بقايا القراءة

الحارس في مجتمع الزّيف !


29565224

بسم الله الرحمن الرحيم.

مثل عنوانها بالضبط الرواية غريبة و(مستفزّة) وغير معتادة البتة!

الحق أنها رواية بذيئة وقحة، وقد كُتبت بالعامية الأمريكية الفجة، وبطريقة الشباب الغاضبة في الكلام والتعبير، ولكن من الصعب – مع كل هذا – أن تتجاهل العمق الذي كُتبت به والطاقة النفسية (الدرامية) العجيبة التي تحملها صفحاتها !

هي رواية )التمرّد( على كل شيء، حتى على ما لا ينبغي التمرّد عليه للأسف، وهو الإيمان. وإن كانت الرواية لم تذكر ذلك إلا بشكل عابر، ولكنها أولى وأهم اعتراضاتي قبل بذاءة الرواية وقبل كل شيء آخر. فقد أنست شهوة التمرد الكاتب الحكمة والتعقل، وإعطاء كل شيء حقه. حتى صار يتمرد لأجل التمرّد فحسب.. وهذا ما يروق لكثير من الناس. فيعدّون كل متمرد بطلا، بغض النظر عن موضوع التمرّد !

إلا أن المثير هو كيف وصف الكاتب عبث الشعب الأمريكي وزيفه، وكيف أشار إلى تصرّفات بشرية دقيقة قلّما يُنتبه لها، ولذلك أعتقد أن أسلوب الرواية كان جديدا تماما في الخمسينات، بل إنه يكاد يكون جديدا حتى لقارئها اليوم لغرابته وصراحته وانصرافه إلى ما لا يُعبّر عنه الناس عادة.. فإنه يندر أن تجد من يقول لك مثلا: (ضحكتُ حتى شعرت بتقزز ورغبة في التقيّؤ !) لأنه يبدو شعورا غريبا، وحتّى لو خطر على بعض الكتاب فإنه سيتفاداه أغلب الظن لغرابته وشذوذه.. ولكن سالينجر يكتب بهذه الطريقة حتى تشك أحيانا أن الشخصية تعاني من اضطراب نفسي، ولكنه لا يبالي كأنما هو يتحدى كل النقّاد والقراء، ويتمرد على كل معروف ومتداول.. مع رفضي لبعض تمرّده طبعا.

شخصية (هولدن كولفيلد) أثّرت – كما قرأتُ – أثرا بالغا في الشباب الأمريكي لاختلافها الجذري عن كل المكتوب حينئذ، فكأنه صوت جديد خرج لأول مرة من بين مجاملات الكتاب، ليتكلم باسم الشباب الغاضب الذي لا يفهم طريقة العيش المتعارف عليها هناك، ويحكي عن الزيف الكبير المسكوت عنه بين الناس الذين يقبلونه على أنه واقع لا يُناقش..

(هولدن) شخصية صريحة للغاية، سريعة الملل، دقيقة الملاحظة، ساخرة و(رشيقة) – إن صحّ التعبير – والأهمّ من هذا كله أنها غير زائفة.. وهذا ما لفت أنظار كل الأجيال التي قرأت الرواية إلى حدود اليوم. فالشباب كلهم تقريبا سيوافقونك إن تحدثت عن زيف الدراسة وزيف المدارس والمدرسين، وزيف الحفلات والنكات وما أشبه ذلك من الأمور.. حتى وصل (هولدن) آخر الأمر إلى قرار اعتزال الناس في كوخ على مشارف غابة من الغابات، وهذه أيضا فكرة لابد أنها خطرت على أكثر الناس – إن لم يكن كل الناس – وحتى أنا كنتُ أزمع كتابة رواية عن شخص اعتزل العالم بالكلية.. إلا أني لم أفعل. لذلك يسهل على أكثر القراء الارتباط (نفسيا) بالرواية..

هناك نقطة أخرى في الرواية (قتلتني) – كما يقول (هولدن) عن الأشياء التي تُعجبه – وهي المقاطع التي تحدّث فيها عن أخته الصغيرة (فيب) وحبه لها، وكيف تسلّل خُفية إلى بيت والديه بعد (عودته) من جامعته لزيارتها، ولم يكن يريد أن يراه والداه لسبب متعلق بدراسته.. وكيف أيقظها من نومها، وشرعت تسرد له تفاصيل يومها في المدرسة ببراءة و(حلاوة) منقطعة النظير.. براءة البنات الصغيرات بالذات (تقتلني) قتلا !

