مُعاشرة النفس


قبولُ عيوبنا وتفهّمها مهمّ جدا في عملية الإصلاح كما يقولون.. فكأنه نوع من (الاستسلام) المؤقت.. “أنا هكذا، فليكن !“. ثم بعدها يأتي التدرّج. ولا يوجد – فيما أعلم – مقياسٌ لهذا التدرّج، فربما تظهرُ نتائج الإصلاح بعد أسابيع فقط، وربما شهور أو سنوات.. أو لعلّ المرء لا يوفق إلا قبل موته بأيام قلائل، علم ذلك عند البارئ عزّ وجلّ.

المهم دائما هو العمل وليس النتائج.. العمل هو حياة المرء نفسها، أما النتائج فأشبه ما تكون بحفل توزيع الجوائز، الذي يدوم كما يدوم العصير في الكؤوس الموزّعة بالحفل.. لحظات، ابتسامات، هزّات رأس مُتفهّمة.. هذا كل شيء.

يجب – إذن – أن نُعطي للمعاناة والتّعب قيمة وهيبة.. هذه أشياء لابدّ منها، كما لابدّ لنا من هواء لنستمر في الوجود.. قوانين كونية شاء الخالق العظيم – سُبحانه – أن تكون. ولا رادّ لحُكم أبرمه، وهو أحكم الحاكمين.

وما دام الإنسان يعمل ويعرق ويُكابد، مُستعينا بربّه، متوجّها للحلال، مُعرضا عن الحرام.. فلا بأس أن يرحم نفسه ويُسامحها إذا عثرت في واجباتها الدنيوية، ويستغفر الله عزّ وجلّ ويتوب إليه إذا عثرت في واجباتها الأخروية، ويستغفره على كل حال.. أما القسوة والفظاظة فمذمومة مع النفس كما هي مذمومة مع الغير.. فكما أنّ الآخرين ينفرون من غليظ القلب، كذلك نفسُ الإنسان الفظ قد تنفر منه، وذلك أشدّ وأنكى !

والهدف يبقى إصلاحُ هذه النفس الجموح دون خسارتها، والسموّ بها لا محاكمتها، والقوامة عليها مع حُسن معاشرتها..

خالد

06-05-2018

Advertisements

تحدّي الإيجابية !


2

الإيجابية فنّ وموهبة..

كيف يقدر المرء أن يحافظ على الإيجابية وسط سلبية مجتمعاتنا العمياء ؟.. هذا – بالضبط – هو السؤال الذي يجعل من يجد له جوابا فنانا موهوبا.

الإيجابية ليست خداعا أو لا واقعية كما يُخيّل لكثير من العوام، ولكثير من المثقفين والفلاسفة، ولي – أنا نفسي – أحيانا !.. إنما هي فنّ تسليطُ الضوء على بُقع مختارة رغم اهتزاز الأرضية.. فنّ استخراج الفرص من الأنقاض والمتلاشيات، فنّ التغافل والتظاهر بعدم الفهم في أوقات بعينها !

وهذا على بساطته الظاهرية ليس بسيطا أبدا – في الحقيقة – إذا ما نزلت لواقع الناس ومشيت في أسواقهم، وتأمّلت حركاتهم وسكناتهم، واستمعت لكلامهم وسبابهم، ورأيت غشّهم وخداعهم..

ليس كل عاطل عن العمل بقادر على الحفاظ على إيجابيته مع توالي أعوام البطالة، وليست كل عانس تقدّم بها العمر حتى ترهّل الجسم تُطيق مزيدا من الإيجابية.. ولكنه تحدّي الحفاظ على التوازن وسط المزعجات الخارجية والمحبطات الداخلية.. لعبة تسليط الضوء على ما يستحق الاستمرار في الحياة، وإنه ليوجد فينا من له هذه الموهبة.. وهذا أجمل ما في الأمر !

الثقافة أحيانا وكثرة التفكير الذي يشحذ الإدراك قد يُنقص هذه القدرة الطبيعية على حفظ التوازن.. وكم من أديب كبير كتبه كلها – بلا استثناء – تقطر بالسلبية المركّزة، لحد يُشعرك بعدم واقعية ما يكتب، فترى انحرافا واضحا جهة الشمال، ومجاوزة كلية لحدود المعقول..

الحياة ليست بكل هذا السوء مهما أصابنا من جروح، ولو كانت كذلك لما استمرت من الأساس، ولانتهت منذ آلاف السنوات، وما وصلت إلى هذا الكاتب المترف حتى يحمل قلمه ويكتب عن سواد الدنيا المطبق !

كذلك العقيدة الضعيفة والثقة المهزوزة في الله – عز وجلّ – تنتهي بالمرء إلى عبثية في التفكير، ولا منطقية في الأفعال والأقوال.. لأن الحق ليس بعده إلا الضلال.

فكأني بهؤلاء الكُتّاب – وما أكثرهم – يكتبون عن عالم جاء صُدفة ويستمر بمحض الصّدفة ! وكأني بهم يتجاهلون – أو لا يؤمنون – بإله عظيم أوجد هذا الوجود البديع المتقن، وهو من يُدبّره ويحكم صغيره وكبيره. وإيجاده هذا الكون دليل على مدى حكمته البالغة وعظم رحمته الواسعة، وداع للإنسان ليأمل في أن يجعل – سبحانه – النهاية سعيدة لكل من آمن به، وعظّمه وبجّله، وأقرّ بربوبيته وألوهيته، وسمّاه بأسمائه العليا ووصفه بصفاته الحسنى، وصبر على إيمانه وحافظ عليه، ولم يستسلم لمصائب الدنيا، ولم يتركها تجرفه بعيدا عن دائرة الإيمان، فيتنكر له وينسلخ منه ويركض في حقول مُظلمة مخيفة من العبث والسلبية !

رفعت خالد

29-04-2018

 

ما أسخف كلماتي وما أعمقها !


the_last_paradox_by_mihai82000-d36tke1

لعل من المفيد – أحيانا – أن يُشكّك المرء في تفسيره للواقع المُعاش، لاسيما وهو يرى هذا التضارب المهول في تفسير ما وصلت إليه حياة البشر اليوم !

هناك من لازال يقول أن الحياة جميلة ! وهو رأي غريب على كل حال. حتى أن بعض الناس من المبتلين ابتلاءات شديدة – تخشى مجرد ذكرها – قد ينقضّ على من يُصرّح بهذا الرأي ! ومن الناس كذلك من يُصرّ – إلحاحا – على رأي أبي العلاء المعريّ وشوبنهاور وسيوران: (الحياة شرّ كلها، ليتنا ما وُلدنا، ليتنا نموت..).

