بقايا القراءة

عن سيرة (ألبير كامو)


kkdkdkd

لم تفارقني أبدا صورة (كاموس) الشاب الوسيم على خلفية روايته (الطاعون) بنسختها الفرنسية القديمة التي عثرت عليها بخزانة أبي – وأنا في سني الإعدادية – تلك السيجارة المتدلية من شفتيه والنظرة (المتمردة) المنبثقة من عينيه..

عرفت فيما بعد أن له “أصولا” جزائرية، ثم عرفت أنه فيلسوف، ثم عرفت أنه رائد مذهب (العبث).. هذه الفلسفة التي تغازل الإنسان المكلوم وتربت على كتفه قائلة: (لا بأس، الحياة عبث أصلا). والحق أن هذه الفلسفة هي (العبث) بعينه، أما خلق الله عز وجل فإنه أكبر وأنزه وأجلّ من (عبث) إنسان يبول ويتغوّط وينسى ويفقد توازنه ويُغلب ويبكي ويشيخ ويحزن ثم يموت.. كائن هذا حاله، لا يُعقل أن يُفسر لنا خلق الخالق، أو (يُصحّحه) كما يدّعي هؤلاء المخبولون..

ثم عرفت بعدها الإلحاد، ففهمت أنه ملحد.. عياذا بالله. فانقبض قلبي، وتشوهت تلك الصورة القديمة التي التقطتها عيناي للكاتب، والتي كانت مزيجا من (التفوّق) و(الدقّة) و(الذكاء) مع شيء من(الوسامة)..

بعدها صادفتني بين الفينة والأخرى مقولة أو اقتباس عميق له.. فكنت أشعر بثقله الأدبي، وأفهم في نفس الآن بُعده (الإلحادي).. فينقبض قلبي من جديد انقباضة أكاد أسمع رجع صداها. وأشعر بما يشبه الأسى لهذا الأديب “الذكي” – الذي ولد لعائلة فرنسية مستوطنة بالجزائر – فلو أنه كان على الحقّ والجادّة لربما زلزل الأوساط الأدبية والفلسفية بأوروبا بدقّته وتفكيره.. ولكنّك لا تهدي من أحببت.

ربما ما كان عليّ أن أقرأ هذا السّفر – أصلا – ولكني أحسب أنني أطفأت فضولا قديما حول شخص الكاتب لا فكره وفلسفته، مع ميولي الشخصية للتأمّل والتحليل – وهو ما يطلقون عليه فلسفة أيضا – إلا أني أكفر بفلسفاتهم جميعا..

كان سِفرا شاملا لمراحل حياة الكاتب وفكره، بطابع أدبي نقدي وعناوين (مسرحية) للفصول.. وفي الكتاب ما فيه من الحشو، ومن العبارات الإلحادية التي تفنن – للأسف – (جبرا إبراهيم) في ترجمتها.. كما لا يخلو من فصول مملة تشقّ قراءتها على النفوس.

وعلى كل حال.. أظنني عرفت سر تينك (العينين) أخيرا، إلا أنّ انقباضي لم يخفّ، بل زاد.. إذ من المخيف أن ترى كيف يهلك (الذكاء) أقواما ويقذف بهم في محيطات الضلال والكفر المتلاطمة ثم لا يخرجون منها !.. أستغفر الله العظيم من شرّ ما قرأت وشر ما فعلت، وأسأله الهداية والثبات على الحق حتى ألقاه.

وأرجو أن لا أقرأ أمثال هذه الأسفار أبدا.

خالد

شذرات

الجحيم الأخضر !