والحوارات التي ستكون بين هولدن وأخته الصغرى بعد هذا ولو أنها في سياق حزين من (ألذ) وأعمق الحوارات التي قرأت..

ومما أثار غيظي في الرواية – بعد (لا دينية) الشخصية – هو تشابه الأمكنة، فهولدن ينتقل من (بار) إلى (بار).. فمضى ثلث الرواية تقريبا على هذه الشاكلة، وقد أثار ذلك حنقي، وتساءلت لماذا لم يذكر أمكنة أخرى، حتى يتسنّى له وصف أوسع رقعة ممكنة من الشعب الأمريكي ؟

أما الكاتب (سالينجر) نفسه فقد شغل الرأي العام الأمريكي كثيرا بعد توقفه عن النشر منذ الستينات، واعتزاله العالم في كوخ على مشارف غابة من الغابات ! تماما كما قرر (هولدن). ولم ينشر شيئا بعدها إلى أن مات سنة 2010.. وكان يهرب من الصحافة والمقابلات، وقد قرأتُ أن هناك أعمالا تركها للنشر بعد موته.

كل ما أستطيع قوله أن هذه كتابة مختلفة.. مختلفة تماما ! فقط لو أنها ابتعدت عن البذاءة، و(ثارت) على إلحاد الشعوب الغربية وهمجيتها الأخلاقية وتنكرها لخالقها وكأنها خلقت نفسها فهي إذن مجموعة من الآلهة ! أو كأنها جاءت من عدم وتعيش سنوات معدودة ثم تفنى للأبد، ويبقى الظالم ظالما والمظلوم مظلوما ! ولكن مادام الكاتب لم يثر على هذا الشرك والإلحاد في الحياة الغربية، فلا يفيدنا كثيرا نقد زيفهم الاجتماعي والمادي، لأننا نفر من عبث إلى عبث أكبر منه، ومن زيف إلى آخر أشد سوادا وفوضوية..

رفعت خالد المزوضي

18-01-2018

مقالات فسلفية

مشاعر نادرة !


21-surreal-art-by-ohmuller.preview

بسم الله الرحمن الرحيم.

هناك مشاعر نادرة يستحيل أحيانا وصفها.. مستويات من الحب والشوق أو الخوف والوحشة أو الضعف والإحباط أو الحماس والبهجة تتعذّر ترجمتها إلى كلمات تسمعها أذن أو تقرأها عين.

ومن تلك اللحظات.. لحظات صفاء عجيب، تكاد تلمسُ فيها (روحك) وتجسّها بيديك ! وقد يُخيّل إليك خلالها من فرط الصفاء أنك ترى مواطن الجمال فيك، وترى مواهبك رأي العين، وتنظرُ إلى ما بلغته من كل موهبة على امتداد سنوات خلت..

كلّ ذلك يتبدّى لثوان معدودات !.. فكأنما كنتَ في ظلمة ظلماء فإذا البرق يومض ومضات خاطفة تكشف فجأة عن حقائق حولك مُشكّلة برّاقة، لم تكن رأيتها من قبل أو كنتَ شاكا في وجودها أصلا ! فتسري على ظهرك قشعريرة باردة لذيذة، ترجو أن تبقى وتدوم طويلا حتى تنعم بهذا الاكتشاف الجديد.. وربما رجوتَ لو تنشرها في الناس وتصفها ليروا ما رأيت ويحسّوا ما أحسست ولكن.. هيهات !

حينها تشعر أنك كنتَ مخدوعا. أو كنتَ تظن أنك لستَ بشيء.. وكأن هناك من كانت مصلحته في تعمية هذه الحقائق عنك ! وكأن ثمة من في صالحه أن تنسى تلك المواهب التي رزقك الله، وتلك التّحف البديعة القابعة هناك داخلك في مكان ما.. وقد لطالما حاول – هذا الشيء – إقناعك أنك مجرد شخص مزيّف آخر تسري عليه آفات أكثر الناس، فتغيب وسط قطعانهم وتضيع، ثم لا يذكر اسمك بعدها أحدٌ، ولا يلتفت لذكرى وجودك أحد..

