بقايا القراءة

شيفرة بلال !


6134

مرة أخرى لا أستطيع تقييم ما أقرأ، ومرة أخرى أغتاظ مما أقرأ.. ربما على المرء أن يُضاعف الجهد لانتقاء الكتب المهمة فعلا والأعمال الفريدة حقا، إذ الحياة قصيرة، ومن الغبن أن نضيعها في قراءة محاولات غير مكتملة وكتابات لمن لا نفهم لم اختاروا حرفة الكتابة أصلا ! وعندهم ربما مواهب أخرى مذهلة، كالخطابة واللباقة مع الأناقة ومعلوم ما يتركه ذلكم في نفوس أكثر المشاهدين والمستمعين من أثر عظيم، فقط لو يكون أثرا يُرضي الله عز وجل لا يُسخطه.

الفكرة عموما جديدة ومثيرة.. قصة كفاح الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه وأرضاه، وما فيها من بطولة ورجولة تُضرب بها الأمثال، في طريقه الوعر شديد الوعورة ليُوحّدَ الله عز وجل لا يُشرك به شيئا، ويُخلص كل عبادة له وحده لا شريك له، من دعاء وخوف ورجاء وتوكّل وتوسّل وجهاد وغيرها من العبادات، لا (ليتحرر من الرقّ) فحسب ! ولا (ليجد قضية ما في حياته يعمل من أجلها!) كما أشار إلى ذلك الكاتب في آخر ما كتب من روايته.. فهذا تحريف لرسالة الإسلام – بقصد أو بغير قصد – وفهم قاصر للمغزى من الخلق كله، الذي أخبر به الخالق تبارك وتعالى في قوله الكريم: (وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون)..

(ليعبدون).. لا (ليحسّنوا أخلاقهم) أو (يحققوا أهدافهم) أو (يتحرروا من عبودياتهم) أو (يهزموا مخاوفهم) أو (يتعايشوا مع أمراضهم) أو (يتركوا شيئا بعد رحيلهم) أو (يجدوا قضية في حيواتهم) ولا حتى (لأجل العدل والسلام والحب والإنسانية وحسن الأخلاق) فحسب.. فكل ذلكم من حظوظ النفس وحقوق الغير، ولكن أين حق الله عز وجل من كل هذا ؟ الذي هو العبادة وإخلاصها له فقط عز وجل ؟ أحقّ الله أكبر أم حقّ الناس ؟ ثم إنه لا يكفي أن نعترف بهذا الحق ونذكره بين باقي الحقوق والأهواء البشرية فقط، بل يجب ذكره أول الأمر وآخره ووسطه، ثم يكون عليه مدار الرحى وخاتمة الكلام. فما بالكم أن نتجاهله كلية، ثم نضيع في بنيات الطريق وبين الحاجات البشرية الأنانية التي لا تنتهي..

إنما لتأدية حق الله عز وجل من توحيد وعبادة وُجدنا، ووُجد كل هذا الوجود. فهي غاية الغايات وهدف الأهداف شاء من شاء وأبى من أبى، فالله عز وجل هو من يخبرنا لماذا وُجدنا، لسنا نحن من نخبره سبحانه وتعالى ! لذلك فإن (أحدٌ، أحدٌ)، التي رددها بلال رضي الله عنه، ليس معناها التحرر من العبودية والعدل والسلام.. وإلا قلنا – مثلا – أن الهدف من ذهاب التلميذ لمدرسته هو احترام زملائه وتحسين خطّه !.. وأين (طلب العلم) الذي هو الهدف الرئيس ؟ ألا نذكره ؟ أو ترانا نذكره (ذكر الكرام) لنمضي مسرعين لفلسفتنا المحببة، واستحساناتنا الشخصية، واستنتاجاتنا العبقرية ؟ ولنصوغ دراما سخيفة وُجدت من قبل في مئات الأفلام والروايات ؟

* * *

أعترف أن الثلث الأول من الرواية حرّك مشاعري ودموعي لفرادة الفكرة، ولتأثير الصحابي الكبير – رضي الله عنه – على ثلة من الغربيين والمستغربين من خلال سيناريو فيلم حول شخصية الصحابي الجليل، بغض النظر عن مسألة (تمثيل الصحابة) التي لا تجوز شرعا، والتي يبدو أنها آخر ما يهمّ الكاتب !

طفل أمريكي مصاب بالسرطان وأمه السمراء الجميلة، وكاتب السيناريو ذو الأصول العربية، كلهم غير مسلمين ولا مؤمنين، لذلك تفاعلتُ كثيرا مع بدايات اكتشافهم للإسلام من خلال سيرة بلال رضي الله عنه، عبر مراسلات الطفل المريض مع الكاتب الذي ألجأه الفلم الذي يعمل عليه للبحث في تاريخ شخصية الصحابي الكبير، ومن ثم تاريخ ظهور الإسلام.. فهل أسلم بعدها – خياليا حتى – هؤلاء الذين تفاعلوا مع قصة بلال رضي الله عنه ؟

لا.. !

