قصص رعب

ليلتان وليلى


2337252715_76825646a3_z

(قصة قصيرة)

“ظهر الآن ثقبٌ كبير وسط الباب، وامتدّت يدٌ متلهّفة من خلال الثقب لتدير المقبض من الداخل إلا أنها وجدت الباب موصدا بالمفتاح، ولا مفتاح بعين الباب، فعلت زمجرة غاضبة، وواصل الفأس تكسير الخشب السميك..”

 

-1-

كانت صويحباتها يرقُصن حولها بعنف ويجذبنها بين الفينة والأخرى، لتنتبه من غفلتها وتمرح وترقص كما يفعلن. لكنها لم تزدد مع ذلك إلا سُهوما، وإن وزّعت الابتسامات يمنة ويسرة، فإنها لم تتحرك من مكانها إلا قليلا، كأن الزينة التي عليها تثقل رأسها فلا تستطيع حراكا ! لَم تدرِ لِم بدا لها كلّ شيء غريبا وقتها، فجأة لم تعد تفهم ماذا أتى بها إلى ذلك البيت المبهرج بالألوان، والفُرش، وقفاطين النساء المتلألئة، والعطور الخانقة، وأصوات الحليّ التي ترنّ كأنها شلاّل هادر من النقود المعدنية، وأصوات الأواني وهي تُقرع في المطبخ المجاور، من كؤوس وصحون وملاعق، وأقدام الخادمات وهي تضرب البلاط جيئة وذهابا، يُحضرن ما يُحضرن، ويحملن ما يحملن ؟.. ماذا يحدث ؟ وما كل هذه الفرحة ؟ بل متى كانت بهذه الأهمية الخطيرة – أصلا – حتى يحتفلون بها هذا الاحتفال ؟ وأين كان مخفيا هذا الحب والتفاني من قبل ؟

ثم تذكرت، وسط الضوضاء الصوتية والبصرية، كيف لم تكن ‘ترضى’ كلما دُعيت إلى عُرس من أعراس الزواج.. كل ذلك الكمّ من الغرور والتفاخر باللّباس والشعور المسرّحة، والحليّ الباهرة، وأطايب الأكل الذي يطوفون به في مواكب، كأنها المواكب الملكية ! لم تكن تَسلَم من الضّيق الذي يخنق أنفاسها، والألم الذي يغصّ به قلبها في مثل تلك المناسبات، وقتَ أن كانت في عداد العوانس البائرات – كما يصرّ على تسميتهن الناس – ولذلك كانت تجاهد نفسها جهادا كبيرا حتى لا تحسد المتزوجة، لِما علمت من خطورة الحسد على الحاسد والمحسود معا. فهل تُصدّق الآن هذا الفرح البادي في العيون ؟ أوَتسامى الجميع عن الحسد فجأة ؟.. لا تصدق !

Continue reading “ليلتان وليلى”

Advertisements
قصص رعب

ممنوع دخول البشر !


%d9%85%d9%85%d9%86%d9%88%d8%b9-%d8%af%d8%ae%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b1

(قصة قصيرة)

-1-

ألقيتُ بثقلي فوق الكرسيّ الدوّار، وقد وضعتُ قدح القهوة بجانب لوح المفاتيح..

هي جلستي الليلية المعتادة أمام شاشة الحاسوب، بعد الفراغ من العشاء الأسَريّ البسيط، وبعد كلام يسير نتجاذب أطرافه حول مكان المخيم القادم، أو تداعيات القصف السوري لسوريا ! أو لغز اختفاء صندوق النفايات من مكانه برأس الحي، أو ارتفاع سعر البصل وعلاقته بالربيع العربي.. أو أيّ موضوع آخر من وحي الساعة أو إلهام الملل. بعدها أصعد الدّرج بحماس إلى الطابق الثاني، حيث بيتي العزيز وحاسوبي الحبيب، وليلة أخرى من الليالي الطويلة المفعمة بالمحادثات الماتعة، واللقطات المضحكة، والأخبار الغريبة، والفضائح المريبة.. وهلمّ جرا.

