مقالات نفسية

وفّر طاقتك لما يهمّ


“أسكت يا صاحبي، فيمَ دفاعك عنه ؟ ألم تر أني أعبث به ليس إلا !”.

كذا قال أحدهم لصاحبه وهو يحاوره على مائدة جانبي في أحد المطاعم، بعد أن انصرف الشخص موضوع الحديث، وقد استبد به الانفعال والقلق إثر نقاش محموم..

رفعتُ رأسي وسرح بصري في وجه الرجل المتكلم طويلا وأنا أمضغ لقمتي..

تذكرتُ كم يبذل بعضنا من الجهد في الدفاع عن مواقف عادلة وأمور من الحق الواضح المبين، وأننا نعلق على كل ما يُلفظ أمامنا من قول، مع أن رغبة الآخر غالبا مجهولة، واستجابته للحقّ الذي تحاول شرحه قد تكون منعدمة، بله من المحتمل أن يكون يلهو بأعصابك فحسب. يستثيرك لتخرج أسوء ما فيك فيتهم أخلاقك، ويستفزك لتدافع عن نفسك فيسخر منك، حتى إذا ثارت الأعصاب واحمرّت الخدود وتعالت الأصوات، قهقه عاليا ثم غير الموضوع كأن شيئا لم يكن  !

إن الناس – إلا من رحم ربي – يلهون ويلعبون أحيانا حتى بالحق.. وقد يذهب المرء في لهوه إلى حد موافقتك المؤقتة في موضوع خطير، ثم لا يلبث حتى يقوم من المجلس ينفض ثيابه، ويعود لسابق عهده دون (قلق) أو أدنى محاولة للتغيير أو حتى اهتمام وبحث في الموضوع.. هم فقط لا يبالون.

عبث كل العبث أن تضيع طاقتك في إقناع من لا يقتنع، ومن لا قابلية عنده لقبول الحق.. فلكأنك تُكلم حائطا أو ما هو أشدّ صلابة.. ألا وفّر طاقتك لما يستحق يا صاحبي.

مقالات فسلفية

عاقل ما عقلشي حاجة !


من المغالطات التي يتداولها الناس (اسمع واقرأ للجميع ثم حكّم عقلك)..

وهل من شيء أكثر تأثيرا من السماع والقراءة ؟ وهل الإنسان خِلوٌ من الهوى ونوازع السوء ؟ وهل هو إلا كائن ضعيف جاهل آخر الأمر ؟ فمن يضمن ألا يتّبع هذا الضعيف الجاهل طريق الهاوية وسط العشوائية التي تنصحه أن يسمعها ويقرأ فيها ؟

لماذا – ليت شعري – يوصي الآباء أبناءهم ألاّ يقعدوا مع رفقاء السوء ؟ ألا فليقعدوا معهم وليحكّموا عقولهم ! بل لماذا أصلا (يوجد) رفقاء السوء هؤلاء ؟ أليس لأنهم قعدوا مع رفقاء سوء آخرين ؟.. عافانا الله وإياكم وأصلحنا.

ولعل قضية (تحكيم العقل) هذه مغالطة أخرى كذلك، إذ أن بعضنا يفترض مبدئيا أن المخاطَب المنصوح عاقل رزين تماما، بحيث يكفي أن يُحكّم عقله حتى ينجو.. وهنا نسأل: كيف يضل من يضل إذن من (العقلاء) رغم التحذيرات والنصائح والآيات والعبر التي مرّت عليهم آناء الليل وأطراف النهار ؟ بل نرى ونسمع من ينسلخ من الإيمان كليا ويدخل في نقيضه بعد أن كان متحمسا للحق كلِفا به، عياذا بالله.. والحق أنهم لو كانوا (عقلاء) ما اختاروا الشر على الخير، ولكن ليس كل ذكي عاقلا. فسارق البنك قد يكون ذكيا عبقريا، إلا أنه لا يكون عاقلا بحال من الأحوال. ولو عقل ما سرق !

إنه الهوى الذي يهوي بالإنسان أسفل سافلين، بصرف النظر عن مدى (عقلانيته) وذكائه، فقد يختار أذكى الناس (ألا يحكّم عقله) لأن الله أعطاه حرية ومكّنه من الاختيار.. أم أنك لا تبالي بما يختار ؟ فالمُسلم النّاصح بحق (يبالي)..

مقالات فسلفية

الوسيلة التي صارت هدفا


بعض المفاهيم لا تسمعها إلا في معرض المدح، ولا تؤخذ إلا (كافة)، ولا يُنظر إليها إلا بإطلاق لا يحتمل الاستثناء. حتى لتشعر أن حدّا إنسانيا قد تمّ تخطيه في غفلة من الناس ومنك أيضا في أحيان كثيرة.

 (العمل) مثلا مطلوب، ولابد أن يعمل المرء شيئا على كل حال.. ولكن ما حدود هذا العمل المطلوب يا ترى ؟ وهل طريقة عمل الشركات الرأسمالية التي غزت العالم اليوم معقولة ومحمودة ؟ هل عدد ساعات الدوام المقررة والمتفق عليها هو المطلوب فعلا ؟ هل تلك الطريقة الآلية هي الأمثل لنفوس هؤلاء البشر الضعفاء ؟ بغض النظر عن مدى نجاعتها في الإنتاج والرخاء الاقتصادي..

‏هل تلك الأعمال التي يخرج لها الآباء والأمهات كل فجر – مهطعين مقنعي رؤوسهم – هي المناسبة لتنشئة أجيال صالحة ؟ أم هي التي يصدق فيها قول الله عز وجل: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) كما يستشهد البعض بكل خشوع ؟ وهل الذين يعملون (بجد) و(كفاح) حتى لا يجدون وقتا لصلواتهم المفروضة – وهم من المصلين – يستحقون كل ذاك المدح الذي يُكال لهم، والفخر الذي يُفخر بهم ؟ فيسمونهم ناجحين، ويقيس بعضهم رجولة الرجل بمدى الجهد والتعب المبذول، وهو جهد – في الحقيقة – في تنمية مبيعات الشركة الفلانية، التي ربما كانت شركة أجنبية لا تؤمن لا بالله ولا بالإنسان..