الجحيم الأخضر

من الغريب أن تقرأ كيف يصف كتاب أمريكيون مجتمعهم، بعضهم في خمسينيات القرن الماضي مثل (سالينجر) وآخرون في التسعينيات مثل (فوستر والاس) ومعاصرون (كنعوم تشومسكي).. ذلك (الزيف) الذي عليه الناس، والشيطنة التي عليها الحكام. وكيف تحول المجتمع إلى آلات تلبس وتمشي وتقول وتأكل ما يمليه عليها (التلفاز) بالضبط، حذو النعل بالنعل ! يصفون كل ذلك – منذ القرن الماضي – بروح أشبعت بالتقزز واليأس والاعتقاد بعبثية الحياة. فتفهم أن الدولة – التي على (رأس) الدول قوة وعلما – مغمورة في مستنقع من البؤس والكآبة والخواء النفسي الذي لا تعكسه أفلامهم ووجوه مسؤوليهم الضاحكة المتأنقة.. تفهم أنها (ورطة) إنسانية لا مخرج منها، وأن تلكم القوى المالية والسياسية الشيطانية ليس بوسع أحد تخيل ما يمكنها اللجوء إليه في سبيل الحفاظ على (مفاتيحها).. نشر الأوبئة، افتعال حروب طاحنة لبيع السلاح الجديد أو للتخلص من القديم ! تحريض الأقليات، صناعة الجماعات، تمويل العصابات.. إلخ. ولكن عوامهم لا زالوا في سكرتهم يعمهون.. يستهلكون ويتراقصون ويتحاسدون ويتنافسون ويضحكون بهستيرية حتى البكاء، ويتجرعون المسكنات حتى الاسترخاء.. ولما تفقد الحبوب والكؤوس مفعولها يفرغون مسدساتهم في جماجمهم، ويتدلون – ذات عصر كئيب – من أنشوطة حبل يعصر الحياة من أجسادهم إلى آخر شهقة.. أو غير ذلك. ثم تخرج من ذلك العمق السحيق، وتلك الشهادات المهولة التي شهد بها مثقفوهم وأذكى أذكيائهم.. وتلتفت حواليك فتجد من يمدح الغرب مديح الصالحين والشهداء ! ومن يدعو بحرقة أن يوفقه الله لزيارة (الحلم الأمريكي الأخضر) و(جنة الله فوق أرضه)..

“أودددي..”

رفعت خالد

شذرات

فيمَ “الدراما” ؟


colour-1885352_640

شعور غريب يعصف بذهني، اختلط بدخان البن المتصاعد من الفنجان أمامي، ومنظر سيارة أنيقة تخرج منها امرأة متبرجة..

شعور (بالغربة) همس لي أن هذه (الأشياء) التي أرى ليست  لي.. لاشيء منها يعنيني. أنا متفرّج فحسب، أتفرّج على ما يجري من وراء زجاج المقهى السميك بسكون وتراخي. ولا ينبغي لي أن أتحمّس لما أرى كثيرا، ولا أن أبالي به كثير مبالاة..

شعور (بالزهد) حدّثني أنه إذا ما  كان لي شيء من هذا الوجود، فهو يصلني بحول الله – لا شك عندي في ذلك – بأيسر الأسباب وأبسط الحركات، مثل رفع الهاتف لأذني لأجيب صديقا يعرض عليّ (…)، كما حدث قبل قليل ! فقد أظفر بتلك الفرصة وبما وراءها من خيرات – إن شاء الله – بحركة تافهة من يدي اليُمنى وكلمات تحركت بها شفتاي !

ما (لي) ومالي سيأتيني بحول الله وقوته شاء من شاء وأبى من أبى.. حتى لو أبيت أنا نفسي، وكيف آبى ؟.. ففيم (الدراما) ؟

شعور (باليأس) من الناس وأشياءهم أوقر في نفسي أن تلك الرغبة الدفينة في أن أكون مثل فلان، وأملك مثلما يملك علاّن، هي مصدر شرور وهموم ومآسي لا يعلم منتهاها إلا خالق هذه النفوس البشرية..

شعور ب… بردت القهوة، معذرة !

رفعت خالد

شذرات

“أصلا عادي” !


head-3001159_640

شأن الرجل الأعزب مع الزواج – فيما رأيت – يكون على مراحل مترادفة، قد أجرؤ على تقسيمها على النحو التالي:

‏المرحلة الأولى تبدأ في سني الثامنة عشر تقريبا، حيث المراهق حالم، يريد تغيير العالم، ويقسم لك بسذاجة أنه لا يبالي بالزواج، ويمكنه العيش من دونه ببساطة شديدة..

ثم يصل – بإذن الله – إلى عتبة الثانية والعشرين على وجه التقريب.. فتثور هرموناته وتتفلت من عقالها، حتى تكاد تصيح في وجهه (الشعب يريد..) ! فتجد المسكين مضطربا يركض هنا وهناك، تارة يضحك بجنون وتارة يعتزل العالم ويغلق عليه باب بيته ويسمع أشياء من خلال سماعاته، ويبكي وهو ينظر للقمر كأنه قيس بن الملوح ! ثم يلقاك ويقسم لك أنه سينفجر ولن يتحمل المزيد، وأنه سيفعل المستحيل ليظفر (بها).. المهم في الأمر هو نيته الصافية الخ..