أما البيتُ فمبعثر غاية البعثرة، يُذكرني – دوما – بالأطلال كلما ألقيتُ عليه أول نظرة، كما تذكرني كلمةُ (الأطلال) به إذا سمعتها أول مرة. ربما لو دخل عليّ الآن مجنون ليلى لدمعت عيناه، وجلسَ على كومة من ثيابي يبثّ هواه لليلاه، وينشد بيتا خالدا يذكرُ فيه كلمة (أطلال) !

حاولتْ أمي – وبعدها أختي – فهم هندسة بيتي، وسط كل هذه الفوضى ولكن كان ذلك بلا جدوى. حاولا العثور على حلّ جذري لترتيب ملابسي وجواربي ودفاتري، ولكن هيهات. فما كانت محاولاتهما إلا (كناطحٍ صخرةً يومًا ليُوهنها، فلم يضرها وأوهن قرنه الوعلُ)  !

وأما هذا الحاسوب الذي أجلسُ أمامه الآن، وأكتبُ عليه ما تقرأون، فأمره عجيب لا ينقضي منه العجب.. فلكأني به يختزل أكثر دنيانا وراء شاشته. يمتصّها امتصاصا من الهواء، ويشربها من الحيطان فتسري منه في الأمعاء.. أو يلتقطها من الأثير لاقطٌ مثبّت بداخله، كأن داخله بسعة السماء ! وتأتي أنتَ لتُلقي بجسمك عبر الشاشة، وتسبحُ هنا وهناك بلا قيد كالحوت في البحر.. أو تُطلّ على هذا البلد أو ذاك من مكانك، كأنما تطلّ من شرفة برج عاجيّ، ثم إذا ما سئمت أو أضجرك المنظر، غلّقت النافذة، وقصدت شرفة أخرى. أو تراك تُبحر بسرعة البرق تحت المحيطات، كأنما أنت عِفريت أزرق ! فتصل الطرف الآخر من العالم قبل أن يرتدّ إصبعك من لوح المفاتيح  !

Continue reading “ممنوع دخول البشر !”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 7 – الأخيرة


desktop-1406691652

الفصل الأخير

-7-

الكرسي والمرآة !

أين يكون المرء وهو يكتب ؟!..

أنظر للساعة على الحائط في رعب مستطير وقد رُدّت عليّ حواسّي فجأة.. فسمعتُ غليان الماء فوق الموقد وقد نُسّيته، إذ كنتُ أودّ شرب كأس أو كأسين من الشاي الرديء الذي ألِفته، لكن لا وقت الآن لمثل هذا الترف ؟

مستعجلا، منفعلا، مرتجلا – وقل ما بدا لك بعدُ من هذه الأوصاف – قمتُ أركض نحو المطبخ لأطفئ الموقد وأنا أُسقِط كل ما في طريقي كثور هائج لا يلوي على شيء..

ألهث وأركض وأتعثر..

أتعثر وأركض وألهث..

بقيتْ سبع وعشرون دقيقة على الموعد، وعليّ الخروج حالا..

وضعتُ بعجالة في حقيبة الظهر السوداء خاصتي، أشياء متفرّقة كنت أعددتها من قبل.. مسجل صوتي، خنجر طويل، مصباح يدوي، بطاريات احتياطية، غطاء، قارورتا ماء – ملأتهما من الصنبور طبعا -، عُلب سردين “معلبّ” وأشياء أخرى من هذا القبيل !.. ألستُ ذاهبا إلى بلاد الجان ؟

كدتُ أصطدم بالشمطاء في الدرج وهي تصعد مقوسة الظهر ببطء مثير للأعصاب..

– تبا لك أيها المنحوس.. ما الذي يُثير عجلتك إلى هذا الحد ؟ هل صرت عفريتا من الجن ؟

– تقريبا..

قلتُها ولم ألتفت لنظرتها من فوق كتفها وقد أثار حفيظتها ردّي الوقح..

– اذهب، أنا أريد لك كسرا في…

ولم أسمع تتمة دعوتها الخبيثة فقد كنتُ خارج البناية أشير إلى أول سيارة أجرة لاحت لي بلهفة كأنما هي آخر سيارة في العالم..

قلت وأنا أدلف السيارة بعنف:

– غابة (بوسكورة) من فضلك.. الآن !