والآلاف المؤلفة من النسوة المائلات المميلات، المعطرات المتغنجات اللاتي يسمين ناجحات، مستقلات، حرات، ومحققات لذواتهن، ألسن يمتعن مدراء العمل بشكل أو بآخر، وينفخن جيوبهم مقابل بعض الفتات ؟ أما أبناءهن فيعلم الله وحده ما يحل بهم في غيابهن، وما يدخل رؤوسهم الصغيرة من السموم المبثوثة..

‏أم أن ذلك كله من الحق الذي يتخذه كثير من الناس مطية لباطل يريدونه ؟ ووسيلة صارت هدفا !

مقالات حرة

تخطيط بلا أمل..


mixing-desk-351478_640

تقارير حول الشرق الأوسط والعالم الإسلامي تصدر من مؤسسات غربية، مثل مؤسسة (راند) الأمريكية الشهيرة في مجال البحوث والدراسات الاستراتيجية، وفيها كلام صريح وقح عن محاربة دين الإسلام (الأصولي) والحفاظ على الخلافات بين الفرق والتيارات، مع استئصال بعضها ودعم بعضها الآخر (كالحداثيين والعلمانيين، ويستشهدون ببعض الأسماء كالهالك “شحرور” الذي حاول جاهدا تحريف بعض معاني القرآن)..

وبغض النظر عن سبب نشر هذه الوثائق على الملأ، والنظرة الاستعلائية التي ينظرون بها لنا، والحق الذي أعطوا لأنفسهم بأن يعيدوا تشكيلنا كما يحلو لهم وبما يناسب مصالحهم. بغض النظر عن هذا كله.. ماذا يظننا هؤلاء الحمقى ؟ فئران تجارب نأكل وننظر بلا فهم ؟ ألم يحاول أسلافهم من قبل بكل ما أوتوا من قوة ودهاء طمس القرآن الكريم وتحريفه طوال قرون متعاقبة من الزمان ثم فشلوا فشلا مضحكا، ولازال القرآن محفوظا في الصدور، عاليا فوق الرؤوس لا يعلى عليه، مهما مكروا، (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال).

وحاولوا إبادة العربية كما أبادوا لغات أمريكا اللاتينية وإفريقيا ما تحت الصحراء، وها أنذا أكتب بها لا أبا لهم.. نعم لقد عاثوا في الأرض مفسدين، وسيطروا ولا زالوا يسيطرون عسكريا واقتصاديا، ولكن تقاريرهم الغبية هذه تظهر حجم قلقهم وخوفهم من الجمرة المتقدة تحت الرماد، ففيم قلقهم هذا وخوفهم ودفعهم الملايير الممليرة من الأموال كما يفعل الجبان الثري إن كانت رفعت الحرب أوزارها وأعلن الفائز والمهزوم ؟.. أم أن نتيجة الحرب لم تعلن بعد ؟

إنما مثلهم كمثل بعض أفلامهم التي يصورون سواء بسواء.. بطل مغدور يُسجن ويُضطهد ويُعذّب، ولكنه لا يلبث حتى ينتصر في النهاية.. دائما ينتصر. مادام يحمل مشعل الخير والحق والرحمة للعالم فإنه ينتصر. أما الخبيث الشرير فيسحق كما يُسحق البعوض، ويهلل الناس فرحا بسحقه !

خالد

مقالات نفسية

الذي أضحك وأبكى..


emotions-751602_640

من أهم ما ينبغي على ساكن هذا الكوكب أن يوطن نفسه عليه هو حسن تدبير تقلب الأمزجة والأحوال.. وأن يتذكر دائما قاعدة (دوام الحال من المحال). فيوقن – إن كان مستاء – أن سوف يُسرّى عنه بإذن الله، وإن كان مسرورا كَلِفا، فليهوّن عليه، إذ الحياة هي الحياة ولن تنقلب (جنة) لمجرد أنه في مزاج جيد !

هذا التذكر (لعكس المزاج) من الحيل النافعة لتجنب (الصدمات) التي تُصيب الإنسان من جرّاء تغير الأحوال. كما أن هذه الحيلة تُبقي على جذوة الأمل مُتّقدة مهما طال (العُسر)، فاليُسر لابد قادم.. شئت أم أبيت !

وأغرب ما وجدتُ في باب (تغير الأمزجة) هو ذاك الاعتقاد الواهم الساذج باستحالة الخروج من حال سيئ أو خصومة بائسة.. ذاك اليأس المتكرر من الصلح، على الرغم من وفرة التجارب التي نمر بها في الحياة. إلا أننا ننسى – من عجب – أن نقيس الحالة المُستجدّة بسابقاتها، وننسى أن (مع العسر يُسرا) كما أخبر ربنا.. وإنه لمن أعجب العجب.

ولعل هذه الطبائع الساذجة عند أكثر الناس، وهذا النسيان لمعلومات بالضرورة من قواعد الوجود، بسبب من انعدام (الحكمة) نظرا لندرة القدوات الحسنة والتربية على المنهاج القويم، فإننا – والله المستعان – لا نكاد نرى في الشارع رجلا صالحا، حكيما، سوي الأخلاق، ذا علم، فضلا عن التعلم على يديه.. ومن رُزق ذلك فقد رزق الخير كله.

إلا أن التوازن بين هذه الأمزجة يحصل – آخر الأمر – عند عموم البشر بشكل أو بآخر.. ولولا أنه يحصل لفسدت الحياة واختل توازن الكون بالكلية. فالواقع يُظهر أن (توازنا ما) يحدث عند أغلب النفوس حتى بعد نشوب الفوضى واختلال الموازين أحيانا بفعل الثورات والحروب والكوارث، فإنه لا تلبث حتى تعود المياه لمجاريها.. فتُشيّد البيوت، وتُقام الجنائز، وتُكنس الفوضى، وتجفف الدموع، وتشتاق الأنفس وتستيقظ الغرائز والشهوات، وتنطلق الابتسامات والضحكات، وتنشأ الصداقات، وتُقام الأعراس والحفلات، ويجتمع الناس للسمر. ويعمل العمال، ويكتب الكتّاب وتورق الأشجار التي كانت بالأمس خاوية جدباء.. فسبحان الذي أضحك وأبكى..

