مقالات فسلفية

لماذا (لا) نفعل ؟


artistic-surreal-photomanipulation-by-sarolta-ban-03

تكلمتُ سابقا عن (عدم تطبيق القواعد والملاحظات)، تكلمتُ عن (المزاجية)، وعن (خيانة وعدم احترام النفس).. مفاهيم كثيرة تكلمتُ عنها وسوّدتُ بها بياض الصفحات، لأجيب عن سؤال واحد محيّر: (لماذا لا نتغير ؟).. أو بصيغ أخرى: لماذا نعيد نفس الأخطاء ؟ لماذا نزداد غياّ ولا نرعوي ؟.. ماذا تريد منا هذه النفوس ؟ وكيف السبيل لإقناعها بالتوقف عن عبثها القاتل ؟

لا جواب..

قد تجيبُ عن كل أسئلة (لماذا تفعل كذا ؟) ولكنك عاجز غالبا أمام أسئلة (لماذا لا تفعل كذا ؟).. لماذا أكلتَ قطعة اللحم التي ليست لك ؟.. لأنك كنتَ جائعا جدا، مشتهيا بشدة فلم تتمالك نفسك مثلا.. لكن لماذا (لم) تأخذ حذرك ودخلت تلك الأمكنة المشبوهة وأنتَ تعرف أنها مشبوهة ؟.. لماذا (لا) تواظبُ على النوافل وأنت تعلم فضلها ؟ لماذا (لا) تطلب العلم وأنت خبير بضرورته ؟ لماذا (لا) تقرأ تلك الكتب المرتبة أمامك، وأنت مستلق مادّا رجليك في فراغ مهول ؟.. لا جواب !

هذا عجز.. وأكثر ما يثير الهلع هو العجز. لكأنما أنتَ مكبّل لا تملك الحركة.. ثم إذا ذكرت مكايد الشيطان – عياذا بالله – ازداد هلعك. فتقول لعله هو – أخزاه الله – من كبّلني وأحسن تكبيلي. حتى لا أغادر هذه الدائرة، ولا أكفّ عن تلكم الأخطاء..

لكن مجرد إحساسنا بالعجز وبخطورة ما نحن فيه، دليل على حياة قلوبنا – ولو كانت في مرض موتها – ودليل على وجود أمل على كل حال، وهذا كاف ليأخذ الأمل فرصته.. إذ الأمل – كالدّخان – يتسرّب من أضيق الثغرات، وفي آخر اللحظات، ليفعل ما يُشبه المُعجزات.. أليس كذلك ؟

أو لعلّ هذا من الأمور الفوق-بشرية، التي لا تستقيم إلا بتدخل إلهي – وكل شيء بإذن الإله العظيم – فلا يقترف أحدنا خطأ إلا بإذنه، ولا يُقلع عنه ويتوب منه إلا بإذنه.. لا يضل الضالّ ولا يهتدي المهتدي إلا بإذنه. فلنسأله لنا ولإخواننا الهداية والتوفيق. فإن هذه الدنيا – والله – فتّانة، والشيطان عدوّ لدود، والأعين خوّانة، والنفوس أمّارة بالفحشاء والسوء.. ويا ويح ابن آدم إن لم يأته المدد الرباني.

رفعت خالد المزوضي

19-07-2017

رسائل

لكأنما السخاء أنت..


coffee-emporium

إلى الذي ما نسيته ولن أنساه.. حياك الله.

إلى من مدّ لي أيادي العون بلا حساب، وأخرج ما في (جيبه) من جهد في أحلك الليالي وأضيق المضايق، بلا طلب مني ولا سؤال.. لله دره، لو كانت له خزائن الذهب لأمرني بحمل ما أطيق منها، فهو لي..

إلى من أعياه تحوّل مزاجي، وغرابة أطواري فنفض يديه مني، وإن كان قلبه أوسع من أن ينفضني.. حفظك الله، ما كان أصبرك عليّ !

إلى من يعرف أنه المقصود، سواء قرأت هذا أم لم تكتب لك قراءته.. تحية لك مع شكر وامتنان، والله يشفيك ويعافيك ويغنيك من فضله.. والسلام.

خالد

مقالات نفسية

دورة المزاج


01_Infinite-Cycle

كم أعجب لتغير الحال النفسي، وتبدّل الطور المزاجي ! وإني متأكد إن شاء الله أن الذين انتحروا لو أنهم لبثوا دقائق إضافية قبل أن يقدموا على إزهاق أرواحهم لأحجموا عن قرارهم أو أجّلوه على الأقل. وإنه لموهوب موهبةً عظيمة من يملك مزاجه لأطول قدر ممكن، لأن التغيير لابد منه، ودوام الحال من المحال كما يُقال. ولكن الفرق بين الناس – فيما أرى – هو في الحفاظ على التوازن لمدد متفاوتة، وما أشدّ هذا التوازن على النفس الجموح المتفلّتة، حتى لكأنك تمشي حذِرا على جدار لا يسمح سُمكه بأكثر من قدم واحدة !

