قصص رعب وتشويق

لا تضغط الزر !


Red stop button on black keyboard. 3D rendered illustration.

قصة قصيرة

-1-

عصام من عينة الشباب الذين تجد عندهم دائما آخر البرامج الرقمية، وكل الحلول للمشاكل الغريبة التي يواجهها حاسوبك دون حواسيب العالمين !

نحيف، عصبي وصموت على الدوام.. يضع نظارات “قعر الكأس” – إياها – التي تبدو متوهّجة في جلسته الأبدية أمام شاشة الحاسوب، وفي (الخلفية الصوتية) هناك دائما ذاك الصوت المحبّب الرتيب للمفاتيح وهي تُنقر.. ماذا يكتب ؟ ماذا يصنع ؟ لا تدري أبدا !

لن تفوّت – إذا دلفتَ بيته بالطابق العلوي – كمية (السيديهات) الهائلة في كل مكان من الغرفة الزرقاء المظلمة.. كُتب و دفاتر فوق السيديهات، كتب ودفاتر تحت السيديهات، محفظة فاغرة فمها وقد فاضت بالسيديهات. ثم تلك الأعمدة التي تحمل عشرات السيديهات بطريقة (الخازوق) المرعبة!

ماذا يوجد بكل تلكم الأقراص ؟.. لا تدري أبدا !

إذا اقتربت الآن من الكرسي الذي يحمل “جثة” عصام الساكنة، وهو ينظر في الشاشة برهبة وانبهار، سترى أنه يتصفّح موقعا ينتمي إلى المنطقة المحظورة من الشبكة العنكبوتية.. (الدارك ويب) كما يسمّونه، أي (الشبكة السوداء). وهي سوداء فعلا لو أردت رأيي !  

ينظر عصام في صفحة يطغى عليها اللونان الأحمر والأسود. فهو – أغلب الظن – موقع لبيع الأعضاء البشرية أو غرفة حمراء للتعذيب وأشياء لطيفة كهذه !

معذرة !.. أخطأت الظن، ليس لهذا الحد. لم ينحدر عصام كل هذا الانحدار بعد. إذا تفضّلت ودنوتَ من الشاشة أكثر سوف ترى أنه ينظر في صفحة لألعاب الرعب الغريبة ليس إلا..

* * *

أما (سعيد) – صاحبه – فهو حزين على الدوام ! ولا تسلني عن اسمه المتناقض مع حاله، فلستُ أمّه التي ولدته !

كلّ من أراد معرفة أعراض الاكتئاب وأنواعه وطُرق الوقاية منه ما عليه إلا النظر في سُحنة (سعيد) الحزين، وطريقة حركته وكلامه، ونظرته للأشياء.. فربما أغناه ذلك عن كل طبيب.

أمام مكتبه المرتّب – أكثر من اللاّزم – يجلسُ بتلك الوضعية الشهيرة التي تجسّد الحزن العميق الذي لا قرار له: الخدّ مُسندٌ إلى راحة اليد اليُسرى، والعين تكاد تثقب خشب المكتب من الاستغراق في تأمّل لا داعي له !

سقراط لم يكن يتأمل لهذا الحد يا أخي !

الغريب أنك تجد الموهوبين دائما ومن لهم عُمق في النظر، ودقة في الإدراك، وسِعة في الاطّلاع هم من يسقطون بين براثن الحزن والكآبة، أما التافهون ومن تستعبدهم الأشياء فــهم أسعد الناس !

نعم فكرت الآن – مثلك – في البيت الشعري: (وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ).

هاهوذا ينهض أخيرا ويمشي بخطوات مترنحة إلى الحمّام، يتوقف أمام الحوض الأزرق الذي يذكّرك بالمستشفيات ! يصفع وجهه بدفقات من ماء الصنبور، ثم ينظر لاهثا في صفحة المرآة النظيفة إلى وجه ذابل محمرّ من أثر البكاء، وفي عينيه انكسار وتوسّل. كأنما يتوسّل إلى الناظر للمرآة – كائنا من كان – أن ينقذه مما هو فيه، حتى يكفّ عن تذكّر من كان يريد تزوّجها فتزوّجت غيره..

