قصص متنوعة

النهاية تأتي بغتة


s97805673

لطالما قرأت قصصا عن الموت وما يرافقه من غرائب وعجائب بعضها خيالي أدبي، وبعضها يزعم أصحابها أنهم عادوا منها بأعجوبة، وقد رأوا – فيما رأوا – نفقا طويلا تلوح في نهايته البعيدة بؤرة ضوء ساطعة، وحلقوا – زعموا – في طبقات من الفراغ الأثيري ليشاهدوا في منظر بديع أجسادهم المنهكة ممددة وهي خاوية على عروشها، وليشعروا أخيرا بخفة تلك الروح الغامضة المُلغزة. وزعم آخرون أنهم رأوا ذاك الشريط (السينمائي) الشهير الذي يُلخّص حياتهم كلها بطريقة عجيبة، لا يعرفها خبراء (المونتاج).. إلخ، إلخ.

سمعتُ هذا كثيرا مثلما سمعتموه، وما استوعبته مثلما لم تستوعبوه. وما كان لي تصديقه أو تكذيبه، ومن منا يملك أن يفعل، وهو في ضفة الأحياء لا يزال.. يرفُل في لذائذ العيش وأطايبه، ولا يذكر مفهوم الانقطاع عن الحياة إلا مرة كل سنة أو مرتين ؟

كنتُ أكتفي كلما سمعتُ أمثال هذه القصص بمطّ شفتيّ تعجّبا.. المشكل الآن أنّي لا أستطيع مطّ شفتي، ولا تحريك عضو واحد من جسدي.. ولستُ أفهم لماذا ؟.. بل لستُ أرى شيئا أصلا، ولا حتى ظلمة العدم الحالكة ! فقط أسمع صوتا كالتراب المنهال، أسمعه لا كالسمع الذي أعرف، بل سمعٌ غريب هو لا قِبل لي به، تأتيني منه أصوات بعيدة كالدلو إذ يضرب جدران بئر عميقة!

أتكون هذه النهاية التي يتكلمون عنها ؟ نهاية الحياة الدّنيا ؟.. ولكن متى؟ متى غادرتها ؟ آخر ما أذكره جلسة العشاء الهادئة مع زوجتي الصّموت حول طاجن ساخن لذيذ.. فماذا حدث بعدها ؟

إن كنتُ غادرت الحياة – يا ويحي ! – فلماذا لازلتُ أذكر وأفكر وأحلّل وأسمع هذه الأصوات البعيدة ؟ وإن كنت لم أغادرها بعدُ – يا شِقوتي! – فما بالي تجمّدتُ حتى لا أستطيع الحراك ؟

لا شك عندي أني راقد الآن في قبري، وهذا الذي أسمع إنما هو أصوات حفنات التراب تنهال على حفرتي لتغطيها؟ يا للهول!.. وهل هذه خطوات تتحرك مبتعدة ؟ يا هؤلاء انتظروا.. وليخبرني أحدكم عن الذي وقع ؟ وأين أكون الآن ؟!

ألا ليتهم يستطيعون سماع الأفكار.. فقد نسيتُ كيف يكون الكلام، وكيف أحرك هذا العضو الرخو في فمي !

لحظة! شيء ما يقترب.. أشعر به في هذا الخواء البارد..

صوت زحف يزداد وضوحا وحرارة.. كيان كبير ضخم يشقُّ طريقه نحوي، أكاد أميز خياله..

إنه يقف بجانبي لا أدري كيف أعرف ذلك.. لكني أعرفه. يَهزّني هزة شديدة.. أحشائي ترتعش..

عساه خير.. عساه خير..

– عساهُ خير حبيبي.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قُم وتوضّأ لصلاتك.

… فمي مفتوح من الذعر، وعيناي زائغتان تُحملقان في وجه زوجتي المبتسم الحنون، وهي تضع يدها على كتفي تهزُّه برفق..

النهاية تأتي بغتة فعلا.. ولكن ليست هذه نهايتي.

