قصص متنوعة

النهاية تأتي بغتة


s97805673

لطالما قرأت قصصا عن الموت وما يرافقه من غرائب وعجائب بعضها خيالي أدبي، وبعضها يزعم أصحابها أنهم عادوا منها بأعجوبة، وقد رأوا – فيما رأوا – نفقا طويلا تلوح في نهايته البعيدة بؤرة ضوء ساطعة، وحلقوا – زعموا – في طبقات من الفراغ الأثيري ليشاهدوا في منظر بديع أجسادهم المنهكة ممددة وهي خاوية على عروشها، وليشعروا أخيرا بخفة تلك الروح الغامضة المُلغزة. وزعم آخرون أنهم رأوا ذاك الشريط (السينمائي) الشهير الذي يُلخّص حياتهم كلها بطريقة عجيبة، لا يعرفها خبراء (المونتاج).. إلخ، إلخ.

سمعتُ هذا كثيرا مثلما سمعتموه، وما استوعبته مثلما لم تستوعبوه. وما كان لي تصديقه أو تكذيبه، ومن منا يملك أن يفعل، وهو في ضفة الأحياء لا يزال.. يرفُل في لذائذ العيش وأطايبه، ولا يذكر مفهوم الانقطاع عن الحياة إلا مرة كل سنة أو مرتين ؟

كنتُ أكتفي كلما سمعتُ أمثال هذه القصص بمطّ شفتيّ تعجّبا.. المشكل الآن أنّي لا أستطيع مطّ شفتي، ولا تحريك عضو واحد من جسدي.. ولستُ أفهم لماذا ؟.. بل لستُ أرى شيئا أصلا، ولا حتى ظلمة العدم الحالكة ! فقط أسمع صوتا كالتراب المنهال، أسمعه لا كالسمع الذي أعرف، بل سمعٌ غريب هو لا قِبل لي به، تأتيني منه أصوات بعيدة كالدلو إذ يضرب جدران بئر عميقة!

أتكون هذه النهاية التي يتكلمون عنها ؟ نهاية الحياة الدّنيا ؟.. ولكن متى؟ متى غادرتها ؟ آخر ما أذكره جلسة العشاء الهادئة مع زوجتي الصّموت حول طاجن ساخن لذيذ.. فماذا حدث بعدها ؟

إن كنتُ غادرت الحياة – يا ويحي ! – فلماذا لازلتُ أذكر وأفكر وأحلّل وأسمع هذه الأصوات البعيدة ؟ وإن كنت لم أغادرها بعدُ – يا شِقوتي! – فما بالي تجمّدتُ حتى لا أستطيع الحراك ؟

لا شك عندي أني راقد الآن في قبري، وهذا الذي أسمع إنما هو أصوات حفنات التراب تنهال على حفرتي لتغطيها؟ يا للهول!.. وهل هذه خطوات تتحرك مبتعدة ؟ يا هؤلاء انتظروا.. وليخبرني أحدكم عن الذي وقع ؟ وأين أكون الآن ؟!

ألا ليتهم يستطيعون سماع الأفكار.. فقد نسيتُ كيف يكون الكلام، وكيف أحرك هذا العضو الرخو في فمي !

لحظة! شيء ما يقترب.. أشعر به في هذا الخواء البارد..

صوت زحف يزداد وضوحا وحرارة.. كيان كبير ضخم يشقُّ طريقه نحوي، أكاد أميز خياله..

إنه يقف بجانبي لا أدري كيف أعرف ذلك.. لكني أعرفه. يَهزّني هزة شديدة.. أحشائي ترتعش..

عساه خير.. عساه خير..

– عساهُ خير حبيبي.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُم وتوضّأ لصلاتك.

… فمي مفتوح من الذعر، وعيناي زائغتان تُحملقان في وجه زوجتي المبتسم الحنون، وهي تضع يدها على كتفي تهزُّه برفق..

