قصص رعب وتشويق

سرّ الزّرقة


مدينة شفشاون

قصة قصيرة

1

جَرَع حمزة ما فضل من قهوته المرّة، وقام بعُجالة ناظرا في شاشة هاتفه النقال.. لم يبق من الوقت الكثير.

أخرج حافظته واستلّ منها ورقة نقدية زرقاء مدّها للنّادل المتأنّق، فأمسكها هذا وعلى وجهه بعضُ الضّيق..

 – أليس معك عملات صغيرة يا سيدي ؟

حرّك حمزة رأسه نفيا، فزفر النادل وهو يفرد الورقة بتوتر وينظر حوله مرارا، باحثا عن سبيل لصرف المائتي درهم في مثل هذا الصباح الباكر. ثم لم يلبث كثيرا حتى هرول مُسرعا بخطوات واسعة لما لمح حارس السيارات البدين الذي ينقذه عادة من ورطة (الصّرف). وارتفع مع هرولته صوت رنين القطع المعدنية المصطكّة في جيبه الأمامي.

وقف حمزة مكانه أمام باب ذلك المقهى الرباطي، وبدا هادئا وهو يُدير رأسه في الناس والسيارات المتسابقة منذ الصباح الباكر، ماطّا شفتيه عجبا من أحوال الدنيا..

لطالما كان يعجب من مقدرة الناس على شراء السيارات بالخصوص، فقد صارت عنده علامة من علامات (النجاح) في جيله الذي تفشّت فيه البطالة حتى النّخاع، وصار العمل أشبه بمعجزة خارقة تستحق أن يشهدها الناس وتُقام لها الحفلات والأعراس !

درسَ حمزة الحقوق ثم انتقل للصحافة.. حُلمه الأوّل، والآن هو يتدرّب بمقرّ جريدة من الجرائد الرّائدة في المغرب.

تسع وعشرون سنة.. أسمر اللون، بُنّي العين. خفيف شعر الرأس، طويل القامة على شيء من النحافة. والغالب على طبعه الخجل والانطواء ودقة الملاحظة، مع الانكباب على القراءة والكتابة بغزارة عجيبة.

يُعاني من كل ما يمكن أن يعاني منه مُعظم الشباب العربي في الألفية الثالثة.. فقر وعزوبية ووحدة، وعدم استقرار في كل ما ينبغي الاستقرار فيه !  علاوة على عيوبه الشخصية التي منها ما هو عليه الآن.. التأخّر في المواعيد  !

جاءه النادل أخيرا وهو يلهث، ودسّ كومة من الأوراق والعملات في كفّه، منتظرا أن يتفضّل عليه بإكرامية جزاء وفاقا. ولكن حمزة ما لبث أن انطلق مهرولا – دون حتى أن يُدقّق في حسابه – ناحية محطة القطار المقابلة للمقهى، وعينه مُعلّقة على الساعة الضّخمة فوق بناية المحطة، والتي كانت تُشير إلى السابعة إلا خمس دقائق.

الجو غائم غامض، والسحب تخفي وراءها ما تخفي.. وحمزة لا يدري ما تؤول إليه مهمته الصحفية الأولى.

– – –

متابعة قراءة “سرّ الزّرقة”

قصص رعب وتشويق

لا تضغط الزر !


Red stop button on black keyboard. 3D rendered illustration.

قصة قصيرة

-1-

عصام من عينة الشباب الذين تجد عندهم دائما آخر البرامج الرقمية، وكل الحلول للمشاكل الغريبة التي يواجهها حاسوبك دون حواسيب العالمين !

نحيف، عصبي وصموت على الدوام.. يضع نظارات “قعر الكأس” – إياها – التي تبدو متوهّجة في جلسته الأبدية أمام شاشة الحاسوب، وفي (الخلفية الصوتية) هناك دائما ذاك الصوت المحبّب الرتيب للمفاتيح وهي تُنقر.. ماذا يكتب ؟ ماذا يصنع ؟ لا تدري أبدا !

لن تفوّت – إذا دلفتَ بيته بالطابق العلوي – كمية (السيديهات) الهائلة في كل مكان من الغرفة الزرقاء المظلمة.. كُتب و دفاتر فوق السيديهات، كتب ودفاتر تحت السيديهات، محفظة فاغرة فمها وقد فاضت بالسيديهات. ثم تلك الأعمدة التي تحمل عشرات السيديهات بطريقة (الخازوق) المرعبة!

ماذا يوجد بكل تلكم الأقراص ؟.. لا تدري أبدا !

إذا اقتربت الآن من الكرسي الذي يحمل “جثة” عصام الساكنة، وهو ينظر في الشاشة برهبة وانبهار، سترى أنه يتصفّح موقعا ينتمي إلى المنطقة المحظورة من الشبكة العنكبوتية.. (الدارك ويب) كما يسمّونه، أي (الشبكة السوداء). وهي سوداء فعلا لو أردت رأيي !  