ثم إذا هو بلغ الثلاثين، ولم يأذن الله بالزواج بعد.. تكون (هي) قد تزوجت غالبا. ويكون هو قد خرج – غالبا – من مأساته حيا يرزق، وإن تحطمت أحلامه وتمزقت شر ممزق، وأنضجته السنون وعلمته بالعصا والقلم.. فإذا هو قد غير من لهجته، وصار يتنحنح كثيرا، ويبالغ في الإطراق والزفير الطويل قبل الكلام، ويكثر من التعميمات وسرد القصص المأساوية وضرب الأمثال التقريبية، والتفلسف في ماهية الزواج ومقاصده الخفية إلخ..

ثم تبدأ بعدها مرحلة رابعة أدهى وأخطر من كل ما سبق.. وهي مرحلة (تحاشي الحديث عن الزواج)، والتظاهر بعدم سماع من يسأل أو تغيير الموضوع بتوتر، ثم التسويف ثم النسيان ثم العزوف النهائي عند البعض. حينها يبدو لأقوام من الشباب أن المقاهي والكتب أو الانغماس في العمل أو الرياضة بدائل لا بأس بها للمرأة ! و.. (أصلا عادي)!

وما هو – آخر الأمر – إلا نقل وتحليل قاصر لواقعنا المعاش، وإن شئت فقل: واقع كاتب هذه السطور الذي يشاهده ويحسه ويشمه. ولا أقول أن أنماط التفكير سالفة الذكر سائغة مقبولة.. والله المستعان.

رفعت خالد

شذرات

الدين يُسر والباطل…


fight-2284723_640

أكثرنا يعلم أقل القليل من الدين ويكتفي به، و(الباطل) لا يكاد يشبع من تعلمه.. وهذا من أعظم أسباب الضلال. تجد الشاب لا يكاد يعدد أركان الإسلام فلما يكبر يقرأ كتبا فلسفية إلحادية بتفصيل وتعمق فيلحد والعياذ بالله ! وتجد الرجل الكهل لا يكاد يذكر لسانه الدين أصلا، فإذا سمع تفصيلا بسيطا في أصل من أصول الإيمان تأفف وقال: (كم تعقدون الدين يا أخي، الدين يسر، الدين يسر !)، ثم يجلس بالمقهى يتكلم في سير اللاعبين ويومياتهم بلا كلل أو يذكر أنواع الخمر وطرق تقطيره بلا ملل ! هذه مصيبتنا.. لا نعلم إلا (ألف باء) الدين في أحسن حالاتنا ونحن مطالبون بتحصيل العلم الذي تقوم عليه عباداتنا على الأقل، ونعلم دون ذلك من الباطل كثير، فكيف لا نضل ؟

خالد

شذرات

الحق في الهلاك !


climate-4342959_640

ننسى كثيرا ربط أسباب بمسبباتها..

الجرائم البشعة التي تكاثرت في مجتمعاتنا، والانتحار والمرض النفسي والعري الفاحش والكره المتبادل الذي يعيشه الناس اليوم.. أليس يسأل عنه كذلك هؤلاء الليبيراليون والحداثيون والعلمانيون والأحزاب والجمعيات النسوية وجمعيات (حقوق الإنسان) التي لا يهمها شيء بقدر ما يهمها الحق في ترك الدين، الحق في الكفر، الحق في السخرية من الدين، الحق في ترك الزواج، الحق في الزنا، الحق في الشذوذ.. ثم ماذا بعد ؟

دفعوا المجتمع لترك التدين بكل وسيلة ممكنة من تلفاز وجريدة وكتاب وندوة، ثم لم يضعوا بديلا متكاملا أحسن منه أو يعادله.. أين هذا البديل العقائدي والأخلاقي والقانوني والتعليمي الذي يحل مشاكلنا ؟

أليس ‏مثلهم – ولله المثل الأعلى – كمثل رجل قوي مفتول العضلات أراد أن يحمل ثقلا لابد لنا منه حتى يعبر به للضفة الأخرى من النهر فانهال عليه أقوام بالسب واللعن والتحقير والتضييق ومنعوه من حمل هذا الثقل بكل حجة تخطر على بالهم.. نحن في عصر جديد لا يجب أن نحمل الأثقال هكذا، الأقوام الأخرى تحمل نساؤها الأثقال، يجب أن نعطي للنمل كذلك حق حمل الأثقال !.. وهكذا حتى زووا الرجل القوي في الركن وضيقوا عليه ثم قعدوا يتبادلون نظرات الانتصار، والناس في حرج من أمرهم..

من سيحمل الثقل الآن يا أغبياء ؟ لا أنتم عملتم بأمر ربكم ولا حللتم المشكل بعقولكم !

خالد

03-10-2019