بقايا القراءة

القراءة الحرجة للمدعو خ. : مراجعة رواية (الحالة الحرجة للمدعو ك.)


35513795._SX318_

بدأتُ قراءة هذه الرواية وأنا أظنها رواية أخرى ! إذ خلطت عنوانها بعنوان رواية (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل)، والتي كنتُ أنوي قراءتها بعد أن علمت أنها من الروايات الأوائل في تصنيف اتحاد كتاب العرب.. فاختلطت (الحالة الحرجة) مع (الوقائع الغريبة)، لا أدري كيف !

ولكني ما لبثتُ أن انتبهت إلى أن هذه الرواية أيضا معروفة بما يكفي ومقروءة بكثرة على موقع الكودريدز، كما أن تنقيطها جيد. وقد راسلت كاتبها عبر البريد، وأنا في صفحاتها الأولى لا أزال.. وسألته إن كان كتب رواية أخرى غيرها، مادحا أسلوبها المُنساب، والحديث الداخلي العذب واللغة الرشيقة المبينة فأجابني شاكرا.

ولكني تسرعتُ للأسف، إذ كان علي معرفة موضوع الرواية – على الأقل – فأنا أتفادى أدب السجون ما استطعت، كما أتجنب أدب (المرض) حيث يصف الكاتب تدهور الحالة الجسدية والنفسية للمريض – حقيقة أو خيالا – وقد كانت هذه الرواية من هذا النوع الأخير.. أي (أدب المرض).

هذا علاوة على أن شخصية الرواية – الراوية للقصة – مستفزة جدا، أثارت بعد فصول من القراءة تقززي الشديد. على ما قد يجد البعض في هذه الشخصية من جاذبية مردها إلى هذه التقنية من الحديث الداخلي المتواصل، التي تُشبه عدسة متنقلة تصور لنا ما تريد تصويره، فيألف القارئ بعد حين طريقة التصوير هذه ويستكين لها، وربما أعجب بتحليل هذا (الصوت الداخلي) للأشياء، أو تمرده أو شجاعته أو ذكاءه.. ومثال ذلك رواية ( الحارس في حقل الشوفان) للأمريكي (سالنجر) التي أعجب بشخصيتها (كولفيلد) جماهير غفيرة من القراء عبر العالم بسبب ذكائه الحاد، وحسه النقدي للمجتمع والناس.

ولكن عدمية هذه الشخصية – العربية السعودية يا حسرة !  – فاقت الحدود، فهو يتحدث كأنه (كافكا) شخصيا، الكاتب التشيكي اليهودي بسوداويته وعدميته المعروفة، ولقد ذكر اسمه وكتاباته مرارا حتى شككت في أن المقصود بحرف (الكاف) في العنوان هو هذا الكاتب البائس المريض.

ومرة أخرى أصطدم بالانحياز الكلي لأدب الغرب، وعقائد الغرب وخبز الغرب وقهوة الغرب !.. لاسيما بعد قراءتي لكتاب عبد الوهاب المسيري – رحمه الله – (العالم من منظور غربي).. حيث كل شيء بنكهة الغرب، كأننا لئام في مائدة كرام.. وما نحن بلئام وما هم – والله – بكرام. ولكن من يرمي هويته وراء ظهره، ويضع قناعا أعجميا فيصبح يرى المجتمع غريبا لأنه ليس مجتمعا غربيا.. فذاك اللئيم حقا.

ومن شدّة ولع الكاتب بالغرب وآدابهم – وإن كانت لغته العربية رشيقة نوعا، وفي بعض تحليلاته النفسية عمق وشاعرية لا تخفى – ذكره كلمة “القذارة” بأشنع صورها اللغوية التي أتورّع عن كتابتها هنا احتراما لقرائي الكرام. وذلك مثلما يقول الأمريكيون بالضبط في أفلامهم، في تقليد بائس ركيك. ومن ذلك أيضا علاقاته المضطربة المريضة مع كل أفراد أسرته، بل مع الكل بلا استثناء. مما ينافي أخلاقيات مجتمعاتنا الإسلامية (العائلية) حيث تعظيم الأم، والأخ الكبير الخ.. دون الكلام عن التغافل و(التعايش) الذي تمتاز به مجتمعاتنا بشكل ظاهر. أما هو فيصرح بأنه لا يحب أمه ولا تحبه ! ويجد أخاه الكبير متصنعا في محاولاته تعويضه نقص الأب. ويسيء الظن بكل زيارة لصديق أو فرد من العائلة، ويقول أنها محاولة لإرضاء النفس لا غير.. في جزم مثير للأعصاب. ويصف زملاءه في العمل بأبناء (الفاعلة) بدون سبب ولا دليل على أن أمهاتهم (فاعلات) ! ويصف من رفضت الوقوف معه طويلا بأنها (فاعلة) كذلك.. ألا قبحها الله من حياة ومن رواية.

ربما كان هذا كله ضياعا خلقيا وانحرافا ومخالفات يُرجى برؤها. أصلحنا الله جميعا.. أما وقد صرح بنظرته للدين، فتلك كانت النقطة التي ندمت عندها فعلا على قراءتي هذه الرواية اللعينة. فقد قال المخذول: (لم أكن أفتقر إلى الإيمان بالله عموما، ولم أكن شديد الحرص على إيماني به أيضا).. وهذا يذكرني بمذهب (اللاأدرية) الذي يحسب أصحابه أنهم نجوا من الانتماء للفريقين معا – كأن الفضيلة في عدم الانتماء ! – ولكنهم عند التحقيق كفار طبعا، فمن لا يبالي بوجود الله كافر به، بل ربما كان كفره أشنع ممن يقول بعدم وجوده جحودا أو انتكاسا فطريا.. فهذا لم يعط الموضوع حتى وقتا للتفكير ! ولستُ أكفّر الكاتب هنا، فليس ذلك لي.

