المحرف، وإن لم تكن في الغالب تسوية مقصودة من الكاتب رحمه الله، ولكن لعل رغبته في استلطاف بعض الحضور جعلته يخلط الأوراق، فتكلم عن عدم الابتعاد عن (أدياننا) كذا بالجمع ! ثم قرر أن (الإسلام كان يعلن للدنيا مبدأ حرية الاديان).. وكذب، لأن (الدين عند الله الإسلام). وكيف يُأمّنُ الله الناس ويدعوهم ليختاروا ما شاؤوا من الأديان بكل (حرية) ثم يعذبهم ؟.. هل هذا ظلم أم عبث أم تناقض أم خدعة ؟

ثم يصفق الناس لهؤلاء ويصنفون على رأس (الكتاب الإسلاميين) لا أدري كيف !.. والله لم نر من جماعة (الإخوان) هذه إلا ما يندى له الجبين. هدانا الله وإياهم وغفر لنا ولهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

خالد

بقايا القراءة

شيفرة بلال !


6134

مرة أخرى لا أستطيع تقييم ما أقرأ، ومرة أخرى أغتاظ مما أقرأ.. ربما على المرء أن يُضاعف الجهد لانتقاء الكتب المهمة فعلا والأعمال الفريدة حقا، إذ الحياة قصيرة، ومن الغبن أن نضيعها في قراءة محاولات غير مكتملة وكتابات لمن لا نفهم لم اختاروا حرفة الكتابة أصلا ! وعندهم ربما مواهب أخرى مذهلة، كالخطابة واللباقة مع الأناقة ومعلوم ما يتركه ذلكم في نفوس أكثر المشاهدين والمستمعين من أثر عظيم، فقط لو يكون أثرا يُرضي الله عز وجل لا يُسخطه.

الفكرة عموما جديدة ومثيرة.. قصة كفاح الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه، وما فيها من بطولة ورجولة تُضرب بها الأمثال، في طريقه الوعر شديد الوعورة ليُوحّدَ الله عز وجل لا يُشرك به شيئا، ويُخلص كل عبادة له وحده لا شريك له، من دعاء وخوف ورجاء وتوكّل وتوسّل وجهاد وغيرها من العبادات، لا (ليتحرر من الرقّ) فحسب ! ولا (ليجد قضية ما في حياته يعمل من أجلها!) كما أشار إلى ذلك الكاتب في آخر ما كتب من روايته.. فهذا تحريف لرسالة الإسلام – بقصد أو بغير قصد – وفهم قاصر للمغزى من الخلق كله، الذي أخبر به الخالق تبارك وتعالى في قوله الكريم: (وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون)..

(ليعبدون).. لا (ليحسّنوا أخلاقهم) أو (يحققوا أهدافهم) أو (يتحرروا من عبودياتهم) أو (يهزموا مخاوفهم) أو (يتعايشوا مع أمراضهم) أو (يتركوا شيئا بعد رحيلهم) أو (يجدوا قضية في حيواتهم) ولا حتى (لأجل العدل والسلام والحب والإنسانية وحسن الأخلاق) فحسب.. فكل ذلكم من حظوظ النفس وحقوق الغير، ولكن أين حق الله عز وجل من كل هذا ؟ الذي هو العبادة وإخلاصها له فقط عز وجل ؟ أحقّ الله أكبر أم حقّ الناس ؟ ثم إنه لا يكفي أن نعترف بهذا الحق ونذكره بين باقي الحقوق والأهواء البشرية فقط، بل يجب ذكره أول الأمر وآخره ووسطه، ثم يكون عليه مدار الرحى وخاتمة الكلام. فما بالكم أن نتجاهله كلية، ثم نضيع في بنيات الطريق وبين الحاجات البشرية الأنانية التي لا تنتهي..

إنما لتأدية حق الله عز وجل من توحيد وعبادة وُجدنا، ووُجد كل هذا الوجود. فهي غاية الغايات وهدف الأهداف شاء من شاء وأبى من أبى، فالله عز وجل هو من يخبرنا لماذا وُجدنا، لسنا نحن من نخبره سبحانه وتعالى ! لذلك فإن (أحدٌ، أحدٌ)، التي رددها بلال رضي الله عنه، ليس معناها التحرر من العبودية والعدل والسلام.. وإلا قلنا – مثلا – أن الهدف من ذهاب التلميذ لمدرسته هو احترام زملائه وتحسين خطّه !.. وأين (طلب العلم) الذي هو الهدف الرئيس ؟ ألا نذكره ؟ أو ترانا نذكره (ذكر الكرام) لنمضي مسرعين لفلسفتنا المحببة، واستحساناتنا الشخصية، واستنتاجاتنا العبقرية ؟ ولنصوغ دراما سخيفة وُجدت من قبل في مئات الأفلام والروايات ؟

* * *

متابعة قراءة “شيفرة بلال !”