وقد يصل هذا (التبدّل) ببعضهم إلى ذاك المرض المخيف، الذي لا يقل بشاعة عن مرض الكآبة عياذا بالله، والذي يدعونه بالهَوَس أو (اضطراب المزاج ثنائي القطبية). حيث ينتقل المريض باستمرار من الفرح المفرط المخيف إلى الكآبة السوداء القصوى !

ومن أسوء ما في تقلّب المزاج هذا، أن المرء يعيش ذات (المآسي) مرات متعددة.. هلع، ملل، ارتخاء، هدوء، نشاط، فتور، هلع.. إلخ. وفي كل مرة يمسّه ذاك (الهلع) يقول أن أموره بلغت من السوء الغاية، فصارت ميؤوسا منها، ولا داعي إذا للأحلام، فالكارثة آتية لا ريب فيها.. وهكذا يغوص المسكين في تلكم الأوهام الشيطانية ما لم يتداركه الله برحمته، وينبهه من غفلته ثم ينتقل إلى الحالات الأخرى ويسترجع بعض هدوءه واستقراره، ولكنه – غالبا – يذوق نفس (المأساة النفسية) الأولى عندما تدور الدائرة من جديد، كأنما هو بلا ذاكرة !

وعلى ذكر الذاكرة.. عجيب كيف ينسى هذا الإنسان ويتناسى ! وهي معضلة (إنسانية) أخرى إن عرفتَ جوابها عرفتَ لماذا يعصي الإنسان ربه بعد التوبة، ولماذا يطلّق الرجل امرأته الطلقة الثانية وقد أرجعها، وتصالحا وتعاهدا إلخ..

ولكن ليت الإنسان يوطّن نفسه على حالة وسط يعود لها دائما إذا ضلّ أو ضاقت به السبيل، ثم لا تكون هذه الحالة حالة نشاط ولا فتور ولا فرح ولا أسى، وإنما مزيج من هدوء متفهم، وتغافل بارد، وتسامٍ جميل عن المهاترات والانتقامات، وجنوح إلى القناعة وعدم حرص على (المزيد)، ولا بحث دؤوب عن كل جديد، ولا رغبة حارقة في المتعة، ولا تأوه مزعج من الآلام، ولا نظر في حركات البشر المثيرة للغيظ، ولا تنقيب في درج الماضي المغبر، أو تطلع إلى صور المستقبل المبهمة الغامضة.. فلا هو يفرح بما أوتي ولا يأسى على ما فاته، كما جاء في وصايا القرآن العظيم.

هذا وأعلم أنه ليس من السهل فكّ طلاسم هذا الإنسان بجرّات قلم سريعة.. وإنما غاية مرادي أن أتفكر – في كل مرة – في واحدة من مشكلاته، التي قد تكون من مشكلاتي، عساني أتخطاها أو أذكرها أضعف الإيمان، أو يذكرها آخرون غيري إذا قرأوا ثرثرتي ثم وجدوا فيها ما يستاهل الذكر..

رفعت خالد المزوضي

26-05-2017

مقالات حرة

أين العقول ؟


Human brain and colorful question mark  draw on blackboard

أحمدُ الله الذي أذِنَ لي بالإيمان، (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله). وأشهد أن ما جاء به محمد حق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. وأشهد أن الجنة حق والنار حق، والصراط حق، وأن الساعة قائمة لا ريب فيها.

أما بعد..

إن ما أجده غريبا و(غبيا) في أمر الملحدين واللاّدينيين، أنهم لم يجيبوا – من قبل أن يفرحوا (بذكائهم) و(حريتهم) و(شجاعتهم) – عن الأسئلة الأساس !.. من أين جاءوا ؟ من أو ما الذي أتى بهم ؟ ولماذا أتى بهم ؟ أفقط للأكل والشرب والتوالد والتطاول في البنيان وكنز الذهب والمرجان، ثم ماذا ؟.. موتٌ يحلّق فوق المقابر، وجثث متصلبة متحللة، وعظام مثقوبة نخرة ؟

أيوجد هذا الكون بألوانه وروائحه وسمائه ومائه وفوله وعدسه وقثّائه وكل ما فيه عبثا ؟ أتوجد هذه الأحزان والحروب والأمراض والإعاقات والشيخوخة بعد الشباب اعتباطا ؟.. أين العقول ؟

لو كان العبث هو قانون الكون.. فلماذا لا يصح في عقولنا أن جهازا من هذه الأجهزة الحديثة المتطورة، التي تؤدي وظائفا مبهرة لا تكاد تفهم كيف تؤديها، لماذا لا يصح لدينا أنه وُجد من عدم ؟ لماذا نتساءل – مباشرة – كيف صنعوه ؟ ولا نقول هل هو مصنوع أصلا ؟ فكيف بهذه الأجهزة في أجسامنا وفي ما حولنا ؟ أتكون عبثا، من غير خالق، ولغير ما هدف وفائدة تُرجى من (وجودها) ؟

ولو كان العبث هو قاعدة الكون.. فلماذا كل شيء في حياتنا حسابات وإحصاءات وأرقام وأغراض ومسببات ونتائج.. إلا الكون نفسه ؟؟ أين العقول ؟

ولكنه الكيل بمكاييل مختلفة.. (فهم) يُعملون عقولهم فيما يريدون، وإذا احتاجوا تحقيق مصالحهم، ويُعطّلونه إذا ما تعلّق الأمر بحقوق كبرى يجب أن يؤدوها لخالقهم كما جاء في رسالاته.. هنالك تجدهم صمّ بكم عمي لا يَعقلون !!