القصة المملّة ذاتها. كالعادة.. بففف !

“أرجوك انسها، أرجوك امحها من ذاكرتك.. أتوسّل إليك لا تقتلني أيها الأحمق!”

هكذا يصيح وهو يلطم وجهه.. ثم يستدير بصمت، ويعود بخطوات قصيرة رتيبة إلى غرفته. ويجلس قبالة حاسوبه النقال ليواصل قراءة موضوع عن (الشعر العباسي). كأن هذا أنسب وقت !

إلا أن إشعار رسالة على الماسنجر يستوقفه.. وليته تجاهله وانغمس في شعره العباسي لأن..

دعونا لا نستبق الأحداث !

* * *

-2-

“تبا لها من ألعاب بلهاء !”

قالها عصام لنفسه وهو يزفر بعصبية إذ توفي البطل المغوار، بعد أن كان سقط في خندق مليء بمخلوقات بشعة – لها وجه يشبه (ترامب) – مزّقته تمزيقا !

“لا أدري لمَ أستمرُّ في إدمان هذه الألعاب السخيفة التي تدّعي الإثارة !”.

بقيت في لائحة “التورنت” أمامه لعبة واحدة في طور التحميل.. وكاد أن يوقف تحميلها، بعد أن سدّت اللعبة الأخيرة شهيته في الحياة نفسها. إلا أن اسمها جعل إصبعه يتوقف لحظة، وعيناه تنظر ببلاهة إلى الشاشة..

“جاري تحميل لعبة (اختر مصيره).. تحذير: المحتوى لا يُناسب ضعاف القلوب !”

“مصير من ؟”

انتهى التحميل ليبدأ التثبيت..

تمتم عصام وهو يلوي فمه امتعاضا:

“لنر ألعاب أقوياء القلوب هذه !”

طُلب منه معلومات عن واحد من أصدقائه حتى يُشاركه اللعب.. فكر قليلا ثم اختار اسم سعيد – التعيس – لما كان أول من تبادر لذهنه.

أدخل معلومات حقيقية لصديقه على سبيل (الاستخسار) أو (مجاراة السخف) أو (العبث الميتافيزيقي) أو سمه ما شئت.. بعض المعلومات شخصي جدا، لكن لا بأس.. نحن نلعب هنا، أين المشكل ؟

وتم استئناف عملية التثبيت..

* * *

ومض الهاتف واهتزّ مصدرا ذاك الصوت المتحشرج الذي يُشبه التجشؤ !

امتدت يد متراخية كانت مستلقية في الفراش تتلمس سطح الطاولة الأملس البراق بحثا عن الهاتف الذي لا تجده كأنه يتعمد الإفلات منها !

أطلق سعيد زفرة عصبية ورفع رأسه ينظر من فوق كتفه حتى أبصر الهاتف على حافة الطاولة، وكان على وشك السقوط لولا أن حمله وأبصر في شاشته بعينين مشمئزتين..

“لقد تكفّل صديقك بمصيرك.. تمنّى له حسن الاختيار”.

– ما هذا الهراء ؟.. من يتلاعب بي في هذا الـ ؟

قالها سعيد وقد أثارت الرسالة النصية الغريبة غيظه، ثم طوح بالهاتف ليسقط على البساط وسط الغرفة. ثم أطفأ الأباجورة الخضراء وغرس رأسه في الوسادة بعنف محاولا النوم..

* * *

كان عصام ينتظر اكتمال الـ(downloading) المكتوب بخط من الدم. وعندما انتهى التثبيت بنجاح أخيرا، صارت الشاشة سوداء ما خلا عبارة إنجليزية حمراء بخط دموي مشوه..

(اللعبة ستبدأ عندما يكون الوقت مناسبا) !

مط شفتيه مستغربا، ورفع نظارته لفوق بأصبعه النحيف.

دخل برنامج الدردشة، فوجد ثمة (كمال) مرتبطا. فكتب إليه وضوء الجهاز الأزرق ينعكس على عويناته السميكة:

عصام: أنت من جديد..

كمال: ماذا ؟ ألا تحب وجودي ؟

عصام: لا، لم أقل هذا. لكن فقط يخامرني شعور غريب أقرب إلى.. الغثيان عندما أقرأ اسمك !