 

رفعت خالد المزوضي

09-09-2017

Advertisements
قصص رعب

ليلتان وليلى


2337252715_76825646a3_z

(قصة قصيرة)

“ظهر الآن ثقبٌ كبير وسط الباب، وامتدّت يدٌ متلهّفة من خلال الثقب لتدير المقبض من الداخل إلا أنها وجدت الباب موصدا بالمفتاح، ولا مفتاح بعين الباب، فعلت زمجرة غاضبة، وواصل الفأس تكسير الخشب السميك..”

 

-1-

كانت صويحباتها يرقُصن حولها بعنف ويجذبنها بين الفينة والأخرى، لتنتبه من غفلتها وتمرح وترقص كما يفعلن. لكنها لم تزدد مع ذلك إلا سُهوما، وإن وزّعت الابتسامات يمنة ويسرة، فإنها لم تتحرك من مكانها إلا قليلا، كأن الزينة التي عليها تثقل رأسها فلا تستطيع حراكا ! لَم تدرِ لِم بدا لها كلّ شيء غريبا وقتها، فجأة لم تعد تفهم ماذا أتى بها إلى ذلك البيت المبهرج بالألوان، والفُرش، وقفاطين النساء المتلألئة، والعطور الخانقة، وأصوات الحليّ التي ترنّ كأنها شلاّل هادر من النقود المعدنية، وأصوات الأواني وهي تُقرع في المطبخ المجاور، من كؤوس وصحون وملاعق، وأقدام الخادمات وهي تضرب البلاط جيئة وذهابا، يُحضرن ما يُحضرن، ويحملن ما يحملن ؟.. ماذا يحدث ؟ وما كل هذه الفرحة ؟ بل متى كانت بهذه الأهمية الخطيرة – أصلا – حتى يحتفلون بها هذا الاحتفال ؟ وأين كان مخفيا هذا الحب والتفاني من قبل ؟

ثم تذكرت، وسط الضوضاء الصوتية والبصرية، كيف لم تكن ‘ترضى’ كلما دُعيت إلى عُرس من أعراس الزواج.. كل ذلك الكمّ من الغرور والتفاخر باللّباس والشعور المسرّحة، والحليّ الباهرة، وأطايب الأكل الذي يطوفون به في مواكب، كأنها المواكب الملكية ! لم تكن تَسلَم من الضّيق الذي يخنق أنفاسها، والألم الذي يغصّ به قلبها في مثل تلك المناسبات، وقتَ أن كانت في عداد العوانس البائرات – كما يصرّ على تسميتهن الناس – ولذلك كانت تجاهد نفسها جهادا كبيرا حتى لا تحسد المتزوجة، لِما علمت من خطورة الحسد على الحاسد والمحسود معا. فهل تُصدّق الآن هذا الفرح البادي في العيون ؟ أوَتسامى الجميع عن الحسد فجأة ؟.. لا تصدق !

Continue reading “ليلتان وليلى”

قصص رعب

ممنوع دخول البشر !


%d9%85%d9%85%d9%86%d9%88%d8%b9-%d8%af%d8%ae%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b1

(قصة قصيرة)

-1-

ألقيتُ بثقلي فوق الكرسيّ الدوّار، وقد وضعتُ قدح القهوة بجانب لوح المفاتيح..

هي جلستي الليلية المعتادة أمام شاشة الحاسوب، بعد الفراغ من العشاء الأسَريّ البسيط، وبعد كلام يسير نتجاذب أطرافه حول مكان المخيم القادم، أو تداعيات القصف السوري لسوريا ! أو لغز اختفاء صندوق النفايات من مكانه برأس الحي، أو ارتفاع سعر البصل وعلاقته بالربيع العربي.. أو أيّ موضوع آخر من وحي الساعة أو إلهام الملل. بعدها أصعد الدّرج بحماس إلى الطابق الثاني، حيث بيتي العزيز وحاسوبي الحبيب، وليلة أخرى من الليالي الطويلة المفعمة بالمحادثات الماتعة، واللقطات المضحكة، والأخبار الغريبة، والفضائح المريبة.. وهلمّ جرا.