الغريب – كذلك – أنهم يسخرون !.. كيف يسخر مَن لا جواب له مِمن يملك الجواب المنطقي الوحيد ؟ أرأيتَ من قبل رجلا من العامة يقوم فيسخر من نظرية عالم في الفيزياء مُبرهَنٌ عليها بالميكرومتر والنانومتر، ثم تكون حجته ألاّ حجة لديه ؟ أرأيتَ لو قام هذا الرجل في وسط مؤتمر علمي رفيع وشغّب على العالم الذي يتكلم شارحا نظريته المُبرهنة، ماذا – ليت شعري – يكون حاله ؟ أتراهم يُصفّقون له ؟ أم أنهم يطردونه شرّ طردة، مشمئزين من غبائه وجهله ؟

أين العقول ؟

ولكن السياسة حجبت هذه العقول تماما، ومن أخطر (السّاسة) الشيطان نفسه عياذا بالله.. فقد ساس عقول أكثر البشر للطريق الذي يريد.. حقا كما وعد وتوعّد. فصارت (السياسة) هي دين أكثر البشر. فلا يقول أحدٌ منهم تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به أحدا.. بل يقولون تعالوا إلى تقاليدنا، تعالوا إلى حِلفنا، تعالوا إلى شركاتنا، تعالوا نستولي على المزيد من الأرض.. تعالوا نخطط لتقسيم جديد للقارات..

وكذلك عطّل الشيطان قواهم العقلية الأصلية، فهم في سكرة يعمهون، وأغراهم بذكاءات مادية محدودة ليست إلا (ظاهرا من الحياة الدنيا)، ففرحوا بتلك الألوان والشاشات والطائرات التي صنعوها.. ونسوا العقل الأولي الصافي، الذي أودعه الله فينا، والذي يعرف أنه مخلوق، ويقول بفصاحة لو كانوا يسمعون: (ماذا أراد مني خالقي ؟ وأين أنا مما أراد ؟).

فكم يسأل اليوم هذا السؤال من العالمين ؟ أم هل يقيمون مؤتمرات علمية ليناقشوا هذا السؤال البسيط ؟ هل يقدرون ؟ أو قُل.. هل يدعهم الشيطان يفعلون ؟

رفعت خالد المزوضي

05-06-2017

شذرات

قابلية الفتنة..


c3a9tincelle

يظن الكثير أن التظاهر والتجمهر في الشوارع إنما هو منبوذ ما علت فيه هتافات ودعوات تزعزع استقرار البلاد أو تدعو لمنكر من المناكر فحسب.. والأصل أن التجمهر – في ذاته – منبوذ ومنهي عنه في الشرع، لأسباب متعلقة بتعطيل المصالح وسدّ الطرقات وإشاعة الفوضى وتجرئة الدهماء على التمادي والتطاول على الممتلكات، وكذلك لأن فيه توفير المادة الخام لأي فتنة كانت.. حتى لا يبقى على من يريد شرا إلا أن يُشعل عود ثقاب ويرميه وسط الناس، فتستعر نار الفتنة، ويعلو لهيبها، فلا يدري أحد متى تخمد. يكفي – مثلا – أن يقوم أحد من المتظاهرين (لعدم التظاهر) أو من المتظاهرين الأصليين بضرب الآخر، حتى تصبح لدينا بداية جيدة لحرب أهلية حقيقية، وتتحرك الجاهلية القبلية في النفوس المريضة والقلوب الخربة، فتُسفك الدماء، وتُستباح الأعراض، وتَتصدّع البلاد، وتَظهر في حصنها الشقوق والثغرات، تَنسلّ منها خفافيش الظلام، والسّلاح الفتاك البارد، الذي تُفرغ ذخائره في ملاحم وبطولات كاذبة خاطئة.. ثم تدور سلسلة الانتقامات دورتها اللانهائية. حتى لقد تنقرض البلاد من الوجود ويقوم مقامها خلق جديد، يحملون اسما جديدا وعقيدة جديدة. فلا تكونوا وقودا للفتنة، وبيوتكم فالزموا. واتركوا الكلاب النابحة، فإن للبلاد شُرَطا و(مخزنا) سيكسرون عظام من (سخنت عليه عظامه)..

رفعت خالد المزوضي

05-06-2017

نصوص منقولة

عبادة الأحرار


r-ramadan1-600x300

بقلم شيخ العربية: محمود محمد شاكر، رحمة الله عليه.