– ولكني لستُ ذاهبا…

– الآاااااان !

* * *

Continue reading “الجنسية المستحيلة 7 – الأخيرة”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 6


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-6-

طبّاخة ماهرة !

الأحد..

بقيت خمس ساعات تقريبا على أذان العصر، ثم يحين الموعد الذي تعرفون.

مساء أمس، لما أغمي عليّ قرب الباب، وقعت مصادفة غريبة بعض الشيء.. فقد كان آخر ما علق بذاكرتي هو منظر الباب ويدي التي تحمل المفتاح تحاول معالجة القفل.. ثم الضباب على عيني، فصوت ارتطام زلزل رأسي، فألم حاد بصدغي الأيمن.. ثم الظلام.

فتحتُ جفنيّ مقاوما ذاك الخَدَر الثقيل، فإذا بي في غرفة لا أعرفها.. كانت هناك لمسة أنثوية واضحة بالمكان، ورود وخيوط ملونة تتدلى من الأركان.. رائحة بُنّ قوية، أصوات نسوة تأتيني من مكان ما.. فلما أصختُ السمع ميّزتُ صوتَ شابة رفيع، وصوتَ امرأة أخرى تكلمها قدّرتُ أنها عجوز !

تلمّستُ رأسي فوجدته مضمّدا، فزاد تعجّبي وتساءلتُ أيّ شيء حدث لي ؟.. ثم حاولت الاعتدال، فجلستُ، فانتبهتُ أول مرة إلى السرير المتواضع الذي أضطجع فوقه وإلى ملاءته البيضاء النظيفة، بل إني انحنيتُ أشمّها فوجدتها معطّرة ! وقبل أن أستنتج شيئا دخل آخر شخص أتوقّع دخوله.. روقية !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 6”

قصص رعب

أنا قادم إليك !


أنا قادم إليك

(إعادة نشر)

    – سمير !.. حبيبي.. سمير !

   همست بها الأم في أذن طفلها النائم كالحمل الوديع..

   – ممممم ؟

   – هيا يا صغيري ، نمت كثيرا.. انهض فأنا و والدك سنسافر الآن..

   – مممم ؟

   – ألا تريد أن تودّعنا ؟ ها ؟

   – ممم.. ماذا ؟.. ستسافران ؟

   لفظها سمير بصعوبة و هو يفرك عينيه ليزيل منهما شظايا النوم..

   – إن جدتك مريضة ، شفاها الله ، و يجب أن نزورها.. وأعدك بمفاجأة سارّة حين عودتي.. ها ؟ ما رأيك ؟

   قالتها (مروة) بمرح و هي تعابث طفلها الذي اتسعت ابتسامته لما سمع العبارة الأخيرة..

* * *

   (محمد) رجل أعمال ناجح و زوجته (مروة) سكرتيرته الخاصة.. شابان سعيدان و متفاهمان لأقصى حد. ذلك النوع من الأزواج اللذين يتبادلون المجاملات على مائدة الطعام عوض السباب و اللعنات !.. ذلك النوع من الأزواج “العشاق”..

   رُزقا بطفل منذ ست سنوات ، وهو (سمير) طبعا.. ولدٌ في غاية الذكاء ، يظهر ذلك من خلال كلامه و تصرفاته التي تفوق سنه بمراحل.. 

   ربياه أحسن تربية و وفرا له ما لا يتوفر عند جلّ أصدقائه في المدرسة.. إذ أنه فتح عينيه في غرفة جدرانها مغلفة بورق وردي فاتح.. غرفة هي عالم لوحدها ، مدينة ألعاب !..

* * *

Continue reading “أنا قادم إليك !”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 5


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-5-

العدّ العكسي !

بقيَ يومان على الموعد الموعود !

كنتُ أرى في الليالي الأخيرة أحلاما وكوابيس غريبة، هي مزيج من الحبّ والرّعب !.. روقية تحمل قطا ميتا تُقدّمه لي عربونا لحبها !.. قطّ يلبس بذلة ويحمل في يده باقة ورد، يتقدّم لخطبتي !.. مُراد صاحب الدكّان يسرق ضمّادات مُتّسخة من القُمامة !.. الشمطاء تعترف لي – وهي تبكي – أنها تُحبّني بجنون !.. وأشياء غريبة من هذا القبيل..