بقايا القراءة

عن رواية (شآبيب) للراحل أحمد خالد توفيق


37911553

كتبته قبل وفاة الدكتور رحمه الله.. لذلك قد تكون فيه بعض القسوة في النقد، ولكن يكفي أنه نقد صادق إن شاء الله، وهو الأهم. ويعلم سبحانه كيف تلقيت خبر وفاته، رحمة الله عليه وعلى جميع موتى المسلمين…

فكرةُ الرواية لا يمكن اتهامها بالسطحية كشأن مجمل أفكار الكاتب وتجاربه القصصية.. وهو أشدّ ما يجذبني في كتاباته. أنت تعرف مسبقا – إن شاء الله – أنك لن تملّ ولن تجد تصنّعا كما عند أكثر الكتّاب المتهافتين على الشهرة بأي سبيل كان..

أن يصيب العرب ما أصاب اليهود من اضطهاد وتشرذم، وهو ما نرى بوادره الآن للأسف، ثم يضطرون (لاختلاق) تاريخ مزيف لاستيطان جزيرة يسمّونها (شآبيب) ويقهرون سكّانها الأصليين بمباركة من المجتمع الدولي الذي يسعى للخلاص من العرب.. هذه فكرة عميقة لابد أن تدفعك للتأمل.

سبك مُتأنّ ومتقن لفصول القصة، إذ وضع الكاتب في مطلع الكتاب مشهدا غريبا من النهاية المأساوية، ثم باشر بجمع الخيوط التي تنتهي عند ذلك المشهد..

لكن لماذا أشعر أن الدكتور فقد الكثير من حماسه المعهود وسخريته المحببة ؟ هل هو العمر ؟.. كأن وراء الكلمات روحا منهزمة خاملة.. وذاك التمطيط في الكلام وتكرار بعض الأحداث والأفكار بشكل غير معهود في كتابات الدكتور، ما سببه ؟

ثم متى نقرأ لك يا دكتور – ولن نقرأ أبدا ! – فكرة لا تكون سوداء مطبقة السواد ؟ أم أنك مصرّ على مذهبك العبثي هذا إلى آخر قطرة مداد تسكبها ؟ أعتقد أن ما سوّدته لحدّ هذه الرواية الخامسة كافٍ جدا.. قد وصلتنا الرسالة، شكرا. هل لديك الآن شيء آخر غير قولك (الحياة شر) ؟.. (رحمة الله عليك).

أما رأيُ الدكتور في الدين والتديّن فكما عهدته متدنّ، متهافت.. ظنون سيّئة، وشكوك ينثرها هنا وهناك على ألسن شخوصه، ما يدلّ – للأسف – على نقص اطلاع الدكتور في هذا المجال، وذلك عندما يهدم مفهوم الدولة الدينية – أو الثيوقراطية – كما طاب له أن يسمّيها، دون أدنى محاولة إقناع أو برهنة.. هكذا، لأنها لا تروق له، أو لأن الغرب لا يتبنّاها.. ومن قال أن الإله الذي خلقنا – سبحانه – ينتظر رأيك في إقامة الدين من عدمه ؟ أم أنه – جلّ جلاله – قدّم لنا مقترحا لنا أن نقبله أو نردّه ؟

أعرف أن بعض القراء لا يبالون بالمسألة العقدية ولا يريدون إزعاج عقولهم بها.. لكنها عندي في المقام الأول، وستظل كذلك دائما إن شاء الله..