إنها مشاعر – كما أسلفتُ – يتعذّر وصفها فلا تحسبنّ ما كتبتُ وصفا لها، إنما هو وصف للعجز عن الوصف ! وكيف أصف أشياء لم يسبق أن خرجت للوجود ولم يسبق لها أن وُلدت ؟ أشياء لم تُصبغ يوما بصبغة المداد، ولم تحمل رائحته قط.. لحظات خاصة جدا، تخُصّ صاحبها فحسب. يرى فيها ما يرى، ويُحسّ ما يُحسّ، وقد تدمع عيناه لهول ما رأى أو لجمال ما تبدّى.. ثم لا يلبث حتى يطوي ذلك في صدره للأبد، ويمضي في طريقه مع الماضين، ليغرق من جديد في زيف الحياة..

رفعت خالد المزوضي

16-01-2018

مقالات نفسية

الشخصية الذهبية


2

بسم الله الرحمن الرحيم.

ما هي الشخصية الراقية النبيلة وكيف تكون ؟

قلّما فكرت في هذا السؤال أو ما يُشبهه من الأسئلة النفسية التي يعجبني تأمّلها ومعالجتها، وكلما تذكرته أحسست بوخز أليم وندم عظيم على ما ضيّعت من سنوات بلا عمل في إصلاح صرح هذه النفس وترميمها، فكأني بنفسي جالس أنظر ساهما في نهر الزمن يتدفق بقوة إلى منحدر الفناء.. ولا أتململ إلا مرة كل سنة أو مرتين !

ومما يحضرني الآن حول معالم هذه الشخصية الرفيعة التي أتخيلها:

الإيمان: وهو أسمى ما تحلّت به النفوس، وأنبل ما حملته القلوب. فالذي لا إيمان له لا معنى له في الحياة، وكل حركاته وسكناته إنما تكون في مصالحه فقط. فكأنما هو جرثومة تمتص من هذا الوجود مادة حياتها وتضخمها. وحتى لو عمل هذا الفاقد للإيمان من الأعمال التي يمتد أثرها إلى غيره، فإنها تكون صادرة عن أنانية مطلقة، وربما استعمله الرب تعالى لإيصال بعض المنافع لغيره، ولكنه إنما أراد بها في المقام الأول مصلحة إسمه وجسمه فحسب. فلا رب يرضيه ويخاف أن يعصيه، ولا إله يدعوه ويتوب إليه. ولا أجر أخروي يبتغيه، فبئست الحياة حياة هؤلاء، وساء ما يعملون.

ولكنك ترى الإنسان المؤمن مرتبط قلبه – مهما ضعف – بخالق الوجود الذي في السماء مستو على عرشه العظيم.. فيكفيه بهذا الارتباط فخرا، ويكفيه بذلك رفعة ونبلا ومعنى للحياة.

النظافة: والمقصود بها الشقين الظاهر والباطن. فالشخص نظيف اللباس، نظيف القلب، وسيم الطلعة، خالي الصدر من الأحقاد والسموم، حييّ الكلام بليغه.. هذا لا يمكن إلا أن تحترمه وتهابه. وضده القذر البذيء.

الحزم: حيث تشعر أن جلّ ما يقوله هذا الإنسان جاد لا هزل فيه. واضح لا مزيد عليه. حازم لا رجعة فيه. هذا تعمل له حسابك، وتُرعيه سمعك واحترامك. وضده المتراخي، المتلوّن الهازئ على الدوام.

الجِدّة: وهي تلك الميزة التي من كانت فيه لا يكرّر نفسه، ويعرف كيف يشحن الجو حوله بهجة وتشويقا وفائدة وتجديدا، ويُجيد تفادي الملل والكسل. حتى تنتظر أن (يفاجئك) في كل لحظة.. ذاك الذي تحسّ كلما نظرت في وجهه بدماء جديدة تجري في عروقك،كأنما عُدت أصغر سنا من سنك.  وضد هذا الرتيب الممل، السلبي الكئيب.

الخفة: وهي التي تجدها عند الأشخاص الذين يمرون عليك كمر السحاب، فتشتاق لبقائهم.. أولئك الذين لا يكلفونك مالا كثيرا ولا وقتا طويلا ولا مجهودا عنيفا. إذ الإنسان بطبعه يتبرم من التكاليف الزائدة، وضد هؤلاء الثقيلون الذين كلما رأيتهم تململت مكانك مستاء، وانتظرت – متحرجا – أعباء ومسؤوليات جديدة.