وثالثة الأثافي – كما يُقال – تعاطيه الحشيش في مرحلة من مراحل إصابته بالسرطان.. بل إنه عرض الحشيش على أمه. وهذا بدل أن يتوب، أو يدعو الله بدعاء واحد – رغم أن هذا ما يفعله حتى الكفار في مثل هذه الحالات – لكنه أمعن في التغريب والعبثية – فصار غربيا أكثر من الغربيين – ونهج منهج (ألبير كامو) في روايته (الغريب). حيث موت أمه وحياتها سيان، وإعدامه أو إطلاق سراحه نفس الشيء ! فانبرى هذا أيضا على نفس المنوال يسخر من كل شيء ومن الموت كذلك سخرية (حامضة) كقوله أنه يفكر (أن يدفن معه حاسوبه النقال حتى يشاهد فيلما كوميديا)   !

ألا كم أكره المتعجرفين، الذين يحسبون أنهم سبقوا الناس جميعا.

خالد

بقايا القراءة

العالم من منظور غربي: انزع النظارة السوداء ترى أفضل


lines-3659995_640

الكتاب: العالم من منظور غربي

المؤلف: عبد الوهاب المسيري – 2001

يُناقش الكتاب موضوعا خطيرا جدا، لم أقرأ من قبل لأحد بسطه مثل هذا البسط وأصّله هذا التأصيل طويل النفس. ألا وهو موضوع (التحيّز)، والتحيز للغرب بخاصة، بحيث حلّل ذلك فلسفيا وتاريخيا وحضاريا وأدبيا إلخ..

ولو تأمّلتَ لوجدت الكثير من آرائك واختياراتك ليست هي آراءك تماما ولا اختياراتك حقا.. اللباس والأذواق والعمران واللغة والأقوال المأثورة والمناهج والطقوس والمشاعر والمقتنيات، (ولا داعي لألج ميدان الموسيقى والسينما..). كل أولئك مصبوغ بصبغة غربية نهائية.. كأن العالم هو ما يراه الغرب.

وليت شعري ماذا كان قبل هذه الحضارة الغربية ؟ ألم تتعاقب على هذه الأرض حضارات وشعوب شتى ؟ ولغات وعلوم وأطعمة وأزياء لا حدّ لها.. بل هناك من يزعم وجود علوم متقدمة جدا اندثرت في الماضي فلم يصلنا منها شيء تقريبا.. كمثل أسرار الفراعنة وطرقهم في البناء والتحنيط التي لم يعثر العلم (=العلم الغربي) عن مفاتيحها بعد.

يُعجبني في المسيري رحمه الله، وضوح عبارته وذكاء مجازه، وجرأته في نحت مصطلحات جديدة وربطها بظواهر نراها رأي العين – وإن كان يُبالغ أحيانا – ولكم أطربني ذكره مثالين في غاية من الإبداع والإعجاز. بحيث لو تأملهما القارئ كما ينبغي وخرج بهما فحسب من الكتاب كله، لكان غانما مُستفيدا إن شاء الله.

أما المثال الأول فهو (اكتشاف أرض جديدة تُدعى أمريكا).. هذه العبارة التي تكررت أمامنا كثيرا في المناهج الدراسية والعناوين الكثيرة، وفي أقوال الناس. وبغض النظر عن أكذوبة اكتشاف (كولومبوس المبيد) لهذه الأرض، فهل كانت فعلا أرضا (جديدة) ؟ أم كانت (قديمة) بالنسبة لمن يقطنها من الهنود الحمر الذين أُبيدوا عن بكرة أبيهم. أي أنه تمّ تجاهل وجودهم تماما ؟ فالإنسان الغربي المغرور لم يكن يرى إلا نفسه فوق هذه الأرض، أما الشعوب الأخرى فحشرات ليلية أو دود يدوسه بامتعاض ثم يصيح غير عابئ: (انظروا هذه أرض جديدة !).. لكن هل انتبهنا نحن لهذا الغرور القبيح وصحّحنا العبارة.. للأسف لا. نحن فقط نردد ما يقولون.

وأما المثال الثاني فهما (الحربان العالميتان الأولى والثانية)، وكيف انقسم (العالم)، وانفجر العالم، وتعسكر العالم، وتضرر العالم إلخ.. وهذه ملاحظة طالما عذبتني. هل كان العالم كله معنيا فعلا بتلك الحربين المهلكتين ؟ فلماذا إذن وُصفتا بالعالميتين ؟.. ببساطة – يقول المسيري – لأن الغرب يرى نفسه هو العالم.. أما الباقي فمجرد محميات ومستعمرات دواب – هذه قلتها أنا – قد يستعملون بعضهم في حروبهم وأشغالهم، ومن بقي يملؤون بهم أسواقا ضخمة لمنتجاهم !

ثم تكلم بعدها عن التحيز في المصطلحات، وكيف نلهث وراء كل ما يسكونه من مصطلحات لندخلها في قاموسنا بتعسّف وحماسة مضحكة وإقصاء للذات يثير الشفقة والغيظ لمن له عقل يعقل به.. إلى آخر تأصيلاته العجيبة للموضوع.

حقا.. كيف نعمى عن وجود حضارات ورؤى أخرى في هذا العالم (الصين واليابان والهند وهلمّ جرا..)، مع استبعاد الوثنيات والشركيات والخرافات بطبيعة الحال.. فلا نحن حافظنا على هويتنا وتراثنا ورؤيتنا للعالم – التي هي أكثر إنسانية من رؤيتهم المادية الاستغلالية – ولا نحن انفتحنا على رؤى وحضارات أخرى لها ما لها وعليها ما عليها..

وبصرف النظر عن الربع الأخير من الكتاب الذي بالغ فيه الكاتب برأيي في تقديس (مبدأ الحجارة) في الانتفاضة الفلسطينية باعتباره (رؤية فلسطينية عبقرية)، ما أثار حفيظتي. فالقوم يرموننا بالقنابل والصواريخ المدمرة فيقع الآلاف من الضحايا ، ونحن نرقص طربا لأننا استطعنا قذفهم بالحجارة بدل أن (نعدّ لهم) !.. بصرف النظر عن هذه المبالغة العاطفية التي لا معنى لها عندي، فإن الكتاب خطير جدا في موضوعه، ويبدو أن نظرتي للعالم تغيرت فعلا بعد قرائته. ولن أقبل بعد اليوم رأيا أو ذوقا فقط لأنه من الغرب.