وبغض الطّرف عن خطأ كلا الفريقين عندي، فإن تأرجح مؤشر الجمال والبشاعة أمر يستحيل ضبطه بضابط يفهمه البشر.. هناك توازن في اللاّتوازن ! كوميديا في المأساة، شهوة في البغض، خوف في الحبّ، إلخ.. وحتى طريقة استقبال الكائن البشري لهذه الموجات المتراقصة من المشاعر والأحداث والحقائق وتفاعله معها، ثم ما يصدره – بعدُ – نتيجة لهذا التفاعل من ردود أفعال وقرارات، حتى هذا لا يقل غرابة واستحالة للضبط ! وهكذا يجد المرء نفسه بعد عشرات السنوات جالسا مكانه – كما بدأ – يتأمل الحياة بشرود عاجزا عن لمسها لينظر إن كانت ساخنة أم باردة، رطبة أم خشنة !

لا نعرف شيئا مثل (الدنيا) يحمل كل هذه المتناقضات كالفقر الفادح والغنى الفاحش، الغباء المطبق والعبقرية المذهلة، التضحية المتفانية في سبيل العقائد والخيانة الشيطانية للأمانات، رغبة الانتحار وغريزة البقاء التي تمسك في الوجود، وتغرس فيه مخالبها ألا يُفلت منها !

ثم.. كيف حافظت البشرية على شهية الحياة، رغم هذا القطار الطويل من الأحزان والمصائب الذي تجره وراءها وتلهث من ثقل ما تجر ؟ ومع أن الإيمان بالله – عز وجل – يصنع العجائب ويهوّن الموت والحياة، ويدفع المؤمن للتضحيات الجسام، إلا أنك قد تجد أناسا كُفّارا أو جُهّالا لا يفقهون حتى معنى الإيمان، تجدهم يعملون أعمالا مهينة كتلميع الأحذية أو تقليم الأظافر، لا تدري كيف يصبرون عليها !.. ومع هذا البؤس الذي هم فيه تراهم ممتلئين بالحياة والضحكات والشهوات !

ما أقوى الإنسان وما أضعفه..

ما أبسط الحياة وما أعقدها..

ما أسخف كلماتي هذه.. وما أعمقها !

خالد

15-04-2018

 

عن رواية (شآبيب) للراحل أحمد خالد توفيق


37911553

كتبته قبل وفاة الدكتور رحمه الله.. لذلك قد تكون فيه بعض القسوة في النقد، ولكن يكفي أنه نقد صادق إن شاء الله، وهو الأهم. ويعلم سبحانه كيف تلقيت خبر وفاته، رحمة الله عليه وعلى جميع موتى المسلمين…

فكرةُ الرواية لا يمكن اتهامها بالسطحية كشأن مجمل أفكار الكاتب وتجاربه القصصية.. وهو أشدّ ما يجذبني في كتاباته. أنت تعرف مسبقا – إن شاء الله – أنك لن تملّ ولن تجد تصنّعا كما عند أكثر الكتّاب المتهافتين على الشهرة بأي سبيل كان..

أن يصيب العرب ما أصاب اليهود من اضطهاد وتشرذم، وهو ما نرى بوادره الآن للأسف، ثم يضطرون (لاختلاق) تاريخ مزيف لاستيطان جزيرة يسمّونها (شآبيب) ويقهرون سكّانها الأصليين بمباركة من المجتمع الدولي الذي يسعى للخلاص من العرب.. هذه فكرة عميقة لابد أن تدفعك للتأمل.

سبك مُتأنّ ومتقن لفصول القصة، إذ وضع الكاتب في مطلع الكتاب مشهدا غريبا من النهاية المأساوية، ثم باشر بجمع الخيوط التي تنتهي عند ذلك المشهد..

لكن لماذا أشعر أن الدكتور فقد الكثير من حماسه المعهود وسخريته المحببة ؟ هل هو العمر ؟.. كأن وراء الكلمات روحا منهزمة خاملة.. وذاك التمطيط في الكلام وتكرار بعض الأحداث والأفكار بشكل غير معهود في كتابات الدكتور، ما سببه ؟

ثم متى نقرأ لك يا دكتور – ولن نقرأ أبدا ! – فكرة لا تكون سوداء مطبقة السواد ؟ أم أنك مصرّ على مذهبك العبثي هذا إلى آخر قطرة مداد تسكبها ؟ أعتقد أن ما سوّدته لحدّ هذه الرواية الخامسة كافٍ جدا.. قد وصلتنا الرسالة، شكرا. هل لديك الآن شيء آخر غير قولك (الحياة شر) ؟.. (رحمة الله عليك).

أما رأيُ الدكتور في الدين والتديّن فكما عهدته متدنّ، متهافت.. ظنون سيّئة، وشكوك ينثرها هنا وهناك على ألسن شخوصه، ما يدلّ – للأسف – على نقص اطلاع الدكتور في هذا المجال، وذلك عندما يهدم مفهوم الدولة الدينية – أو الثيوقراطية – كما طاب له أن يسمّيها، دون أدنى محاولة إقناع أو برهنة.. هكذا، لأنها لا تروق له، أو لأن الغرب لا يتبنّاها.. ومن قال أن الإله الذي خلقنا – سبحانه – ينتظر رأيك في إقامة الدين من عدمه ؟ أم أنه – جلّ جلاله – قدّم لنا مقترحا لنا أن نقبله أو نردّه ؟

أعرف أن بعض القراء لا يبالون بالمسألة العقدية ولا يريدون إزعاج عقولهم بها.. لكنها عندي في المقام الأول، وستظل كذلك دائما إن شاء الله..