أما البيتُ فمبعثر غاية البعثرة، يُذكرني – دوما – بالأطلال كلما ألقيتُ عليه أول نظرة، كما تذكرني كلمةُ (الأطلال) به إذا سمعتها أول مرة. ربما لو دخل عليّ الآن مجنون ليلى لدمعت عيناه، وجلسَ على كومة من ثيابي يبثّ هواه لليلاه، وينشد بيتا خالدا يذكرُ فيه كلمة (أطلال) !

حاولتْ أمي – وبعدها أختي – فهم هندسة بيتي، وسط كل هذه الفوضى ولكن كان ذلك بلا جدوى. حاولا العثور على حلّ جذري لترتيب ملابسي وجواربي ودفاتري، ولكن هيهات. فما كانت محاولاتهما إلا (كناطحٍ صخرةً يومًا ليُوهنها، فلم يضرها وأوهن قرنه الوعلُ)  !

وأما هذا الحاسوب الذي أجلسُ أمامه الآن، وأكتبُ عليه ما تقرأون، فأمره عجيب لا ينقضي منه العجب.. فلكأني به يختزل أكثر دنيانا وراء شاشته. يمتصّها امتصاصا من الهواء، ويشربها من الحيطان فتسري منه في الأمعاء.. أو يلتقطها من الأثير لاقطٌ مثبّت بداخله، كأن داخله بسعة السماء ! وتأتي أنتَ لتُلقي بجسمك عبر الشاشة، وتسبحُ هنا وهناك بلا قيد كالحوت في البحر.. أو تُطلّ على هذا البلد أو ذاك من مكانك، كأنما تطلّ من شرفة برج عاجيّ، ثم إذا ما سئمت أو أضجرك المنظر، غلّقت النافذة، وقصدت شرفة أخرى. أو تراك تُبحر بسرعة البرق تحت المحيطات، كأنما أنت عِفريت أزرق ! فتصل الطرف الآخر من العالم قبل أن يرتدّ إصبعك من لوح المفاتيح  !

Continue reading “ممنوع دخول البشر !”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 7 – الأخيرة


desktop-1406691652

الفصل الأخير

-7-

الكرسي والمرآة !

أين يكون المرء وهو يكتب ؟!..

أنظر للساعة على الحائط في رعب مستطير وقد رُدّت عليّ حواسّي فجأة.. فسمعتُ غليان الماء فوق الموقد وقد نُسّيته، إذ كنتُ أودّ شرب كأس أو كأسين من الشاي الرديء الذي ألِفته، لكن لا وقت الآن لمثل هذا الترف ؟

مستعجلا، منفعلا، مرتجلا – وقل ما بدا لك بعدُ من هذه الأوصاف – قمتُ أركض نحو المطبخ لأطفئ الموقد وأنا أُسقِط كل ما في طريقي كثور هائج لا يلوي على شيء..

ألهث وأركض وأتعثر..

أتعثر وأركض وألهث..

بقيتْ سبع وعشرون دقيقة على الموعد، وعليّ الخروج حالا..

وضعتُ بعجالة في حقيبة الظهر السوداء خاصتي، أشياء متفرّقة كنت أعددتها من قبل.. مسجل صوتي، خنجر طويل، مصباح يدوي، بطاريات احتياطية، غطاء، قارورتا ماء – ملأتهما من الصنبور طبعا -، عُلب سردين “معلبّ” وأشياء أخرى من هذا القبيل !.. ألستُ ذاهبا إلى بلاد الجان ؟

كدتُ أصطدم بالشمطاء في الدرج وهي تصعد مقوسة الظهر ببطء مثير للأعصاب..

– تبا لك أيها المنحوس.. ما الذي يُثير عجلتك إلى هذا الحد ؟ هل صرت عفريتا من الجن ؟

– تقريبا..

قلتُها ولم ألتفت لنظرتها من فوق كتفها وقد أثار حفيظتها ردّي الوقح..

– اذهب، أنا أريد لك كسرا في…

ولم أسمع تتمة دعوتها الخبيثة فقد كنتُ خارج البناية أشير إلى أول سيارة أجرة لاحت لي بلهفة كأنما هي آخر سيارة في العالم..