سألتَني أن أكتب لك شيئًا عن هذه الكلمة المعذَّبة: الصيام؛ فقد ضرَب عليها الناس من الحِكَمِ، وصبُّوا عليها من الفوائد ما لو تأملته لم يَعْدُ أن يكون عرَضًا طفيفًا من أعراض التجارِب التي تمرُّ بالصائم، ولرأيتهم يبنون فوائدهم وحِكَمَهم على غير منطق، كالذي يزعمونه من أن الغنيَّ إذا جاع في صيامه أحسَّ بل عرف كيف تكون لذعةُ الجوع على جوف الفقير، فهو عندئذ أسرعُ شيءٍ إلى الجُود بماله وبطعامه، ثم يزعمون أن الفقير الصائم إذا عرَف أنه استوى هو والغنيُّ في الجوع قنِع واطمأنَّت نفسُه، لا أدري أمِن شماتته بالغني حين جاع كجوعه وظمِئ كظَمَئه، أم من حبه للمساواة في أي شيء كانت، وعلى أي صورة جاءت!

ولا تزال تسمع مِثل هذه الحِكَم، حتى كأنَّ ربَّك لم يكتب هذه العبادة إلا ليعيش الفقير، وليعيش الغني، كلاهما في سلطان معدتِه جائعًا وشبعان!

ومنذ ابتُلِي المسلمون بسُوء التفسير لمعاني عباداتهم، ومنذ أدخلوا عليها ما ليس منها، ساء أمرُهم، ودخل عليهم عدوُّهم من أنفسهم ومن غير أنفسهم، وجُعِل بأسُهم بينهم، وتتابعوا في الخطأ بعد الخطأ، حتى تراهم كما تراهم اليوم: ألوفٌ مؤلَّفة ما بين الصين ومَرَّاكش، تستبدُّ بهم الطُّغاة، بل تهاجمهم في عقر دارهم شِرذمةٌ من قدماء الأفاقين، ومن أبناء الذل والمسكنة، فتمزِّق أنباء دِينهم ولُغتهم من الأرض المقدسة شرَّ ممزَّق، وكلُّ نكيرهم أصوات تضِجُّ، ثم عودة إلى موائد الشهوات ولذات النفوس ومضاجع الراحة والتَّرف والنعيم، حرَصوا على الحياة وأسباب الحياة، فذلُّوا حتى أماتهم الذلُّ، ولو حرَصوا على الموت وأسباب الموت، لعزُّوا به في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

ولقد كُتِب علينا الصيام ليُنقذَنا من مثل هذا البلاء، ولكنا نسينا اللهَ فأنسانا أنفسنا، حتى صرَفْنا أعظمَ عبادةٍ كُتِبت علينا إلى معنى الطعام، نتخفَّفُ منه لتصحَّ أبداننا، ونبذُلُه لنواسيَ فقيرنا، ونجتمع عليه لتأتلف قلوبنا، ونصوم شهر رمضان فلا تصحُّ لنا أبدان، ولا يواسى فقير، ولا تأتلف قلوب، وإذا تمَّ بعضُ ذلك فسَرعان ما يزول بزوال الشهر، وتنتهي آثارُه في النفس وفي البدن وفي المجتمع.

Continue reading “عبادة الأحرار”

نصوص منقولة

الرزق مقسوم ولكن العمل له واجب


images

بقلم علي الطنطاوي، رحمه الله تعالى 

كل من في الوجود يطلب صيدًا … غير أن الشِّبَاك مختلفات

فمن كان أوسع حيلة، وأكمل وسيلة، أخذ حظًّا أكبر. هذا ما يراه الراؤون أما العارفون فيعلمون أنه مشهد من تمثيلية، والتمثيلية مكتوبة كلها قبل أن تُوَزَّع أدوارها، والأدوار وُزِّعت على أصحابها لتكتمل بها القصة، ويحصل بها المراد، فلا يستطيع ممثل أن يقول غير ما أُعِدَّ له، ولا يأخذ أكثر مما قُدِّرَ أن يأخذه. وأستغفر الله فما أضرب الأمثال من عمل البشر لِقَدَرِ الله، ولكن أُقَرِّبُ المسألة إلى أفهام القراء.

ما خلق الله حيًا من الأحياء، إنسانًا ولا حيوانًا إلا تعهد له برزقه، ولكن من الناس من وضع الله رزقه على المكتب أمامه، يقعد مستريحًا على كرسيِّه، ويُمسك قلمه بيده، فيجريه على الورق، ومنهم من وضع الله رزقه أمام الفُرن أو التَّنور، ومَنْ رِزْقُه في مصنع الثلج، هذا- أبدًا- عند حرارة النار، وهذا عند برودة الجليد، ومَنْ رِزْقُه مع الأولاد الصغار في المدرسة، أو العمال الكبار في المصنع، ومَنْ رِزْقُه وسط لُجَّة البحر فهو يغوص ليستخرجه، أو فوق طبقات الهواء فهو يركب الطيارة ليأتي به، ومَنْ رِزْقُه وسط الصَّخر الصَّلد، فهو يكسره ليستخرجه، ومَنْ رِزْقُه في باطن الأرض فهو يهبط إلى المنجم ليصل إليه.