فلنستيقظ يا صاحبي.. 

خالد

بقايا القراءة

العربية ورهانات التدريج: اعتماد العامية تعميم للجهل


52700658

الكتاب: العربية ورهانات التدريج

المؤلف: سعيد بنكراد – 2020

الكتاب دسم، مليء بالفلسفة والتنظير.. مع أن بعض فصوله عسيرة الهضم، تصلح لأهل الاختصاص من اللسانيين و(السيميائيين) كما يسمونهم – كأن العربية تعجز عن تسمية هذا الاختصاص باسم عربي مبين ! – وفيه ردّ قوي على أصحاب قاموس الدارجة السخيف، الذي حملته بيدي مرة وتصفحته فقرأت فيه شرح عبارة (ديباني) التي هي في الأصل فعل فرنسي Dépanner ينطقه بعضهم مشوها، ويعني في العربية (مرّر الشيء على ما هو عليه، أو تصرّف بما وُجد دون تكلف). فعرفتُ حينها قدر هذا الكتاب الخبيث الذي سموه قاموسا زورا وبهتانا.

إلا أني لاحظت منذ الصفحات الأولى – من هذا الكتاب – تجاهل الكاتب للجانب الديني كليا، كأنما لو حازت لغة أخرى شرف استعمال آخر كُتب الله السماوية لها، فلن تفتخر بهذا ولن تزهو به بين اللغات والأمم ! ولكن الكاتب – ومن على منهجه – لا تهمهم إلا (القوميات) ولذلك فشلوا في دعوتهم، وإلا فبهذه القومية ذاتها يُهاجم الأمازيغيون المتعصبون العرب والعربية، بل وبهذه القومية الجاهلية ذاتها يُهاجمنا الفرنكفونيون ويغزوننا، وهم أكثر منا قوة وعتادا. فماذا بقي لنا إذن غير هذا الدين العظيم وهذه العقيدة الربانية التي من شأنها توحيد الصفوف وتحريك الجبال ؟

ثم بعد تحليلات عميقة – للأمانة – عن علاقة اللغة بالفرد والمجتمع، والفرق بين تأثير الفصحى والعامية في النفوس والعقول، لفت انتباهي في معرض نقده لمحتوى مقاطع وقحة على اليوتيوب، يستعمل فيها بعض الشباب – هداهم الله – مصطلحات دارجة نابية، لفت انتباهي رأي الكاتب الذي مُفاده أن أمثال تلك المقاطع مما يؤجج الغرائز ويجعل من المرأة مثل السلعة – ونحن معه في هذا – إلى أن قال أن هذه الوقاحة بخلاف (الجنس الجميل) الذي يكون من خلال (علاقات رضائية) !

كذا قال مثل قول العلمانيين والملحدين. طيب ومن قال لك أن بعض النساء لا يُردن مثل هذه الوقاحة وهذا (الجنس الغليظ) ؟ ألم تقل أنت نفسك أن من الشخصيات الكرتونية الأنثوية في تلك المقاطع من تطلب من الرجال أن يفعلوا لهن كذا وكذا.. إذن ما دام ذلك كذلك، والأمر راجع في النهاية إلى رضى الطرفين – وليس إلى دين وعقيدة – فليس من حقك انتقاد هؤلاء (الوقحين) على رأيك.. لأن رأيهم كذلك ولأن المتعة والسعادة عندهم في الوقاحة، مالك أنت ومالهم.. لك جنسك الجميل (الرضائي اللاديني) ولهم جنسهم الوقح !

إنه والله للعبث.. ننحي الدين من كل اعتبار، ثم نريد بعدها أن نفرض آراءنا وأذواقنا – لأنها آراءنا وأذواقنا – كأننا آلهة ! فإما نحتكم إلى الدين الرباني المعصوم، إلى الإله العظيم الذي خلقنا وسوانا وعلمنا وربانا، وإلا فكل شيء نسبي كما تقولون.. ونقدك هذا كله – لا لغويا ولا جنسيا – وكل شيء بعدها مجرد عبث وهباء..

مقالات حرة

لا حياة بلا فرنسية !


french-flag

سألني طالب في (الدراسات الإسلامية) عن أسرع طريقة لتعلم لغة أجنبية (كأني أستاذ في اللسانيات !). فأجبته بما أعرف عن طريقة (الغمر) أو (الغطس) أي أن يكثف من تلقيه لهذه اللغة، لاسيما السماع ويستعملها في أجهزته ما استطاع، حتى يعتادها شيئا فشيئا. إذ أن الطريقة التي ألفناها (حروف وكلمات وأفعال وجمل متداولة) طريقة مملة وبطيئة إلى حد قد يلجئ المتعلم إلى ترك هذا العذاب وتغيير رأيه في تعلم هذه اللغة !

ثم انتبهت إلى أن السائل يدرس في شعبة (الدراسات الإسلامية)، فاستدركتُ وقلت أنه لا ينبغي إغفال (الجدوى) من تعلم لغة أجنبية، ومدى (إمكانية) تعلمها، حسب الظروف الشخصية و(التكلفة) المادية والزمنية. لماذا يدرس طالب الطب الإسبانية مثلا؟ فيُشوّش عليه دراسته ويربك نفسه، بينما قد يتعلمها بعد إنهاء دراسته إذا احتاجها لسبب من الأسباب.

فقال هذا الطالب أن الفرنسية مفروضة عليهم، ومطالبون بإتقانها لسبب غامض ! وهذا والله عجيب.. هل يُطالب طالب فرنسي مثلا في شعبة (الكاثوليكية) بإتقان العربية ؟! أيركز طالب الشريعة على ضبط لغته العربية صرفا ونحوا وبلاغة وبيانا ونثرا وشعرا، وهو يحتاجها في علوم القرآن والحديث أم يمضي لياليه في تعلم ما فاته من تصريف أفعال هذه اللغة المستعمرة التي كانت مجرد لهجة من لهجات اللاتينية ففرضت علينا بالحديد والنار والأورور والدولار، فأفسدت علينا حياتنا أو كادت ؟

أوَتتبعنا هذه الفرنسية حتى في دراسة القرآن ؟!!