التلقائية: وهي ما تجده من أريحية في الكلام، وفي الحركة والتعبير بدون تصنع زائد ولا رسميات مرهقة وتظاهر بغيض بالعظمة. ومن يتحلون بهذه الصفة تجلس معهم كما تجلس مع نفسك تقريبا.. وتكلمهم بما تريد كيفما تريد وليس بما يفرضه المكان والموقف. وخلاف هذا التكلّف و(عمليات التجميل) تلك التي يحتاجها أكثرنا كلما أرادوا الخروج للناس والكلام في مجامعهم.

هذه أهم الصفات التي لاحظتها، ولا شك كلما جمع الإنسان منها – مع الإيمان – عددا أكبر كلما كان عنصرا مشعا بين الناس، وتقلّد – حتما – الزعامة حيث كان، وتحلّى بالهيبة والقبول أنّى حلّ وارتحل في البلدان.

والله تعالى أعلم، وهو وليّ التوفيق.

خالد

03-12-2016

ردود

لماذا نكثر الكلام في الدين ؟


images

بسم الله الرحمن الرحيم.

يتبرم بعضهم من كثرة حديثنا عن (الدين)، وإهمالنا لشؤوننا الاجتماعية والسياسية وسكوتنا عن حقوقنا ومصالحنا…

ثم يقول – حتى لا تظن به الظنون – أنه مسلم، مؤمن، يصلي ويصوم ويشهد ألا إله إلا الله.. لكن الدخان لا يكون من غير نار، والصراخ على قدر الألم !

أما أنا فلا أرى أن الناس يكثرون الكلام عن الدين أصلا، بل العكس هو ما أراه صحيحا. فإنهم يكثرون الحديث عن الرياضة والأسعار والمظالم والسياسات وما شاكل ذلك. أما استدلاله برسائل (الواتساب) التي تكون في أغلبها مواعظ دينية، فهذا أراه دليلا عليه لا له، لأن كثرة نشر تلك المنشورات والتي بعضها ضعيف متهافت وإن كان مشاعا بين الناس، وبعضها خرافي يخالف صريح الدين، إنما تدل عندي على قلة كلام الناس في الدين، فيلجأون إلى نشر تلك المواعظ لشعورهم بتقصيرهم وانشغالهم عن الآخرة بالدنيا، فكأنها تحذيرات متبادلة، ورغبة قوية في الاستكثار من الحسنات. ولو كانوا لا يبرحون مواضيع الدين في مجالسهم لما احتاجوا لنشر تلك المواعظ من الأساس..

قلتُ أن الدخان لابد له من نار، ومن يألم لمثل هذه العلامات الطيبة – في مجملها – المتبقية من ناس هذا الزمان الذين لازال في قلوبهم حب لله خالقهم ولدينه الإسلام. فأين يذهب، هل إلا إلى انحدار ؟ وماذا سوى يوم الدين يستحق أن يذكر الناس به ؟ كنز الأموال والنساء ؟ أو استعراض مصائب الدنيا وويلاتها التي تدفع العقل للجنون ؟ أو هي أخطاء الساسة واستبداد الحكام ؟ وكأننا نحن نعطي الفقير والمحتاج ونقسم بالقسطاس المبين !

ثم لمَ نحصر الدين في المسجد والصلوات النافلة – كما قال هذا الدعي المتفلسف في جلسة مقهى وهو يحاورني وأبي – مع تهافت هذا القول وبطلانه عند كل أحد اللهم إلا العلمانيين والملاحدة. أليست أرواحنا بأهمية أجسادنا أو أكثر ؟ فكيف نقلص غذاء الروح والكلام فيها والعمل لها ؟ أليس من الغباء أن تعيش الحياة معرضا عن سبب وجودك بها أصلا ؟ أليس كذلك يا من تشهد ألا إله إلا الله ؟

ألا نرى الناس حولنا يسقطون موتى كل حين ؟ فما نفع الحديث المحموم عن السياسة وكأن ملفات الأمم المتحدة بين أيدينا ؟ ولم نوجه اهتمامنا إلى ما لا ينفعنا وليس من اختصاصنا أصلا، أو ما نفعه محدود منقطع، ثم نلوم من وجّه بعض اهتمامه إلى النافع الذي لا ينقطع ؟ أي حقد يحمل هؤلاء للدين وخالق هذا الكون والعياذ بالله ؟

ولكنها الهمم.. فمنا من همته في بطنه فقيمته في الحقيقة ما يخرج منها. ومنا من همته في المعالي، فجسمه معنا وروحه تكاد تسبح في السماء وتعرج فيها !

خالد

29-11-2016