كاتب السيناريو انتهى به الأمر إلى أن صلّى فعلا صلاة المسلمين، إلا أنه قال في معرض كلامه عن تغيّر حياته أنه (لم يحدّد بعد أيّ إله تحديدا، ولم يبحث عن المغزى من شهادة أن محمدا رسول الله.. المهم أنه يقول الآن أن هناك إله !). وهل يكون مسلما من لم يحدّد بعد أي إله يعبد، ولا يهتم كثيرا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يبحث في أمرها ؟؟ فقد كان مشركوا قريش – بالمناسبة – يُقرّون بوجود إله خالق للكون، وما نفعهم ذلك !

هل هذا هو (التديّن) الذي يدعوا له الكاتب شباب المسلمين وغيرهم من شباب العالم لو حصل أن تُرجمت الرواية للغات أخرى ؟

الطفل نفسه الذي تدور عليه أحداث الرواية (يشكّ) في بعض رسائله، ويقول في آخر رسالة – بعد انقضاء الأحداث الكبرى والتأثيرات العظيمة والدراما العميقة – يقول ببساطة: (إذا كان هناك يوم آخر..)، إذن هو شاك !

ثم في رسائل أخرى لهذا الطفل المريض يُسيء الأدب جدا مع الله عز وجل، إذ يقول في إحداها موجها كلامه لرب البرية سبحانه وتعالى: (لو كان لك حساب على الفيسبوك أو الانستغرام لكان الأمر أسهل !) تعالى الله رب العالمين عما يكتبه السفهاء!

الغريب أن هذا الطفل تجده ناضجا وعميقا في رسائله الافتراضية الأخرى إلى شخصيات قديمة، على شاكلة (لينكلون) الذي أعلن عن تحرير السود من الرقّ، وإلى بلال الحبشي رضي الله عنه وإلى مرض السرطان نفسه ! ثم هو في (رسالتيه) إلى الله عز وجل!  يتحول فجأة إلى طفل جاهل وقح لا يعرف ما يخرج من رأسه!  هل هذه هي الطريقة التي يريد الكاتب تعليمها للأطفال حين توجيه الكلام لخالقهم العظيم ؟

رأيتم كيف تتوالى التنازلات عندما نريد التجديد في الدين وطرق (الدعوة) إليه.. لإبهار الآخرين وإظهاره بمظهر حداثي، تحرّري مُزركش ؟

وهل آمنت أم الطفل – بدورها – بعد هذه الملحمة الدرامية ؟.. لا. بل هي تقول أنها لا تبالي بالإسلام أصلا !

إذن ما فائدة دين الإسلام هنا ؟ وما الرسالة التي نوى الكاتب بثّها في الأذهان ؟.. الحرية ؟ وما الفرق بينك وبين لينكلون مثلا أو أوباما ؟ أم أن عقيدة الإسلام مجرد قصص للدعم النفسي مثل قصص غاندي والدالاي لاما وغيرهم ؟

ثم تلك الفصول التي تحدث فيها الكاتب على لسان بلال رضي الله عنه – وليته ما كتبها – لا يصلي فيها بلال – تخيلوا ! – على النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكره ! وبهذا نسب الكاتب (البخل) لواحد من كبار الصحابة رضوان الله عنهم جميعا. إذ النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن البخيل من ذُكر عنده ولم يصلي عليه.

ثمّ يُفسّر الرجل بقاء بلال مؤذنا في عهد أبي بكر رضي الله عنهما، أنه كان (لأجل أبي بكر!).. وهذا تحريف شنيع لنية الصحابي الجليل. وهو الذي ظلّ يردّد (أحد، أحد) تحت الصخرة التي تسحق ضلوعه، ولم يردّد (محمد، محمد) أو (أبا بكر، أبا بكر) !

التوحيد، التوحيد.. لا يفقهون حرفا في التوحيد ويتكلمون على لسان الطبقة الرفيعة من الصحابة الكرام ؟ بأي حق ؟.. أجننت يا رجل؟ ألك علمهم وتقواهم ؟ هل بشّرك الله بالجنة كما بشّرهم ؟ هل زكّى الله طريقتك ومنهاجك (الأمريكو-إسلامي) كما زكى منهجهم وعقيدتهم من فوق سبع سماوات ؟ بل هل تعلم نيات البشر – عموما – حتى تتكلم على لسان بشري مات وتشرح نياته ؟

لمَ تكتب رواية (إسلامية) إذن وأنت لا تقدر عليها ولا توفيها حقها ؟ إن رواية رومانسية مليئة بالخلاعة لأحبّ إلي من رواية كهذه تشوّه روح الإسلام وتحرّفها.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

رفعت خالد

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s