عن كتاب (أدباء من العالم)


25222333

هذا نموذج قريب جدا لكتاب السير الشخصية لمشاهير الأدباء، الذي كنتُ أمنّي النفس بقراءته منذ زمن ليس بالهيّن !.. كنتُ أحاول أن أفهم كيف جمعوا بين مصائب الحياة ولحظات الإبداع ؟ كيف قرنوا الألم بالأمل في تحقيق ما لم يُحققه أكثر البشر ؟ كيف منعوا المرض من إطفاء جذوة العبقرية المشتعلة بداخلهم ؟ ثم ذلك السؤال المخيف الذي يظل معلقا دائما أبدا: هل تكون هذه المصائب غير المعتادة السبب المباشر لنبوغهم أصلا ؟.. لا تدري أبدا.
وبغض النظر عن عقائد هؤلاء الكتّاب والشعراء – الخاطئة في الغالب الأعمّ – وبغض النظر عن الانحراف الخُلقي الحاد لبعضهم، حاولتُ تأمّل الجانب الإنساني والنفسي منهم فحسب..لأواصل طرح تساؤلاتي: أليس من العجيب أن التاريخ لم يحفظ إسما واحدا من ملايين الدكاترة والأكاديميين في اللغات واللسانيات الذين تعجّ بهم الجامعات، وحفظ اسم شاب فقير مضطرب نفسانيا، طُرد من جامعته وأسرته بالتبني وكلّ المكاتب التي حاول العمل بها !؟.. ولكن التاريخ يحفظ اسمه رائدا لمدرسة أدبية قائمة بذاتها، لازالت تُدرّس إلى يومنا هذا منذ ما يفوق القرن من الزمان.. وهو الشاب الأمريكي التعس (إدغار آلان بو) ! أين المنطق هنا ؟.. لا منطق.
وأين المنطق في كون شاب يافع منحرف متمرد ومتشرد، لم يجاوز سنه السابع عشر بعد، ولكنه يكتب قصائد تعدّ من أعجب وأعمق ما في الشعر الفرنسي !.. ثم إذا به يسخر من شعره وشعراء عصره ويسبهم في صالوناتهم ويترك – فجأة – الكتابة والوطن وكل شيء بعدُ، ليبقى النقاد الأكاديميون المتأنقون حيارى أمام هذه القصائد البديعة التي ترك !.. لا منطق.
هذا المزيج الساحر بين المأساة الشخصية والعبقرية الأدبية الخارقة لا أشبع من قراءته وتأمله، لأنه يحطم كل غرور بشري، وكل قانون متحذلق يحاول الأكاديميون تثبيته.. إنه أشبه ما يكون بالمعجزات والاستثناءات التي تكسر القواعد.. إنه لغز العقل البشري الذي يحيل مباشرة لعظمة خالقه اللامتناهية.
هذا ما وجدته في كتاب (أدباء من العالم)، مع العرض المذهل لكل شخصية من خلال حوارات متخيلة، ومشاهد مبنية على وقائع وقعت فعلا في حيواتهم، حتى لكأنك تشاهد فلما وثائقيا تمثيليا لحياة كل كاتب منهم، فترى المآسي العجيبة والقرارات المتهورة والتناقضات الصّارخة والنهايات المفجعة..
إنها مشاهد تلهب قلب القارئ ووجدانه، لاسيما الذي يحمل بذرة الكاتب بداخله.. 

خالد

أنونيموس


Anonymou-NASA-about-to-announce-Alien-life-640x371

كتبتُ اليوم بعضا من مميزاتي وعيوبي.. تلك اللعبة المعروفة التي قد تبدو مملة في بدايتها، لكنك لا تلبث حتى تحسّ بمدى عمقها وتأثيرها حين تصل أغوارا بداخلك لم تصلها منذ أمد طويل، في بحث دؤوب عن حقيقتك، وما يجعلك (أنتَ) بالشكل الذي تعرف به نفسك ويعرفك به الآخرون..

سوف تفاجأ – حتما – بميزات أنساكها تعاقب الليل والنهار، ولسوف تصدمك عيوبٌ تجدها مختبئة بمكر في داخلك، كأنها أفاع سامّة يمكن أن تنهي حياتك في أي وقت ، ما لم يُسعفك الرحمن برحمته ويعينك على التخلّص منها !

تتكلم كثيرا عن الإيجابية والأمل، لتجد أنك سلبي في الحقيقة ! تتكلم عن النظام، وتُنفق الساعات في عرض أهميته وفوائده، ولكنك لازلت فوضويا للأسف.. تريد الانفتاح على العالم واستكشافه وتعلم ما فاتك منه، ولكنك سجين وحدتك لا تزال !

ثم من يعترف بعيوبه أصلا ؟ ربما لا يعترف بها بعض الناس حتى أمام المرايا !.. لذلك يتعذر قياس مثل هذه الأمور إلا ما كان منها باديا، مثل النظام الظاهر والهندام الخارجي والأخلاق التي يُعرف بها الإنسان، أما غير ذلك من الصفات الحقيقية المتأصلة في المرء فهو بها عليم والله تعالى أعلم. فكم من قاتل ومغتصب أطفال يمشي بيننا متأنقا متعطرا يلقي التحايا ويردها بكل أدب !

عرفتُ أشخاصا في فترة دراستي كانت بيوتهم مثل المزابل العمومية تقريبا ! حتى أن بعضهم كان يرمي بقايا الخبز وأعقاب السجائر فوق أرضية بيته، وأسفل سريره فصارت أزقة المدينة القذرة أنظف وأرقى من بيته ! أما في العالم الخارجي فهو من أوسم الشباب وأشدّهم تأنّقا وجاذبية، وكانت بنات الجامعة يملن إليه ميلانا عظيما ويُفتنّ به افتتانا !

خُدع كبرى محبوكة بعناية.. حتى صار المجتمع البشري أشبه ما يكون بأولئك القراصنة في المجتمع الرقمي.. (أنونيموس)، حيث لا تعرف هوية المتكلم ولا حقيقته.. فقط وجوه باردة، وعيون فارغة، وشوارب ولحى مشذبة، ونظارات براقة، وابتسامات صفراء قاسية.. يعلم الله من يقبع وراءها !

بتعبير آخر.. هي أزمة هوية مستفحلة يعيشها الإنسان، بشقيها الفردي والأممي، إلا من رحم ربي، وقليل ما هم..

من أنت ؟ ما عقيدتك ؟ ما لغتك ؟ ما تاريخك ؟.. ما هي عيوبك وما مميزاتك ؟؟

رفعت خالد

07-04-2018

رحمك الله يا معلمي..


عيناي تذرفان دموعا بلا إذن مني !

تلك اللحظات من العرفان بالجميل.. وإن كان عرفانا متأخرا.

لحظات وقوفك على استحياء أمام معلمك الذي تعدّه الأفضل في مادته، بل ربما كان عبقريا غير مسبوق في فنه !

راسلته مرة، وعرفّته اسمي وكنيتي فقال – رحمه الله -: (هل يناديك الأصدقاء خالد أم المزوضي) ؟

سميتُ نفسي بنصف تسمية شخصيته العجيبة (رفعت إسماعيل)..