قلت وأنا أدلف السيارة بعنف:

– غابة (بوسكورة) من فضلك.. الآن !

– ولكني لستُ ذاهبا…

– الآاااااان !

* * *

Continue reading “الجنسية المستحيلة 7 – الأخيرة”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 6


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-6-

طبّاخة ماهرة !

الأحد..

بقيت خمس ساعات تقريبا على أذان العصر، ثم يحين الموعد الذي تعرفون.

مساء أمس، لما أغمي عليّ قرب الباب، وقعت مصادفة غريبة بعض الشيء.. فقد كان آخر ما علق بذاكرتي هو منظر الباب ويدي التي تحمل المفتاح تحاول معالجة القفل.. ثم الضباب على عيني، فصوت ارتطام زلزل رأسي، فألم حاد بصدغي الأيمن.. ثم الظلام.

فتحتُ جفنيّ مقاوما ذاك الخَدَر الثقيل، فإذا بي في غرفة لا أعرفها.. كانت هناك لمسة أنثوية واضحة بالمكان، ورود وخيوط ملونة تتدلى من الأركان.. رائحة بُنّ قوية، أصوات نسوة تأتيني من مكان ما.. فلما أصختُ السمع ميّزتُ صوتَ شابة رفيع، وصوتَ امرأة أخرى تكلمها قدّرتُ أنها عجوز !

تلمّستُ رأسي فوجدته مضمّدا، فزاد تعجّبي وتساءلتُ أيّ شيء حدث لي ؟.. ثم حاولت الاعتدال، فجلستُ، فانتبهتُ أول مرة إلى السرير المتواضع الذي أضطجع فوقه وإلى ملاءته البيضاء النظيفة، بل إني انحنيتُ أشمّها فوجدتها معطّرة ! وقبل أن أستنتج شيئا دخل آخر شخص أتوقّع دخوله.. روقية !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 6”

قصص متنوعة

وحيدٌ ولكن..


وحيد ولكن

(إعادة نشر)

هل هذا الاختناق الذي أشعر به الآن ناتج عن الحر أم عن الوحدة.. أم هما معا ؟

أعتقد أني لو لم أكن كاتبا لما استطعت احتمال كل هذه الوحدة.. خصوصا في هذا الكوخ الخشبي المعزول..

الكتابة تجعلني أخاطب الأشياء حولي، أكتب جملة وأنظر للسرير أمامي كأني أسأله عن رأيه فيما كتبت ثم أبتسم له بشفقة ربما لأنه أمّي لا يعرف العربية.. وقد أتوقف وسط عبارة مترددا، أهرش رأسي بملل، وأنظر للمنضدة الخشبية الصغيرة، أكاد أطلب منها الكلام بصوت مرتفع حتى أسمع اقتراحها جيدا.. ثم لا ألبث طويلا حتى أعود ببصري لشاشة حاسوبي النقال، وسرعان ما تبدأ أناملي من جديد في الركض على المفاتيح..

الكتابة شيء مسلّ بحق.. لو فقط يعرف الناس هذه المتعة، ولكن عليهم -برأيي- أن يجتازوا أولا مرحلة نقش الكلمات كلمة كلمة.. فهذا الذي يُتعب المبتدئ حتى لربما ترك الكتابة للأبد.. عليه أن يصبر حتى تصير الكتابة عنده لعبة اعتادتها أصابعه، ويصير صوت المفاتيح وهي تُضغط صوتا مألوفا مثل صوت لهاثه وهو يمضغ شطيرة جبن.

حسن، ليس هذا موضوعي فدعونا منه الآن.. مالنا ومال الجبن و.. من يدق الباب؟ غريب.. من يريدني ليلا في هذا المكان المعزول ؟.. طيب، أذهب لأنظر وأعود…

* * *

Continue reading “وحيدٌ ولكن..”

قصص رعب

أنا قادم إليك !


أنا قادم إليك

(إعادة نشر)

    – سمير !.. حبيبي.. سمير !