خالد

مقالات حرة

عالم لا يستقرّ


عالم لا يستقر

خطر لي عند استيقاظي هذا الصباح أن كل من درست معهم في خلال مشواري الدراسي اختفوا تقريبا، ولم أعد أكلم إلا واحدا أو اثنين في مدد متباعدة..

لم تكن أول مرة يخطر لي مثل هذا الخاطر، ولا يوجد في ظني من لم يخطر في باله، إلا أني تقعرت في الفكرة كما لم أفعل قبلا، فبدا لي أني أيضا لا أسأل عن حال من عرفت إلا قليلا. وإن كنت لا أصدّ – بفضل الله – سائلا أو متودّدا. ولكني قدّرتُ  أن تكون هذه طبيعة البشر، فكيف لي أن ألوم عليها أحدا ؟ بل ربما كانت طبيعة الحياة نفسها.. فليس يجمع بين الناس – في الحقيقة – إلا الغرفة التي تجمعهم أو القسم أو المقصورة في القطار أو وثيقة الزواج الغليظة، التي قد تهترئ وتتمزق !

ولذلك حدثتُ نفسي بأن حركة الحياة المستمرة – وإن توهمنا أحيانا أنها ساكنة هادئة – قد تُستنبط منها فوائد كثيرة.. مثل عدم التعويل على أحد من البشر، ما دام الكل (يتحرك) ويغير مكانه، حتى لا يدري المرء من وأين يكون رفيقه غدا ! ومثل (عدم فقدان الأمل)، إذ أن الظروف التي يجد الإنسان نفسه فيها لا تدوم غالبا.. فالكل في حركة. وإذا كانت الأبواب كلها مغلقة، فلسوف تدور الدائرة حتما ويجد المرء أبوابا أخرى لن يعدم فيها بابا  مفتوحا. فدوام الحال – كما يُقال – من المحال.

وبمناسبة ذكر (فقدان الأمل)، خطر لي أنه لا ينبغي كذلك (طول الأمل) لنفس السبب الأول. ومادام كل شيء متحركا وفانيا آخر الأمر – إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام – فإنك لا تدري أبدا متى ينتهي هذا السباق المحموم، قد ينتهي غدا.. من ثمّ وجب استحضار فكرة الرحيل كلما استطاع المرء استحضارها لأجل أن يُحسن العمل، ولا يخدعنّه نهر الزمن الدفّاق..

كل هذا خطر لي عندما فتحتُ عيني وربما قبل ذلك، لا أدري لماذا.. هذا العالم دائم الحركة الذي يطير بنا، ونحن نحسب أننا في سكون وديمومة. وهؤلاء الناس الذين لا يكادون يثبتون على شيء. صديقك بالأمس عدوك اليوم، وكليمك اليوم خصيمك بعد غد، والعكس..

بقي فقط أن أربط شتات هذه الخاطرة بشكل ما، كما أفعل دائما، ثم لا أدري كيف فعلتها بعدها.. فحتى الكتابة عالم مجنون لا يستقر أبدا !

خالد

26-03-2020

بقايا القراءة

القراءة الحرجة للمدعو خ. : مراجعة رواية (الحالة الحرجة للمدعو ك.)


35513795._SX318_

الكتاب: الحالة الحرجة للمدعو ك.

المؤلف: عزيز محمد – 2017

بدأتُ قراءة هذه الرواية وأنا أظنها رواية أخرى ! إذ خلطت عنوانها بعنوان رواية (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل)، والتي كنتُ أنوي قراءتها بعد أن علمت أنها من الروايات الأوائل في تصنيف اتحاد كتاب العرب.. فاختلطت (الحالة الحرجة) مع (الوقائع الغريبة)، لا أدري كيف !

ولكني ما لبثتُ أن انتبهت إلى أن هذه الرواية أيضا معروفة بما يكفي ومقروءة بكثرة على موقع الكودريدز، كما أن تنقيطها جيد. وقد راسلت كاتبها عبر البريد، وأنا في صفحاتها الأولى لا أزال.. وسألته إن كان كتب رواية أخرى غيرها، مادحا أسلوبها المُنساب، والحديث الداخلي العذب واللغة الرشيقة المبينة فأجابني شاكرا.

ولكني تسرعتُ للأسف، إذ كان علي معرفة موضوع الرواية – على الأقل – فأنا أتفادى أدب السجون ما استطعت، كما أتجنب أدب (المرض) حيث يصف الكاتب تدهور الحالة الجسدية والنفسية للمريض – حقيقة أو خيالا – وقد كانت هذه الرواية من هذا النوع الأخير.. أي (أدب المرض).

هذا علاوة على أن شخصية الرواية – الراوية للقصة – مستفزة جدا، أثارت بعد فصول من القراءة تقززي الشديد. على ما قد يجد البعض في هذه الشخصية من جاذبية مردها إلى هذه التقنية من الحديث الداخلي المتواصل، التي تُشبه عدسة متنقلة تصور لنا ما تريد تصويره، فيألف القارئ بعد حين طريقة التصوير هذه ويستكين لها، وربما أعجب بتحليل هذا (الصوت الداخلي) للأشياء، أو تمرده أو شجاعته أو ذكاءه.. ومثال ذلك رواية ( الحارس في حقل الشوفان) للأمريكي (سالنجر) التي أعجب بشخصيتها (كولفيلد) جماهير غفيرة من القراء عبر العالم بسبب ذكائه الحاد، وحسه النقدي للمجتمع والناس.

