مقالات نفسية

تحدّي الإيجابية !


2

الإيجابية فنّ وموهبة..

كيف يقدر المرء أن يحافظ على الإيجابية وسط سلبية مجتمعاتنا العمياء ؟.. هذا – بالضبط – هو السؤال الذي يجعل من يجد له جوابا فنانا موهوبا.

الإيجابية ليست خداعا أو لا واقعية كما يُخيّل لكثير من العوام، ولكثير من المثقفين والفلاسفة، ولي – أنا نفسي – أحيانا !.. إنما هي فنّ تسليطُ الضوء على بُقع مختارة رغم اهتزاز الأرضية.. فنّ استخراج الفرص من الأنقاض والمتلاشيات، فنّ التغافل والتظاهر بعدم الفهم في أوقات بعينها !

وهذا على بساطته الظاهرية ليس بسيطا أبدا – في الحقيقة – إذا ما نزلت لواقع الناس ومشيت في أسواقهم، وتأمّلت حركاتهم وسكناتهم، واستمعت لكلامهم وسبابهم، ورأيت غشّهم وخداعهم..

ليس كل عاطل عن العمل بقادر على الحفاظ على إيجابيته مع توالي أعوام البطالة، وليست كل عانس تقدّم بها العمر حتى ترهّل الجسم تُطيق مزيدا من الإيجابية.. ولكنه تحدّي الحفاظ على التوازن وسط المزعجات الخارجية والمحبطات الداخلية.. لعبة تسليط الضوء على ما يستحق الاستمرار في الحياة، وإنه ليوجد فينا من له هذه الموهبة.. وهذا أجمل ما في الأمر !

الثقافة أحيانا وكثرة التفكير الذي يشحذ الإدراك قد يُنقص هذه القدرة الطبيعية على حفظ التوازن.. وكم من أديب كبير كتبه كلها – بلا استثناء – تقطر بالسلبية المركّزة، لحد يُشعرك بعدم واقعية ما يكتب، فترى انحرافا واضحا جهة الشمال، ومجاوزة كلية لحدود المعقول..

الحياة ليست بكل هذا السوء مهما أصابنا من جروح، ولو كانت كذلك لما استمرت من الأساس، ولانتهت منذ آلاف السنوات، وما وصلت إلى هذا الكاتب المترف حتى يحمل قلمه ويكتب عن سواد الدنيا المطبق !

كذلك العقيدة الضعيفة والثقة المهزوزة في الله – عز وجلّ – تنتهي بالمرء إلى عبثية في التفكير، ولا منطقية في الأفعال والأقوال.. لأن الحق ليس بعده إلا الضلال.

فكأني بهؤلاء الكُتّاب – وما أكثرهم – يكتبون عن عالم جاء صُدفة ويستمر بمحض الصّدفة ! وكأني بهم يتجاهلون – أو لا يؤمنون – بإله عظيم أوجد هذا الوجود البديع المتقن، وهو من يُدبّره ويحكم صغيره وكبيره. وإيجاده هذا الكون دليل على مدى حكمته البالغة وعظم رحمته الواسعة، وداع للإنسان ليأمل في أن يجعل – سبحانه – النهاية سعيدة لكل من آمن به، وعظّمه وبجّله، وأقرّ بربوبيته وألوهيته، وسمّاه بأسمائه العليا ووصفه بصفاته الحسنى، وصبر على إيمانه وحافظ عليه، ولم يستسلم لمصائب الدنيا، ولم يتركها تجرفه بعيدا عن دائرة الإيمان، فيتنكر له وينسلخ منه ويركض في حقول مُظلمة مخيفة من العبث والسلبية !

رفعت خالد

29-04-2018