   همست بها الأم في أذن طفلها النائم كالحمل الوديع..

   – ممممم ؟

   – هيا يا صغيري ، نمت كثيرا.. انهض فأنا و والدك سنسافر الآن..

   – مممم ؟

   – ألا تريد أن تودّعنا ؟ ها ؟

   – ممم.. ماذا ؟.. ستسافران ؟

   لفظها سمير بصعوبة و هو يفرك عينيه ليزيل منهما شظايا النوم..

   – إن جدتك مريضة ، شفاها الله ، و يجب أن نزورها.. وأعدك بمفاجأة سارّة حين عودتي.. ها ؟ ما رأيك ؟

   قالتها (مروة) بمرح و هي تعابث طفلها الذي اتسعت ابتسامته لما سمع العبارة الأخيرة..

* * *

   (محمد) رجل أعمال ناجح و زوجته (مروة) سكرتيرته الخاصة.. شابان سعيدان و متفاهمان لأقصى حد. ذلك النوع من الأزواج اللذين يتبادلون المجاملات على مائدة الطعام عوض السباب و اللعنات !.. ذلك النوع من الأزواج “العشاق”..

   رُزقا بطفل منذ ست سنوات ، وهو (سمير) طبعا.. ولدٌ في غاية الذكاء ، يظهر ذلك من خلال كلامه و تصرفاته التي تفوق سنه بمراحل.. 

   ربياه أحسن تربية و وفرا له ما لا يتوفر عند جلّ أصدقائه في المدرسة.. إذ أنه فتح عينيه في غرفة جدرانها مغلفة بورق وردي فاتح.. غرفة هي عالم لوحدها ، مدينة ألعاب !..

* * *

Continue reading “أنا قادم إليك !”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 5


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-5-

العدّ العكسي !

بقيَ يومان على الموعد الموعود !

كنتُ أرى في الليالي الأخيرة أحلاما وكوابيس غريبة، هي مزيج من الحبّ والرّعب !.. روقية تحمل قطا ميتا تُقدّمه لي عربونا لحبها !.. قطّ يلبس بذلة ويحمل في يده باقة ورد، يتقدّم لخطبتي !.. مُراد صاحب الدكّان يسرق ضمّادات مُتّسخة من القُمامة !.. الشمطاء تعترف لي – وهي تبكي – أنها تُحبّني بجنون !.. وأشياء غريبة من هذا القبيل..

المفروض أن هذه الأحلام هي الشيء (الفانتازي) الوحيد في حياتنا الروتينية، إذ لا يُمكنك أن تقفز من أعلى الدرج إلى سفحه بخطوة واحدة إلا في الأحلام.. لا تستطيع أن تتواجد بأمكنة وأزمنة مختلفة إلا هناك.. في الأحلام. لا تجرؤ على السقوط من حالق – من غير سبب واضح – أو أن تسبح في السماء بسعادة شاعرا بدغدغة محببة في بطنك إلا في مملكة الأحلام..

وإني أعتقد أن رسالة روقية لي هي الدليل الماديّ الوحيد الذي يُثبتُ فزعي وصراخي تلك الليلة وإلا لشككت أن كل ذلك كان حلما.. أو كابوسا على وجه الدقة !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 5”

قصص متنوعة

الوجه بالمرآة !


empty_mirror_by_dred8667.jpg

(قصة قصيرة جدا)

