بقايا القراءة

مرحبا.. تحولتُ إلى حشرة!


Untitled

“إذ استيقظ غريغور سامسا ذات صباح، على إثر أحلام سادها الاضطراب، وجد أنه قد تحول، وهو في سريره، إلى حشرة عملاقة”.

هكذا صدّر (فرانتس كافكا) قصته الطويلة (التحول) أو (الانمساخ) في واحدة من أغرب الجمل الافتتاحية في الأدب البشري.. وهذه في ذاتها لفتة عميقة ساخرة و(عبثية). قد تُثير الصدمة والإعجاب في نفوس الكثير من القراء (المتذوقين)..

لكن بعد ذلك – ولربما سوف أحرق الأحداث لمن ينوي قراءتها – أكملَ الكاتب قصته بشكل عادي كما لو كان بطل القصة استيقظ ليجد أن الوقت تأخر أو الشتاء ينهمر أو أي حدث عادي ممل.. ولعلّ ذلك أيضا مُتعمّد لتظل المفارقة العجيبة ملازمة للقارئ طيلة القصة.

الغريب كذلك أن البطل نفسه بدا غير واع تماما بما حدث له، هو فقط يصف بعض الكآبة والانزعاج لما آل إليه حاله ! وإن احتفظ بذاكرته ومعارفه كاملة، لكن الكاتب لم يُشر حتى لهذا.. أي لم يقل في جملة أو كلمة مثلا أن (غريغور) فقد إدراكه بجسمه أو شيئا من هذا القبيل !

أما أعمق وأبدع ما وجدتُ في القصة بعد ذلك – على سوداويتها المطلقة وكابوسيتها – هو يوميات غريغور الحشرة بعدما رأت عائلته ما حلّ به، والنفور الذي دبّ في قلوبهم رويدا رويدا.. هذا لعمري من أغرب المواقف التي قرأت على الإطلاق، ولا أدري أين أصنّفها، ضِمن أدب الرعب أو ضمن الفانتازيا أو هي مما يدعونه (السحرية الواقعية).. لا أدري.

يتفاقم النفور والإهمال من طرف العائلة التي اتضح أنها كانت ترى في غريغور مورد رزق أكثر من أي شيء آخر، وهذا مؤسف جدا.. ورغم بعض الحنان الذي قد تلمسه في الأخت التي أخذت على عاتقها تنظيف بيت غريغور وإطعامه، وخصوصا حنان الأم وحرقتها. إلا أن كل ذلك يتلاشى مع اقتراب النهاية، وينتصر النفور على كل تعاطف وود.. وإنه حقا لموقف يصعب القطع فيه.. ماذا تصنع عائلة مع ابنها الذي تحول إلى حشرة ؟ أتستمر في رعايته أم تتخلى عنه ؟ ونحن نرى في الواقع أسرا تتخلى عن أبناء معاقين.. أو معافين حتى !

ثم لا أنسى القسوة التي وصف بها الكاتب والد غريغور الذي لا يتوانى على أن يسدّد إليه ضربة مؤلمة كلما رآه، لاسيما وقد كنتُ قرأتُ من قبل عن علاقة كافكا – نفسه – المتوترة مع أبيه، كما أن هذه الترجمة من (منشورات الجمل) تضمّ مقالا تحليليا بنهاية الكتاب عن (ملابسات) كتابة القصة، جاء فيها أن والد كافكا كان ينعته (بالطفيلي) بسبب انعزاله الشديد وميوله للكتابة والأدب، ولعلّ ذلك ما حزّ في نفس كافكا ودفعه لكتابة هذه القصة (الشنيعة) !

وتبقى هذه (النوفيللا) – على كل حال – من أعجب ما قرأتُ في الأدب العالمي.. وإنها – على شناعتها وأحداثها الكابوسية الأليمة – لا تخلو من عُمق ورمزية فلسفية مدوّخة. باستثناء النهاية التي لم تُحسن ختم هذا العمل الفريد، إذ جاءت باهتة ومبتورة كأن الكاتب قرّر فجأة وضع القلم !

خالد

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s