كمال: شكرا عزيزي..

وهكذا واصلا حوارهما المقزز كما هو حال أكثر شباب اليوم..

* * *

كمال: سأذهب الآن. نتكلم فيما بعد.

عصام: أوكي.. سي يو.

هكذا انتهت الدردشة بينهما.. فارتخى عصام في كرسيه، وانتزع عويناته ثم فرك عينيه قبل أن يسمع صوتا مميزا.

(درنن) أو (دررن) أو (دردرن) أو صوت من هذا القبيل.. وهو ما يعني أن أحد أصدقائك ارتبط للتو.

ارتدى العوينات من جديد استعدادا لحوار “عميق” آخر، ونظر إلى الاسم بلهفة.. إنه سعيد.

سعيد: السلام عليكم..

عصام: وعليكم السلام ورحمة الله.. كيف أنت ؟ يبدو أنك لم تنتحر.

سعيد: نعم.. شكرا.

عصام: هيا يا رجل.. انس الأمر. وركز على دراسة الشعر.

وفجأة انقطع كل شيء !

انقطعت الكهرباء، وجمدت المروحية التي كانت تتحرك بملل..

أحس عصام بما يُشبه “الإهانة” لأن الكهرباء قاطعت دعابته.. وبدأ يدير رأسه ببلاهة وسط الظلام.

ولكن.. الحاسوب مازال مضيئا ! أو بالأحرى تلك العبارة الحمراء وسط الشاشة السوداء.. العبارة المشوهة التي تسيل بالدم وتقول له باستفزاز:

(تبدأ اللعبة الآن.. استعد!)

* * *

فتح سعيد نافذة الغرفة و تطلّع إلى الخارج..

لماذا انقطعت الكهرباء في شقته بينما أنوار العمارة والمدينة لا تزال تتلألأ ؟

“ما هذا الذي أسمع ؟”

* * *

-3-

ضغط عصام قاطع التيار عدة مرات للتأكد من انقطاع الكهرباء.

” سبحان الله !.. بماذا يعمل الحاسوب إذن ؟ “

عاد يجلس أمام الحاسوب و قد اختفت تلك العبارة و ظهرت صورة لعبة من مثيلات تلك الألعاب.

قرص أصفر مضيء يفر داخل متاهة تعج بهياكل عظمية تحمل الفؤوس..

تأفف بملل وهو يضغط على الأسهم ليحرك القرص السخيف..

الهياكل المضحكة تظهر فجأة لتملأ القرص المسكين ذعرا..

تعدّدت الألعاب والملل واحد !

* * *

أنهى ثلاثة مستويات ولم يمسسه مسخ من تلكم المسوخ. ضغط زر (إينتر) ليجمّد اللعبة، وأدار رأسه في أرجاء الغرفة..

إنه للغز محير !.. هل جُنّت الكهرباء ؟

غادر حجرته بحذر و توجه للدرج.. مدّ يده إلى مفتاح الكهرباء كفكرة بليدة للتأكد مرة أخرى من عدم وجود الكهرباء..

لكن المصباح أضاء بكل بساطة، وظهرت الدرجات البيضاء اللولبية، والزليج المغربي الأزرق المألوف عنده..

نزل إلى الطابق الأول وقصد المطبخ، حيث أمه تقشّر البصل و”تبكي” وتدندن بمرح !..

– ما الأمر عزيزي ؟

– الكهرباء في كل مكان إلا غرفتي !

– كيف ذلك ؟

– وهل أبدو لكِ قادرا على الإجابة ؟

– لا بأس، لن يفر الحاسوب.. هو في مكانه. انتظر قليلا.

– لكن الحاسوب يعمل !

– ؟؟؟..

* * *

عاد للعب..

حقا إن لهذه اللعبة البسيطة سحرا غامضا.

المستوى الخامس، الصعوبة ارتفعت قليلا، لكن يبدو أنه محترف.

“أووبس”!.. كاد مسخ أن يقطع القرص المسكين بالفأس لكنه أغلق عليه الباب في اللحظة الأخيرة !