نظر غلامٌ يوما إلى المرآة فلم يجد وجهه، ووجد مكانه وجه رجل كهل منهك، فهاله ما رأى فبكى، فتهاوى مكانه صَعِقا، ولما أفاق وتذكر ما كان نأى بوجهه عن المرآة فزعا وقام من مقامه وهو يجفّف دموعه، وشرع يُفتّش في كل مكان ويُنقّب ويُقلّب الأشياء بحثا عن شيء واحد يثبت هويّته ويبرّئه من الجنون والهذيان. وفي غمرة بحثه سمع تنحنحا من خلفه فتوقّف حيث هو حتى لكأنما هو تمثال من حجر.. وأصاخ السمع مذعورا ساعة من الزمان، ثم لمّا لم يأته صوتٌ استجمع من القوة ما يُمكّنه من الحركة فاستدار ببطء ناحية الجدار حيث عُلّقت المرآة، حتى إذا صار وجهه شطرها رفع إليها ناظريه رويدا رويدا، فإذا بالوجه المُنهك الشاحب على المرآة ينظر إليه ويفتح فاه بتهالك فيقول: (أولم تعرفني يا هذا ؟.. أنسيت أنك لم تعد أنتَ وإنما أنتَ الآن أنا ؟.. لقد كبرتَ يا هذا وصِرتَ إلى ما ترى، وقد ولّى ذاك الطفل الذي كنتَ تعرف وولّى ذاك الزمان.. ولّى إلى غير رجعة !).. ثم انهمرت الدموع على الوجه بالمرآة..

رفعت خالد المزوضي

01-01-2016   

قصص رعب

أوراق ودماء


أوراق ودماء

قصة قصيرة

 السبت 16 يونيو 87

وضعتُ وسادة خلف ظهري ومددت رجليّ على السرير حتى خرج عقباي من حافته كالعادة !

أضأت المصباح على يميني وحملت ذلك الدفتر المجعد العجوز الذي ليس له غلاف.. دفتر يومياتي، دفتر حياتي. لقد شارف على الانتهاء.. وأفكر في التوقف عن الكتابة نهائيا بعد ملئه.. إذ صرت ضعيف البصر، والتركيز على السطور مع محاولة تحسين خطي القبيح يكلفاني مجهودا ذهنيا لا بأس به.. ولكنها كانت تجربة رائعة أن أدوّن رواية حياتي بمغامراتها وأحزانها ومللها وقرفها ووحدتها.. وخطورتها التي أفهمها أنا فقط.. أما الآخرين، فحتى تمزقي أسفل قطار شحن لا يعدونه أمرا خطيرا !  

الهدوء التام يُشعرني بدوار لذيذ يحتل رأسي، بعد ساعات العمل تلك بمقر الجريدة.. ليس بالعمل الشاق.. ولكن من قال أن الجلوس على كرسي واحد لسبع ساعات متوالية نشاط مريح ؟

أما هنا فكل شيء ميت ! أعدك أن أعصابك سترتخي لدرجة التجمد !

Continue reading “أوراق ودماء”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 4


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-4-

ورقة التّوابل !

– … وضحك ضحكة لازلتُ أجد صداها إلى الآن !

كان أسامة يُحدّق بي باهتمام بالغ وقد أثارت القصة انتباهه..

جرع ما تبقى من شايه وقال طالبا المزيد وكأني أقصّ عليه حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة:

– ثم ؟

– ثم.. قفز الشيطان من النافذة كما لو كنا في الطابق الأرضي وليس في الرابع !

قلتها وعضضت على شفتيّ متنهدا بأسى قبل أن أواصل:

– نمتُ مكاني لا أذكر كيف، وليس في ذاكرتي بعدها إلا الشمس وهي تلسع وجهي بشعاعها ، ففتحت جفني المتلاصقين بصعوبة واستغرقت وقتا لأفهم من أنا وأين أنا ولماذا أنا.. الخ. ثم لما فهمت وجدتُني مرميا على الأرض كيفما اتفق، أعانق الثلاجة !

ضحك أسامة ربع ضحكة ثم تدارك نفسه بأن سعل وسألني بسرعة – ربما لينسيني أمر الضحكة -:

– نبيل.. أخبرني، هل أحرقت الكتب كما وصيّتك ؟

نظرتُ له نظرة ذات معنى.. ففهم جوابي من فوره وتأفّف قائلا:

– لا تلومنّ إلا نفسك يا أخي.. على كل حال، أنهِ ما تبقى في كأسك حالا.. المحاضرة بدأت فعلا.