بقايا القراءة

عن كتاب (أدباء من العالم)


25222333

هذا نموذج قريب جدا لكتاب السير الشخصية لمشاهير الأدباء، الذي كنتُ أمنّي النفس بقراءته منذ زمن ليس بالهيّن !.. كنتُ أحاول أن أفهم كيف جمعوا بين مصائب الحياة ولحظات الإبداع ؟ كيف قرنوا الألم بالأمل في تحقيق ما لم يُحققه أكثر البشر ؟ كيف منعوا المرض من إطفاء جذوة العبقرية المشتعلة بداخلهم ؟ ثم ذلك السؤال المخيف الذي يظل معلقا دائما أبدا: هل تكون هذه المصائب غير المعتادة السبب المباشر لنبوغهم أصلا ؟.. لا تدري أبدا.
وبغض النظر عن عقائد هؤلاء الكتّاب والشعراء – الخاطئة في الغالب الأعمّ – وبغض النظر عن الانحراف الخُلقي الحاد لبعضهم، حاولتُ تأمّل الجانب الإنساني والنفسي منهم فحسب..لأواصل طرح تساؤلاتي: أليس من العجيب أن التاريخ لم يحفظ إسما واحدا من ملايين الدكاترة والأكاديميين في اللغات واللسانيات الذين تعجّ بهم الجامعات، وحفظ اسم شاب فقير مضطرب نفسانيا، طُرد من جامعته وأسرته بالتبني وكلّ المكاتب التي حاول العمل بها !؟.. ولكن التاريخ يحفظ اسمه رائدا لمدرسة أدبية قائمة بذاتها، لازالت تُدرّس إلى يومنا هذا منذ ما يفوق القرن من الزمان.. وهو الشاب الأمريكي التعس (إدغار آلان بو) ! أين المنطق هنا ؟.. لا منطق.
وأين المنطق في كون شاب يافع منحرف متمرد ومتشرد، لم يجاوز سنه السابع عشر بعد، ولكنه يكتب قصائد تعدّ من أعجب وأعمق ما في الشعر الفرنسي !.. ثم إذا به يسخر من شعره وشعراء عصره ويسبهم في صالوناتهم ويترك – فجأة – الكتابة والوطن وكل شيء بعدُ، ليبقى النقاد الأكاديميون المتأنقون حيارى أمام هذه القصائد البديعة التي ترك !.. لا منطق.
هذا المزيج الساحر بين المأساة الشخصية والعبقرية الأدبية الخارقة لا أشبع من قراءته وتأمله، لأنه يحطم كل غرور بشري، وكل قانون متحذلق يحاول الأكاديميون تثبيته.. إنه أشبه ما يكون بالمعجزات والاستثناءات التي تكسر القواعد.. إنه لغز العقل البشري الذي يحيل مباشرة لعظمة خالقه اللامتناهية.
هذا ما وجدته في كتاب (أدباء من العالم)، مع العرض المذهل لكل شخصية من خلال حوارات متخيلة، ومشاهد مبنية على وقائع وقعت فعلا في حيواتهم، حتى لكأنك تشاهد فلما وثائقيا تمثيليا لحياة كل كاتب منهم، فترى المآسي العجيبة والقرارات المتهورة والتناقضات الصّارخة والنهايات المفجعة..
إنها مشاهد تلهب قلب القارئ ووجدانه، لاسيما الذي يحمل بذرة الكاتب بداخله.. 

خالد

بقايا القراءة

الحارس في مجتمع الزّيف !


29565224

بسم الله الرحمن الرحيم.

مثل عنوانها بالضبط الرواية غريبة و(مستفزّة) وغير معتادة البتة!

الحق أنها رواية بذيئة وقحة، وقد كُتبت بالعامية الأمريكية الفجة، وبطريقة الشباب الغاضبة في الكلام والتعبير، ولكن من الصعب – مع كل هذا – أن تتجاهل العمق الذي كُتبت به والطاقة النفسية (الدرامية) العجيبة التي تحملها صفحاتها !

هي رواية )التمرّد( على كل شيء، حتى على ما لا ينبغي التمرّد عليه للأسف، وهو الإيمان. وإن كانت الرواية لم تذكر ذلك إلا بشكل عابر، ولكنها أولى وأهم اعتراضاتي قبل بذاءة الرواية وقبل كل شيء آخر. فقد أنست شهوة التمرد الكاتب الحكمة والتعقل، وإعطاء كل شيء حقه. حتى صار يتمرد لأجل التمرّد فحسب.. وهذا ما يروق لكثير من الناس. فيعدّون كل متمرد بطلا، بغض النظر عن موضوع التمرّد !