رحم الله من علّمني فنا اسمه الكتابة، وحبّب إليّ عادة تُدعى القراءة..

د. أحمد خالد توفيق.

رحمه الله رحمة واسعة وغفر له مغفرة لا تغادر خطيئة ولا ذنبا.

آمين.

 

زنازن مُكيّفة !


Empty-desks

 هذا النظام المهني الحديث ما أشنعه !

لا أكاد أشكّ أن أكثر أصحاب السيارات الفارهة التي تمرّ علينا كل حين، حتى ربما خُيّلت إليك نظرة شماتة في كشافاتها الأنيقة ! دفعوا ثمنا لها أكثر من مجرّد أوراق بنكية مرصوصة ومربوطة بشرائط مطاطية.. دفعوا ثمنا باهظا من أعصابهم وصحّتهم النفسية والبدنية، وربما العقلية أيضا !

أن تعمل تحت إشراف بشري يعني – غالبا – أن تعمل تحت مطارق تطرق رأسك صباح مساء بلا رحمة ولا هوادة ولا مراعاة لأدنى حقوق الحيوان في بعض الأحيان.. ولن يعطيك أجرتك حتى يتأكّد من خروج آخر قطرة من عرقك، واستهلاك آخر خلية دماغية من خلاياك !

هؤلاء البشر..

ليت المرء يُوفّق لعمل تجاري بسيط يسدّ حاجاته الأساسية فحسب، ثم ينجو من صُنوف العذاب النفسي الذي تُسببّه هذه الكائنات الجشعة الظالمة.. إلا ما شاء الله.

أليست نعمة عظيمة أن تكون رئيس نفسك ؟

نعمة وما أدراك ما هي.. حياة زاهية !

ثم نحن نتحدث عن (أتعاب) العمل والتنقل والساعات الإضافية.. ماذا عن أتعاب الأعصاب المحروقة ؟.. وأتعاب الروّح ؟ بل ماذا عن ثمن ما يضيع من أجر العبادات بسبب المكوث ما بين شروق الشمس إلى غروبها في تلك الزنازن المُكيّفة ؟.. هذا بفرض أن لذلك ثمن يمكن تعويضه !

ولكنه خوف الإنسان من الفقر والضّياع والحرمان ما يجعله يُطأطئ الرأس ويحمل أثقالا على ظهره صابرا كالدابة التي لا حول لها ولا قوة.. خوفه الذي سببه ضعف الإيمان دائما، وتدنّي الثقة بالله عز وجل والتوكّل عليه وقد خلقه ورزقه مذ كان لحمة هشة مكورة في رحم أمه التي لم تملك أن تُطعمه أو تسقيه ! فكبر وصار هذا الكائن الحديث الذليل الذي يرتدي ربطة عنق ويجري في الطرقات مذعورا، ليلتقم أول ثدي يعثر عليه..

خالد
19-03-2018

المنطق الأحول !


Myopie

بسم الله الرحمن الرحيم.

أعجبُ من الناس – أكثرهم إلا من رحم ربي – كيف لا يتكلّمون إذا تكلّموا في الدين إلا وهم يذمّون التشدّد ويمدحون الاعتدال ؟.. حسب مفهوم التشدّد عندهم ومفهوم الاعتدال، وهي مفاهيم خاطئة في الغالب بنصّ القرآن وصحيح السُنّة، وعمل النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام الذين أقرّ الله ما هم عليه من فوق سبع سموات !

كيف وهم يعلمون أن المشاكل العويصة التي تتخبّط فيها مجتمعاتنا الإسلامية اليوم ليس على رأسها التشدّد، وليس الغلوّ في أعلى قائمتها كما يزعم بعض المنظرّين.. إنما هي الشركيات والكفريات والبدعيات والمخدرات والصيحات الغريبة والدعوات المريبة.. وهذا بادٍ لكل من ألقى بصره وهو شهيد !

ثم إن من يقولون بهذه المقالات يعلمون تمام العلم ما فعله بهم بُعدهم عن الدين في أيام الشباب ولياليه ! ويعلمون كم أخطأوا وكم ظلموا بسبب تقصيرهم في الدين، لا بسبب الغلوّ فيه ! وبسبب القرب من الفواحش والغواني والمعازف واللّهو المحرّم لا جرّاء البُعد عنها !

فكيف يعلمون ذلك علم اليقين، ويعلمون ما أصاب بعض أولادهم وبناتهم من هذه الفتن التي تؤرّق الغربيين قبل الشرقيين.. ومع ذلك يُصرّون على جعل كلّ كلامهم، وأكثر شُغلهم في نقد صاحب اللحية والقميص، وصاحبة الخمار والنقاب، والذي لا يقرب المعازف، والتي لا تصافح الرجال، والذي لا يعلّق الصور، والتي تمتنع عن العمل وسط الذكور.. على قلّة هؤلاء ونُدرتهم، وهم – والله – على الحقّ المُبين !

يذمّون هؤلاء أشدّ الذمّ وأقذعه، وَيَدعون لنمطهم من التديّن – الذي يعدّونه تديّنا – وكأنّهم نجحوا هم في دينهم ودنياهم وزيجاتهم وأخلاقهم وتربيتهم لذرّياتهم وجميع شؤون حياتهم ! ولا تجد فيهم رجلا رشيدا – إلا من رحم الله – ينتقدُ نمطه (غير المتشدّد)، ويُشكّك فيه ويعترف أنه ما رأى منه إلا الشرّ والخُسران، والشحناء والعدوان، والفشل في حياته الزوجية وغيرها.. إنما تجدهم يبصمون بالعشرة على نظرتهم الانتقائية للدين والتديّن ! بلا دليل ولا برهان، اللهم إلا شُبهات وأنصاف أحاديث وآيات يرددونها كل حين، بعد أن بتروها وأفرغوها من معانيها، ثم ركّبوها في منطقهم المادّي الميكيافيللي المقيت..

لا بل إن الدلائل من الكتاب والسُنّة تناقضُ نمطهم هذا الذي يسمّونه (اعتدالا) ! والاعتدال في الحقيقة أسمى وأعمق مما يظنون.. فإذا لم يستطيعوا بترا ولا ليّا لهذه الدلائل الواضحات ادّعوا أن فهم غيرهم خاطئ والسلام ! بلا توضيح أو تصويب لهذا الفهم، تصويبا علميا شرعيا لغويا دقيقا.. وإنما (رمتني بدائها وانسلّت) !