* * *

تذكرون (روقية) حفيدة الشمطاء، تلك التي قدمت لي طبق السمك المقلي وابتسمت ابتسامتها التي ابتسمت.. تلك الابتسامة (الملغومة) ؟.. حسن، لقد وجدتُ رسالة لها أسفل بابي هذا المساء !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 4”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 3


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-3-

التجلّي الثاني

إن قُدرات أعصابنا في تحمل الألم والخوف محدودة، وعقولنا لكي تعمل بكفاءة تحتاج وسطا ملائما ونفْسا معتدلة ونَفَساً منتظما..

وهذا الترف لم أكن لأملكه يومئذ.. فقد كنتُ – داخل بيتي – واقفا كالخشبة، شاحبا كالموزة.. يجثم على صدري ذاك الشعور الثقيل الذي هو أشبه شيء بالتجمد، كأنما يكفّ عقلك ويستسلم فجأة ثم لا يهمّه – بعدها – تحريك أعصابك وعضلاتك.. فلتتصرف لوحدك !

كنتُ أمام التجلي الثاني..

القط نفسه.. واقفا على فراشي، ينظر لي بثبات مفزع..

من أين دخلت هذه المصيبة ؟

أردتُ أن أصرخ.. أردتُ أن أفر بجلدي لكن هيهات.. فقد هجرني عقلي لا أدري إلى أين، ودخلتُ في غيبوبة مُصمتة وأنا بعدُ يقظان !

القط الأسود المفزع واقف على قائمتيه فوق فراشي ينظر لي في مشهد خالد لن أنساه..

بله كان يُخاطبني !

كنتُ أسمع كلامه داخل رأسي.. كلام لا صوت له !

وبدأ جبيني يتصبّب ماء باردا.. فقد كنتُ أعي ما يقول !

* * *

Continue reading “الجنسية المستحيلة 3”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 2


desktop-1406691652

(قصة مُسَلسَلَة)

-2-

الضمّادات !

في الأيام التي تلت (حادثة القط) تعكّرت نفسيتي كثيرا وحاولت إقناع نفسي بأن ما رأيته لا يعدو أن يكون هلاوسا وضلالات.. وإن ذلك لفي الإمكان، إلا أنه لا يريحني بحال من الأحوال، فليس لعبة ممتعة أن تتوهم رؤية قطّ واقف على رجليه، يبتسم لك – كالبشر – أنت بالذات  !

وكان رأي أسامة رأيا مباشرا قاطعا.. (احرق الكتب اللعينة!)

حسن، أعتقد أني لا أقوى على ذلك بعدُ.. وإن كانت فكرة الحرق هذه ستروق كثيرا للعجوز الشمطاء، صاحبة البيت..

لكن تلك الواقعة الغريبة، زلزلت نفسيتي زلزالا عظيما وعكّرت هدوئي الذي كنتُ أنعمُ به منذ أن استقرّت أحوالي الدراسية والسكنية أخيرا.. واكتشفت أني لستُ شجاعا كما كنت أظن، ولا قويّ الشخصية إلى ذلك الحدّ الذي حسبت.. هذا الضعف البشري الذي لا حدود له.. وإننا – في كل تجربة نخوض غمارها وتخوضنا – يتضح الفرق بين ما نريد أن نكونه وبين ما نحن عليه في الحقيقة !

أما الآن فصار خيال الشمعة التي أدرس عليها بالليل يُفزعني !  وصرت أغلق عليّ بيتي بإحكام عند منتصف الليل.. وأعتبر البهو خارج ملكيتي.. الحمام كذلك لا حاجة لي به، فلأبق في فراشي أحسن لي وأسلم..

أعرف أنني أرى أشياء غريبة الشكل تتحرك في ظلال الحائط وإن كان كل شيء حولي هادئا.. لكني لا ألتفت لذلك ولا أريد أن أصدّقه!