ينظر عصام في صفحة يطغى عليها اللونان الأحمر والأسود. فهو – أغلب الظن – موقع لبيع الأعضاء البشرية أو غرفة حمراء للتعذيب وأشياء لطيفة كهذه !

معذرة !.. أخطأت الظن، ليس لهذا الحد. لم ينحدر عصام كل هذا الانحدار بعد. إذا تفضّلت ودنوتَ من الشاشة أكثر سوف ترى أنه ينظر في صفحة لألعاب الرعب الغريبة ليس إلا..

* * *

أما (سعيد) – صاحبه – فهو حزين على الدوام ! ولا تسلني عن اسمه المتناقض مع حاله، فلستُ أمّه التي ولدته !

كلّ من أراد معرفة أعراض الاكتئاب وأنواعه وطُرق الوقاية منه ما عليه إلا النظر في سُحنة (سعيد) الحزين، وطريقة حركته وكلامه، ونظرته للأشياء.. فربما أغناه ذلك عن كل طبيب.

أمام مكتبه المرتّب – أكثر من اللاّزم – يجلسُ بتلك الوضعية الشهيرة التي تجسّد الحزن العميق الذي لا قرار له: الخدّ مُسندٌ إلى راحة اليد اليُسرى، والعين تكاد تثقب خشب المكتب من الاستغراق في تأمّل لا داعي له !

سقراط لم يكن يتأمل لهذا الحد يا أخي !

الغريب أنك تجد الموهوبين دائما ومن لهم عُمق في النظر، ودقة في الإدراك، وسِعة في الاطّلاع هم من يسقطون بين براثن الحزن والكآبة، أما التافهون ومن تستعبدهم الأشياء فــهم أسعد الناس !

نعم فكرت الآن – مثلك – في البيت الشعري: (وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ).

هاهوذا ينهض أخيرا ويمشي بخطوات مترنحة إلى الحمّام، يتوقف أمام الحوض الأزرق الذي يذكّرك بالمستشفيات ! يصفع وجهه بدفقات من ماء الصنبور، ثم ينظر لاهثا في صفحة المرآة النظيفة إلى وجه ذابل محمرّ من أثر البكاء، وفي عينيه انكسار وتوسّل. كأنما يتوسّل إلى الناظر للمرآة – كائنا من كان – أن ينقذه مما هو فيه، حتى يكفّ عن تذكّر من كان يريد تزوّجها فتزوّجت غيره..

القصة المملّة ذاتها. كالعادة.. بففف !

“أرجوك انسها، أرجوك امحها من ذاكرتك.. أتوسّل إليك لا تقتلني أيها الأحمق!”

هكذا يصيح وهو يلطم وجهه.. ثم يستدير بصمت، ويعود بخطوات قصيرة رتيبة إلى غرفته. ويجلس قبالة حاسوبه النقال ليواصل قراءة موضوع عن (الشعر العباسي). كأن هذا أنسب وقت !

إلا أن إشعار رسالة على الماسنجر يستوقفه.. وليته تجاهله وانغمس في شعره العباسي لأن..

دعونا لا نستبق الأحداث !

* * *

متابعة قراءة “لا تضغط الزر !”

قصص رعب وتشويق

الخيانة في زمن الكورونا !


alert-4960172_1280

قصة قصيرة

إنه زمن (الكورونا)..

لم يكن يتصور أن يعيش مثل هذه الأيام العصيبة.. هو الذي كان يصف أفلام هوليود بالمبالغة في الخيال، والإمعان في التلفيق المُحال. وقد لطالما كان  يُشاهد تلكم التمثيليات وهو يبتسم كأنما يقول: (لا يكاد يُصدّق.. لكن الفكرة لا بأس بها).

كان يظن أن هذه الطواعين لا تكون في زمننا، على الرغم من حدوث ما يُماثلها في الأزمان الغابرة ، فقد كان يتصّور – كما الكثير – أن العلم بلغ شأوا عاليا من الدقة والنجاعة حتى لا يكاد شيء يهزمه، فصار يثق بكل ما يُقال له (بحث علمي) أو(دراسة علمية موثوقة) ثقة عمياء لا تتزحزح.. كأن فيها شيئا من التقديس !

والآن دهم العالمَ هذا الفيروسُ الغامض مع مطلع العام الجديد..

* * *

– نعم سيدي.. هاهما.

ألصق هشام تصريح الخروج وبطاقته الوطنية بنافذة السيارة من الداخل. فمدّ الشُّرَطي المكمّم بالخارج عنقه ليقرأ الاستمارة، وحوّل بصره لبطاقة التعريف ليتأكد من الهوية.. ثم لم يلبث حتى استقام مرة أخرى، وأنزل الكمّامة عن فمه ليقول:

– يمكنك سيدّي الذهاب الآن للتبضّع.. وأكرر: عليك ألا تبتعد عن هذه المنطقة، ودكاكينها. ولا تتأخر، فساعة الحظر اقتربت..