ولكن عدمية هذه الشخصية – العربية السعودية يا حسرة !  – فاقت الحدود، فهو يتحدث كأنه (كافكا) شخصيا، الكاتب التشيكي اليهودي بسوداويته وعدميته المعروفة، ولقد ذكر اسمه وكتاباته مرارا حتى شككت في أن المقصود بحرف (الكاف) في العنوان هو هذا الكاتب البائس المريض.

ومرة أخرى أصطدم بالانحياز الكلي لأدب الغرب، وعقائد الغرب وخبز الغرب وقهوة الغرب !.. لاسيما بعد قراءتي لكتاب عبد الوهاب المسيري – رحمه الله – (العالم من منظور غربي).. حيث كل شيء بنكهة الغرب، كأننا لئام في مائدة كرام.. وما نحن بلئام وما هم – والله – بكرام. ولكن من يرمي هويته وراء ظهره، ويضع قناعا أعجميا فيصبح يرى المجتمع غريبا لأنه ليس مجتمعا غربيا.. فذاك اللئيم حقا.

ومن شدّة ولع الكاتب بالغرب وآدابهم – وإن كانت لغته العربية رشيقة نوعا، وفي بعض تحليلاته النفسية عمق وشاعرية لا تخفى – ذكره كلمة “القذارة” بأشنع صورها اللغوية التي أتورّع عن كتابتها هنا احتراما لقرائي الكرام. وذلك مثلما يقول الأمريكيون بالضبط في أفلامهم، في تقليد بائس ركيك. ومن ذلك أيضا علاقاته المضطربة المريضة مع كل أفراد أسرته، بل مع الكل بلا استثناء. مما ينافي أخلاقيات مجتمعاتنا الإسلامية (العائلية) حيث تعظيم الأم، والأخ الكبير الخ.. دون الكلام عن التغافل و(التعايش) الذي تمتاز به مجتمعاتنا بشكل ظاهر. أما هو فيصرح بأنه لا يحب أمه ولا تحبه ! ويجد أخاه الكبير متصنعا في محاولاته تعويضه نقص الأب. ويسيء الظن بكل زيارة لصديق أو فرد من العائلة، ويقول أنها محاولة لإرضاء النفس لا غير.. في جزم مثير للأعصاب. ويصف زملاءه في العمل بأبناء (الفاعلة) بدون سبب ولا دليل على أن أمهاتهم (فاعلات) ! ويصف من رفضت الوقوف معه طويلا بأنها (فاعلة) كذلك.. ألا قبحها الله من حياة ومن رواية.

ربما كان هذا كله ضياعا خلقيا وانحرافا ومخالفات يُرجى برؤها. أصلحنا الله جميعا.. أما وقد صرح بنظرته للدين، فتلك كانت النقطة التي ندمت عندها فعلا على قراءتي هذه الرواية اللعينة. فقد قال المخذول: (لم أكن أفتقر إلى الإيمان بالله عموما، ولم أكن شديد الحرص على إيماني به أيضا).. وهذا يذكرني بمذهب (اللاأدرية) الذي يحسب أصحابه أنهم نجوا من الانتماء للفريقين معا – كأن الفضيلة في عدم الانتماء ! – ولكنهم عند التحقيق كفار طبعا، فمن لا يبالي بوجود الله كافر به، بل ربما كان كفره أشنع ممن يقول بعدم وجوده جحودا أو انتكاسا فطريا.. فهذا لم يعط الموضوع حتى وقتا للتفكير ! ولستُ أكفّر الكاتب هنا، فليس ذلك لي.

وثالثة الأثافي – كما يُقال – تعاطيه الحشيش في مرحلة من مراحل إصابته بالسرطان.. بل إنه عرض الحشيش على أمه. وهذا بدل أن يتوب، أو يدعو الله بدعاء واحد – رغم أن هذا ما يفعله حتى الكفار في مثل هذه الحالات – لكنه أمعن في التغريب والعبثية – فصار غربيا أكثر من الغربيين – ونهج منهج (ألبير كامو) في روايته (الغريب). حيث موت أمه وحياتها سيان، وإعدامه أو إطلاق سراحه نفس الشيء ! فانبرى هذا أيضا على نفس المنوال يسخر من كل شيء ومن الموت كذلك سخرية (حامضة) كقوله أنه يفكر (أن يدفن معه حاسوبه النقال حتى يشاهد فيلما كوميديا)   !

ألا كم أكره المتعجرفين، الذين يحسبون أنهم سبقوا الناس جميعا.

خالد

بقايا القراءة

العالم من منظور غربي: انزع النظارة السوداء ترى أفضل


lines-3659995_640

الكتاب: العالم من منظور غربي

المؤلف: عبد الوهاب المسيري – 2001

يُناقش الكتاب موضوعا خطيرا جدا، لم أقرأ من قبل لأحد بسطه مثل هذا البسط وأصّله هذا التأصيل طويل النفس. ألا وهو موضوع (التحيّز)، والتحيز للغرب بخاصة، بحيث حلّل ذلك فلسفيا وتاريخيا وحضاريا وأدبيا إلخ..

ولو تأمّلتَ لوجدت الكثير من آرائك واختياراتك ليست هي آراءك تماما ولا اختياراتك حقا.. اللباس والأذواق والعمران واللغة والأقوال المأثورة والمناهج والطقوس والمشاعر والمقتنيات، (ولا داعي لألج ميدان الموسيقى والسينما..). كل أولئك مصبوغ بصبغة غربية نهائية.. كأن العالم هو ما يراه الغرب.

وليت شعري ماذا كان قبل هذه الحضارة الغربية ؟ ألم تتعاقب على هذه الأرض حضارات وشعوب شتى ؟ ولغات وعلوم وأطعمة وأزياء لا حدّ لها.. بل هناك من يزعم وجود علوم متقدمة جدا اندثرت في الماضي فلم يصلنا منها شيء تقريبا.. كمثل أسرار الفراعنة وطرقهم في البناء والتحنيط التي لم يعثر العلم (=العلم الغربي) عن مفاتيحها بعد.