خالد

 

 

 

 

مقالات فسلفية

وهم التحكّم


logo-1932539_640

الحياة (أضخم) من قُدرات الإنسان، تُعجزه ولا يُحيط بها أبدا مهما حاول وادّعى.. فلا تصدّق كل ما ترى.
لا أحد ممن تعرف عنده من القوة والحُظوة بحيث يتحكم في حياته كما تظن، كلهم مغلوبون، يُرقّعون ما استطاعوا ترقيعه. ويمضون في الطريق التي وجدوا أمامهم دون خيارات (أسطورية)، إلا ما نَدُر من البطولات التاريخية التي كثيرها مزيّف.
ولا تُصدّق كل ما تسمع من المقاطع التحفيزية التي لا تُحفّز إلا الأدرينالين بعروقك لنصف ساعة أو أقل من ذلك أو أكثر بقليل، ثم لا شيء بعدها.. نفس التحدّيات ستجدها بانتظارك، والظروف والتعقيدات التي تخصّك أنتَ وحدك، والتي لا يعرف عنها المحاضر شيئا، وأنت وحدك من عليه مقارعتها، فتغلبها أو تغلبك..
كم ممن وجد طريق الثراء أمامه مُمهّدا بطريقة ما، حلالا أم حراما.. فغرف من ذلك غَرفة بيده وذاقه، فلما استطاب ما ذاق قام من فوره كالملسوع، مُتحمّسا، يلهث وراء المزيد..
ثم إنه يخرج علينا ذات مساء أمام العدسات بوجه يلمع بالمساحيق، يتكلم بثقة، فيكاد يقول: (إنما أوتيته على علم عندي)، أو (أنا قوي ورائع كما ترون إذ لم أستسلم لما اعترض طريقي. وإنكم تستطيعون ذلك ما دُمتُ استطعتُه، إن أنتم اتبعتم نصائحي).
وبصرف النظر عن مدى (خيريّة) أو (شريّة) ما هو فيه من (الفتنة)، فهل يصنعُ الإنسان – يا تُرى – قدره حتى يضع نفسه في ظروف بعينها ؟ أم هل يلوي مجرى الأقدار قسرا حتى تُلائم ما يريد ؟
نعم.. قد يسعى الإنسان للنجاح في أمر باتخاذ أسبابه، والتوكّل على الله إذا كان من المؤمنين، فينجح – بإذن ربه – نوعا من النجاح، لا يكون بالضرورة هو نجاح (فلان). إذ ليس الناس كلهم (فلان)، ولا كل الأقدار قدر (فلان) !.. أفلم يُفضّل الله بيننا في الرزق ؟
ثم إن هذا (الثري) لا يضمن في المستقبل شيئا من صحته ولا ماله ولا أولاده ولا زوجه.. فلماذا لا يُخطط لهذا أيضا فينجح فيه ؟.. لماذا يُطلّقون، ويكتئبون وينتحرون ويصيب أولادهم ما لم يكن في الحسبان ؟ فليُخطّطوا كما يدّعون، وليُرونا سيطرتهم على الحياة والأقدار !
ينطلقون من النهايات ليثبتوا قواعد لم تكن بأيديهم. فلا تُصدّق أكاذيبهم، إنما هم ماضون فيما قُدّر لهم كما أنك ماضٍ في قدرك، وماضٍ هو فيك بما شاء الله – ذو الجلال – وكيفما شاء وقضى.. نسأله سُبحانه لنا ولكم اللّطف والمعافاة.

خالد

مقالات نفسية

أفقط لأن الملح قليل ؟!


Worth-Your-Salt

من أشنع صفات البشر هذا (التحيز) و(الإنكار) الذي وسمه علماء المسلمين (باتباع الهوى).. سواء أكان ذلك (التحيز) بقصد خبيث، أو بدون إدراك واضح.. لغلبة هذا الطبع الشيطاني على الإنسان.

لذلك – في ظني – لا يتوب أكثر الناس، ولذلك لا تفلح الجدالات أبدا، ولا تكف الحروب، ولا ينجح من الزيجات تقريبا إلا بقدر (الشعر الأبيض في الثور الأسود) كما يقال.. فالآخر غالبا – أو دائما – ما يذكر أسوء ما فيك، وينكر الجانب المشرق ولا يبرز منه إلا بقدر حاجته، وإذا تكلم عن نفسه تكلم عن أحسن ما فيها، فإن لم يجد فيها ما هو حسن، تعسّف في صناعة محاسن وهمية وأمجاد خرافية، وادعى لنفسه ثوب زور لم يكن يوما له.. ثم إنه يتناسى الكوارث والجراحات التي سببها لغيره.

فقد يُسبّب الزوج لزوجته – مثلا – الضغط والسكري بعد سنوات طوال من العذاب النفسي الشنيع ، بدعوى القوامة والرجولة.. ثم تنفجر المسكينة ذات مرة – مهما كانت صالحة صبورة – لأنه أخبرها أن الملح قليل في الطعام مثلا !.. فيقول ببراءة وعيناه (مشرعتان) ذهولا: (أفقط لأنني أخبرتك أنّ الملح في الطعام قليل ؟!).. وسطر تحت (أفقط؟) هذه..

ومع أن الإنكار في النساء أكثر، إلا أني تعمدت ذكر العكس لأنه واقع كذلك، وقلّ من يذكره..

ألا قبح الله هذا (الملح القليل)، وهذا (التحيّز) المقيت، و(الإنكار) عن سبق الترصّد، والتغابي (الذكي)، الذي يجعل طيران الماعز أكثر واقعية من إصلاح ذوات بيننا !.. والله تعالى المستعان.