المفروض أن هذه الأحلام هي الشيء (الفانتازي) الوحيد في حياتنا الروتينية، إذ لا يُمكنك أن تقفز من أعلى الدرج إلى سفحه بخطوة واحدة إلا في الأحلام.. لا تستطيع أن تتواجد بأمكنة وأزمنة مختلفة إلا هناك.. في الأحلام. لا تجرؤ على السقوط من حالق – من غير سبب واضح – أو أن تسبح في السماء بسعادة شاعرا بدغدغة محببة في بطنك إلا في مملكة الأحلام..

وإني أعتقد أن رسالة روقية لي هي الدليل الماديّ الوحيد الذي يُثبتُ فزعي وصراخي تلك الليلة وإلا لشككت أن كل ذلك كان حلما.. أو كابوسا على وجه الدقة !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 5”

قصص رعب

أوراق ودماء


أوراق ودماء

قصة قصيرة

 السبت 16 يونيو 87

وضعتُ وسادة خلف ظهري ومددت رجليّ على السرير حتى خرج عقباي من حافته كالعادة !

أضأت المصباح على يميني وحملت ذلك الدفتر المجعد العجوز الذي ليس له غلاف.. دفتر يومياتي، دفتر حياتي. لقد شارف على الانتهاء.. وأفكر في التوقف عن الكتابة نهائيا بعد ملئه.. إذ صرت ضعيف البصر، والتركيز على السطور مع محاولة تحسين خطي القبيح يكلفاني مجهودا ذهنيا لا بأس به.. ولكنها كانت تجربة رائعة أن أدوّن رواية حياتي بمغامراتها وأحزانها ومللها وقرفها ووحدتها.. وخطورتها التي أفهمها أنا فقط.. أما الآخرين، فحتى تمزقي أسفل قطار شحن لا يعدونه أمرا خطيرا !  

الهدوء التام يُشعرني بدوار لذيذ يحتل رأسي، بعد ساعات العمل تلك بمقر الجريدة.. ليس بالعمل الشاق.. ولكن من قال أن الجلوس على كرسي واحد لسبع ساعات متوالية نشاط مريح ؟

أما هنا فكل شيء ميت ! أعدك أن أعصابك سترتخي لدرجة التجمد !

Continue reading “أوراق ودماء”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 4


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-4-

ورقة التّوابل !

– … وضحك ضحكة لازلتُ أجد صداها إلى الآن !

كان أسامة يُحدّق بي باهتمام بالغ وقد أثارت القصة انتباهه..

جرع ما تبقى من شايه وقال طالبا المزيد وكأني أقصّ عليه حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة:

– ثم ؟

– ثم.. قفز الشيطان من النافذة كما لو كنا في الطابق الأرضي وليس في الرابع !

قلتها وعضضت على شفتيّ متنهدا بأسى قبل أن أواصل:

– نمتُ مكاني لا أذكر كيف، وليس في ذاكرتي بعدها إلا الشمس وهي تلسع وجهي بشعاعها ، ففتحت جفني المتلاصقين بصعوبة واستغرقت وقتا لأفهم من أنا وأين أنا ولماذا أنا.. الخ. ثم لما فهمت وجدتُني مرميا على الأرض كيفما اتفق، أعانق الثلاجة !

ضحك أسامة ربع ضحكة ثم تدارك نفسه بأن سعل وسألني بسرعة – ربما لينسيني أمر الضحكة -:

– نبيل.. أخبرني، هل أحرقت الكتب كما وصيّتك ؟

نظرتُ له نظرة ذات معنى.. ففهم جوابي من فوره وتأفّف قائلا:

– لا تلومنّ إلا نفسك يا أخي.. على كل حال، أنهِ ما تبقى في كأسك حالا.. المحاضرة بدأت فعلا.

* * *

تذكرون (روقية) حفيدة الشمطاء، تلك التي قدمت لي طبق السمك المقلي وابتسمت ابتسامتها التي ابتسمت.. تلك الابتسامة (الملغومة) ؟.. حسن، لقد وجدتُ رسالة لها أسفل بابي هذا المساء !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 4”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 3


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-3-

التجلّي الثاني

إن قُدرات أعصابنا في تحمل الألم والخوف محدودة، وعقولنا لكي تعمل بكفاءة تحتاج وسطا ملائما ونفْسا معتدلة ونَفَساً منتظما..