وكأن معنى (أعفوا اللحى) التي أمر بها رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – المسلمين وهو قائدهم وقدوتهم، وطبقّها عليه الصلاة والسلام وأقرّها وأنكر على من تركها، كأنّ معناها عندهم: (أعفوا اللحى يا مُتشدّدين إن شئتهم، ولا تفعلوا يا معتدلين يا خير البشر !).. أو كأن التفسير الصواب للآية الكريمة: (وقرن في بيوتكنّ) هو: (وقرن في بيوتكن قليلا، واخرجن كثيرا، واعملن وسط الرجال غير مباليات بما يقوله المتشدّدون، ساء ما يقولون) !

تا الله إني لا أفقه شيئا من هذا المنطق الأحول ! أعاذني الله وإياكم من الحَوَل.

وإنه كما قال أخي وصاحبي الأديب والشاعر الجزائري (إسماعيل البسكري):

أقلّوا لومّكم قومي فإنّي…رأيتُ النّاس في أمرٍ عجيب
أعبتـم لحيتي وسواك سـني! … بغضِّ الطّرفِ عن صور الصليب!
أأوْغَــرَ صدرَكم تقصيرُ ثـوبي؟ … وسوقُ الغيد في كشفٍ مَعيب!

رفعت خالد المزوضي

24-02-2018

الحارس في مجتمع الزّيف !


29565224

بسم الله الرحمن الرحيم.

مثل عنوانها بالضبط الرواية غريبة و(مستفزّة) وغير معتادة البتة!

الحق أنها رواية بذيئة وقحة، وقد كُتبت بالعامية الأمريكية الفجة، وبطريقة الشباب الغاضبة في الكلام والتعبير، ولكن من الصعب – مع كل هذا – أن تتجاهل العمق الذي كُتبت به والطاقة النفسية (الدرامية) العجيبة التي تحملها صفحاتها !

هي رواية )التمرّد( على كل شيء، حتى على ما لا ينبغي التمرّد عليه للأسف، وهو الإيمان. وإن كانت الرواية لم تذكر ذلك إلا بشكل عابر، ولكنها أولى وأهم اعتراضاتي قبل بذاءة الرواية وقبل كل شيء آخر. فقد أنست شهوة التمرد الكاتب الحكمة والتعقل، وإعطاء كل شيء حقه. حتى صار يتمرد لأجل التمرّد فحسب.. وهذا ما يروق لكثير من الناس. فيعدّون كل متمرد بطلا، بغض النظر عن موضوع التمرّد !

إلا أن المثير هو كيف وصف الكاتب عبث الشعب الأمريكي وزيفه، وكيف أشار إلى تصرّفات بشرية دقيقة قلّما يُنتبه لها، ولذلك أعتقد أن أسلوب الرواية كان جديدا تماما في الخمسينات، بل إنه يكاد يكون جديدا حتى لقارئها اليوم لغرابته وصراحته وانصرافه إلى ما لا يُعبّر عنه الناس عادة.. فإنه يندر أن تجد من يقول لك مثلا: (ضحكتُ حتى شعرت بتقزز ورغبة في التقيّؤ !) لأنه يبدو شعورا غريبا، وحتّى لو خطر على بعض الكتاب فإنه سيتفاداه أغلب الظن لغرابته وشذوذه.. ولكن سالينجر يكتب بهذه الطريقة حتى تشك أحيانا أن الشخصية تعاني من اضطراب نفسي، ولكنه لا يبالي كأنما هو يتحدى كل النقّاد والقراء، ويتمرد على كل معروف ومتداول.. مع رفضي لبعض تمرّده طبعا.

شخصية (هولدن كولفيلد) أثّرت – كما قرأتُ – أثرا بالغا في الشباب الأمريكي لاختلافها الجذري عن كل المكتوب حينئذ، فكأنه صوت جديد خرج لأول مرة من بين مجاملات الكتاب، ليتكلم باسم الشباب الغاضب الذي لا يفهم طريقة العيش المتعارف عليها هناك، ويحكي عن الزيف الكبير المسكوت عنه بين الناس الذين يقبلونه على أنه واقع لا يُناقش..

(هولدن) شخصية صريحة للغاية، سريعة الملل، دقيقة الملاحظة، ساخرة و(رشيقة) – إن صحّ التعبير – والأهمّ من هذا كله أنها غير زائفة.. وهذا ما لفت أنظار كل الأجيال التي قرأت الرواية إلى حدود اليوم. فالشباب كلهم تقريبا سيوافقونك إن تحدثت عن زيف الدراسة وزيف المدارس والمدرسين، وزيف الحفلات والنكات وما أشبه ذلك من الأمور.. حتى وصل (هولدن) آخر الأمر إلى قرار اعتزال الناس في كوخ على مشارف غابة من الغابات، وهذه أيضا فكرة لابد أنها خطرت على أكثر الناس – إن لم يكن كل الناس – وحتى أنا كنتُ أزمع كتابة رواية عن شخص اعتزل العالم بالكلية.. إلا أني لم أفعل. لذلك يسهل على أكثر القراء الارتباط (نفسيا) بالرواية..

هناك نقطة أخرى في الرواية (قتلتني) – كما يقول (هولدن) عن الأشياء التي تُعجبه – وهي المقاطع التي تحدّث فيها عن أخته الصغيرة (فيب) وحبه لها، وكيف تسلّل خُفية إلى بيت والديه بعد (عودته) من جامعته لزيارتها، ولم يكن يريد أن يراه والداه لسبب متعلق بدراسته.. وكيف أيقظها من نومها، وشرعت تسرد له تفاصيل يومها في المدرسة ببراءة و(حلاوة) منقطعة النظير.. براءة البنات الصغيرات بالذات (تقتلني) قتلا !

والحوارات التي ستكون بين هولدن وأخته الصغرى بعد هذا ولو أنها في سياق حزين من (ألذ) وأعمق الحوارات التي قرأت..