رفعت خالد

مقالات فسلفية

حالات خاصة


candy-1961536_640

“في الحياة لا يختبر إنسان الأحداث كما يختبرها أي أحد آخر وبنفس الترتيب، قد يرى أحد الموت وهو أكثر شبابا من غيره، وقد يُدرك أحد الحب أسرع من غيره. لو أن رجلين كما نعرف يشهدان على حادثة، سيُدوّنانها بإحالات مختلفة، وبشكل من الأبجدية يخصّ كلّ واحد منهما”.

قالها كاتب الخيال العلمي الأمريكي الشهير (راي برادبوري) فتوقفت عند قوله طويلا، وتذكرتُ عبارة سمعتها – أو قلتها أنا نفسي – (كلّ يكبر بطريقته). وقلتُ أن هذه الاختلافات الجوهرية تكفي لتكون المقارنات بين الناس شبه مستحيلة !

(كلّنا حالات خاصة) كما كتبت يوما.. لذلك يكثُر العجب من تصرفات الآخرين.. فكم يضرب من الآباء أبناءَهم ضربا مبرحا، وهو عندهم نوع من (الحب) والحرص على ما ينفعهم ! كم من الذين يعرضون تفاصيل حياتهم الشخصية على اليوتيوب، ظانين بذلك – ربما – أنهم يحرزون مجدا وشُهرة، وأن الجميع يتحدّث عنهم، وأنهم عادوا أمثالا تُضرب ونماذج تُحتذى ! وذاك الذي يصوّر مائدة إفطاره في رمضان أو كبش أضحيته في العيد.. هل يظن – يا ترى – أنه سمى قدره عند الناس بتلك الصور ؟ والأبوان اللذان يشتريان لابنهما أطنانا من الألعاب، وأحدث الأجهزة الرقمية، هل يظنان أنهما بفعلهما ذاك يجعلان ابنهم أسعد الأطفال وأنجحهم وأذكاهم ؟

ناهيك عن كيفية تفكير المجرم والثري والمُختلس والذي يرمي القاذورات في قارعة الطريق، والذين يكسرون المصابيح العمومية، وأولئك الذين يُقاتلون أنصار فريق الكرة الخصم قتال المجاهدين !

… والذين يجلسون في المقهى ليكتبوا عن (الحالات الخاصة) أليسوا حالات خاصة كذلك ؟

نعم.. كما أن لنا بصمات مختلفة، أعتقد أن كل فرد منا حالة خاصة، أو ينتمي (لطائفة) خاصة من البشر.

رفعت خالد

12-2019

مقالات فسلفية

Just do it !


alkoghol-2714489_640

فلان الموسيقي الشهير في فرقة كذا انتحر في أوج شهرته. لماذا ؟.. إدمان، كحول، جرعة زائدة.. ولماذا تعاطى تلك السموم أساسا ؟.. اكتئاب وهموم إلخ. ولكن.. أي هموم وقد كانت له تلك الجبال من الأموال وهو بعد شاب، والشهرة مع ذلك والمعجبين الذين يصرخون لدى رؤيته ويغمى عليهم ؟.. وهل يجري الناس إلا لذلك ؟ وهل ترى أغلبهم يهتمون ويغتمون لغير ذلك ؟

أو قد يكون تعاطى ذلك وأدمنه في أوج (نشاطه) وليس بسبب قنوط أو إحباط.. أي أنه تناول تلكم المخدرات – أول مرة – فقط من باب (just do it) أو (why not ?)..

… إذن المسألة مسألة عقيدة آخر الأمر.. وقد يسميها بعضهم (فلسفة) أو (لايفستايل) أو (مسائل شخصية) أو أيا ما كان مسماها.. فهي (عقيدة) آخر الأمر. ولا علاقة للأمر بالأموال، وإن أصر الناس أن المال هو المشكل وهو الحل. والحق أن الأمر غير ذلك تماما.. فنحن كائنات (روحانية) ولسنا صناديق بنكية تحشر بالأموال..

المسألة مرتبطة بالعقيدة، التي على ضوئها يرى الواحد الوجود ويحسه ويشمه ويدرك الغرض منه وما بعده.. وإذا أخطأ أو ضل فهو يعود لها، فهي الأصل وهي المرجع..

المسألة دائما مسألة عقيدة، سواء عند الحديث عن صعوبات الحياة وهمومها، أو متعها وشهواتها، وتلكم القواعد الشيطانية من قبيل (تجاست ددو ايت) و (واي نوت؟) ومقولات الحريات المطلقة إلخ.. كل ذلك يدفع الإنسان ثمنه إذا اختار التعامل معه (وفق ما يناسبه) وليس وفق ما أنزل الخالق العظيم من إرشادات وتعاليم..

هي مسألة عقيدة شئت أم أبيت.. ومهما كانت درجة (الجدية) التي تنظر بها لهذه (العقيدة). وحي.. فولكلور.. ثقافة.. أساطير. ستدفع الثمن.. ستدفعه هنا أولا، أما هناك فقصة أخرى..

نسأل الله العفو والعافية.

رفعت خالد

مقالات حرة

مهارة التظاهر بالمهارة !


th

أفدت من تحليل كاتب مصري (عبدالوهاب المسيري) لتطور التعليم في مصر، أن التعليم الذي صار في أكثر بلداننا العربية اليوم هو نوع من (تعليم مهارات اجتياز الامتحانات) فقط ! وهو ليس (تعليما) بالمعنى الأصلي للكلمة.