إلا أن المثير هو كيف وصف الكاتب عبث الشعب الأمريكي وزيفه، وكيف أشار إلى تصرّفات بشرية دقيقة قلّما يُنتبه لها، ولذلك أعتقد أن أسلوب الرواية كان جديدا تماما في الخمسينات، بل إنه يكاد يكون جديدا حتى لقارئها اليوم لغرابته وصراحته وانصرافه إلى ما لا يُعبّر عنه الناس عادة.. فإنه يندر أن تجد من يقول لك مثلا: (ضحكتُ حتى شعرت بتقزز ورغبة في التقيّؤ !) لأنه يبدو شعورا غريبا، وحتّى لو خطر على بعض الكتاب فإنه سيتفاداه أغلب الظن لغرابته وشذوذه.. ولكن سالينجر يكتب بهذه الطريقة حتى تشك أحيانا أن الشخصية تعاني من اضطراب نفسي، ولكنه لا يبالي كأنما هو يتحدى كل النقّاد والقراء، ويتمرد على كل معروف ومتداول.. مع رفضي لبعض تمرّده طبعا.

شخصية (هولدن كولفيلد) أثّرت – كما قرأتُ – أثرا بالغا في الشباب الأمريكي لاختلافها الجذري عن كل المكتوب حينئذ، فكأنه صوت جديد خرج لأول مرة من بين مجاملات الكتاب، ليتكلم باسم الشباب الغاضب الذي لا يفهم طريقة العيش المتعارف عليها هناك، ويحكي عن الزيف الكبير المسكوت عنه بين الناس الذين يقبلونه على أنه واقع لا يُناقش..

(هولدن) شخصية صريحة للغاية، سريعة الملل، دقيقة الملاحظة، ساخرة و(رشيقة) – إن صحّ التعبير – والأهمّ من هذا كله أنها غير زائفة.. وهذا ما لفت أنظار كل الأجيال التي قرأت الرواية إلى حدود اليوم. فالشباب كلهم تقريبا سيوافقونك إن تحدثت عن زيف الدراسة وزيف المدارس والمدرسين، وزيف الحفلات والنكات وما أشبه ذلك من الأمور.. حتى وصل (هولدن) آخر الأمر إلى قرار اعتزال الناس في كوخ على مشارف غابة من الغابات، وهذه أيضا فكرة لابد أنها خطرت على أكثر الناس – إن لم يكن كل الناس – وحتى أنا كنتُ أزمع كتابة رواية عن شخص اعتزل العالم بالكلية.. إلا أني لم أفعل. لذلك يسهل على أكثر القراء الارتباط (نفسيا) بالرواية..

هناك نقطة أخرى في الرواية (قتلتني) – كما يقول (هولدن) عن الأشياء التي تُعجبه – وهي المقاطع التي تحدّث فيها عن أخته الصغيرة (فيب) وحبه لها، وكيف تسلّل خُفية إلى بيت والديه بعد (عودته) من جامعته لزيارتها، ولم يكن يريد أن يراه والداه لسبب متعلق بدراسته.. وكيف أيقظها من نومها، وشرعت تسرد له تفاصيل يومها في المدرسة ببراءة و(حلاوة) منقطعة النظير.. براءة البنات الصغيرات بالذات (تقتلني) قتلا !

والحوارات التي ستكون بين هولدن وأخته الصغرى بعد هذا ولو أنها في سياق حزين من (ألذ) وأعمق الحوارات التي قرأت..

ومما أثار غيظي في الرواية – بعد (لا دينية) الشخصية – هو تشابه الأمكنة، فهولدن ينتقل من (بار) إلى (بار).. فمضى ثلث الرواية تقريبا على هذه الشاكلة، وقد أثار ذلك حنقي، وتساءلت لماذا لم يذكر أمكنة أخرى، حتى يتسنّى له وصف أوسع رقعة ممكنة من الشعب الأمريكي ؟

أما الكاتب (سالينجر) نفسه فقد شغل الرأي العام الأمريكي كثيرا بعد توقفه عن النشر منذ الستينات، واعتزاله العالم في كوخ على مشارف غابة من الغابات ! تماما كما قرر (هولدن). ولم ينشر شيئا بعدها إلى أن مات سنة 2010.. وكان يهرب من الصحافة والمقابلات، وقد قرأتُ أن هناك أعمالا تركها للنشر بعد موته.

كل ما أستطيع قوله أن هذه كتابة مختلفة.. مختلفة تماما ! فقط لو أنها ابتعدت عن البذاءة، و(ثارت) على إلحاد الشعوب الغربية وهمجيتها الأخلاقية وتنكرها لخالقها وكأنها خلقت نفسها فهي إذن مجموعة من الآلهة ! أو كأنها جاءت من عدم وتعيش سنوات معدودة ثم تفنى للأبد، ويبقى الظالم ظالما والمظلوم مظلوما ! ولكن مادام الكاتب لم يثر على هذا الشرك والإلحاد في الحياة الغربية، فلا يفيدنا كثيرا نقد زيفهم الاجتماعي والمادي، لأننا نفر من عبث إلى عبث أكبر منه، ومن زيف إلى آخر أشد سوادا وفوضوية..