 تعددت الأسباب وكثرة الطرق، وكُلٌّ إذا نظر إلى من هو أشق عملا منه رأى نفسه في خير. إنَّنَا جميعًا في سباق، فما مِنَّا إلا من يجد أمامه من سبقه، ووراءه من تخلف عنه، كُلُّ امرئ منا سابق ومسبوق, فإن كان من رفاق مدرستك، وأصدقاء صباك، مَنْ كان مثلك فصار فوقك، فلا تيأس على نفسك ولا تبكِ حظك فإن منهم من صرت أنت فوقه، فلماذا تنظر إلى الأول، ولا تنظر إلى الثاني؟ إنَّ الله هو الذي قَسَّم الأرزاق، وكتب لكل نفس رزقها وأجلها، ولكنه ما قال لنا اقعدوا حتى يأتي الرزق إليكم، بل قال لنا امشوا في مناكبها، وكلوا من رزقه، أي اعملوا فإن السماء -كما قال عمر العبقري- لا تمطر ذهبًا ولا فضةً، ولكن الله يرزق الناس بعضهم من بعض. لقد أقسم ربنا في كتابه بكثير من مخلوقاته، أقسم بالشمس وضحاها، وأقسم بالليل، وبالفجر فلما ذكر الرزق أقسم بذاته جل جلاله فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: 22، 23].

Continue reading “الرزق مقسوم ولكن العمل له واجب”

بقايا القراءة

مقتل روجر أكرويد.. أو فن النهاية الصّادمة !


38e48b9a-5775-40fc-9853-957ee83f24c0

في خلال قراءتي لهذه الرواية من (الأدب الآجاثي)، كاد أملي أن يخيب، لاسيما وقد قرأتها مباشرة بعد رائعة دستوفسكي (الجريمة والعقاب). وقلتُ أن فكرة جريمة القتل في (الغرفة المغلقة) ببيت ثري، حيث الكل متهم – بما فيهم الخادم المؤدب – من (التيمات) المطروقة كثيرا في الأدب والتمثيليات، حتى لقد شاهدناها في حلقات (المفتش كونان). لكن (أجاثا) هذه تأبى كل مرة إلا أن تبهرني، وقد (خاب أملي) في (خيبة أملي) التي ذكرتُ عند نهاية القصة، وأثبتت هذه الكاتبة الغريبة أنها عبقرية، بل وملكة الأدب البوليسي بلا منازع..

إن نهاية هذه القصة من أروع وأبدع وأذكى النهايات التي قرأتُ قاطبة، ويكفي هذا التصريح مني، إذ لا يحتمل الأدب البوليسي تصريحات توضيحية – أكثر من اللازم – وإلا فسدت القصة لمن أراد قراءتها.

رفعت خالد المزوضي

19-05-2017

بقايا القراءة

الجريمة والعقاب.. أو نفسية القاتل


12009367

أجدني عاجزا عن وصف ما قرأتُ، والتعبير عما فعلته بي هذه الصفحات التسعمائة، وإنه لشعور مزعج محرج.

هذا ليس (أدبا) من النوع المتعارف عليه، وإنما كتابة من نوع آخر. حتى لقد يمكن أن تُسمى باسم آخر خاص بها، وتكون مدرسة أدبية قائمة بذاتها، وهي فعلا تُعدّ كذلك عند أدباء العالم. سمّه إن شئت (أدبا نفسيا فلسفيا)، وهو أدب عميق غاية العمق، مُؤثر غاية التأثير، لا يمكن أن يتجاهله كل مُدمن على التأمل والتفكير. إنها ملحمة نفسية إنسانية هائلة لا تعرف كيف استطاع كاتبها أن يجمعها بين دفتي مجلد أو مجلدين. ثم إنك لن تعرف – كذلك – كيف أفلح هذا الكاتب العبقري – دستوفسكي – في جعل الكثير من الثرثرة الطويلة تبدو في نهايتها لوحات مذهلة لشخصيات إنسانية مثيرة للاهتمام والدراسة فعلا.

ولا أنسى ذلك الشعور الذي تملّكني – أثناء القراءة – بأن الكاتب لا يحرص أيّ حرص على إيصال أفكار بعينها أو نهاية مُحددة، بل إنك تشعر أنما يكتب لينقل أحداثا حُكيت له أو رآها رأي العين، بلا أدنى رغبة في إطلاق أحكام أو نقل آراء. وهذا غريب.. لأننا اعتدنا من الكُتّاب أن يَحملونا حملا – من خلال نصوصهم – إلى أحداث وأفكار ونهايات يريدونها بعينها.. تكاد تُحسّ بهذا بوضوح، وتستنتجه بجلاء من خلال تعابيرهم.. ولكن هنا شيء مختلف، هنا روايةٌ كأنما تُحكى بطلاقة من تلقاء ذاتها !