يُعجبني في المسيري رحمه الله، وضوح عبارته وذكاء مجازه، وجرأته في نحت مصطلحات جديدة وربطها بظواهر نراها رأي العين – وإن كان يُبالغ أحيانا – ولكم أطربني ذكره مثالين في غاية من الإبداع والإعجاز. بحيث لو تأملهما القارئ كما ينبغي وخرج بهما فحسب من الكتاب كله، لكان غانما مُستفيدا إن شاء الله.

أما المثال الأول فهو (اكتشاف أرض جديدة تُدعى أمريكا).. هذه العبارة التي تكررت أمامنا كثيرا في المناهج الدراسية والعناوين الكثيرة، وفي أقوال الناس. وبغض النظر عن أكذوبة اكتشاف (كولومبوس المبيد) لهذه الأرض، فهل كانت فعلا أرضا (جديدة) ؟ أم كانت (قديمة) بالنسبة لمن يقطنها من الهنود الحمر الذين أُبيدوا عن بكرة أبيهم. أي أنه تمّ تجاهل وجودهم تماما ؟ فالإنسان الغربي المغرور لم يكن يرى إلا نفسه فوق هذه الأرض، أما الشعوب الأخرى فحشرات ليلية أو دود يدوسه بامتعاض ثم يصيح غير عابئ: (انظروا هذه أرض جديدة !).. لكن هل انتبهنا نحن لهذا الغرور القبيح وصحّحنا العبارة.. للأسف لا. نحن فقط نردد ما يقولون.

وأما المثال الثاني فهما (الحربان العالميتان الأولى والثانية)، وكيف انقسم (العالم)، وانفجر العالم، وتعسكر العالم، وتضرر العالم إلخ.. وهذه ملاحظة طالما عذبتني. هل كان العالم كله معنيا فعلا بتلك الحربين المهلكتين ؟ فلماذا إذن وُصفتا بالعالميتين ؟.. ببساطة – يقول المسيري – لأن الغرب يرى نفسه هو العالم.. أما الباقي فمجرد محميات ومستعمرات دواب – هذه قلتها أنا – قد يستعملون بعضهم في حروبهم وأشغالهم، ومن بقي يملؤون بهم أسواقا ضخمة لمنتجاهم !

ثم تكلم بعدها عن التحيز في المصطلحات، وكيف نلهث وراء كل ما يسكونه من مصطلحات لندخلها في قاموسنا بتعسّف وحماسة مضحكة وإقصاء للذات يثير الشفقة والغيظ لمن له عقل يعقل به.. إلى آخر تأصيلاته العجيبة للموضوع.

حقا.. كيف نعمى عن وجود حضارات ورؤى أخرى في هذا العالم (الصين واليابان والهند وهلمّ جرا..)، مع استبعاد الوثنيات والشركيات والخرافات بطبيعة الحال.. فلا نحن حافظنا على هويتنا وتراثنا ورؤيتنا للعالم – التي هي أكثر إنسانية من رؤيتهم المادية الاستغلالية – ولا نحن انفتحنا على رؤى وحضارات أخرى لها ما لها وعليها ما عليها..

وبصرف النظر عن الربع الأخير من الكتاب الذي بالغ فيه الكاتب برأيي في تقديس (مبدأ الحجارة) في الانتفاضة الفلسطينية باعتباره (رؤية فلسطينية عبقرية)، ما أثار حفيظتي. فالقوم يرموننا بالقنابل والصواريخ المدمرة فيقع الآلاف من الضحايا ، ونحن نرقص طربا لأننا استطعنا قذفهم بالحجارة بدل أن (نعدّ لهم) !.. بصرف النظر عن هذه المبالغة العاطفية التي لا معنى لها عندي، فإن الكتاب خطير جدا في موضوعه، ويبدو أن نظرتي للعالم تغيرت فعلا بعد قرائته. ولن أقبل بعد اليوم رأيا أو ذوقا فقط لأنه من الغرب.

فلنستيقظ يا صاحبي.. 

خالد

بقايا القراءة

العربية ورهانات التدريج: اعتماد العامية تعميم للجهل


52700658

الكتاب: العربية ورهانات التدريج

المؤلف: سعيد بنكراد – 2020

الكتاب دسم، مليء بالفلسفة والتنظير.. مع أن بعض فصوله عسيرة الهضم، تصلح لأهل الاختصاص من اللسانيين و(السيميائيين) كما يسمونهم – كأن العربية تعجز عن تسمية هذا الاختصاص باسم عربي مبين ! – وفيه ردّ قوي على أصحاب قاموس الدارجة السخيف، الذي حملته بيدي مرة وتصفحته فقرأت فيه شرح عبارة (ديباني) التي هي في الأصل فعل فرنسي Dépanner ينطقه بعضهم مشوها، ويعني في العربية (مرّر الشيء على ما هو عليه، أو تصرّف بما وُجد دون تكلف). فعرفتُ حينها قدر هذا الكتاب الخبيث الذي سموه قاموسا زورا وبهتانا.

إلا أني لاحظت منذ الصفحات الأولى – من هذا الكتاب – تجاهل الكاتب للجانب الديني كليا، كأنما لو حازت لغة أخرى شرف استعمال آخر كُتب الله السماوية لها، فلن تفتخر بهذا ولن تزهو به بين اللغات والأمم ! ولكن الكاتب – ومن على منهجه – لا تهمهم إلا (القوميات) ولذلك فشلوا في دعوتهم، وإلا فبهذه القومية ذاتها يُهاجم الأمازيغيون المتعصبون العرب والعربية، بل وبهذه القومية الجاهلية ذاتها يُهاجمنا الفرنكفونيون ويغزوننا، وهم أكثر منا قوة وعتادا. فماذا بقي لنا إذن غير هذا الدين العظيم وهذه العقيدة الربانية التي من شأنها توحيد الصفوف وتحريك الجبال ؟

ثم بعد تحليلات عميقة – للأمانة – عن علاقة اللغة بالفرد والمجتمع، والفرق بين تأثير الفصحى والعامية في النفوس والعقول، لفت انتباهي في معرض نقده لمحتوى مقاطع وقحة على اليوتيوب، يستعمل فيها بعض الشباب – هداهم الله – مصطلحات دارجة نابية، لفت انتباهي رأي الكاتب الذي مُفاده أن أمثال تلك المقاطع مما يؤجج الغرائز ويجعل من المرأة مثل السلعة – ونحن معه في هذا – إلى أن قال أن هذه الوقاحة بخلاف (الجنس الجميل) الذي يكون من خلال (علاقات رضائية) !