شكر هشام للشرطي، وزفر وهو يدوس دوّاسة البنزين مبتعدا..

لطالما احترم رجال الأمن هؤلاء بالرغم من سوء سُمعة بعض المنتسبين لهم كما هي العادة في كل طائفة من البشر.. لكنهم في الأزمات رجال يعوّل عليهم حقا. لا بل إن الغرب يتعلّم منهم كيف تكون مجابهة الأخطار والإرهاب المنظّم.

تلهّى هشام – وألهانا معه – بهذه الخواطر الوطنية وهو يجوب بعض الشوارع التي بدت خالية على عروشها.. أغلب الدكاكين مغلقة، فليس كل أحد يُفضّل المال على السلامة كما يبدو..

حسن هاهوا ذا دكان صغير..

* * *

– السلام عليكم

– وعليكم السلام ورحمة الله.. نعم سيدي.

– أحتاج شيئا من المنظفات  ومناديل الورق و..

توقف هشام ليتذكر ما أخبرته زوجه..

– أرجو أن تُسرع يا سيدي، فأنا على وشك إغلاق الدكان.

– أأ.. نعم، نعم. سأحتاج أيضا لبعض المعجنات والخل.. والملح. هذا كل شيء.

أسرع البائع (الأمازيغي) النحيف لجلب ما طلب هشام في مزيج من السرعة ونفاذ الصبر.. كل الباعة هنا أمازيغيون نحيفون لسبب غامض !

ثم دار أخيرا محملا بالأكياس الورقية عائدا إلى سيارته..

شغّل المذياع ما إن أوصد باب السيارة، وبدأت قطرات من المطر تنقر زجاج نافذته وهو يلتهم الطريق بهدوء. يتملّى بأشباح المنازل الهائمة تحت هذا الدوش الصباحي الدافئ.. يا سلام !

أطلق زفرة ارتياح بسبب هذا التغيّر اللطيف في الجو، ثم إنه لم يكد ينهيها حتى دوّى الصّوت المرعب من حيث لا يدري !

أهذا حقا صوتُ نذير الحرب المشهور ؟.. أوَيوجد في مدينته الصغيرة أيضا مثل هذه الأبواق ؟

تلفّت بهلع يمنة ويسرة علّه يعثر على مصدر الصوت، أو سبب إطلاقه..

لا شيء. فقط طيور ترفرف فارّة من على الأغصان وحدانا وزرافات..

ليته يستطيع سؤال أحدها !

* * *

متابعة قراءة “الخيانة في زمن الكورونا !”

قصص رعب وتشويق

الطّاحون !


ello-hdpi-24aa9d7c

قصة قصيرة

-1-

استيقظ أسامة ذات صباح متأخرا ومنزعجا كعادته. فكّر للحظة أن يرجع لنومته، إلا أنه نفض الفكرة عن رأسه وأزاح الفراش بتوتر، ليضع رجليه الحافيتين على البلاط البارد الذي أعاد إليه الشعور بالواقع. ثم انتصب مترنحا يمشي على غير هدى..

نظر إلى وجهه المتورّم بمرآة الحمام ومسح عينيه بظهر يده..

ثمة شيء ليس على ما يرام !.. إحساس غريب يراوده مذ فتح عينيه لا يقدر على تفسيره.. رشّ وجهه بالماء مرة ومرتين، وعزى ذلك الإحساس لقومته المفاجئة من الفراش. ثم توجّه للمطبخ..

أمه البدينة واقفة وقفتها الأبدية أمام الحوض تغسل الأواني..

– نمتَ طويلا يا أسامة.. من عشاء البارحة إلى ظهر اليوم، هل تشكو سوءا ؟

– خير يا أمي.. لا أشكو من شيء، صداع رأس وقد زال.

– الحمد لله.. اقعد الآن يا حبيبي حتى أسخن لك الإفطار.

– حسن..

قالها شاردا وهو يمشي بآلية تجاه مائدة الطعام..

لماذا يشعر بخطر غامض يتهدّده ؟ أهو كابوس لا يذكره ؟ أم ذكرى راودته قبل النوم لم تزل عالقة بمخيلته، وذلك سبب ما يجد من (مذاق) مر، وهذا الجو الغريب المشحون بالتوتر والخطر ؟

* * *

البداية الفعلية كانت عقب عثوره على ذينك النتوءين برأسه..

لم يكن انتبه لهما من قبل.. ربما بسبب شعره الكثيف. ولكنه ذات أحد بينما كان مستغرقا في اغتساله، إذ التصق الشعر المبتل بفروة الرأس، فانتبه عفوا في المرآة إلى نتوئين ظاهرين.. كقرنين !

صرخ صرخة قصيرة وحبس أنفاسه وهو يتلمّس المكانين ببطء غير مصدّق، ثم انتابته دوخة كاد على إثرها أن يغمى عليه لولا أنه استند إلى الحائط. وبقي على تلك الحال مدة لا يذكر مقدارها، وهو يعدّ ضربات قلبه ويسمع الماء المنهمر من الرشاش كأنه قطر المطر..