وهذا الترف لم أكن لأملكه يومئذ.. فقد كنتُ – داخل بيتي – واقفا كالخشبة، شاحبا كالموزة.. يجثم على صدري ذاك الشعور الثقيل الذي هو أشبه شيء بالتجمد، كأنما يكفّ عقلك ويستسلم فجأة ثم لا يهمّه – بعدها – تحريك أعصابك وعضلاتك.. فلتتصرف لوحدك !

كنتُ أمام التجلي الثاني..

القط نفسه.. واقفا على فراشي، ينظر لي بثبات مفزع..

من أين دخلت هذه المصيبة ؟

أردتُ أن أصرخ.. أردتُ أن أفر بجلدي لكن هيهات.. فقد هجرني عقلي لا أدري إلى أين، ودخلتُ في غيبوبة مُصمتة وأنا بعدُ يقظان !

القط الأسود المفزع واقف على قائمتيه فوق فراشي ينظر لي في مشهد خالد لن أنساه..

بله كان يُخاطبني !

كنتُ أسمع كلامه داخل رأسي.. كلام لا صوت له !

وبدأ جبيني يتصبّب ماء باردا.. فقد كنتُ أعي ما يقول !

* * *

Continue reading “الجنسية المستحيلة 3”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 2


desktop-1406691652

(قصة مُسَلسَلَة)

-2-

الضمّادات !

في الأيام التي تلت (حادثة القط) تعكّرت نفسيتي كثيرا وحاولت إقناع نفسي بأن ما رأيته لا يعدو أن يكون هلاوسا وضلالات.. وإن ذلك لفي الإمكان، إلا أنه لا يريحني بحال من الأحوال، فليس لعبة ممتعة أن تتوهم رؤية قطّ واقف على رجليه، يبتسم لك – كالبشر – أنت بالذات  !

وكان رأي أسامة رأيا مباشرا قاطعا.. (احرق الكتب اللعينة!)

حسن، أعتقد أني لا أقوى على ذلك بعدُ.. وإن كانت فكرة الحرق هذه ستروق كثيرا للعجوز الشمطاء، صاحبة البيت..

لكن تلك الواقعة الغريبة، زلزلت نفسيتي زلزالا عظيما وعكّرت هدوئي الذي كنتُ أنعمُ به منذ أن استقرّت أحوالي الدراسية والسكنية أخيرا.. واكتشفت أني لستُ شجاعا كما كنت أظن، ولا قويّ الشخصية إلى ذلك الحدّ الذي حسبت.. هذا الضعف البشري الذي لا حدود له.. وإننا – في كل تجربة نخوض غمارها وتخوضنا – يتضح الفرق بين ما نريد أن نكونه وبين ما نحن عليه في الحقيقة !

أما الآن فصار خيال الشمعة التي أدرس عليها بالليل يُفزعني !  وصرت أغلق عليّ بيتي بإحكام عند منتصف الليل.. وأعتبر البهو خارج ملكيتي.. الحمام كذلك لا حاجة لي به، فلأبق في فراشي أحسن لي وأسلم..

أعرف أنني أرى أشياء غريبة الشكل تتحرك في ظلال الحائط وإن كان كل شيء حولي هادئا.. لكني لا ألتفت لذلك ولا أريد أن أصدّقه!

أعرف أن إطلال المرء من نافذته سلوك بشري عادي.. لكني منعته على نفسي إذا ما جنّ الليل.. فليلي لا يجنّ فقط.. بل ويجنّ جنونه كذلك !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 2”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 1


desktop-1406691652

(قصة مُسَلسَلَة)

-1-

التجليّ الأول

إنه ولعي بالغرائب الذي قادني إلى كل تلك المصائب.. ولأنني إنسانٌ ملول جدا بطبعي لم أطق أن أحيا بالسطحية التي يحيا بها أكثر الناس، فكان أن انكببتُ على كُتب غرائب الأحداث و مصنفات عجائب الوقائع أبحث عن الجديد الذي لم يُخبَر والمجهول الذي لم يُسبَر، والمشكلات التي أعجزت عقول من قبلنا فتركوها متراكمة على عتبات التاريخ ومضوا في طريقهم متناسين..