كذا قال مثل قول العلمانيين والملحدين. طيب ومن قال لك أن بعض النساء لا يُردن مثل هذه الوقاحة وهذا (الجنس الغليظ) ؟ ألم تقل أنت نفسك أن من الشخصيات الكرتونية الأنثوية في تلك المقاطع من تطلب من الرجال أن يفعلوا لهن كذا وكذا.. إذن ما دام ذلك كذلك، والأمر راجع في النهاية إلى رضى الطرفين – وليس إلى دين وعقيدة – فليس من حقك انتقاد هؤلاء (الوقحين) على رأيك.. لأن رأيهم كذلك ولأن المتعة والسعادة عندهم في الوقاحة، مالك أنت ومالهم.. لك جنسك الجميل (الرضائي اللاديني) ولهم جنسهم الوقح !

إنه والله للعبث.. ننحي الدين من كل اعتبار، ثم نريد بعدها أن نفرض آراءنا وأذواقنا – لأنها آراءنا وأذواقنا – كأننا آلهة ! فإما نحتكم إلى الدين الرباني المعصوم، إلى الإله العظيم الذي خلقنا وسوانا وعلمنا وربانا، وإلا فكل شيء نسبي كما تقولون.. ونقدك هذا كله – لا لغويا ولا جنسيا – وكل شيء بعدها مجرد عبث وهباء..

مقالات حرة

لا حياة بلا فرنسية !


french-flag

سألني طالب في (الدراسات الإسلامية) عن أسرع طريقة لتعلم لغة أجنبية (كأني أستاذ في اللسانيات !). فأجبته بما أعرف عن طريقة (الغمر) أو (الغطس) أي أن يكثف من تلقيه لهذه اللغة، لاسيما السماع ويستعملها في أجهزته ما استطاع، حتى يعتادها شيئا فشيئا. إذ أن الطريقة التي ألفناها (حروف وكلمات وأفعال وجمل متداولة) طريقة مملة وبطيئة إلى حد قد يلجئ المتعلم إلى ترك هذا العذاب وتغيير رأيه في تعلم هذه اللغة !

ثم انتبهت إلى أن السائل يدرس في شعبة (الدراسات الإسلامية)، فاستدركتُ وقلت أنه لا ينبغي إغفال (الجدوى) من تعلم لغة أجنبية، ومدى (إمكانية) تعلمها، حسب الظروف الشخصية و(التكلفة) المادية والزمنية. لماذا يدرس طالب الطب الإسبانية مثلا؟ فيُشوّش عليه دراسته ويربك نفسه، بينما قد يتعلمها بعد إنهاء دراسته إذا احتاجها لسبب من الأسباب.

فقال هذا الطالب أن الفرنسية مفروضة عليهم، ومطالبون بإتقانها لسبب غامض ! وهذا والله عجيب.. هل يُطالب طالب فرنسي مثلا في شعبة (الكاثوليكية) بإتقان العربية ؟! أيركز طالب الشريعة على ضبط لغته العربية صرفا ونحوا وبلاغة وبيانا ونثرا وشعرا، وهو يحتاجها في علوم القرآن والحديث أم يمضي لياليه في تعلم ما فاته من تصريف أفعال هذه اللغة المستعمرة التي كانت مجرد لهجة من لهجات اللاتينية ففرضت علينا بالحديد والنار والأورو والدولار، فأفسدت علينا حياتنا أو كادت ؟

أوَتتبعنا هذه الفرنسية حتى في دراسة القرآن ؟!!

خالد

 

 

 

 

مقالات فسلفية

وهم التحكّم


logo-1932539_640

الحياة (أضخم) من قُدرات الإنسان، تُعجزه ولا يُحيط بها أبدا مهما حاول وادّعى.. فلا تصدّق كل ما ترى.
لا أحد ممن تعرف عنده من القوة والحُظوة بحيث يتحكم في حياته كما تظن، كلهم مغلوبون، يُرقّعون ما استطاعوا ترقيعه. ويمضون في الطريق التي وجدوا أمامهم دون خيارات (أسطورية)، إلا ما نَدُر من البطولات التاريخية التي كثيرها مزيّف.
ولا تُصدّق كل ما تسمع من المقاطع التحفيزية التي لا تُحفّز إلا الأدرينالين بعروقك لنصف ساعة أو أقل من ذلك أو أكثر بقليل، ثم لا شيء بعدها.. نفس التحدّيات ستجدها بانتظارك، والظروف والتعقيدات التي تخصّك أنتَ وحدك، والتي لا يعرف عنها المحاضر شيئا، وأنت وحدك من عليه مقارعتها، فتغلبها أو تغلبك..
كم ممن وجد طريق الثراء أمامه مُمهّدا بطريقة ما، حلالا أم حراما.. فغرف من ذلك غَرفة بيده وذاقه، فلما استطاب ما ذاق قام من فوره كالملسوع، مُتحمّسا، يلهث وراء المزيد..
ثم إنه يخرج علينا ذات مساء أمام العدسات بوجه يلمع بالمساحيق، يتكلم بثقة، فيكاد يقول: (إنما أوتيته على علم عندي)، أو (أنا قوي ورائع كما ترون إذ لم أستسلم لما اعترض طريقي. وإنكم تستطيعون ذلك ما دُمتُ استطعتُه، إن أنتم اتبعتم نصائحي).
وبصرف النظر عن مدى (خيريّة) أو (شريّة) ما هو فيه من (الفتنة)، فهل يصنعُ الإنسان – يا تُرى – قدره حتى يضع نفسه في ظروف بعينها ؟ أم هل يلوي مجرى الأقدار قسرا حتى تُلائم ما يريد ؟
نعم.. قد يسعى الإنسان للنجاح في أمر باتخاذ أسبابه، والتوكّل على الله إذا كان من المؤمنين، فينجح – بإذن ربه – نوعا من النجاح، لا يكون بالضرورة هو نجاح (فلان). إذ ليس الناس كلهم (فلان)، ولا كل الأقدار قدر (فلان) !.. أفلم يُفضّل الله بيننا في الرزق ؟
ثم إن هذا (الثري) لا يضمن في المستقبل شيئا من صحته ولا ماله ولا أولاده ولا زوجه.. فلماذا لا يُخطط لهذا أيضا فينجح فيه ؟.. لماذا يُطلّقون، ويكتئبون وينتحرون ويصيب أولادهم ما لم يكن في الحسبان ؟ فليُخطّطوا كما يدّعون، وليُرونا سيطرتهم على الحياة والأقدار !
ينطلقون من النهايات ليثبتوا قواعد لم تكن بأيديهم. فلا تُصدّق أكاذيبهم، إنما هم ماضون فيما قُدّر لهم كما أنك ماضٍ في قدرك، وماضٍ هو فيك بما شاء الله – ذو الجلال – وكيفما شاء وقضى.. نسأله سُبحانه لنا ولكم اللّطف والمعافاة.