أعرف أن إطلال المرء من نافذته سلوك بشري عادي.. لكني منعته على نفسي إذا ما جنّ الليل.. فليلي لا يجنّ فقط.. بل ويجنّ جنونه كذلك !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 2”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 1


desktop-1406691652

(قصة مُسَلسَلَة)

-1-

التجليّ الأول

إنه ولعي بالغرائب الذي قادني إلى كل تلك المصائب.. ولأنني إنسانٌ ملول جدا بطبعي لم أطق أن أحيا بالسطحية التي يحيا بها أكثر الناس، فكان أن انكببتُ على كُتب غرائب الأحداث و مصنفات عجائب الوقائع أبحث عن الجديد الذي لم يُخبَر والمجهول الذي لم يُسبَر، والمشكلات التي أعجزت عقول من قبلنا فتركوها متراكمة على عتبات التاريخ ومضوا في طريقهم متناسين..

قرأتُ الكثير من تلك الأشياء حتى تكدّست حُجرتي الصغيرة بمئات المؤلفات والمجلدات المهترئة.. وكنتُ – بين الفينة والأخرى – أسمع لوم المرأة العجوز التي أكتري غرفتها، تلقيه عليّ كلما أطلّت بوجهها المجعّد من نافذة البهو الصغيرة..

“يا هذا المنحوس.. ألن تكُفّ عن عادة تضييع النقود في التوافه، أنت تؤخر ثمن الكراء مدعيا أنك صعلوك لا مال له فأغفر لك، وأرجئ الموعد في كل مرة.. كريمة أنا، لكن للكرم حدود، فعندما أرى كتبا جديدة لم أرها من قبل في مزبلة كتبك هذه.. أعرف أنك تجمع المال.. كح كح.. انظر لبيتك أيها المنحوس.. ليس فيه شيء تقريبا، ألن تشتري دولابا، مكتبا، مزهرية.. كما يفعل الطلاب الحقيقيون ؟.. تبا لهذا الجيل المعتوه.. كح كح”

كذا.. ثم تمضي ببساطة !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 1”

قصص متنوعة

العجوز والمقهى


pexels-photo-large

(قصة قصيرة)

وضع النّادل الوسيم أمامي كأسَيْ القهوة والماء وجريدة اليوم، ثم ابتسمَ في أدب (تجاري) قبل أن ينصرف بخفة..

حملتُ كيس مسحوق السكر أتأمله بتراخ.. هذه الشعارات والأسماء والعبارات الإعلانية من قبيل (نحن الأفضل) تطاردنا في كل مكان.. متى – يا تُرى – كان سكرٌ أفضل من آخر ؟.. أعتقد أنهم لو كانوا يبيعون التراب لقالوا (ترابنا أفضل) !

مزّقتُ الكيس بعنف ساخرا مما كُتب عليه، ثم أفرغته بأكمله.. صوتُ الملعقة وهي تخلط الأبيض بالأسود في الفنجان حملني بعيدا، إلى أحلام اليقظة التي أدمنتها.. ولمّا أن عدتُ منها، واسترجعتُ وعيي وانتباهي جعلتُ أقلّب صفحات الجريدة بين يديّ فارّا من الإعلانات وعبارات (نحن الأفضل) إياها التي تطلّ عليّ من كلّ مكان.. تكاد تُخرج لي لسانها !

أغاظتني بعض العناوين وأثارت تعجبي أخرى.. فكان كل ما أقرؤه يُترجم فوريا على ملامح وجهي المجعدة وحاجبي الكثين.. وكنتُ بين الفينة والأخرى أدوّن عبارات تهمني على مذكرتي..  

حييتُ وجها أعرفه مرّ مُسرعا أمامي..

وضعتُ الجريدة بملل، وحملت المذكرة أنظر لما كتبتُ، وأطرق الطاولة بقلمي مفكرا..

ثم أخرجتُ أوراقا بيضاء وشرعت أكتبُ نصا طويلا مستعملا بعض ما استخرجته من إحدى المقالات..

تذكرت القهوة فجأة، لابد أنها بردت.. تناولت الفنجان ومددت رقبتي لأريحها قليلا، فطالعني منظر رجل بعيد يقتعد مقعدا قبالتي ويحمل قلما على ما يبدو، وفنجان قهوة باليد الأخرى.. وكان يمدّ رقبته هو الآخر !

Continue reading “العجوز والمقهى”