رفعت خالد المزوضي

18-01-2018

بقايا القراءة

لماذا تأخر المسلمون ؟


arslan_01

بسم الله الرحمن الرحيم..

(لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟) كتابٌ (عمليّ) جدا.. كأنما هو مقالة صحفية مُطوّلة، فيها شيء من التاريخ وشيء من خفايا السياسة العالمية، والخطط الحربية والمغازي الفكرية على أمة الإسلام. وفيها كذلك من الإحصاء والأرقام الغريبة الصادمة التي تنبئ عن مطالعة واسعة لكاتبها، وتتبع دؤوب لشؤون العصر السياسية والفكرية جميعا.

وأما تأويلات الكاتب الدينية فموفقة في أكثرها – إن شاء الله تعالى – اللهمّ إلا بعضها فيما رأيت، وذلك كمثل نفيه عن معنى (العلم) في إحدى الآيات الكريمة علوم الدين، وذلك من غير دليل يُعتدّ به. ومعروف أن العلم بالله عز وجل أشرف العلوم، فكيف نقصي أشرف العلوم من جملة معاني العلم بلا دليل واضح ؟

إلا أنه يظل كتابا عجيبا في بابه، ذكيّ، خفيفٌ وصادم أيضا بما فيه من الحقائق واللمحات التاريخية الخاطفة.. والأعجبُ من ذلكم هو كيف كتب شكيبٌ هذا الكتاب جوابا على سؤال بسيط وصله عن طريق مجلة المنار التي كان يرأسها الشيخ رشيد رضا ؟ وقد رجا هذا السائل صاحب المجلة أن يطلب من أمير البيان (شكيب أرسلان) الجواب عن سؤاله (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟ وكيف لم ينتصر الله للمسلمين وقد وعدهم ؟).. فكان هذا الكتاب.

ولكن لا عجب.. فهذا دأب العلماء وكبار الأدباء. يكتبون الكتب والمجلدات في الفكرة والفكرتين. وإنما ذاك تميزهم وتفوّقهم على سائر الناس.. والله أعلى وأعلم.

خالد

بقايا القراءة

كتاب حراسة الفضيلة


35704902

لا بالطويل ولا بالمتقعّر، إلا أنه كتابٌ أحاط بموضوعه من كل جانب، ودرس حيثياته دراسة مختصرة لا بأس بها.. وبخاصة ما ساقه بالفصل الأخير من بدايات التآمر على حجاب المرأة المسلمة.. ونتيجة هذا التآمر نشهدها اليوم ونراها رأي العين، فهل ترون خيرا ؟ أم أن الشيخ – رحمة الله عليه – تكلّم عن مؤامرة وهمية غير حاصلة ؟

وقد رأيتُ بعض عُشّاق الحضارة الغربية والذين مازالت تنطلي عليهم خُدعة (التطوّر) قد وجدوا في الكتاب شدّة وقسوة .. وإن تكن به شِدّة فشدة الحق، وإن يكن قاسيا مريرا، فمرارة الدواء الناجع إذ يلسعُ اللسان الذي اعتاد الحلوى!

أقول لهؤلاء المعلّقين والمعلّقات1، الغاضبين منهم والغاضبات.. أصحاب النجمة والنجمتين: على رسلكم أيها المسلمون.. ألم تقرؤوا (وليس الذكر كالأنثى) ؟ ألم تمر على أسماعكم (الرجال قوّامون على النساء) ؟ ألم تعرفوا (وللرجال عليهنّ درجة) ؟ وفي تفسير السعدي رحمه الله لهذه الآية الأخيرة: (… رِفعة ورياسة وزيادة حقّ عليها، ومنصب النبوة والقضاء والإمامة الصغرى والكبرى وسائر الولايات مختصة بالرجال، وله ضعفا ما لها في كثير من الأمور، كالميراث ونحوه). أتنكرون هذا كله ؟ ألا يرضيكم خلق الله وقسمته ؟ فأين أخطأ الشيخ رحمه الله إذن ؟ لا نقول هو معصوم لا يخطئ، ولكن لو وجدتم أنه أخطأ في هذا الباب بدلائل من الكتاب والسنة وعمل الرسول صلى الله عليه وسلّم وأصحابه الأوفياء رضي الله عنهم، وأمّهات المؤمنين الأطهار العابدات.. فأرونا ذلكم الخطأ وعلمونا صوابه زادنا الله وإياكم علما نافعا وعملا صالحا.