 (( انتهت المهمة الخامسة بنجاح ))

و خرج من اللعبة، فلاحت على الشاشة عبارة Are you sure ?

“طبعا أنا شور “

اختار Yes.. وعادت الكهرباء !

* * *

في اليوم التالي، وأثناء حصة الرياضيات التفت سعيد وقال مخاطبا الذي يجلس وراءه :

– عصام..

– يس ؟

– حدثت بشقتي أمس أشياء غريبة، لم أجد لها تفسيرا !

– وهل أبدو لك رفعت إسماعيل مثلا ؟

– أنا جاد تماما.. عندما كنت أدردش معك انقطعت الكهرباء بغتة و..

– ماذا ؟.. لقد حدث هذا معي أيضا !

تكلّم عصام أعلى من اللازم، فالتفت ناحيته كل الجلوس، يرمقونه بغلّ، وتوقف الأستاذ عن الشرح، وهو يلعن المستوى الرديء لتلاميذ اليوم..

تسمرا مكانهما و تظاهر عصام بتنظيف نظارته، ثم رفع عينيه ببراءة العروس العذراء، ليجد عشرات العيون الفضولية ترمقه و كأنه حيوان الكوالا !

عاد الأستاذ للشرح فرفع سعيد رأسه من الكتابة و مال إلى الوراء ثم قال بين أسنانه هامسا، دون أن يلتفت:

– ليس هذا فحسب.. عندما ذهبت إلى المطبخ مستعينا بمصباح يدوي شعرت بوجود أشخاص بالمنزل !

– يا للهول.. أشخاص ؟

– نعم، أصوات الخطوات كانت واضحة.. كانوا في كل مكان. وكانوا يتعقبونني. كاد قلبي ينفجر من الهلع، وركضت نحو الحمام وعشرات الأرجل تركض خلفي.. دخلت وتأهبتُ لل.. للصراخ. إلا أن باب الحمام انغلق بعنف لوحده.. وعادت الكهرباء !

“أخرجا أنتما الاثنان.. حالا !”  

* * *

– قصة رائعة.. لكن هل أنت متأكد ؟

قالها عصام، وهو يدسّ يده في جيبه، متجاوزا باب الثانوية.

أجاب سعيد :

– نعم. متأكد جدا..

– قلتَ.. انغلق الباب لوحده وعادت الكهرباء. هكذا، أليس كذلك ؟

– نعم.. مباشرة بعد انغلاق الباب عادت الكهرباء رغم أني لا أرى أية علاقة بين هذا وذاك.. ألم أقل لك ذات يوم أن بيتي مليء بالعفاريت !

– حسن، ربما لست أكثر شخص سعادة ويُسرا في هذه الدنيا، هذا باد من وجهك إن أردت رأيي.. لكن دع العفاريت جانبا، فلنفكر منطقيا. الذي لا أفهمه أن التيار انقطع عندنا نحن الاثنين عندما كنا في برنامج الدردشة. والأدهى أن حاسوبي ظل يعمل رغم انقطاع التيار !

– ماذا ؟

– طبعا لن تصدق.. كنت ستدهشني لو صدّقت ! أنا نفسي لم أصدق !

رفع نظارته لفوق بأصبعه النحيف قبل أن يواصل:

– كنت قد ثبّتتّ لعبة رعب سخيفة فأبت إلا أن ألعبها عندما انقطعت الكهرباء بالضبط !

– رائع.. الآن صرتُ أخشى العودة للبيت !

– لا تخش شيئا. هذه أشياء تحدث.. من منا لم يشعر بوجود أشخاص بشقته يركضون خلفه وسط الظلام ؟ أقصد.. من منا لم ينغلق عليه باب الحمام يوما، فطار رُعبا ؟

– أنت تسخر مني يا عصام !

– لا، أنا فقط أحاول تشجيعك. فلننس الأمر، ما رأيك ؟

– أوكي.. باي.

– باي.

* * *

مساءً كان عصام يلتهم شطيرة محشوة بالجبن و هو يدردش مع (كمال) بالماسنجر.

ثم ارتبط سعيد..

دردش الثلاثة لمدة وجيزة قبل أن تموت الكهرباء من جديد !