خالد

مقالات نفسية

أفقط لأن الملح قليل ؟!


Worth-Your-Salt

من أشنع صفات البشر هذا (التحيز) و(الإنكار) الذي وسمه علماء المسلمين (باتباع الهوى).. سواء أكان ذلك (التحيز) بقصد خبيث، أو بدون إدراك واضح.. لغلبة هذا الطبع الشيطاني على الإنسان.

لذلك – في ظني – لا يتوب أكثر الناس، ولذلك لا تفلح الجدالات أبدا، ولا تكف الحروب، ولا ينجح من الزيجات تقريبا إلا بقدر (الشعر الأبيض في الثور الأسود) كما يقال.. فالآخر غالبا – أو دائما – ما يذكر أسوء ما فيك، وينكر الجانب المشرق ولا يبرز منه إلا بقدر حاجته، وإذا تكلم عن نفسه تكلم عن أحسن ما فيها، فإن لم يجد فيها ما هو حسن، تعسّف في صناعة محاسن وهمية وأمجاد خرافية، وادعى لنفسه ثوب زور لم يكن يوما له.. ثم إنه يتناسى الكوارث والجراحات التي سببها لغيره.

فقد يُسبّب الزوج لزوجته – مثلا – الضغط والسكري بعد سنوات طوال من العذاب النفسي الشنيع ، بدعوى القوامة والرجولة.. ثم تنفجر المسكينة ذات مرة – مهما كانت صالحة صبورة – لأنه أخبرها أن الملح قليل في الطعام مثلا !.. فيقول ببراءة وعيناه (مشرعتان) ذهولا: (أفقط لأنني أخبرتك أنّ الملح في الطعام قليل ؟!).. وسطر تحت (أفقط؟) هذه..

ومع أن الإنكار في النساء أكثر، إلا أني تعمدت ذكر العكس لأنه واقع كذلك، وقلّ من يذكره..

ألا قبح الله هذا (الملح القليل)، وهذا (التحيّز) المقيت، و(الإنكار) عن سبق الترصّد، والتغابي (الذكي)، الذي يجعل طيران الماعز أكثر واقعية من إصلاح ذوات بيننا !.. والله تعالى المستعان.

رفعت خالد

مقالات فسلفية

حالات خاصة


candy-1961536_640

“في الحياة لا يختبر إنسان الأحداث كما يختبرها أي أحد آخر وبنفس الترتيب، قد يرى أحد الموت وهو أكثر شبابا من غيره، وقد يُدرك أحد الحب أسرع من غيره. لو أن رجلين كما نعرف يشهدان على حادثة، سيُدوّنانها بإحالات مختلفة، وبشكل من الأبجدية يخصّ كلّ واحد منهما”.

قالها كاتب الخيال العلمي الأمريكي الشهير (راي برادبوري) فتوقفت عند قوله طويلا، وتذكرتُ عبارة سمعتها – أو قلتها أنا نفسي – (كلّ يكبر بطريقته). وقلتُ أن هذه الاختلافات الجوهرية تكفي لتكون المقارنات بين الناس شبه مستحيلة !

(كلّنا حالات خاصة) كما كتبت يوما.. لذلك يكثُر العجب من تصرفات الآخرين.. فكم يضرب من الآباء أبناءَهم ضربا مبرحا، وهو عندهم نوع من (الحب) والحرص على ما ينفعهم ! كم من الذين يعرضون تفاصيل حياتهم الشخصية على اليوتيوب، ظانين بذلك – ربما – أنهم يحرزون مجدا وشُهرة، وأن الجميع يتحدّث عنهم، وأنهم عادوا أمثالا تُضرب ونماذج تُحتذى ! وذاك الذي يصوّر مائدة إفطاره في رمضان أو كبش أضحيته في العيد.. هل يظن – يا ترى – أنه سمى قدره عند الناس بتلك الصور ؟ والأبوان اللذان يشتريان لابنهما أطنانا من الألعاب، وأحدث الأجهزة الرقمية، هل يظنان أنهما بفعلهما ذاك يجعلان ابنهم أسعد الأطفال وأنجحهم وأذكاهم ؟

ناهيك عن كيفية تفكير المجرم والثري والمُختلس والذي يرمي القاذورات في قارعة الطريق، والذين يكسرون المصابيح العمومية، وأولئك الذين يُقاتلون أنصار فريق الكرة الخصم قتال المجاهدين !