Continue reading “الجريمة والعقاب.. أو نفسية القاتل”

مقالات فسلفية

أتساءل..


9a86f42dab6ac95b3cc8558c8c916983

أتساءلُ.. ماذا لو لبثَ الإنسان وحيدا متفرّدا طَوال عُمره ولم يَتزوّج ؟ أعني.. إذا لم تُسعفه حياتُه، وضاق به الخِناق، وقُدِر عليه رزقُه بما جَنت يداه أو لحكمة يعلمها الذي خَلقه، هل في مَقدوره أن يَعثُر على طريقة يُطوّع بها حياته حتى يَجعل منها حياة (أحادية) ؟ هذا – على كل حال – خيرٌ من أن يَظلّ يبكي على مدار الساعة يَشكو بُؤس وحدانيته، أليس كذلك ؟ أو يَعيث في الأرض فسادا – عياذا بالله – وهو يظن أنه ينتقمُ من الحياة أو القدر، أو ما أوهمته نفسُه أنه ينتقم منه.. وما ينتقم – في الحقيقة – إلا من نَفسه، وما يزيدها إلا رهقا، فلا هو تَنعّم في الدنيا كما يبغي ولا…

ثم ماذا لو تزوّج ؟ أتُراه يملأُ عين زوجِه وتملأ هي عينه أبد الدهر ؟ أم يتوارى – بعد انطفاء جذوة الشباب – وراء اهتماماتها وأطفالها، ثم تُطلق لعينها وخيالها العنان، وتفتح قلبها لصور الرجال من كل الألوان، وصُورهم اليوم معلّقة في كل مكان. أم أن ما أقول ليس مجرد أوهام من وحي الغيرة التي تجري في دماء بني الإنسان ؟.. أتساءل، وحُقّ (لها) – طبعا – أن تسأل ذاتَ السؤال.

ماذا لو نال الإنسانُ شُهرةَ، وذاع صِيتُه وطار اسمُه كلّ مطار، من جرّاء عمل نافع مفيد – ولا أتكلم عن الشهرة الأخرى ! – هل تُراه يتحمّل سطوع الأضواء، ويُحافظ على أصله الأصيل، ويظل على تواضعه الأول – إن كان له تواضعٌ – أم أن قلبه الصغير لن يتحمل كل ذلكم، فيسري به داء النفاق والرياء، وحُبُّ المديح وخوف الهجاء ؟

ثم ماذا لو بقي على خموله، بل وازداد خمولا مع مرّ الأيام، وتناقص (الشهود) على حياته، حتى لا يعرفه بعض الجيران ؟.. أتُرى ذلك نافعه ؟ أم أنه يزيده تحقيرا لنفسه، ووضاعةً وقلة شان، حتى لا يُصدّق أن بإمكانه أن يغير ما بنفسه وغيره ما شاء الله له أن يُغيّر، ويترك في عَقِبه أثرا كبيرا يعرفه النّاس ويحسّونه ؟ أتساءل..

ماذا لو اغتنى الإنسان، وصارت بين يديه مقاليد الأموال يصرفها كيف يشاء، يبتاع بها ما يشتهى وما لا يشتهي، هل يجرفه الزّهو، ويُرديه الكبرياء ؟ أم أن في إمكانه الثبات أمام لمعان الدراهم، والمبالغ التي عن يمينها سلسلة طويلة من الأصفار الأنيقة، والأثاث الفخم الوثير، والسرر والأرائك والأباريق المصفوفة، والغرف النظيفة الفسيحة، والحليّ المتلألئة التي يسيل للألائها لعاب النساء ؟

أم ماذا لو افتقر هذا الإنسان، ودام على فقره وعوزه طيلة أيامه ولياليه ؟ هل يحفظ ذلك تواضعه وانكساره وإقباله على عبادة خالقه ؟ أم – على النقيض – لا يزيده إلا انشغالا وهمّا وحزنا، فتذهب نفسه حسرات على حرمانه من متع الدنيا فيجزعُ قلبه ويعجزُ عن الصبر، فيطلب المال الحرام، فيتورّط فيه، فيزداد بذلك بؤسا على بؤس والعياذ بالله، وتصيرُ حتى آخرته مهددة (بالفقر). وذلك الخسران العظيم..

أتساءل.. والله العليم الخبير.

رفعت خالد المزوضي

19-04-2017

شذرات

فوضى الأحكام


controlled-chaos-for-innovation

ماذا لو لم تكن بعض الأشياء والأفكار كما تبدو عليه ؟ سؤال يدوخني كلما تأملته في لحظة صفاء وهدوء، لاسيما تلك اللحظات التي تعقبُ بعض المتع البسيطة، كرشفة حلوة ساخنة من فنجال قهوة، أو بسمة عذبة صادقة في وجه طفلة..