توقف عصام عن المضغ و ظهرت على وجهه علامات الاستياء.. خصوصا لما قرأ نفس العبارة المستفزة..

” اللعبة ستبدأ الآن.. انتظر من فضلك “

* * *

-4-

مطّ (كمال) شفتيه باستغراب لما وجد نفسه وحيدا بالماسنجر وقد خرج عصام وسعيد في نفس اللحظة !

* * *

المستوى السادس..

اللعبة تحتفظ بآخر مستوى تم إنجازه ! حقا إنها أكثر تطورا مما توحي به رسومها السخيفة..

لحظة !.. هناك بجانب سطر الـ(الحياة) الخاص بالقرص الأصفر اسم سعيد !

تذكر الآن فقط أنه كتب اسمه و بعض معلوماته الشخصية أثناء تثبيت اللعبة.. ولكن ما أهمية كل هذا ما دام القرص قرصا آخر الأمر ؟

ركز نظره على الجانب العلوي من اللعبة فلاحظ عبارة أخرى للمرة الأولى كذلك.. عبارة بالإنجليزية مفادها ( احذر الموت.. لا مزاح ! ). 

* * *

المستوى العاشر..

حسنا، يجب أن يعترف الآن أن اللعبة قد سحرته تماما وقرّر أن لا يتوقف حتى يخسر.

تكاثرت المسوخ والهياكل، وأضحت فرصة القرص المسكين في النجاة ضئيلة مثله.

بدا عليه الانفعال، وهو يضغط الأسهم بلوحة المفاتيح هاربا من (موت محقق) و..

” تبا ! “

لقد حوصر أخيرا بعد أن دخل خانة لم ينتبه جيدا إلى الهيكل الذي يدخلها من الباب الآخر.. الآن لا فرصة لديه للإفلات. هناك مسخ في كل باب، فلينتظر ضربة الفأس !.. (تررن ترربن)

الهاتف يرن.. لابد أن يرى منظر القرص وهو يقسم إلى شطرين..

(تررن ترربن).. لماذا تبدو المكالمة مستعجلة جدا ؟

اقترب الهيكل الآن من القرص.. رفع الفأس و..

Break

ضغط عصام على (إينتر) فجأة ليُجمّد اللعبة، ومدّ يده إلى الهاتف الأزرق بجانب الحاسوب..

– نعم ؟ من معي ؟

– عصام.. النجدة.. سيقتلونني.. الفأس..

(تيييت)

– … ؟!

كانت تعابير وجه عصام الآن غير مريحة تماما. فقد صُدم وشخصت عيناه خلف نظارته كأنه ينازع الموت، وسماعة الهاتف لا تزال بيده، يضغط عليها بعصبية!

ركض بجنون في الدرج قبل أن يغلق الباب وراءه بقوة.

– عصام ؟.. أهذا أنت ؟

صاحت الأم من المطبخ..

أجابها أخوه الصغير وهو يلون في كراسته:

– نعم، إنه عصام من خرج يا ماما !

* * *

-5-

انحرفت التاكسي الصفراء بمدخل (حي الانطلاق)، ومصباحاها يشعان خطورة..

نزل عصام قبل أن تستقر السيارة. ألقى بقطعة نقدية من النافذة وركض، وعيناه تمسحان المكان بجنون، باحثتين عن العمارة رقم 6.

ارتقى الدرجات الرخامية و لهاثه مع قرع حذائه يترددان بين الجدران.

هو الآن أمام الشقة رقم 11.. طرق الباب بعنف قبل أن  يستعين بصوته، هاتفا باسم سعيد.. لكن لا جواب !

أخرج الهاتف بيد مرتعشة، وبحث عن اسم سعيد بين اللائحة، ضغط الزر لما وجده ثم وضع الهاتف على أذنه..

يسمع الآن ضربات قلبه بوضوح..

“يا لي من أحمق.. يا لي من أحمق !”

– ألوو ؟.. عصام. ساعدني أرجوك..

جاءه صوت سعيد باكيا، منهارا..

– سعيد هل أنت بخير ؟ هل أصابك مكروه ؟ أنا أمام شقتك الآن.. ألم تسمع الطرق ؟

– إنهم يحاصرونني منذ مدة.. لكنهم جامدون ! سأموت يا عصام.. أحدهم.. أحدهم يحمل فأسا !