قرأتُ الكثير من تلك الأشياء حتى تكدّست حُجرتي الصغيرة بمئات المؤلفات والمجلدات المهترئة.. وكنتُ – بين الفينة والأخرى – أسمع لوم المرأة العجوز التي أكتري غرفتها، تلقيه عليّ كلما أطلّت بوجهها المجعّد من نافذة البهو الصغيرة..

“يا هذا المنحوس.. ألن تكُفّ عن عادة تضييع النقود في التوافه، أنت تؤخر ثمن الكراء مدعيا أنك صعلوك لا مال له فأغفر لك، وأرجئ الموعد في كل مرة.. كريمة أنا، لكن للكرم حدود، فعندما أرى كتبا جديدة لم أرها من قبل في مزبلة كتبك هذه.. أعرف أنك تجمع المال.. كح كح.. انظر لبيتك أيها المنحوس.. ليس فيه شيء تقريبا، ألن تشتري دولابا، مكتبا، مزهرية.. كما يفعل الطلاب الحقيقيون ؟.. تبا لهذا الجيل المعتوه.. كح كح”

كذا.. ثم تمضي ببساطة !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 1”

قصص رعب

اللقاء الأبدي !


image002.jpg

(إعادة نشر)

قصة كتبتها في 2007

   ثلاث ساعات مرّت و سمير يقود سيارته “الميرسيدس” الجديدة بسرعة فائقة.. لابد أنه قطع ثلثي الطريق الذي يقتاده إلى أمه المحتضرة.

   الظلام حلّ منذ ساعة مُلقيا وشاحه الأسود على اللّوحة الريفية الجميلة بمدخل “الرباط” العاصمة ، فظلّت أضواء السيارة القوية تكشف جذوعا سميكة لغابة يلفّها برد الشتاء.

   بعد أن استمع في بداية رحلته إلى برامج منوعة من إذاعة “الرباط” المحلية أسكت الجهاز ليحل صمت قاطع إلا من صوت المحرك الرتيب..

   أخذت الخواطر المبهمة تتقافز أمامه في الطريق و طفق يمضي إليها وكأنما ليدوسها بالعجلات !..

   مشاهد كثيرة هي ، عن حياته البائسة كما يعتبرها.. صدمات و خيبات أمل مُرّة و غدر من أناس قريبون أكثر ما يكون إلى قلبه.

   تتردد الصور و الأصوات بذهنه و يتقلص وجهه في كآبة أو غضب من حين لآخر ، و بدا كأنه لا ينتبه للطريق أمامه.. الطريق السيّار الأنيق الذي يقوده بسرعة إلى نهاية حياته العادية.. دون أن يخطر ذلك على باله !..

* * *

   انقضت أعوام طوال على آخر زيارة له للرباط.. ظروف العمل طوّحت به إلى الصحراء بالجنوب و كم مقت تلك المنطقة الحارة المملة. و هاهي الظروف تعود به أخيرا إلى مدينته الأم ، إلى بيت والدته الحنون.. و يا لها من ظروف !..

   انحدرت دمعة دافئة على خده و عيناه الواسعتان تنظران إلى الطريق بثبات..

   و في غفلته التامة استيقظ عقله الواعي بعنف على شيء رآه أمامه فأمسكت يده المتجمدة مقبض السرعات و قام بحركات مذعورة قبل أن يضغط الكابح ضغطة واحدة..

   دوّى صرير حاد بالمكان الخالي فتلاه صمت أكثر عمقا من سابقه !

Continue reading “اللقاء الأبدي !”

قصص رعب

ماذا وقع في المطار ؟


 ماذا وقع في المطار

   – هنا من فضلك..

   قالها د. أمجد لسائق سيارة الأجرة النحيل فركنت العربة مستجيبة أمام بناء ضخم.. ” مطار الدار البيضاء “.

   نزل الدكتور يحمل حقيبتين بيديه ، و خطا بسرعة نحو بوابة المطار الزجاجية التي ما إن اقترب حتى فُتحت لتنغلق من جديد بعد أن ابتلعته..