أعرفُ أن هناك أمورا من الدين صارت في زماننا صعبة جدا على المسلمة، كالتعدّد والنّقاب، وقد ترعرعت ونما عودها في قوم صار عندهم – إلا المرحوم منهم – لحم الرجل كلحم المرأة سواء بسواء.. فما عادوا يسألون البنت أين ذهبت ولا من أين عادت ولا بأي بيت باتت ! وما عادوا يفرقون بين الولد والبنت في التعليم، فالشاب يذهب لروسيا ليطلب ما يطلب من العلم، والبنت كذلك تذهب وتُسافر لهناك وحدها ! لا فارق بينهما.. وكأن الله ما قال (وقرن في بيوتكن)، وكأنه قال عز وجل ( إنما الذكر كالأنثى) وما قال سبحانه وتعالى.

أعرف حجم الجهاد الذي على عاتق بنات اليوم من المسلمات، وكذلك رجال اليوم لو أخبرتهم أن يحملوا أسلحتهم للجهاد في سبيل الله جهادا شرعيا تحت راية ولي الأمر، لكانت مفهومة ردود أفعالهم، وأصناف الجبن والخوار والهزيمة النفسية التي سترى في قوم اعتادوا الهمبرغر والآيفون !

أعرف هذا كله وأعترف به.. ولكن الصعوبة لا تغير من الحق شيئا، فلنلم أنفسنا إن عجزنا، ولنسأل ربنا التوفيق والتيسير.. فإن من همّ بحسنة ولم يأتها أو حال ببينه وبينها حائل كتبها الله له – إن شاء – كاملة غير منقوصة. أما أن نسقط الشرع فقط لأننا ضعفنا وتكاسلنا فإنها الخيانة برجليها..

كُن رجلا وفيّا لدينك واعترف بالحق، وكوني امرأة نزيهة وفيّة لدينك واعترفي بالحق غير مبالية.. أم أنكم تلتذّون بكتب نيتشه و(قواعد العشق)2 الصوفية الشّركية.. فإذا ما سمعتم الدين الحقيقي: قال الله، قال رسوله اشمأزّت قلوبكم ؟!

 

1- في صفحة الكتاب من موقع القراء العالمي goodreads
2- رواية (قواعد العشق الأربعون) للكاتبة التركية (إليف شافاق) وهي عن الصوفي المخرف جلال الدين الرومي
خالد
24-11-2017

 

بقايا القراءة

عن رواية (الكونت دي مونت كريستو)


29098329

عند النهاية بالضبط أيقنت أنها واحدة من الروائع، وما أنبل تلك النهاية حيث اعترف البطل بحكمة الله البالغة وعلمه المطلق، وما أحكم تلك النهاية وما أسعد تلك النهاية.. وقد كان الجزء الأول من الرواية في غاية التشويق والإمتاع، إلى الحد الذي تريد معه التفرغ التام للقراءة، والانعزال عن أهلك وعشيرتك حتى تفرغ منها، إلا أن الثلث الثاني – والحق يقال – مختلف كليا ومضجر بعض الضجر إذ يمهد الكاتب فيه لوقائع القصة التي تكون في الثلث الأخير تقريبا، فيصف الشخصيات واحدة تلو الأخرى وكل واحدة لها اسمان أو أكثر، ويذكر أسماء أهالي هذه الشخصيات البرجوازية وعلاقات المصاهرة بينها والصداقة وما يدور من الحوارات ومظاهر البذخ الباريسي وما إلى ذلك. وهنا يقتحم الكونت كريستو المهيب هذا المشهد المزدحم بالشخصيات، يقتحم لينتقم.. ويا لها من شخصية شخصية هذا الكونت.. ويا له من تاريخ يحمل وراءه. نبل وفخامة وثراء ورجولة وخطورة ودهاء غير معتاد.. وإن رسم الكاتب لهذه الشخصية وأفعالها التي تأتي بعد ذلك هو ما لن أنساه أبدا.. وهو ما جعل هذه الرواية في زمرة الروائع الخالدات بلا شك.

خالد