ومما أثار غيظي في الرواية – بعد (لا دينية) الشخصية – هو تشابه الأمكنة، فهولدن ينتقل من (بار) إلى (بار).. فمضى ثلث الرواية تقريبا على هذه الشاكلة، وقد أثار ذلك حنقي، وتساءلت لماذا لم يذكر أمكنة أخرى، حتى يتسنّى له وصف أوسع رقعة ممكنة من الشعب الأمريكي ؟

أما الكاتب (سالينجر) نفسه فقد شغل الرأي العام الأمريكي كثيرا بعد توقفه عن النشر منذ الستينات، واعتزاله العالم في كوخ على مشارف غابة من الغابات ! تماما كما قرر (هولدن). ولم ينشر شيئا بعدها إلى أن مات سنة 2010.. وكان يهرب من الصحافة والمقابلات، وقد قرأتُ أن هناك أعمالا تركها للنشر بعد موته.

كل ما أستطيع قوله أن هذه كتابة مختلفة.. مختلفة تماما ! فقط لو أنها ابتعدت عن البذاءة، و(ثارت) على إلحاد الشعوب الغربية وهمجيتها الأخلاقية وتنكرها لخالقها وكأنها خلقت نفسها فهي إذن مجموعة من الآلهة ! أو كأنها جاءت من عدم وتعيش سنوات معدودة ثم تفنى للأبد، ويبقى الظالم ظالما والمظلوم مظلوما ! ولكن مادام الكاتب لم يثر على هذا الشرك والإلحاد في الحياة الغربية، فلا يفيدنا كثيرا نقد زيفهم الاجتماعي والمادي، لأننا نفر من عبث إلى عبث أكبر منه، ومن زيف إلى آخر أشد سوادا وفوضوية..

رفعت خالد المزوضي

18-01-2018

مشاعر نادرة !


21-surreal-art-by-ohmuller.preview

بسم الله الرحمن الرحيم.

هناك مشاعر نادرة يستحيل أحيانا وصفها.. مستويات من الحب والشوق أو الخوف والوحشة أو الضعف والإحباط أو الحماس والبهجة تتعذّر ترجمتها إلى كلمات تسمعها أذن أو تقرأها عين.

ومن تلك اللحظات.. لحظات صفاء عجيب، تكاد تلمسُ فيها (روحك) وتجسّها بيديك ! وقد يُخيّل إليك خلالها من فرط الصفاء أنك ترى مواطن الجمال فيك، وترى مواهبك رأي العين، وتنظرُ إلى ما بلغته من كل موهبة على امتداد سنوات خلت..

كلّ ذلك يتبدّى لثوان معدودات !.. فكأنما كنتَ في ظلمة ظلماء فإذا البرق يومض ومضات خاطفة تكشف فجأة عن حقائق حولك مُشكّلة برّاقة، لم تكن رأيتها من قبل أو كنتَ شاكا في وجودها أصلا ! فتسري على ظهرك قشعريرة باردة لذيذة، ترجو أن تبقى وتدوم طويلا حتى تنعم بهذا الاكتشاف الجديد.. وربما رجوتَ لو تنشرها في الناس وتصفها ليروا ما رأيت ويحسّوا ما أحسست ولكن.. هيهات !

حينها تشعر أنك كنتَ مخدوعا. أو كنتَ تظن أنك لستَ بشيء.. وكأن هناك من كانت مصلحته في تعمية هذه الحقائق عنك ! وكأن ثمة من في صالحه أن تنسى تلك المواهب التي رزقك الله، وتلك التّحف البديعة القابعة هناك داخلك في مكان ما.. وقد لطالما حاول – هذا الشيء – إقناعك أنك مجرد شخص مزيّف آخر تسري عليه آفات أكثر الناس، فتغيب وسط قطعانهم وتضيع، ثم لا يذكر اسمك بعدها أحدٌ، ولا يلتفت لذكرى وجودك أحد..

إنها مشاعر – كما أسلفتُ – يتعذّر وصفها فلا تحسبنّ ما كتبتُ وصفا لها، إنما هو وصف للعجز عن الوصف ! وكيف أصف أشياء لم يسبق أن خرجت للوجود ولم يسبق لها أن وُلدت ؟ أشياء لم تُصبغ يوما بصبغة المداد، ولم تحمل رائحته قط.. لحظات خاصة جدا، تخُصّ صاحبها فحسب. يرى فيها ما يرى، ويُحسّ ما يُحسّ، وقد تدمع عيناه لهول ما رأى أو لجمال ما تبدّى.. ثم لا يلبث حتى يطوي ذلك في صدره للأبد، ويمضي في طريقه مع الماضين، ليغرق من جديد في زيف الحياة..

رفعت خالد المزوضي

16-01-2018

الشخصية الذهبية


2

بسم الله الرحمن الرحيم.

ما هي الشخصية الراقية النبيلة وكيف تكون ؟

قلّما فكرت في هذا السؤال أو ما يُشبهه من الأسئلة النفسية التي يعجبني تأمّلها ومعالجتها، وكلما تذكرته أحسست بوخز أليم وندم عظيم على ما ضيّعت من سنوات بلا عمل في إصلاح صرح هذه النفس وترميمها، فكأني بنفسي جالس أنظر ساهما في نهر الزمن يتدفق بقوة إلى منحدر الفناء.. ولا أتململ إلا مرة كل سنة أو مرتين !

ومما يحضرني الآن حول معالم هذه الشخصية الرفيعة التي أتخيلها:

الإيمان: وهو أسمى ما تحلّت به النفوس، وأنبل ما حملته القلوب. فالذي لا إيمان له لا معنى له في الحياة، وكل حركاته وسكناته إنما تكون في مصالحه فقط. فكأنما هو جرثومة تمتص من هذا الوجود مادة حياتها وتضخمها. وحتى لو عمل هذا الفاقد للإيمان من الأعمال التي يمتد أثرها إلى غيره، فإنها تكون صادرة عن أنانية مطلقة، وربما استعمله الرب تعالى لإيصال بعض المنافع لغيره، ولكنه إنما أراد بها في المقام الأول مصلحة إسمه وجسمه فحسب. فلا رب يرضيه ويخاف أن يعصيه، ولا إله يدعوه ويتوب إليه. ولا أجر أخروي يبتغيه، فبئست الحياة حياة هؤلاء، وساء ما يعملون.

ولكنك ترى الإنسان المؤمن مرتبط قلبه – مهما ضعف – بخالق الوجود الذي في السماء مستو على عرشه العظيم.. فيكفيه بهذا الارتباط فخرا، ويكفيه بذلك رفعة ونبلا ومعنى للحياة.

النظافة: والمقصود بها الشقين الظاهر والباطن. فالشخص نظيف اللباس، نظيف القلب، وسيم الطلعة، خالي الصدر من الأحقاد والسموم، حييّ الكلام بليغه.. هذا لا يمكن إلا أن تحترمه وتهابه. وضده القذر البذيء.