النهاية تأتي بغتة فعلا.. ولكن ليست هذه نهايتي.

 

رفعت خالد المزوضي

09-09-2017

قصص متنوعة

الوجه بالمرآة !


empty_mirror_by_dred8667.jpg

(قصة قصيرة جدا)

نظر غلامٌ يوما إلى المرآة فلم يجد وجهه، ووجد مكانه وجه رجل كهل منهك، فهاله ما رأى فبكى، فتهاوى مكانه صَعِقا، ولما أفاق وتذكر ما كان نأى بوجهه عن المرآة فزعا وقام من مقامه وهو يجفّف دموعه، وشرع يُفتّش في كل مكان ويُنقّب ويُقلّب الأشياء بحثا عن شيء واحد يثبت هويّته ويبرّئه من الجنون والهذيان. وفي غمرة بحثه سمع تنحنحا من خلفه فتوقّف حيث هو حتى لكأنما هو تمثال من حجر.. وأصاخ السمع مذعورا ساعة من الزمان، ثم لمّا لم يأته صوتٌ استجمع من القوة ما يُمكّنه من الحركة فاستدار ببطء ناحية الجدار حيث عُلّقت المرآة، حتى إذا صار وجهه شطرها رفع إليها ناظريه رويدا رويدا، فإذا بالوجه المُنهك الشاحب على المرآة ينظر إليه ويفتح فاه بتهالك فيقول: (أولم تعرفني يا هذا ؟.. أنسيت أنك لم تعد أنتَ وإنما أنتَ الآن أنا ؟.. لقد كبرتَ يا هذا وصِرتَ إلى ما ترى، وقد ولّى ذاك الطفل الذي كنتَ تعرف وولّى ذاك الزمان.. ولّى إلى غير رجعة !).. ثم انهمرت الدموع على الوجه بالمرآة..

رفعت خالد المزوضي

01-01-2016   

قصص متنوعة

العجوز والمقهى


pexels-photo-large

(قصة قصيرة)

وضع النّادل الوسيم أمامي كأسَيْ القهوة والماء وجريدة اليوم، ثم ابتسمَ في أدب (تجاري) قبل أن ينصرف بخفة..

حملتُ كيس مسحوق السكر أتأمله بتراخ.. هذه الشعارات والأسماء والعبارات الإعلانية من قبيل (نحن الأفضل) تطاردنا في كل مكان.. متى – يا تُرى – كان سكرٌ أفضل من آخر ؟.. أعتقد أنهم لو كانوا يبيعون التراب لقالوا (ترابنا أفضل) !

مزّقتُ الكيس بعنف ساخرا مما كُتب عليه، ثم أفرغته بأكمله.. صوتُ الملعقة وهي تخلط الأبيض بالأسود في الفنجان حملني بعيدا، إلى أحلام اليقظة التي أدمنتها.. ولمّا أن عدتُ منها، واسترجعتُ وعيي وانتباهي جعلتُ أقلّب صفحات الجريدة بين يديّ فارّا من الإعلانات وعبارات (نحن الأفضل) إياها التي تطلّ عليّ من كلّ مكان.. تكاد تُخرج لي لسانها !

أغاظتني بعض العناوين وأثارت تعجبي أخرى.. فكان كل ما أقرؤه يُترجم فوريا على ملامح وجهي المجعدة وحاجبي الكثين.. وكنتُ بين الفينة والأخرى أدوّن عبارات تهمني على مذكرتي..  

حييتُ وجها أعرفه مرّ مُسرعا أمامي..

وضعتُ الجريدة بملل، وحملت المذكرة أنظر لما كتبتُ، وأطرق الطاولة بقلمي مفكرا..

ثم أخرجتُ أوراقا بيضاء وشرعت أكتبُ نصا طويلا مستعملا بعض ما استخرجته من إحدى المقالات..