* * *

– وما الغريب في ذلك ؟

كذا أجابه أبوه وقد وضع الجريدة جانبا ليتلمّس البقعة التي يُشير لها أسامة في رأسه..

– ألا يبدو لك هذا غريبا بحق ؟

– نعم.. لا أرى فيه غرابة تُذكر.

– أتهزأ بي يا أبي ؟

– كلا يا بني.. انظر إلي، فلن تجد في سُحنتي ذرة مزاح.

ثم لم يجب أسامة بعدها، وانصرف بصمت مطرقا..

في الأيام التي تلت لم يفارق الطربوش رأسه إلا إذا أراد الخلود للنوم، حتى أنه بدأ يتناسى المشكل ويعود لحياته الطبيعية رويدا رويدا..

وهاهوذا يقهقه ملء شدقيه مع أقرانه في الثانوية ذات صباح، ويُتابع أحاديثهم الضاحكة بوجه طلق بسّام، حتى إذا تكلّم أحدهم انقلب وجهه وجحظت عيناه..

– ألم تعلموا يا أصحاب أني بلغت قبل أيام السادسة عشرة.. فوجدت أنّي من (القرنيين) !

ثم أحنى رأسه ليريهم نتوئين بارزين كأنهما قرنين صغيرين !

وتعالت الصيحات..

* * *

متابعة قراءة “الطّاحون !”

قصص رعب وتشويق

ليلتان وليلى


2337252715_76825646a3_z

(قصة قصيرة)

“ظهر الآن ثقبٌ كبير وسط الباب، وامتدّت يدٌ متلهّفة من خلال الثقب لتدير المقبض من الداخل إلا أنها وجدت الباب موصدا بالمفتاح، ولا مفتاح بعين الباب، فعلت زمجرة غاضبة، وواصل الفأس تكسير الخشب السميك..”

 

-1-

كانت صويحباتها يرقُصن حولها بعنف ويجذبنها بين الفينة والأخرى، لتنتبه من غفلتها وتمرح وترقص كما يفعلن. لكنها لم تزدد مع ذلك إلا سُهوما، وإن وزّعت الابتسامات يمنة ويسرة، فإنها لم تتحرك من مكانها إلا قليلا، كأن الزينة التي عليها تثقل رأسها فلا تستطيع حراكا ! لَم تدرِ لِم بدا لها كلّ شيء غريبا وقتها، فجأة لم تعد تفهم ماذا أتى بها إلى ذلك البيت المبهرج بالألوان، والفُرش، وقفاطين النساء المتلألئة، والعطور الخانقة، وأصوات الحليّ التي ترنّ كأنها شلاّل هادر من النقود المعدنية، وأصوات الأواني وهي تُقرع في المطبخ المجاور، من كؤوس وصحون وملاعق، وأقدام الخادمات وهي تضرب البلاط جيئة وذهابا، يُحضرن ما يُحضرن، ويحملن ما يحملن ؟.. ماذا يحدث ؟ وما كل هذه الفرحة ؟ بل متى كانت بهذه الأهمية الخطيرة – أصلا – حتى يحتفلون بها هذا الاحتفال ؟ وأين كان مخفيا هذا الحب والتفاني من قبل ؟

ثم تذكرت، وسط الضوضاء الصوتية والبصرية، كيف لم تكن ‘ترضى’ كلما دُعيت إلى عُرس من أعراس الزواج.. كل ذلك الكمّ من الغرور والتفاخر باللّباس والشعور المسرّحة، والحليّ الباهرة، وأطايب الأكل الذي يطوفون به في مواكب، كأنها المواكب الملكية ! لم تكن تَسلَم من الضّيق الذي يخنق أنفاسها، والألم الذي يغصّ به قلبها في مثل تلك المناسبات، وقتَ أن كانت في عداد العوانس البائرات – كما يصرّ على تسميتهن الناس – ولذلك كانت تجاهد نفسها جهادا كبيرا حتى لا تحسد المتزوجة، لِما علمت من خطورة الحسد على الحاسد والمحسود معا. فهل تُصدّق الآن هذا الفرح البادي في العيون ؟ أوَتسامى الجميع عن الحسد فجأة ؟.. لا تصدق !

متابعة قراءة “ليلتان وليلى”

قصص رعب وتشويق

ممنوع دخول البشر !


%d9%85%d9%85%d9%86%d9%88%d8%b9-%d8%af%d8%ae%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b1

(قصة قصيرة)

-1-

ألقيتُ بثقلي فوق الكرسيّ الدوّار، وقد وضعتُ قدح القهوة بجانب لوح المفاتيح..