أقول.. ماذا لو كنا مخطئين في كثير من الأحكام النافذة التي نصدرها كل يوم ؟ وماذا لنا من علم أو حق لنبتّ في هذا الأمر أو ذاك، أو حتى في أنفسنا ؟ فكيف ببعضنا يحكمون على نيّات الآخرين وضمائرهم، ومواهبهم بل ومصائرهم ؟!

لا تقل أنا ذكي إذا، ولا غبي. الله أعلم بما تكونه في الحقيقة، فالعبقرية والذكاء والدونية والغباء مفاهيم مختلف فيها أصلا. وهذا يبدو سهلا يسيرا على كل حال.. أن ندع الكثير من الأحكام العشوائية التي نُطلقها بلا توقف، إلا ما كان بدهيا منها. فكم تفاجأنا بعكس الذي ظنناه، وكم جاءنا الغدر ممن أحببناه وقربناه، وكم سأل عنا آخر من نظنه ذكرنا كما ذكرناه. وكم انقلبت قلوب أحسن من كانوا لنا أمثلة في الثبات والكفاح. وكم وكم.. فلا تغرننا المظاهر كثيرا، ولا تخدعنا الأحكام التي نُطلقها من عند أنفسنا، ونحن نحسب أنها الأصل الذي لا محيد عنه، والحق الذي لا مزيد عليه.

رفعت خالد المزوضي
08-05-2017

مقالات فسلفية

عذاب الآخرين


1-hell-are-the-others-michal-boubin

هناك – لو فتّشنا – نسبة كبيرة من أفكارنا وأفعالنا هي من نصيب الآخرين ! فكم اشترينا من أشياء ليس إلاّ لأن الآخرين اشتروها، ثم يُقنع بعضنا نفسه أنما اشتراها عن رغبة واشتهاء، وكم من الابتسامات والعبارات والمنشورات لم تكن منّا ولا كانت لنا، فمتى نهتم بما يعنينا وندع الآخرين وشؤونهم، ولا ننظر إليهم – من طرف خفي – كل حين لنرى إن كانوا يلحظون وجودنا..

مسألة (العذاب هو الآخر) كما قال بعضهم لا أنفكّ أعالجها وأقلّبها في عقلي تقليبا، منذ طرقت أسماعي أول مرة. ولستُ أقول أني بمعزل عن هذا (العذاب).. ولكن أنّى الخلاص من (الآخر) على كل حال ؟ فهو بتجاهله يؤذيك، وباهتمامه وشفقته يؤذيك على حدّ سواء تقريبا. وأنت وُلدتَ وسطهم وتعيش بين ظهرانيهم، لا تملك أن تفعل غير ذلك. لاسيما في المجتمعات المتأخرة، حيث لا كهوف ثمة ولا فيافي ولا جُزر تنفرد فيها، حتى لو قدرت أو قرّرت الانفراد.

ليست المسألة مسألة جُبن وعجز، ولكن المسألة – كل المسألة – في اكتشاف هذه النفس الذائبة وسط النفوس، وجسّ هذا القلب الذي ضاعت نبضاته وسط الضوضاء. فما تدري – آخر الأمر – أيّ شيء تكون ! حتى أن المفاهيم الكبرى كالحبّ والبغض، النجاح والفشل، السعادة والشقاء، القناعة والجشع، العفة والعهر، البخل والسخاء.. كل أولئك صارت مُفعمة بالمغالطات والشبه التي هي أشبه ما يكون بالحق وما هي بحق.

من ذا الذي وضع قواعد العشق، وطقوس (الحب) والرومانسية ؟ هل تعرفه ؟ من حدّد النجاح في الشهادات الأكاديمية والبدلات الغربية والأعمال المالية ؟ ألم يكن في الناس نجاح قبل أن توجد هذه الأشياء ؟ من الذي حرّم التعددّ في النساء وسماه جشعا وقد جعله الله مُباحا، حلالا طيبا ؟ وهل تراهم وجدوا في العنوسة خيرا ويُسرا مثلا ؟ من الذي جعل من اختلاط الإناث بالذكران ومشاركة الأزواج في المسابقات التلفزية، ورقصهم وغنائهم تفتحا ونشاطا وتسلية، وسمى العفة وهجران المنكرات – طاعة للرب – كبتا وجهلا وظلاما ؟

إن حياتنا وسط هذه المغالطات إن لم تُفسد فطراتنا الأصيلة – وقد أفسدت الكثير منها فعلا – فإنها تضعنا في صراع دائم مرهق مع أنفسنا حتى نذكرها كل مرة بالصواب وسط هذه الأطنان من المغالطات، وصراع مع نسائنا حتى نقنعهن بخطأ آلاف الأفكار والسلوكيات التي ابتلين بها، وهو صراع ينشأ عنه في كثير من الأحيان دمار الأسر وشتاتها، وصراع – كذلك – مع أبنائنا وهو الأشد، إذ تجري هذه الطفرات الخبيثة في مجاري دمائهم منذ يفوعتهم، فمتى – يا تُرى – تغادرهم ؟

الله هو المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

رفعت خالد المزوضي

05-05-2017

بقايا القراءة

الإحساس بالعمق..