الحزم: حيث تشعر أن جلّ ما يقوله هذا الإنسان جاد لا هزل فيه. واضح لا مزيد عليه. حازم لا رجعة فيه. هذا تعمل له حسابك، وتُرعيه سمعك واحترامك. وضده المتراخي، المتلوّن الهازئ على الدوام.

الجِدّة: وهي تلك الميزة التي من كانت فيه لا يكرّر نفسه، ويعرف كيف يشحن الجو حوله بهجة وتشويقا وفائدة وتجديدا، ويُجيد تفادي الملل والكسل. حتى تنتظر أن (يفاجئك) في كل لحظة.. ذاك الذي تحسّ كلما نظرت في وجهه بدماء جديدة تجري في عروقك،كأنما عُدت أصغر سنا من سنك.  وضد هذا الرتيب الممل، السلبي الكئيب.

الخفة: وهي التي تجدها عند الأشخاص الذين يمرون عليك كمر السحاب، فتشتاق لبقائهم.. أولئك الذين لا يكلفونك مالا كثيرا ولا وقتا طويلا ولا مجهودا عنيفا. إذ الإنسان بطبعه يتبرم من التكاليف الزائدة، وضد هؤلاء الثقيلون الذين كلما رأيتهم تململت مكانك مستاء، وانتظرت – متحرجا – أعباء ومسؤوليات جديدة.

التلقائية: وهي ما تجده من أريحية في الكلام، وفي الحركة والتعبير بدون تصنع زائد ولا رسميات مرهقة وتظاهر بغيض بالعظمة. ومن يتحلون بهذه الصفة تجلس معهم كما تجلس مع نفسك تقريبا.. وتكلمهم بما تريد كيفما تريد وليس بما يفرضه المكان والموقف. وخلاف هذا التكلّف و(عمليات التجميل) تلك التي يحتاجها أكثرنا كلما أرادوا الخروج للناس والكلام في مجامعهم.

هذه أهم الصفات التي لاحظتها، ولا شك كلما جمع الإنسان منها – مع الإيمان – عددا أكبر كلما كان عنصرا مشعا بين الناس، وتقلّد – حتما – الزعامة حيث كان، وتحلّى بالهيبة والقبول أنّى حلّ وارتحل في البلدان.

والله تعالى أعلم، وهو وليّ التوفيق.

خالد

03-12-2016

لماذا نكثر الكلام في الدين ؟


images

بسم الله الرحمن الرحيم.

يتبرم بعضهم من كثرة حديثنا عن (الدين)، وإهمالنا لشؤوننا الاجتماعية والسياسية وسكوتنا عن حقوقنا ومصالحنا…

ثم يقول – حتى لا تظن به الظنون – أنه مسلم، مؤمن، يصلي ويصوم ويشهد ألا إله إلا الله.. لكن الدخان لا يكون من غير نار، والصراخ على قدر الألم !

أما أنا فلا أرى أن الناس يكثرون الكلام عن الدين أصلا، بل العكس هو ما أراه صحيحا. فإنهم يكثرون الحديث عن الرياضة والأسعار والمظالم والسياسات وما شاكل ذلك. أما استدلاله برسائل (الواتساب) التي تكون في أغلبها مواعظ دينية، فهذا أراه دليلا عليه لا له، لأن كثرة نشر تلك المنشورات والتي بعضها ضعيف متهافت وإن كان مشاعا بين الناس، وبعضها خرافي يخالف صريح الدين، إنما تدل عندي على قلة كلام الناس في الدين، فيلجأون إلى نشر تلك المواعظ لشعورهم بتقصيرهم وانشغالهم عن الآخرة بالدنيا، فكأنها تحذيرات متبادلة، ورغبة قوية في الاستكثار من الحسنات. ولو كانوا لا يبرحون مواضيع الدين في مجالسهم لما احتاجوا لنشر تلك المواعظ من الأساس..

قلتُ أن الدخان لابد له من نار، ومن يألم لمثل هذه العلامات الطيبة – في مجملها – المتبقية من ناس هذا الزمان الذين لازال في قلوبهم حب لله خالقهم ولدينه الإسلام. فأين يذهب، هل إلا إلى انحدار ؟ وماذا سوى يوم الدين يستحق أن يذكر الناس به ؟ كنز الأموال والنساء ؟ أو استعراض مصائب الدنيا وويلاتها التي تدفع العقل للجنون ؟ أو هي أخطاء الساسة واستبداد الحكام ؟ وكأننا نحن نعطي الفقير والمحتاج ونقسم بالقسطاس المبين !

ثم لمَ نحصر الدين في المسجد والصلوات النافلة – كما قال هذا الدعي المتفلسف في جلسة مقهى وهو يحاورني وأبي – مع تهافت هذا القول وبطلانه عند كل أحد اللهم إلا العلمانيين والملاحدة. أليست أرواحنا بأهمية أجسادنا أو أكثر ؟ فكيف نقلص غذاء الروح والكلام فيها والعمل لها ؟ أليس من الغباء أن تعيش الحياة معرضا عن سبب وجودك بها أصلا ؟ أليس كذلك يا من تشهد ألا إله إلا الله ؟

ألا نرى الناس حولنا يسقطون موتى كل حين ؟ فما نفع الحديث المحموم عن السياسة وكأن ملفات الأمم المتحدة بين أيدينا ؟ ولم نوجه اهتمامنا إلى ما لا ينفعنا وليس من اختصاصنا أصلا، أو ما نفعه محدود منقطع، ثم نلوم من وجّه بعض اهتمامه إلى النافع الذي لا ينقطع ؟ أي حقد يحمل هؤلاء للدين وخالق هذا الكون والعياذ بالله ؟

ولكنها الهمم.. فمنا من همته في بطنه فقيمته في الحقيقة ما يخرج منها. ومنا من همته في المعالي، فجسمه معنا وروحه تكاد تسبح في السماء وتعرج فيها !

خالد

29-11-2016

لماذا تأخر المسلمون ؟


arslan_01

بسم الله الرحمن الرحيم..

(لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟) كتابٌ (عمليّ) جدا.. كأنما هو مقالة صحفية مُطوّلة، فيها شيء من التاريخ وشيء من خفايا السياسة العالمية، والخطط الحربية والمغازي الفكرية على أمة الإسلام. وفيها كذلك من الإحصاء والأرقام الغريبة الصادمة التي تنبئ عن مطالعة واسعة لكاتبها، وتتبع دؤوب لشؤون العصر السياسية والفكرية جميعا.