* * *

” اسم صديق من أقرب أصدقائك : سعيد..

العنوان: حي الانطلاق، عمارة 6، الشقة 11.. الرباط.

الماسنجر: said_almanhous@hotmail.com

* * *

تذكر أنه جمّد اللعبة والفأس في طريقه إلى رأس.. سعيد !

تذكر كل شيء..وما هو أخطر! تذكر (حسن) – أخوه الأصغر – وتذكر عشقه للألعاب !

إنه لا يجرؤ على دخول غرفته عندما يكون متواجدا فيها، ولكنه لا يتردد في الدخول إذا غاب.. وهو الآن قد ترك الحاسوب مفتوحا وعبارة Break الدموية تملأ شاشته، إذ تكفي ضغطة زر بريئة من أخيه البريء لإنهاء حياة سعيد.. البريء !

* * *

ظلّ عصام مُجمّدا مكانه، والهاتف بيده يشعّ نورا وسط الدرج الذي أظلم بعد فوات المدّة المبرمجة..

أخذته صدمة عنيفة حين اكتشف أنه وضع حياة أعز أصدقائه على المحك! عيناه الشاردتان تنظران من خلف عويناته إلى الباب الخشبي المغلق، جاهلا ما عليه فعله، ولا كيف ومتى يفعله ؟

ثم شهق ونفض رأسه كما لو كان مغمورا بالماء.. يجب أن يتصل بالمنزل حالا حتى يحذر أخاه من لمس حاسوبه.. ولكنه فوجئ بآخر ما يمكن توقعه !

مستوى الشحن في الهاتف واحد في المائة !..

هكذا، فجأة وبلا مقدمات، يقرّر هاتفه المشاركة في هذه الجريمة..

لا بل هاهو ذا ينطفئ أمام عينيه.. إمعانا في سوء الحظ !

ضغط زر التشغيل طويلا، كأنه لم يُصدّق ما حدث.. ثم عاد يضغطه بعصبية مرارا كثيرة.. لكن من دون جدوى..

” اللّعنة ! “

* * *

صرخ بغضب مجنون ونزل السُّلم بساقين مذعورتين. فتوالت الدرجات في ناظريه بسرعة قاتلة.. 

وبالخارج كان المنظر هادئا، وديعا.. حارس هناك منصهر بكرسيه العجوز، يُدخّن بشرود ثم يعتدل مكانه بجدية لما يلمح شابا يخرج كالقذيفة من العمارة رقم 6 !

ركض عصام تائها بين الأبواب والعمارات. كان يبحث عن شيء واحد.. مخدع هاتفي.

توقف و أدار رأسه في جميع الاتجاهات.. عينان شاخصتان وصدر يعلو ويهبط.

“آه.. هناك واحد ! “

ثم عدا باتجاه تلك الإشارة الضوئية الزرقاء (اتصالات المغرب).. كان يسابق الريح، يعدّ الثواني..

دخل المخدع وهو يفتش جيوبه بجنون والفتاة الجالسة خلف المكتب ترمقه بذهول، ثم أخرج قطعة نقدية وضعها بعنف على سطح المكتب. حملقت الفتاة بالقطعة طويلا ثم حوّلت نظرها ببطء إلى عصام غير مستوعبة !

– ماذا ؟.. ألا تفهمين ؟ ناوليني (بقشيشا) فأنا على عجلة من أمري !

أشاحت الفتاة بوجهها متقززة، وأخرجت الدراهم الخمسة من الدرج ليختطفها هو بتلهف، ويهرع إلى الجهاز، ثم يولج القطع واحدة تلو الأخرى ويركّب رقما بسرعة.. 

ارتفع لهاثه وهو ينتظر.. ثم صرخ فجأة :

– ماما.. أين (حسن)؟ ناديه حالا !

– عصام حبيبي ما الأمر ؟.. تعال فنحن ننتظرك للعشاء، إنه طبقك المفضل: السمك و…

– ناديه حالا يا ماما.. أرجوك، أريد التحدث معه !