كما أن هذا (التعليم) صار (غير مجاني) ككل شيء في عصرنا المادي، ليس لأنه مدفوع الأجر مباشرة (بالرغم من تكاثر المؤسسات الخصوصية مدفوعة الأجر مباشرة) ولكن لأن (مهارات اجتياز الامتحانات) هذه تتطلب دروسا خصوصية (مدفوعة الأجر) خارج/داخل المدرسة، وخارج/داخل البيت.. وهذا يجيب تماما على الأسئلة التي (شيبتني) وأنا طالب في الإعدادي والثانوي.. لماذا – مثلا – لا يلتفت أحد للمبدعين من التلاميذ مهما أبدعوا ومهما ابتكروا ومهما تميزوا وأتوا بالجديد ؟.. هناك (عباقرة) تقريبا لا يبالي بهم أحد. وقد فهمت الآن مما قرأت – بعد ان أسقطته على أحداث تاريخي الشخصي مع المدارس والمعاهد وما سمعته من تردي أحوال التعليم في الوطن الإسلامي العربي – أن المهم هو (مهارة اجتياز الامتحان) التي قد تجدها عند طالب وقح فارغ سكير مدخن للحشيش، ولا تجدها بالضرورة عند ذلك الطالب المجد المؤدب واسع الخيال ! أو تجدها عند تلك ال*** ولا تجد أثرا لها عند زميلتها المتحجبة الحيية نقية الفطرة والعقل ! وذلك مترتب – كما أسلفت – على مبالغ سميكة تصرف للأساتذة (الداخلين/الخارجين) إياهم، حتى يقدموا قواعد عملية وملخصات ونصائح نفسية وتداريب تشبه الحركات الرياضية للنجاح في الامتحان..

وقد أضيف (مهارة) أخرى جديدة، تختزل في بلداننا العربية اليوم (التعليم) بكل مفاهيمه الخطيرة المغيرة لجذور المجتمعات، وهي ببساطة (مهارة تحدث لغة أجنبية)، وهي في كل دول إفريقيا تقريبا (اللغة الفرنسية)، إذ يعد (متعلما) و(مثقفا) كل من يرطن بالفرنسية، وتفرح الأم ويصفق الأب كالأبله عندما ينطق ابنهما (الرضيع) أول كلمة فرنسية، ولا يعلم المساكين أنه (إجهاض) قاسي للهوية من المهد ! وبتعبير آخر فأطفال فرنسا الذين نسعى لتعلم (مهارة الحديث بلغتهم) مثقفون ومتعلمون بحسب منطقنا ! بل ربما كلاب الصيد الذين يفهمون الكثير من الكلمات الفرنسية مثقفة كذلك !

أوددي..

خالد

بقايا القراءة

عن سيرة (ألبير كامو)


kkdkdkd

لم تفارقني أبدا صورة (كاموس) الشاب الوسيم على خلفية روايته (الطاعون) بنسختها الفرنسية القديمة التي عثرت عليها بخزانة أبي – وأنا في سني الإعدادية – تلك السيجارة المتدلية من شفتيه والنظرة (المتمردة) المنبثقة من عينيه..

عرفت فيما بعد أن له “أصولا” جزائرية، ثم عرفت أنه فيلسوف، ثم عرفت أنه رائد مذهب (العبث).. هذه الفلسفة التي تغازل الإنسان المكلوم وتربت على كتفه قائلة: (لا بأس، الحياة عبث أصلا). والحق أن هذه الفلسفة هي (العبث) بعينه، أما خلق الله عز وجل فإنه أكبر وأنزه وأجلّ من (عبث) إنسان يبول ويتغوّط وينسى ويفقد توازنه ويُغلب ويبكي ويشيخ ويحزن ثم يموت.. كائن هذا حاله، لا يُعقل أن يُفسر لنا خلق الخالق، أو (يُصحّحه) كما يدّعي هؤلاء المخبولون..

ثم عرفت بعدها الإلحاد، ففهمت أنه ملحد.. عياذا بالله. فانقبض قلبي، وتشوهت تلك الصورة القديمة التي التقطتها عيناي للكاتب، والتي كانت مزيجا من (التفوّق) و(الدقّة) و(الذكاء) مع شيء من(الوسامة)..

بعدها صادفتني بين الفينة والأخرى مقولة أو اقتباس عميق له.. فكنت أشعر بثقله الأدبي، وأفهم في نفس الآن بُعده (الإلحادي).. فينقبض قلبي من جديد انقباضة أكاد أسمع رجع صداها. وأشعر بما يشبه الأسى لهذا الأديب “الذكي” – الذي ولد لعائلة فرنسية مستوطنة بالجزائر – فلو أنه كان على الحقّ والجادّة لربما زلزل الأوساط الأدبية والفلسفية بأوروبا بدقّته وتفكيره.. ولكنّك لا تهدي من أحببت.

ربما ما كان عليّ أن أقرأ هذا السّفر – أصلا – ولكني أحسب أنني أطفأت فضولا قديما حول شخص الكاتب لا فكره وفلسفته، مع ميولي الشخصية للتأمّل والتحليل – وهو ما يطلقون عليه فلسفة أيضا – إلا أني أكفر بفلسفاتهم جميعا..

كان سِفرا شاملا لمراحل حياة الكاتب وفكره، بطابع أدبي نقدي وعناوين (مسرحية) للفصول.. وفي الكتاب ما فيه من الحشو، ومن العبارات الإلحادية التي تفنن – للأسف – (جبرا إبراهيم) في ترجمتها.. كما لا يخلو من فصول مملة تشقّ قراءتها على النفوس.

وعلى كل حال.. أظنني عرفت سر تينك (العينين) أخيرا، إلا أنّ انقباضي لم يخفّ، بل زاد.. إذ من المخيف أن ترى كيف يهلك (الذكاء) أقواما ويقذف بهم في محيطات الضلال والكفر المتلاطمة ثم لا يخرجون منها !.. أستغفر الله العظيم من شرّ ما قرأت وشر ما فعلت، وأسأله الهداية والثبات على الحق حتى ألقاه.

وأرجو أن لا أقرأ أمثال هذه الأسفار أبدا.

خالد

مقالات حرة

الوصفة الثلاثية


bottles-1640819_640

كم هو سهل أن نربط كل مشاكلنا بهذا الثلاثي الخطير (عقيدة، لغة، ثقافة)..