هي جلستي الليلية المعتادة أمام شاشة الحاسوب، بعد الفراغ من العشاء الأسَريّ البسيط، وبعد كلام يسير نتجاذب أطرافه حول مكان المخيم القادم، أو تداعيات القصف السوري لسوريا ! أو لغز اختفاء صندوق النفايات من مكانه برأس الحي، أو ارتفاع سعر البصل وعلاقته بالربيع العربي.. أو أيّ موضوع آخر من وحي الساعة أو إلهام الملل. بعدها أصعد الدّرج بحماس إلى الطابق الثاني، حيث بيتي العزيز وحاسوبي الحبيب، وليلة أخرى من الليالي الطويلة المفعمة بالمحادثات الماتعة، واللقطات المضحكة، والأخبار الغريبة، والفضائح المريبة.. وهلمّ جرا.

أما البيتُ فمبعثر غاية البعثرة، يُذكرني – دوما – بالأطلال كلما ألقيتُ عليه أول نظرة، كما تذكرني كلمةُ (الأطلال) به إذا سمعتها أول مرة. ربما لو دخل عليّ الآن مجنون ليلى لدمعت عيناه، وجلسَ على كومة من ثيابي يبثّ هواه لليلاه، وينشد بيتا خالدا يذكرُ فيه كلمة (أطلال) !

حاولتْ أمي – وبعدها أختي – فهم هندسة بيتي، وسط كل هذه الفوضى ولكن كان ذلك بلا جدوى. حاولا العثور على حلّ جذري لترتيب ملابسي وجواربي ودفاتري، ولكن هيهات. فما كانت محاولاتهما إلا (كناطحٍ صخرةً يومًا ليُوهنها، فلم يضرها وأوهن قرنه الوعلُ)  !

وأما هذا الحاسوب الذي أجلسُ أمامه الآن، وأكتبُ عليه ما تقرأون، فأمره عجيب لا ينقضي منه العجب.. فلكأني به يختزل أكثر دنيانا وراء شاشته. يمتصّها امتصاصا من الهواء، ويشربها من الحيطان فتسري منه في الأمعاء.. أو يلتقطها من الأثير لاقطٌ مثبّت بداخله، كأن داخله بسعة السماء ! وتأتي أنتَ لتُلقي بجسمك عبر الشاشة، وتسبحُ هنا وهناك بلا قيد كالحوت في البحر.. أو تُطلّ على هذا البلد أو ذاك من مكانك، كأنما تطلّ من شرفة برج عاجيّ، ثم إذا ما سئمت أو أضجرك المنظر، غلّقت النافذة، وقصدت شرفة أخرى. أو تراك تُبحر بسرعة البرق تحت المحيطات، كأنما أنت عِفريت أزرق ! فتصل الطرف الآخر من العالم قبل أن يرتدّ إصبعك من لوح المفاتيح  !

متابعة قراءة “ممنوع دخول البشر !”

قصص رعب وتشويق

الجنسية المستحيلة 7 – الأخيرة


desktop-1406691652

الفصل الأخير

-7-

الكرسي والمرآة !

أين يكون المرء وهو يكتب ؟!..

أنظر للساعة على الحائط في رعب مستطير وقد رُدّت عليّ حواسّي فجأة.. فسمعتُ غليان الماء فوق الموقد وقد نُسّيته، إذ كنتُ أودّ شرب كأس أو كأسين من الشاي الرديء الذي ألِفته، لكن لا وقت الآن لمثل هذا الترف ؟

مستعجلا، منفعلا، مرتجلا – وقل ما بدا لك بعدُ من هذه الأوصاف – قمتُ أركض نحو المطبخ لأطفئ الموقد وأنا أُسقِط كل ما في طريقي كثور هائج لا يلوي على شيء..

ألهث وأركض وأتعثر..

أتعثر وأركض وألهث..

بقيتْ سبع وعشرون دقيقة على الموعد، وعليّ الخروج حالا..

وضعتُ بعجالة في حقيبة الظهر السوداء خاصتي، أشياء متفرّقة كنت أعددتها من قبل.. مسجل صوتي، خنجر طويل، مصباح يدوي، بطاريات احتياطية، غطاء، قارورتا ماء – ملأتهما من الصنبور طبعا -، عُلب سردين “معلبّ” وأشياء أخرى من هذا القبيل !.. ألستُ ذاهبا إلى بلاد الجان ؟

كدتُ أصطدم بالشمطاء في الدرج وهي تصعد مقوسة الظهر ببطء مثير للأعصاب..

– تبا لك أيها المنحوس.. ما الذي يُثير عجلتك إلى هذا الحد ؟ هل صرت عفريتا من الجن ؟

– تقريبا..

قلتُها ولم ألتفت لنظرتها من فوق كتفها وقد أثار حفيظتها ردّي الوقح..

– اذهب، أنا أريد لك كسرا في…

ولم أسمع تتمة دعوتها الخبيثة فقد كنتُ خارج البناية أشير إلى أول سيارة أجرة لاحت لي بلهفة كأنما هي آخر سيارة في العالم..