– حاضر، إنه في غرفتك على ما يبدو… (حسااان).. يا (حسااااااااااان). تعال فأخوك يريدك!

* * *

-6-

وجاء صوت عصام المذعور عبر السماعة :

– بسرعة يا أمي، بسرعة !

– لكن لماذا تلهث يا حبيب قلبي ؟ أخبرني ؟

– لا يهم.. فقط ناديه !

– …

– نعم عصام.. لماذا هربت من المنزل ؟   

– اسمع أيها الوغد.. إياك أن تلمس الحاسوب، فهمت ؟

– لـمَ ؟. آآه، تقصد لعبة الرعب الجديدة التي حمّلتها ؟

– ماذا ؟.. هل أنهيتها ؟

– …

– أجبني أيها الوغد ؟

– … إنها رائعة !

– أقسم لو لمستها ل..

وانقطع الاتصال !

صرخ عصام داخل مخدعه، وأمسك شعر رأسه، ولكم الباب الزجاجي عدة لكمات. ثم خرج مشتعلا غضبا ليتوقف عند باب المحل وقد راودته فكرة ما..

عاد مهرولا إلى حيث الهاتف وتبعته الفتاة بعينيها مستغربة..

إن (كمال) يقطن بجوار منزل عصام ويمكنه إنقاذ الموقف.

– ألو (كمال) ؟.. اقصد منزلي على جناح السرعة وأمسك أخي (حسن) لا تدعه يلعب بحاسوبي إن لم يكن قد لعب أصلا وانتهى كل شيء.. فيما بعد. سأشرح لك فيما بعد يا أخي، اذهب الآن.. إنها مسألة حياة أو موت !

* * *

ارتدى (كمال) معطفه بخفة، وعالج أزراره وهو يمطّ شفتيه بتعجّب. لماذا يتصل عصام ليطلب منه الذهاب لمنزله على وجه السرعة ومنع أخيه الأصغر من اللعب في الحاسوب ؟.. هل جُنّ الولد أخيرا بسبب إدمانه ألعاب الفيديو ؟

أسرع في مشيه، وهو يحمل المفاتيح ويدسّ الهاتف الخلوي بجيبه..

ثم بعد دقائق كان يركض ركضا خفيفا بالشارع الخالي متوجها إلى الحي الخلفي.. حيث منزل عصام.

* * *

قطع (حسن) المكالمة مع أخيه مستاء بعدما صرخ في أذنه وعنّفه.. ماذا دهاه ؟ إنها مجرد لعبة، وهو يعشق الألعاب حتى النخاع، وأخوه يعلم ذلك جيدا. فلماذا يحرمه ؟

فكر في هذا شاردا وهو يصعد الدرج بخطوات لا مبالية..

– لا تحزن يا حبيبي.. إن أخوك عصبي هذا اليوم منذ انقطاع الكهرباء..   

قالتها الأم الطيبة بهدوء قبل أن تستطرد و هي تستدير قاصدة المطبخ:

– ألست جائعا ؟

لكنه كان قد صعد السلم ودخل الغرفة !

* * *

– أسرع قليلا يا أخي !

– لستُ في الـ(فورمولا وان) يا أخي ! هذه أقصى سرعة أتحرك بها أصلا..

عاد عصام بجذعه للوراء وزفر بعصبية، مشيحا بوجهه نحو نافذة سيارة الأجرة وقد بدأ فمه يتمتم بدعاء ما..

– ما بك يا صاحبي.. هل من مشكل لا قدّر الله ؟

لم يجب عصام. ولم تتوقف شفتاه عن التمتمة.. كان ينظر إلى المارة بالخارج يمشون بهدوء وانتشاء، وإلى ضوء الإعلانات الساطع ينعكس على الواجهات الزجاجية ثم.. تموّج كل ذلك واختلطت الألوان، وابتلّ جفناه لتنزلق قطرة دافئة كسيفة على وجنتيه..

* * *

هل ضغط الزر ؟

* * *

دلف (حسن) إلى غرفة أخيه المظلمة مترددا ومبهورا بالضوء الأحمر الشيطاني المنبعث من الجهاز..

لقد فهم الآن لماذا يخشى أخوه أن يتم لعبته !