لماذا كثر في مجتمعاتنا الإجرام والاغتصاب وقطع الطريق ؟ لماذا لا نجيد التواصل والتعبير عن مشاعرنا ؟ لماذا غابت عنا الفصاحة والكلام الجميل؟ لماذا اندثرت الإنسانية بيننا أو كادت ؟

كل ذلك جوابه في العقيدة التي جاء بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وليس عقيدة داعش أو الإخوان أو الطرق الصوفية. بل في هذه العقيدة السماوية المعصومة من الحلول الاقتصادية والاجتماعية ما لم يتفطن إليه الغرب بعد ! والآن تراهم يتحدثون في بريطانيا عن مدارس تفصل بين الجنسين من أجل رفع التركيز والمردودية عند التلاميذ، ومن قبل فكر بعضهم في إمكانية منع الربا لسد الهوة الساحقة بين الفقراء والأغنياء وتفادي الأزمات المالية القاتلة، وغدا يطالبون بالتعدد للحد من تفاقم العنوسة واختلال الموازين واختلاط الأنساب إلخ.. كل ذلك يا حبيبي في العقيدة  الإسلامية وأكثر. فاذهب حيث شئت فلن تجد حلولا لمعضلات الإنسانية، إلا أن تحل شيئا وتدمر آخر !

كذلك لولا اللغة الموحدة التي تحمل تاريخ وضمير كل أمة لاختلفت الثقافات واختلطت التعابير وضاعت المعاني. ومن دون مطالعة وعلم وثقافة لن نواكب العالم وسوف نظل مهددين أبدا بالاستعمار الوحشي الذي هو (اغتصاب) الأمم بعضها بعضا..

ولكن بأي لغة نقرأ ونتعلم إن كنا لا نجيد لغتنا ولا أي لغة أجنبية، إلا عبارات من هنا وهناك نتبختر بها ونتنافس في نطقها ؟! أليس الشاب المسلم العربي لا يكاد اليوم يقرأ فقرة عربية واحدة من دون أخطاء فاحشة ؟ فضلا عن فهم ما وراء التعابير الأكاديمية الملتوية، التي يبرع في استنباطها شباب الأمم الأخرى التي تحترم لغاتها، فتجدهم يعبرون عما يريدون بسلاسة ويتهكمون، ويجيدون التلميح والتعريض وضرب الأمثال.. ويصل قراءهم لأعماق من الفهم والإدراك لا يصلها منا إلا ذو حظ عظيم !

العقيدة، واللغة والثقافة.. منها  أوتينا، وفيها خلاصنا بإذن المولى عز وجل.

خالد

05-09-2019

مقالات حرة

لو كانت كسرة خبز تكفي..


bread-food-olives-62313

لعل ما يكفيك من مؤونة الحياة أقل مما يخطر على بالك، وأنت تحمل همّ ثروة لا قبل لك بها !.. لعلها كسرة خبز، وسادة وجرعة ماء باردة.. وأنت تُقيم الدنيا ولا تقعدها، وتستنفر نفسك وأعصابك استنفار الحرب، إذ ترى عند الناس ما عندهم من زخرف كثير عبثي، لا يملأ النفس إلا مرضا وغُثاء، ولا يزيد التافه إلا تفاهة، والبعيد يزيده بعدا..

وإلا.. كم من المنعّمين ازداد بنعيمه تقوى ؟ قل لي.. كم منهم ازدادت نساؤه عفافا وسترا ؟ كم منهم أحسن كما أحسن الله إليه ؟ كم منهم أعطى عطاء من لا يخشى الفقر ؟.. كلا، بل كم منهم لا يسرق الفقراء ؟

لعل الدنيا أبسط مما نذهب إليه يا صاحبي.. فترة عبادة قصيرة مع لقيمات تقيم صلبنا وجُرعات ماء، ومتع ممزوجة بالمشاكل. ثم طلب علم ومعرفة يليها عمل.. فقط. ونحن جعلنا منها حربا شعواء مستعرة، وسباقا طويلا لاهثا لجمع هذه الأوراق البنكية بحق وبغير حق..

فأما الحق فهو إرادة الحلال من المأكل والمشرب والزوج.. وحتى ذاك ما كان ينبغي أن نحرص عليه شديد الحرص، فالأرزاق مقسمة شئنا أم أبينا، ولو كان الغنى بالجُهد الجهيد لاغتنى كل هؤلاء التجار بل كل من تلقاهم في طريقك من أولئك الجاحظة أعينهم من الحرص، الآكلين كل ما يطؤون من أخضر ويابس، فما لهم لم يغتنوا ؟

حتى الرزق الحق المشروع لا ينبغي  أن يُذهلنا عن العبادة التي هي الغاية من خلقنا. وما أكثر ما نتورّط – بدعوى الحلال – في (حق أريد به باطل).. وأما إرادة غير الحق فظاهرة لا تحتاج تبيانا.

فماذا لو رأى المرء الحياة بسيطة كما هي في الأصل ؟ وأي سعادة وهناء يجدهما بإذن ربه لو كانت الكِسرة من الخبز تكفيه، ورقعة الثوب البسيط تُرضيه، وجُرعة الماء الزلال ترويه؟ ولديه فوق ذلك كثير..

وليُسألنّ عن النعيم.

رفعت خالد

29-08-2019

مقالات حرة

ظاهرة رياضية


ChoufTV-81-600x314

على الرغم من أن الرياضة رياضة آخر الأمر، يبقى منتخب المغرب من أغرب الظواهر الرياضية في العالم.. تقريبا كل قواعد الفيزياء والمنطق والحظ والسبب والنتيجة حطمها باقتدار !

إلى جانب التقصير والأخطاء التي يرتكبها كل بني آدم، فكل ما يمكن أن يعترض طريق الفوز أمام هذا الفريق تراه يتجمع ويتخندق في ظاهرة محيرة !.. القرعة التي تضعه دائما في (مجموعة الموت).. آلاف الهجمات الضائعة – وبعضهم يلمسها بأنفه فتدخل -.. الكرات المصيرية التي تتفنن في ضرب العارضة – وبعضهم تضرب كرته العارضة لكن بزاوية منحرفة قليلا فترتد إلى داخل الشبكة -.. تقنية الفيديو التي تصير عمياء فجأة أو يعود الزمن إلى ما قبل اختراعها !.. التسللات الوهمية، الأهداف الملغية لأسباب غامضة، الانهيار النفسي المفاجئ لواحد من أحسن لاعبي العالم الذي تفاخر به الفرق.. المغادرة المفاجئة لآخر حصل على أعلى معدل تهديفي عالمي في موسمه قبيل لحظات من بدء البطولة لأسباب يمتنع عن التصريح بها، على سبيل التشويق ولكي لا يسجل سلسلة أهداف تكون سببا للظفر بالكأس طبعا..