   لامس وجنتيه هواء المكيف البارد ، و تسرّب إلى أذنيه صمت عقيم جامد..

   ” غريب ! “

   تمتم بها وهو واقف وسط الساحة الفسيحة للمطار ، والخالية تماما رغم كونه منتصف النهار !

   مطّ شفتيه في تعجّب ، و تقدّم ملتفتا في كل اتجاه..

   الهدوء التام !

   صوت قرع حذائه البني الأنيق على البلاط اللامع..

   الخواء المزعج !

   ” أين الجميع ؟.. أليس هذا الجنون بعينه ؟ متى كان أكبر مطار في أيّ دولة فارغا ؟.. هـل… ؟ “

   وبلع أفكاره لما خرجت من إحدى الزوايا.. كرة ملوّنة تتدحرج !

Continue reading “ماذا وقع في المطار ؟”

قصص رعب

بلا سائق !


 بلا سائق

   كان يدندن ملء فمه و هو يساير نغم الموسيقى المنبعثة من المذياع..

   لم تمر سيارة منذ ما يقرب نصف ساعة.. يبدو أنه ابتعد عن المدينة بما فيه الكفاية..

   ما أجمل القيادة في شارع خال ليلا !.. يأخذك شعور لذيذ بأنك أبرع قائد سيارة في العالم !.. تحس بالتحرر التام وكأن بإمكانك القيادة دون لمس المقود..

   بتر سلسلة خواطره فجأة ، و كفّ عن الدندنة لما أغشت عينيه أضواء شاحنة ضخمة ، انبثقت من العدم لتصدر صوتا مزلزلا ، ارتجت له دواخله !

   أدار المقود بحركة جنونية ليتجاوز الارتطام المهول !.. ثم أطلق زفرة حارّة حملت معها مخاوفه ، لما تجاوزها.. ونظر في مرآته لأضوائها المشعة وهي تبتعد..

Continue reading “بلا سائق !”

قصص رعب

المنزل رقم 12


المنزل رقم 12

    انبسطت تحت أشعة الشمس رُقعة مترامية الأطراف من منازل متناسقة البنيان ، زاهية الألوان ، تحوطها أشجار الأرز الباسقة و جبال خضراء شامخة..

   و لعل الرّائي من عل سوف يرى انشطار الرقعة إلى شطرين و انقسامها إلى قسمين متباينين. قسم من البنايات الحديثة ، و الذي يُطلق عليه اسم “المدينة الجديدة” و هو الأوسع نطاقا و الأكثر انتشارا حيث يحتل ثلثي المساحة تقريبا. و قسم ثانٍ تظهر معالم القدم على منازله و مساجده و أسواقه الفسيحة ، وهو ما يشكّل “المدينة القديمة”.

   هذه الرقعة هي مدينة (فاس). العاصمة الثقافية و التراثية للمغرب ، فما أجمل أبوابها المزخرفة وما ألذّ لكنة سكانها السلسة وما أبهى ذلك الشعور بالانتماء الذي يتملّكك و أنت تتجول بأزقتها الشعبية..

* * *

   المدينة القديمة ، حي “الحنصالي”.. فضاء شعبي يموج بالحياة و يعُجّ بالحركة.. متشابهة منازله ، متقاربة أبوابه.

   صبيان يركضون بخفة أمامك ثم سرعان ما يختفون بأول انحراف فلا يبقى سوى صدى ضحكاتهم تتقاذفه الجدران.. ثم تمر في الطرف الآخر من الزقاق ثلة من نساء محجبات يمشين بتؤدة و استحياء و يحملن أكياسا على رؤوسهنّ بطريقة فيها من البراعة و الحذاقة الشيء الكثير.

   وشديد الانتباه لن تفوته ملاحظة منزل معزول في آخر الحي. جدرانه متآكلة ، زجاج نوافذه مكسور ! و أكثر ما يشدّ الانتباه هو بابه الضخم العتيق ، و قد عُلّقت فوقه قطعة خشبية مائلة ، مكتوب عليها بخط قديم (رقم 12).

Continue reading “المنزل رقم 12”