قلت وأنا أدلف السيارة بعنف:

– غابة (بوسكورة) من فضلك.. الآن !

– ولكني لستُ ذاهبا…

– الآاااااان !

* * *

متابعة قراءة “الجنسية المستحيلة 7 – الأخيرة”

قصص رعب وتشويق

الجنسية المستحيلة 6


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-6-

طبّاخة ماهرة !

الأحد..

بقيت خمس ساعات تقريبا على أذان العصر، ثم يحين الموعد الذي تعرفون.

مساء أمس، لما أغمي عليّ قرب الباب، وقعت مصادفة غريبة بعض الشيء.. فقد كان آخر ما علق بذاكرتي هو منظر الباب ويدي التي تحمل المفتاح تحاول معالجة القفل.. ثم الضباب على عيني، فصوت ارتطام زلزل رأسي، فألم حاد بصدغي الأيمن.. ثم الظلام.

فتحتُ جفنيّ مقاوما ذاك الخَدَر الثقيل، فإذا بي في غرفة لا أعرفها.. كانت هناك لمسة أنثوية واضحة بالمكان، ورود وخيوط ملونة تتدلى من الأركان.. رائحة بُنّ قوية، أصوات نسوة تأتيني من مكان ما.. فلما أصختُ السمع ميّزتُ صوتَ شابة رفيع، وصوتَ امرأة أخرى تكلمها قدّرتُ أنها عجوز !

تلمّستُ رأسي فوجدته مضمّدا، فزاد تعجّبي وتساءلتُ أيّ شيء حدث لي ؟.. ثم حاولت الاعتدال، فجلستُ، فانتبهتُ أول مرة إلى السرير المتواضع الذي أضطجع فوقه وإلى ملاءته البيضاء النظيفة، بل إني انحنيتُ أشمّها فوجدتها معطّرة ! وقبل أن أستنتج شيئا دخل آخر شخص أتوقّع دخوله.. روقية !

متابعة قراءة “الجنسية المستحيلة 6”

قصص رعب وتشويق

وحيدٌ ولكن..


وحيد ولكن

(إعادة نشر)

هل هذا الاختناق الذي أشعر به الآن ناتج عن الحر أم عن الوحدة.. أم هما معا ؟

أعتقد أني لو لم أكن كاتبا لما استطعت احتمال كل هذه الوحدة.. خصوصا في هذا الكوخ الخشبي المعزول..

الكتابة تجعلني أخاطب الأشياء حولي، أكتب جملة وأنظر للسرير أمامي كأني أسأله عن رأيه فيما كتبت ثم أبتسم له بشفقة ربما لأنه أمّي لا يعرف العربية.. وقد أتوقف وسط عبارة مترددا، أهرش رأسي بملل، وأنظر للمنضدة الخشبية الصغيرة، أكاد أطلب منها الكلام بصوت مرتفع حتى أسمع اقتراحها جيدا.. ثم لا ألبث طويلا حتى أعود ببصري لشاشة حاسوبي النقال، وسرعان ما تبدأ أناملي من جديد في الركض على المفاتيح..

الكتابة شيء مسلّ بحق.. لو فقط يعرف الناس هذه المتعة، ولكن عليهم -برأيي- أن يجتازوا أولا مرحلة نقش الكلمات كلمة كلمة.. فهذا الذي يُتعب المبتدئ حتى لربما ترك الكتابة للأبد.. عليه أن يصبر حتى تصير الكتابة عنده لعبة اعتادتها أصابعه، ويصير صوت المفاتيح وهي تُضغط صوتا مألوفا مثل صوت لهاثه وهو يمضغ شطيرة جبن.

حسن، ليس هذا موضوعي فدعونا منه الآن.. مالنا ومال الجبن و.. من يدق الباب؟ غريب.. من يريدني ليلا في هذا المكان المعزول ؟.. طيب، أذهب لأنظر وأعود…

* * *

متابعة قراءة “وحيدٌ ولكن..”

قصص رعب وتشويق

أنا قادم إليك !


أنا قادم إليك

(إعادة نشر)

    – سمير !.. حبيبي.. سمير !

   همست بها الأم في أذن طفلها النائم كالحمل الوديع..

   – ممممم ؟

   – هيا يا صغيري ، نمت كثيرا.. انهض فأنا و والدك سنسافر الآن..

   – مممم ؟

   – ألا تريد أن تودّعنا ؟ ها ؟

   – ممم.. ماذا ؟.. ستسافران ؟

   لفظها سمير بصعوبة و هو يفرك عينيه ليزيل منهما شظايا النوم..

   – إن جدتك مريضة ، شفاها الله ، و يجب أن نزورها.. وأعدك بمفاجأة سارّة حين عودتي.. ها ؟ ما رأيك ؟

   قالتها (مروة) بمرح و هي تعابث طفلها الذي اتسعت ابتسامته لما سمع العبارة الأخيرة..