أقول.. مادام السحر كائنا فلربما…

خالد

 

بقايا القراءة

لأنه الله سبحانه


31938356._SX318_

كتاب خفيف منعش يذكر بالله من خلال حديث مباشر مع القارئ فيما يسميه البعض بالمواعظ والخطب، ويذمها بعضهم أشد الذم لست أدري لماذا !.. ولو كذب عليهم روائيون بأحداث يعلمون أنها كذب أصلع يصفقون بحرارة. لكن أن تذكرهم بالله وبالغاية من وجودهم.. هذا لا يطيقونه..

الكتاب يشبه إلى حد كبير كتاب (لا تحزن) الشهير.. الكثير من القصص وبعض الأبيات.. إلا أني أؤاخذ على الكاتب جزاه الله خيرا بعض السطحية والتكرار، وكونه لم يركز كثيرا على تأصيلات العلماء الكبار لأسماء الله الحسنى وإنما اكتفى بما يجود به خاطره وعاطفته.. فجاءت بعض الفصول التي اختص كل منها باسم من أسماء الله الحسنى متشابهة تقريبا ففصل (الحفيظ) لا يختلف تقريبا عن فصل (القريب). وهذا كما أسلفت لعدم اجتهاد الكاتب الكريم في ذكر تعريفات العلماء الكبار وتأصيلاتهم الدقيقة والاكتفاء بالكلام العاطفي وليد اللحظة..

ولكنها في ظني جرعات لا بأس بها لطائفة كبيرة من القراء المبتدئين في العالم اللذيذ لكتب الدين.. وأنا منهم.

خالد
بقايا القراءة

مرحبا.. تحولتُ إلى حشرة!


Untitled

“إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب، وجد أنه قد تحول، وهو في سريره، إلى حشرة عملاقة”.

هكذا صدّر (فرانتس كافكا) قصته الطويلة (التحول) أو (الانمساخ) في واحدة من أغرب الجمل الافتتاحية في الأدب البشري.. وهذه في ذاتها لفتة عميقة ساخرة و(عبثية). قد تُثير الصدمة والإعجاب في نفوس الكثير من القراء (المتذوقين)..

لكن بعد ذلك – ولربما سوف أحرق الأحداث لمن ينوي قراءتها – أكملَ الكاتب قصته بشكل عادي كما لو كان بطل القصة استيقظ ليجد أن الوقت تأخر أو الشتاء ينهمر أو أي حدث عادي ممل.. ولعلّ ذلك أيضا مُتعمّد لتظل المفارقة العجيبة ملازمة للقارئ طيلة القصة.

الغريب كذلك أن البطل نفسه بدا غير واع تماما بما حدث له، هو فقط يصف بعض الكآبة والانزعاج لما آل إليه حاله ! وإن احتفظ بذاكرته ومعارفه كاملة، لكن الكاتب لم يُشر حتى لهذا.. أي لم يقل في جملة أو كلمة مثلا أن (غريغور) فقد إدراكه بجسمه أو شيئا من هذا القبيل !

أما أعمق وأبدع ما وجدتُ في القصة بعد ذلك – على سوداويتها المطلقة وكابوسيتها – هو يوميات غريغور الحشرة بعدما رأت عائلته ما حلّ به، والنفور الذي دبّ في قلوبهم رويدا رويدا.. هذا لعمري من أغرب المواقف التي قرأت على الإطلاق، ولا أدري أين أصنّفها، ضِمن أدب الرعب أو ضمن الفانتازيا أو هي مما يدعونه (السحرية الواقعية).. لا أدري.

يتفاقم النفور والإهمال من طرف العائلة التي اتضح أنها كانت ترى في غريغور مورد رزق أكثر من أي شيء آخر، وهذا مؤسف جدا.. ورغم بعض الحنان الذي قد تلمسه في الأخت التي أخذت على عاتقها تنظيف بيت غريغور وإطعامه، وخصوصا حنان الأم وحرقتها. إلا أن كل ذلك يتلاشى مع اقتراب النهاية، وينتصر النفور على كل تعاطف وود.. وإنه حقا لموقف يصعب القطع فيه.. ماذا تصنع عائلة مع ابنها الذي تحول إلى حشرة ؟ أتستمر في رعايته أم تتخلى عنه ؟ ونحن نرى في الواقع أسرا تتخلى عن أبناء معاقين.. أو معافين حتى !

ثم لا أنسى القسوة التي وصف بها الكاتب والد غريغور الذي لا يتوانى على أن يسدّد إليه ضربة مؤلمة كلما رآه، لاسيما وقد كنتُ قرأتُ من قبل عن علاقة كافكا – نفسه – المتوترة مع أبيه، كما أن هذه الترجمة من (منشورات الجمل) تضمّ مقالا تحليليا بنهاية الكتاب عن (ملابسات) كتابة القصة، جاء فيها أن والد كافكا كان ينعته (بالطفيلي) بسبب انعزاله الشديد وميوله للكتابة والأدب، ولعلّ ذلك ما حزّ في نفس كافكا ودفعه لكتابة هذه القصة (الشنيعة) !

وتبقى هذه (النوفيللا) – على كل حال – من أعجب ما قرأتُ في الأدب العالمي.. وإنها – على شناعتها وأحداثها الكابوسية الأليمة – لا تخلو من عُمق ورمزية فلسفية مدوّخة. باستثناء النهاية التي لم تُحسن ختم هذا العمل الفريد، إذ جاءت باهتة ومبتورة كأن الكاتب قرّر فجأة وضع القلم !

خالد