وأما تأويلات الكاتب الدينية فموفقة في أكثرها – إن شاء الله تعالى – اللهمّ إلا بعضها فيما رأيت، وذلك كمثل نفيه عن معنى (العلم) في إحدى الآيات الكريمة علوم الدين، وذلك من غير دليل يُعتدّ به. ومعروف أن العلم بالله عز وجل أشرف العلوم، فكيف نقصي أشرف العلوم من جملة معاني العلم بلا دليل واضح ؟

إلا أنه يظل كتابا عجيبا في بابه، ذكيّ، خفيفٌ وصادم أيضا بما فيه من الحقائق واللمحات التاريخية الخاطفة.. والأعجبُ من ذلكم هو كيف كتب شكيبٌ هذا الكتاب جوابا على سؤال بسيط وصله عن طريق مجلة المنار التي كان يرأسها الشيخ رشيد رضا ؟ وقد رجا هذا السائل صاحب المجلة أن يطلب من أمير البيان (شكيب أرسلان) الجواب عن سؤاله (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم ؟ وكيف لم ينتصر الله للمسلمين وقد وعدهم ؟).. فكان هذا الكتاب.

ولكن لا عجب.. فهذا دأب العلماء وكبار الأدباء. يكتبون الكتب والمجلدات في الفكرة والفكرتين. وإنما ذاك تميزهم وتفوّقهم على سائر الناس.. والله أعلى وأعلم.

خالد

يذبحون الدجاجة ويبحثون عن البيض !


48pl_6hg-650x450

في الجرائد لا تكاد تجد إلا البكائيات.. (البرلمانيون يضحكون على الذقون)، (الوزراء عصابة من اللصوص)، (ماتت القيم والتلاميذ صاروا يهجمون على أساتذتهم بالأسلحة البيضاء!)..

كل هذا تحصيل حاصل، ووصفٌ للمطر الذي يهطل وكل أحد يرى أنه يهطل !.. هؤلاء الصحفيون لا يأتون بجديد، ولا يُجيد أكثرهم إلا تقليب المواجع، وترديد الشعارات المثالية التي لا يعملون بها هم أنفسهم..

يقولون: يجب إصلاح التعليم والصحة، ومحاسبة المسؤولين ومراقبتهم ومعاقبتهم، وتأدية الحقوق لأهلها وتوزيع الثروات بعدل وأمانة.. وأنا أقول: لا توجد قوة تحمل الإنسان على تلبية طلباتك وأمنياتك مهما كانت نبيلة وعادلة إلا قوة الإيمان ثم قوة السلطان.

فأما قوة السلطان، أو هذه القوانين الوضعية والمساطر المتكلّفة الباردة التي يغيّرون منها كل مرة رقما أو رقمين فقد أثبتت فشلها في العالم أجمع، وليس في أمتنا الإسلامية فحسب. ولا توجد دولة استطاعت بهذه القوانين تطهير الناس من الجريمة والغش والسرقة إلى يومنا هذا.

القانون قد يردع ويخيف، إلا أن الإنسان – بطبعه – لا يحب الخضوع لقانون إنسان مثله، فيتفلّتُ ويثور عند أول فرصة.. ناهيك عن الشر الكامن في الكائن البشري الذي لم يُوفّق للهداية، فإنه يدفعه للظلم والغشّ والسرقة والانتهاك كلّما وجد فرصة أو خلوة أو نزوة..

تقول له كن نزيها، كن نبيلا وأدّ الحقوق لأهلها ولا تأخذ ما ليس لك.. يُجيبك: لا يا حبيبي، الثروة هي ما أريد والنفوذ هو المرغوب. إنما هو سباق، والأسرع فينا له حصة الأسد.. فاحتفظ بنصائحك الأخلاقية لنفسك.

كيف تُجيبه بعدُ ؟.. كيف تُقنع الطبيب أن يُتقن مهنته، والمعلم أن يُحسن تعليمه، والطالب أن يحترم أستاذه، والزوج أن يحفظ زوجته ؟ أنت تقول وهو يقول.. أنت تريد وهو يريد. ولماذا عساه يسمع ما تريد، ولا تسمع أنتَ ما يُريد وتصير لصّا مثله ؟

هذا عن قوة القانون والحقوق والديمقراطية وغيرها من المفاهيم الخرافية التي يتشدّق بها الكتّاب متجاهلين طبيعة الإنسان.. أما قوة الإيمان، ذلك النور الإلهي الذي لا قِبل للناس به، ولا سبيل للوصول إليه وحيازته إلا بإذن الله وتوفيقه، ولا يمكن انتزاعه من أحد يملكه حتى لو انتزعتَ أحشاءه.. هذا الإيمان هو القوة الحقيقية، وبه ينزل المدد الرباني وينتصر المؤمنون على عدوّهم وإن كانوا قلة ! وينتصرون – قبل ذلك – على أنفسهم وعلى هذه الأمراض التي لم ينتصر عليها (القانون)..

إنه الحل لكل المعضلات التي سبق ذكرها. لأن من اتقى الله حقّ تُقاته لا يحتاج أن تشرح له وتوصيه وتترجاه وتخيفه وتعاقبه.. من آمن كما ينبغي الإيمان، فإنه يُحسن عمله بل ويزيد فوق المطلوب منه رجاء مزيد من الأجر من خالقه الذي يؤمن به، ويخاف عقابه أن ينزل به، فلا يأكل تمرة سقطت من صاحبه سهوا حتى يستأذنه.. لأنه لا يُعامل الناس في الحقيقة وإنما يُعامل ربّ الناس.

هذا هو الحلّ الذي نقرأه ونسمعه كل يوم يُتلى علينا ونحن عنه غافلون، وهذه هي الحقيقة التي – على بساطتها ووضوحها – تركناها وهمّشناها، وحاربها حتىّ هؤلاء المنظّرون من الصحافيين وغيرهم الذين يصدّعون رؤوسنا ببكائهم وصراخهم..

ينادون بالعلمانية ويسألون أين النزاهة ؟.. يقولون الدين مكانه المساجد، ثم يبحثون عن العدل ؟.. يسخرون من علماء السنة ومن نهج نهجهم ثم يتساءلون أين أهل العقل والحكمة ؟.. يذبحون الدجاجة ويبحثون عن البيض !

خالد

25-11-2017