* * *

   (محمد) رجل أعمال ناجح و زوجته (مروة) سكرتيرته الخاصة.. شابان سعيدان و متفاهمان لأقصى حد. ذلك النوع من الأزواج اللذين يتبادلون المجاملات على مائدة الطعام عوض السباب و اللعنات !.. ذلك النوع من الأزواج “العشاق”..

   رُزقا بطفل منذ ست سنوات ، وهو (سمير) طبعا.. ولدٌ في غاية الذكاء ، يظهر ذلك من خلال كلامه و تصرفاته التي تفوق سنه بمراحل.. 

   ربياه أحسن تربية و وفرا له ما لا يتوفر عند جلّ أصدقائه في المدرسة.. إذ أنه فتح عينيه في غرفة جدرانها مغلفة بورق وردي فاتح.. غرفة هي عالم لوحدها ، مدينة ألعاب !..

* * *

متابعة قراءة “أنا قادم إليك !”

قصص رعب وتشويق

الجنسية المستحيلة 5


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-5-

العدّ العكسي !

بقيَ يومان على الموعد الموعود !

كنتُ أرى في الليالي الأخيرة أحلاما وكوابيس غريبة، هي مزيج من الحبّ والرّعب !.. روقية تحمل قطا ميتا تُقدّمه لي عربونا لحبها !.. قطّ يلبس بذلة ويحمل في يده باقة ورد، يتقدّم لخطبتي !.. مُراد صاحب الدكّان يسرق ضمّادات مُتّسخة من القُمامة !.. الشمطاء تعترف لي – وهي تبكي – أنها تُحبّني بجنون !.. وأشياء غريبة من هذا القبيل..

المفروض أن هذه الأحلام هي الشيء (الفانتازي) الوحيد في حياتنا الروتينية، إذ لا يُمكنك أن تقفز من أعلى الدرج إلى سفحه بخطوة واحدة إلا في الأحلام.. لا تستطيع أن تتواجد بأمكنة وأزمنة مختلفة إلا هناك.. في الأحلام. لا تجرؤ على السقوط من حالق – من غير سبب واضح – أو أن تسبح في السماء بسعادة شاعرا بدغدغة محببة في بطنك إلا في مملكة الأحلام..

وإني أعتقد أن رسالة روقية لي هي الدليل الماديّ الوحيد الذي يُثبتُ فزعي وصراخي تلك الليلة وإلا لشككت أن كل ذلك كان حلما.. أو كابوسا على وجه الدقة !

متابعة قراءة “الجنسية المستحيلة 5”

قصص رعب وتشويق

أوراق ودماء


أوراق ودماء

قصة قصيرة

 السبت 16 يونيو 87

وضعتُ وسادة خلف ظهري ومددت رجليّ على السرير حتى خرج عقباي من حافته كالعادة !

أضأت المصباح على يميني وحملت ذلك الدفتر المجعد العجوز الذي ليس له غلاف.. دفتر يومياتي، دفتر حياتي. لقد شارف على الانتهاء.. وأفكر في التوقف عن الكتابة نهائيا بعد ملئه.. إذ صرت ضعيف البصر، والتركيز على السطور مع محاولة تحسين خطي القبيح يكلفاني مجهودا ذهنيا لا بأس به.. ولكنها كانت تجربة رائعة أن أدوّن رواية حياتي بمغامراتها وأحزانها ومللها وقرفها ووحدتها.. وخطورتها التي أفهمها أنا فقط.. أما الآخرين، فحتى تمزقي أسفل قطار شحن لا يعدونه أمرا خطيرا !  

الهدوء التام يُشعرني بدوار لذيذ يحتل رأسي، بعد ساعات العمل تلك بمقر الجريدة.. ليس بالعمل الشاق.. ولكن من قال أن الجلوس على كرسي واحد لسبع ساعات متوالية نشاط مريح ؟

أما هنا فكل شيء ميت ! أعدك أن أعصابك سترتخي لدرجة التجمد !

متابعة قراءة “أوراق ودماء”

قصص رعب وتشويق

الجنسية المستحيلة 4


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-4-

ورقة التّوابل !

– … وضحك ضحكة لازلتُ أجد صداها إلى الآن !

كان أسامة يُحدّق بي باهتمام بالغ وقد أثارت القصة انتباهه..

جرع ما تبقى من شايه وقال طالبا المزيد وكأني أقصّ عليه حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة:

– ثم ؟

– ثم.. قفز الشيطان من النافذة كما لو كنا في الطابق الأرضي وليس في الرابع !

قلتها وعضضت على شفتيّ متنهدا بأسى قبل أن أواصل:

– نمتُ مكاني لا أذكر كيف، وليس في ذاكرتي بعدها إلا الشمس وهي تلسع وجهي بشعاعها ، ففتحت جفني المتلاصقين بصعوبة واستغرقت وقتا لأفهم من أنا وأين أنا ولماذا أنا.. الخ. ثم لما فهمت وجدتُني مرميا على الأرض كيفما اتفق، أعانق الثلاجة !