2

 

“الشهود على حياتنا يتناقصون، ومعهم يتناقص التوثيق اللازم”.

هذه هي العبارة المحورية لرواية (الإحساس بالنهاية) لجوليان بارنز، والتي لابد أن يحسّ قارئها بالعمق الشديد، والتقعر البعيد في أغوار التأملات في النفس والحياة. ولاسيما في الذاكرة البشرية الغامضة، وفي التاريخ الذي نراكمه على مر السنين.

هي رواية غريبة ليست ككل الروايات، مكتوبة على طريقة (تيار الوعي) الحديثة التي شَهرها جيمس جويس بروايته الغريبة (عولس)، وهي تقنية تركز على ما يتبادر للذهن من أفكار وملاحظات، كما هي تقريبا، وقد لا تكون تلك الأفكار مرتبة بالضرورة، بل قد لا يكون لبعضها منطق أصلا ! كما تفكر في زمن الطفولة – مثلا – وأنت تتأمل التلاميذ يركضون خارجين من المدرسة، ثم فجأة تتذكر رائحة التفاح، وتذكر بعدها أن الموزة التي تناولتها قبل قليل لذيذة جدا ! هذا يبدو غير مترابط كثيرا، لكننا نفكر هكذا فعلا، والكاتب لم يكثر من هذا الشتات على كل حال، وإنما استعمله باعتدال وحذر، ولقد كان ممتعا في الحقيقة، كمثل ذاك المشهد الذي قبيل النهاية، حين كان البطل يتناول طعامه في أحد المطاعم وأخبره أحدهم بخبر صادم جدا، من شأنه تغيير مجرى الأحداث كلها، وبدل أن يعبّر البطل عن صدمته، وصف شرائح البطاطس التي يأكلها، وتمنى لو كانت أرق مما هي عليه لكي يلتذّ – أكثر – (بالقرمشة) وبطعم الملح !

الرواية كلها عبارة عن ذكريات رجل متقدم في السن، أتى عليها منذ أيام المدرسة مرورا بتجاربه العاطفية والإحباط الذي جاء بعدها، كل ذلك في حديث داخلي طويل متصل. وهي رواية (دافئة) إن صحّ وصفها بالدفء، وإن كان فيها بعض الأسى والإحباط، ولكنه نصّ تأملي هادئ وطويل، يُظهر مدى العمق الذي يمتاز به كاتبه. وحتى سخريته وحواراته عميقة جدا، تقرأ سطرا وتتوقف طويلا تتأمل ما قيل، وتمطّ شفتيك تعجبا كيف خطرت له الفكرة.

لطالما تمنيت أن يكون لي أصدقاء بهذا المستوى من العمق، واحد على الأقل.. يصدمك مرة بنظريته عن التاريخ، ومرة برأيه في تصرفات النساء، وهكذا.. عوض الكلام المعاد الذي يقتل التأمل فينا ويقتل الإحساس، حتى ننسى أننا كائنات مزودة بعقل قابل للتفكر والتأمل، ولسنا آلات للتنفس والمضغ والمشي في الأسواق فحسب !

رفعت خالد المزوضي

24-04-2017

شذرات

آلة الإنسان


779023ba2c099dec14bce54f833f459c

من الحُمق أن يسأل بعضهم عن الغاية من علم الرياضيات والحساب، أو قواعد اللغة والإنشاء، أو التاريخ وتراجم الأولين، أو الأدب والشعر وقصص الغابرين. لأن هذا الإنسان ما كان ليصل إلى ما وصل إليه اليوم لولا مشيئة خالقه ثم هذه التراكمات الهائلة عبر القرون للمعارف والعلوم والفنون والآداب والمهن والحيل.

في ماذا أفادنا الجذر المربع مثلا ؟.. في صناعة الحاسوب والطائرات والأقمار الاصطناعية، وهذا الهاتف المحمول الذي لا نفارقه آناء الليل وأطراف النهار ! وفي ماذا أفادنا الصرف والإعراب وحصص القراءة ؟.. في فهمنا ما يقول المذيع، وفي كتابة ما أكتبه الآن، وتدوين كل العلوم والآداب وحفظها للأجيال التي تأتي بعدنا، وفي امتلاكنا ناصية اللغة والتعابير، فنقول ما نريد بالحدة التي نريد، ونفصح عما نريد ونُغمض فيما نريد، ونُخصّص ونُعمّم ونستثني، ونُرسل المعاني المستترات، ونُزوّق الكلام حين ينبغي التزويق، ونختصره ونبتره إذا اقتضى الحال ذلك.

وهكذا ترى الإنسان كالآلة السحرية، تدخل إليها مواد متفرقة شتى، قد لا يكون لها في ذاتها أي فائدة تُرتجى، ولكن ما يخرج من الآلة بعدُ يُبهر الأنظار، ويَخلُب النُظّار.. فسبحان من خلق هذه الآلة، إنه لحكيم مُقتدر جبّار.

رفعت خالد المزوضي
27-03-2017