” إنه يعلم أنني أذكى منه، ويخشى أن أنهيها قبله.. يا لك من حسود يا عصام “

وجلس بالكرسي الدوار !..

” ثم إني أشجع من أن يخيفني تهديدك السخيف “

وهكذا ضغط زرا على لوحة المفاتيح !

* * *

ارتقى (كمال) الدرجات بخفة ثم توقف أمام الشقة 3. وتنهد بعمق قبل أن يمد يده للجرس.

(تن تيين).. (تن تيين)..

وانفتح الباب كاشفا وجه الأم المتلهف:

– أوووه.. ظننتك ابني عصام !

– السلام عليكم، عذرا للإزعاج خالتي، لكن عصام قد طلب مني المجيء، ومنع أخيه (حسن) من لمس حاسوبه.. أعلم أن هذا غريب، لكني مثلك لا أعرف السبب !

– لا عليك يا (كمال) يا بني.. إن مزاجه متعكر هذا اليوم خصوصا لما انقطع التيار عن غرفته.

– غرفته ؟..   

– نعم.

– إذن فالحاسوب…

– هذا الذي أحاول فهمه منذ الأمس.. الحاسوب يعمل رغم أن الغرفة غارقة في الظلام !… أ.. عذرا، تركتك واقفا بالباب. تفضل يا بني.

– بارك الله فيكِ خالتي..

* * *

– سُحقا !

قالها (حسن) الصغير بعصبية وهو يضغط الأزرار تباعا دون أن تختفي عبارة break من على الشاشة..

بدأ يجرب المفاتيح عشوائيا ثم..

” حسن!… حسااان !”

– أوف.. إنها ماما من جديد !

لم يجب وظل ينظر إلى لوحة المفاتيح شاردا ثم اعتدل مكانه بنشاط وقد لاحظ شيئا ما.. و هتف:

– لقد وجدتها !.. إنها (إينتر) ! كم أنا غبي..

و.. انفتح الباب وظهرت معالم جسم فارع الطول..

فزع (حسن) فتراجع مكانه وسمع صوتا دافئا يقول:

– (حسن) يا عزيزي لماذا لا تجيب ؟

هذا الصوت يعرفه جيدا.. إنه لكمال صديق أخيه.

– أنا.. لم أسمع شيئا.

اقترب (كمال) بتؤدة وتوقف وهو ينظر إلى اللعبة (الحمراء) على الشاشة، وعبارة Break الضخمة، ثم التفت إلى حسن وأمسك يده بلطف وهو يغمغم:

– تعال معي يا صديقي. عندي شيء لأقوله لك.

نظر (حسن) ببراءة إلى وجه (كمال) المبتسم، وانتصب ليرافقه بهدوء إلى باب الغرفة.. ثم امتدت يد (كمال) إلى المقبض.. وانغلق الباب على الغرفة المظلمة.

 

تمت

 

رفعت خالد

كتبت سنة 2008 وتمّ تعديلها في 04-2020

 

 

15 رأي حول “لا تضغط الزر !”

  1. جميل، اعجبني هذا المزج بين الخيال والرعب والفكاهة ، بحيث عنصر الفكاهة أضفى شيء من تكسير الملل على النص، احببته اكثر لانه بصراحة ضحكت حتى القهقهة بين السطور ، تطور ملحوظ ماشاء الله ، بالتوفيق أخي

    إعجاب

  2. جميييييلة جداااا مشوقةو مرعبة،
    أسلوبك مميز فالكتابة.
    ليتك تنشر قصصك ورواياتك ورقيا

    إعجاب

    1. أشكرك.. لستُ متأكدا من ذلك بعد، وحتى لو أردت لا أعرف كيف، وليس في طاقتي المادية ^^

      إعجاب

  3. قصة ، أفضل من رائعة ، لا تكفي كل كلمات الوصف على وصفها …..
    أفضل قصة قرأتها لك بالنسبة لي👏👏👏👏

    إعجاب

  4. ههه حتى الآن قرأتها خمس مرات على فترات متباعدة، ههه
    هذه هي القصة التي استلهمنا منها فكرة ” خيوط العنكبوت”
    إذا كنت قد رأيتها هه

    إعجاب

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s