ضحك أسامة ربع ضحكة ثم تدارك نفسه بأن سعل وسألني بسرعة – ربما لينسيني أمر الضحكة -:

– نبيل.. أخبرني، هل أحرقت الكتب كما وصيّتك ؟

نظرتُ له نظرة ذات معنى.. ففهم جوابي من فوره وتأفّف قائلا:

– لا تلومنّ إلا نفسك يا أخي.. على كل حال، أنهِ ما تبقى في كأسك حالا.. المحاضرة بدأت فعلا.

* * *

تذكرون (روقية) حفيدة الشمطاء، تلك التي قدمت لي طبق السمك المقلي وابتسمت ابتسامتها التي ابتسمت.. تلك الابتسامة (الملغومة) ؟.. حسن، لقد وجدتُ رسالة لها أسفل بابي هذا المساء !

متابعة قراءة “الجنسية المستحيلة 4”

قصص رعب وتشويق

الجنسية المستحيلة 3


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-3-

التجلّي الثاني

إن قُدرات أعصابنا في تحمل الألم والخوف محدودة، وعقولنا لكي تعمل بكفاءة تحتاج وسطا ملائما ونفْسا معتدلة ونَفَساً منتظما..

وهذا الترف لم أكن لأملكه يومئذ.. فقد كنتُ – داخل بيتي – واقفا كالخشبة، شاحبا كالموزة.. يجثم على صدري ذاك الشعور الثقيل الذي هو أشبه شيء بالتجمد، كأنما يكفّ عقلك ويستسلم فجأة ثم لا يهمّه – بعدها – تحريك أعصابك وعضلاتك.. فلتتصرف لوحدك !

كنتُ أمام التجلي الثاني..

القط نفسه.. واقفا على فراشي، ينظر لي بثبات مفزع..

من أين دخلت هذه المصيبة ؟

أردتُ أن أصرخ.. أردتُ أن أفر بجلدي لكن هيهات.. فقد هجرني عقلي لا أدري إلى أين، ودخلتُ في غيبوبة مُصمتة وأنا بعدُ يقظان !

القط الأسود المفزع واقف على قائمتيه فوق فراشي ينظر لي في مشهد خالد لن أنساه..

بله كان يُخاطبني !

كنتُ أسمع كلامه داخل رأسي.. كلام لا صوت له !

وبدأ جبيني يتصبّب ماء باردا.. فقد كنتُ أعي ما يقول !

* * *

متابعة قراءة “الجنسية المستحيلة 3”

قصص رعب وتشويق

الجنسية المستحيلة 2


desktop-1406691652

(قصة مُسَلسَلَة)

-2-

الضمّادات !

في الأيام التي تلت (حادثة القط) تعكّرت نفسيتي كثيرا وحاولت إقناع نفسي بأن ما رأيته لا يعدو أن يكون هلاوسا وضلالات.. وإن ذلك لفي الإمكان، إلا أنه لا يريحني بحال من الأحوال، فليس لعبة ممتعة أن تتوهم رؤية قطّ واقف على رجليه، يبتسم لك – كالبشر – أنت بالذات  !

وكان رأي أسامة رأيا مباشرا قاطعا.. (احرق الكتب اللعينة!)

حسن، أعتقد أني لا أقوى على ذلك بعدُ.. وإن كانت فكرة الحرق هذه ستروق كثيرا للعجوز الشمطاء، صاحبة البيت..

لكن تلك الواقعة الغريبة، زلزلت نفسيتي زلزالا عظيما وعكّرت هدوئي الذي كنتُ أنعمُ به منذ أن استقرّت أحوالي الدراسية والسكنية أخيرا.. واكتشفت أني لستُ شجاعا كما كنت أظن، ولا قويّ الشخصية إلى ذلك الحدّ الذي حسبت.. هذا الضعف البشري الذي لا حدود له.. وإننا – في كل تجربة نخوض غمارها وتخوضنا – يتضح الفرق بين ما نريد أن نكونه وبين ما نحن عليه في الحقيقة !

أما الآن فصار خيال الشمعة التي أدرس عليها بالليل يُفزعني !  وصرت أغلق عليّ بيتي بإحكام عند منتصف الليل.. وأعتبر البهو خارج ملكيتي.. الحمام كذلك لا حاجة لي به، فلأبق في فراشي أحسن لي وأسلم..

أعرف أنني أرى أشياء غريبة الشكل تتحرك في ظلال الحائط وإن كان كل شيء حولي هادئا.. لكني لا ألتفت لذلك ولا أريد أن أصدّقه!

أعرف أن إطلال المرء من نافذته سلوك بشري عادي.. لكني منعته على نفسي إذا ما جنّ الليل.. فليلي لا يجنّ فقط.. بل ويجنّ جنونه كذلك !

متابعة قراءة “الجنسية المستحيلة 2”