تذكرت القهوة فجأة، لابد أنها بردت.. تناولت الفنجان ومددت رقبتي لأريحها قليلا، فطالعني منظر رجل بعيد يقتعد مقعدا قبالتي ويحمل قلما على ما يبدو، وفنجان قهوة باليد الأخرى.. وكان يمدّ رقبته هو الآخر !

متابعة قراءة “العجوز والمقهى”

قصص متنوعة

مليكة


IMG_1829

(قصة قصيرة)

– 1 –

كان شابا لمّا يلج عتبة الثلاثين بعد.. أبيضا، طويل الهامة، معقوف الأنف، غليظ الشفتين، مليح الوجه، وقد زيّنته لحية قصيرة غير مكتملة على الذقن والعارضين..

كانت تبدو عليه أمارات الحزن أكثر الوقت، ويعكس مظهره دائما بعض اللامبالاة وقلة اهتمام بالهندام، ويظهر عليه شيء من الفقر والعوز.

يعمل بإحدى المكتبات الناشرة، حيث يسوق شاحنة إلى مدن مختلفة يوزع بها الكتب المطلوبة على المكتبات الكبيرة والصغيرة..

وهكذا يدخل منهكا – كل مساء – بيته البسيط بضاحية المدينة.. يريح جسده بعض الوقت فوق السرير المرتّب النظيف ليقوم، بعدها على مضض ملبيا نداء الجوع..

ثم تراه منحنيا يقشر الخضر وهو يكلم نفسه مُبتسما أو يعض على شفتيه متألما.. فهو اعتاد حياة الوحدة حتى صار يشك في مقدرته على تحمل الخلطة والجماعات، ويُثار خوفه كلما فكر في الانتقال من العزوبية إلى الزوجية  !

أمسك رأسه وقد شعر بصداع مفاجئ !

* * *

متابعة قراءة “مليكة”

قصص متنوعة

الوتد الذي قتل شجاعة الولد !


 الوتد الذي قتل شجاعة الولد

   على مقعد في تلك الحديقة الهادئة ، كان الثلاثة يتهامسون بجدية حينا و ينخرطون في ضحك جماعي حينا آخر ! وكان خالد هو من يتكلم كثيرا بينما يكتفي الآخران بالإنصات والضحك. كانوا يحيكون خطة للإيقاع بنبيل الذي يراهن دائما أنه أشجع وأقوى شاب على وجه البسيطة !

   وفي اليوم التالي ، خرجوا من محاضرة في الرياضيات و وقفوا – غير بعيد عن الباب – يرقبون الأفواج الآدمية المتدفقة من المدرّج وينتظرون ظهور نبيل ليشرعوا في خطتهم التي راجعوها مرارا حتى حفظوها عن ظهر قلب.

   و لما ظهر “الرجل الشجاع” بدأت القصة..

متابعة قراءة “الوتد الذي قتل شجاعة الولد !”

قصص متنوعة

شتاء ولكن.. !


شتاء ولكن

فهمتُ بعد نصف ساعة من الضجيج أن شيئا ما ينقر زجاج نافذتي..

اعتدلتُ على السرير أفرك عينيّ بعنف كأني أدخلهما بعدما خرجتا من المحجرين !

ما هذا ؟.. مطر ؟.. نعم إنها قطرات المطر الحبيب.. شكرا على إيقاظي، هذا لطف كبير.. لكنه الأحد، وكنتُ أمنّي نفسي بنوم دافئ بعد صلاة الفجر، لكن.. خير

طق طق طق..

حملتُ إبريق القهوة بعد أن أطفأت الموقد بحركة سريعة.. وتوجهتُ بخطوات مرحة إلى الثلاجة لأخرج.. الجبن والمربى والبيض والزيتون الأسود وأشياء غريبة أخرى..

أغلقت الثلاجة بقدمي لأن يديّ مشغولتان.. عجيب أمر هذه الثلاجة.. تحتكر وحدها فصل شتاء أبدي..

طق طق طق..

متابعة قراءة “شتاء ولكن.. !”