… والذين يجلسون في المقهى ليكتبوا عن (الحالات الخاصة) أليسوا حالات خاصة كذلك ؟

نعم.. كما أن لنا بصمات مختلفة، أعتقد أن كل فرد منا حالة خاصة، أو ينتمي (لطائفة) خاصة من البشر.

رفعت خالد

12-2019

مقالات فسلفية

Just do it !


alkoghol-2714489_640

فلان الموسيقي الشهير في فرقة كذا انتحر في أوج شهرته. لماذا ؟.. إدمان، كحول، جرعة زائدة.. ولماذا تعاطى تلك السموم أساسا ؟.. اكتئاب وهموم إلخ. ولكن.. أي هموم وقد كانت له تلك الجبال من الأموال وهو بعد شاب، والشهرة مع ذلك والمعجبين الذين يصرخون لدى رؤيته ويغمى عليهم ؟.. وهل يجري الناس إلا لذلك ؟ وهل ترى أغلبهم يهتمون ويغتمون لغير ذلك ؟

أو قد يكون تعاطى ذلك وأدمنه في أوج (نشاطه) وليس بسبب قنوط أو إحباط.. أي أنه تناول تلكم المخدرات – أول مرة – فقط من باب (just do it) أو (why not ?)..

… إذن المسألة مسألة عقيدة آخر الأمر.. وقد يسميها بعضهم (فلسفة) أو (لايفستايل) أو (مسائل شخصية) أو أيا ما كان مسماها.. فهي (عقيدة) آخر الأمر. ولا علاقة للأمر بالأموال، وإن أصر الناس أن المال هو المشكل وهو الحل. والحق أن الأمر غير ذلك تماما.. فنحن كائنات (روحانية) ولسنا صناديق بنكية تحشر بالأموال..

المسألة مرتبطة بالعقيدة، التي على ضوئها يرى الواحد الوجود ويحسه ويشمه ويدرك الغرض منه وما بعده.. وإذا أخطأ أو ضل فهو يعود لها، فهي الأصل وهي المرجع..

المسألة دائما مسألة عقيدة، سواء عند الحديث عن صعوبات الحياة وهمومها، أو متعها وشهواتها، وتلكم القواعد الشيطانية من قبيل (تجاست ددو ايت) و (واي نوت؟) ومقولات الحريات المطلقة إلخ.. كل ذلك يدفع الإنسان ثمنه إذا اختار التعامل معه (وفق ما يناسبه) وليس وفق ما أنزل الخالق العظيم من إرشادات وتعاليم..

هي مسألة عقيدة شئت أم أبيت.. ومهما كانت درجة (الجدية) التي تنظر بها لهذه (العقيدة). وحي.. فولكلور.. ثقافة.. أساطير. ستدفع الثمن.. ستدفعه هنا أولا، أما هناك فقصة أخرى..

نسأل الله العفو والعافية.

رفعت خالد

مقالات حرة

مهارة التظاهر بالمهارة !


th

أفدت من تحليل كاتب مصري (عبدالوهاب المسيري) لتطور التعليم في مصر، أن التعليم الذي صار في أكثر بلداننا العربية اليوم هو نوع من (تعليم مهارات اجتياز الامتحانات) فقط ! وهو ليس (تعليما) بالمعنى الأصلي للكلمة.

كما أن هذا (التعليم) صار (غير مجاني) ككل شيء في عصرنا المادي، ليس لأنه مدفوع الأجر مباشرة (بالرغم من تكاثر المؤسسات الخصوصية مدفوعة الأجر مباشرة) ولكن لأن (مهارات اجتياز الامتحانات) هذه تتطلب دروسا خصوصية (مدفوعة الأجر) خارج/داخل المدرسة، وخارج/داخل البيت.. وهذا يجيب تماما على الأسئلة التي (شيبتني) وأنا طالب في الإعدادي والثانوي.. لماذا – مثلا – لا يلتفت أحد للمبدعين من التلاميذ مهما أبدعوا ومهما ابتكروا ومهما تميزوا وأتوا بالجديد ؟.. هناك (عباقرة) تقريبا لا يبالي بهم أحد. وقد فهمت الآن مما قرأت – بعد ان أسقطته على أحداث تاريخي الشخصي مع المدارس والمعاهد وما سمعته من تردي أحوال التعليم في الوطن الإسلامي العربي – أن المهم هو (مهارة اجتياز الامتحان) التي قد تجدها عند طالب وقح فارغ سكير مدخن للحشيش، ولا تجدها بالضرورة عند ذلك الطالب المجد المؤدب واسع الخيال ! أو تجدها عند تلك ال*** ولا تجد أثرا لها عند زميلتها المتحجبة الحيية نقية الفطرة والعقل ! وذلك مترتب – كما أسلفت – على مبالغ سميكة تصرف للأساتذة (الداخلين/الخارجين) إياهم، حتى يقدموا قواعد عملية وملخصات ونصائح نفسية وتداريب تشبه الحركات الرياضية للنجاح في الامتحان..

وقد أضيف (مهارة) أخرى جديدة، تختزل في بلداننا العربية اليوم (التعليم) بكل مفاهيمه الخطيرة المغيرة لجذور المجتمعات، وهي ببساطة (مهارة تحدث لغة أجنبية)، وهي في كل دول إفريقيا تقريبا (اللغة الفرنسية)، إذ يعد (متعلما) و(مثقفا) كل من يرطن بالفرنسية، وتفرح الأم ويصفق الأب كالأبله عندما ينطق ابنهما (الرضيع) أول كلمة فرنسية، ولا يعلم المساكين أنه (إجهاض) قاسي للهوية من المهد ! وبتعبير آخر فأطفال فرنسا الذين نسعى لتعلم (مهارة الحديث بلغتهم) مثقفون ومتعلمون بحسب منطقنا ! بل ربما كلاب الصيد الذين يفهمون الكثير من الكلمات الفرنسية مثقفة كذلك !

أوددي..

خالد