مقالات نفسية

دورة المزاج


01_Infinite-Cycle

كم أعجب لتغير الحال النفسي، وتبدّل الطور المزاجي ! وإني متأكد إن شاء الله أن الذين انتحروا لو أنهم لبثوا دقائق إضافية قبل أن يقدموا على إزهاق أرواحهم لأحجموا عن قرارهم أو أجّلوه على الأقل. وإنه لموهوب موهبةً عظيمة من يملك مزاجه لأطول قدر ممكن، لأن التغيير لابد منه، ودوام الحال من المحال كما يُقال. ولكن الفرق بين الناس – فيما أرى – هو في الحفاظ على التوازن لمدد متفاوتة، وما أشدّ هذا التوازن على النفس الجموح المتفلّتة، حتى لكأنك تمشي حذِرا على جدار لا يسمح سُمكه بأكثر من قدم واحدة !

وقد يصل هذا (التبدّل) ببعضهم إلى ذاك المرض المخيف، الذي لا يقل بشاعة عن مرض الكآبة عياذا بالله، والذي يدعونه بالهَوَس أو (اضطراب المزاج ثنائي القطبية). حيث ينتقل المريض باستمرار من الفرح المفرط المخيف إلى الكآبة السوداء القصوى !

ومن أسوء ما في تقلّب المزاج هذا، أن المرء يعيش ذات (المآسي) مرات متعددة.. هلع، ملل، ارتخاء، هدوء، نشاط، فتور، هلع.. إلخ. وفي كل مرة يمسّه ذاك (الهلع) يقول أن أموره بلغت من السوء الغاية، فصارت ميؤوسا منها، ولا داعي إذا للأحلام، فالكارثة آتية لا ريب فيها.. وهكذا يغوص المسكين في تلكم الأوهام الشيطانية ما لم يتداركه الله برحمته، وينبهه من غفلته ثم ينتقل إلى الحالات الأخرى ويسترجع بعض هدوءه واستقراره، ولكنه – غالبا – يذوق نفس (المأساة النفسية) الأولى عندما تدور الدائرة من جديد، كأنما هو بلا ذاكرة !

وعلى ذكر الذاكرة.. عجيب كيف ينسى هذا الإنسان ويتناسى ! وهي معضلة (إنسانية) أخرى إن عرفتَ جوابها عرفتَ لماذا يعصي الإنسان ربه بعد التوبة، ولماذا يطلّق الرجل امرأته الطلقة الثانية وقد أرجعها، وتصالحا وتعاهدا إلخ..

ولكن ليت الإنسان يوطّن نفسه على حالة وسط يعود لها دائما إذا ضلّ أو ضاقت به السبيل، ثم لا تكون هذه الحالة حالة نشاط ولا فتور ولا فرح ولا أسى، وإنما مزيج من هدوء متفهم، وتغافل بارد، وتسامٍ جميل عن المهاترات والانتقامات، وجنوح إلى القناعة وعدم حرص على (المزيد)، ولا بحث دؤوب عن كل جديد، ولا رغبة حارقة في المتعة، ولا تأوه مزعج من الآلام، ولا نظر في حركات البشر المثيرة للغيظ، ولا تنقيب في درج الماضي المغبر، أو تطلع إلى صور المستقبل المبهمة الغامضة.. فلا هو يفرح بما أوتي ولا يأسى على ما فاته، كما جاء في وصايا القرآن العظيم.

هذا وأعلم أنه ليس من السهل فكّ طلاسم هذا الإنسان بجرّات قلم سريعة.. وإنما غاية مرادي أن أتفكر – في كل مرة – في واحدة من مشكلاته، التي قد تكون من مشكلاتي، عساني أتخطاها أو أذكرها أضعف الإيمان، أو يذكرها آخرون غيري إذا قرأوا ثرثرتي ثم وجدوا فيها ما يستاهل الذكر..

رفعت خالد المزوضي

26-05-2017

Advertisements
مقالات حرة

أين العقول ؟


Human brain and colorful question mark  draw on blackboard

أحمدُ الله الذي أذِنَ لي بالإيمان، (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله). وأشهد أن ما جاء به محمد حق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. وأشهد أن الجنة حق والنار حق، والصراط حق، وأن الساعة قائمة لا ريب فيها.

أما بعد..

إن ما أجده غريبا و(غبيا) في أمر الملحدين واللاّدينيين، أنهم لم يجيبوا – من قبل أن يفرحوا (بذكائهم) و(حريتهم) و(شجاعتهم) – عن الأسئلة الأساس !.. من أين جاءوا ؟ من أو ما الذي أتى بهم ؟ ولماذا أتى بهم ؟ أفقط للأكل والشرب والتوالد والتطاول في البنيان وكنز الذهب والمرجان، ثم ماذا ؟.. موتٌ يحلّق فوق المقابر، وجثث متصلبة متحللة، وعظام مثقوبة نخرة ؟

أيوجد هذا الكون بألوانه وروائحه وسمائه ومائه وفوله وعدسه وقثّائه وكل ما فيه عبثا ؟ أتوجد هذه الأحزان والحروب والأمراض والإعاقات والشيخوخة بعد الشباب اعتباطا ؟.. أين العقول ؟

لو كان العبث هو قانون الكون.. فلماذا لا يصح في عقولنا أن جهازا من هذه الأجهزة الحديثة المتطورة، التي تؤدي وظائفا مبهرة لا تكاد تفهم كيف تؤديها، لماذا لا يصح لدينا أنه وُجد من عدم ؟ لماذا نتساءل – مباشرة – كيف صنعوه ؟ ولا نقول هل هو مصنوع أصلا ؟ فكيف بهذه الأجهزة في أجسامنا وفي ما حولنا ؟ أتكون عبثا، من غير خالق، ولغير ما هدف وفائدة تُرجى من (وجودها) ؟

ولو كان العبث هو قاعدة الكون.. فلماذا كل شيء في حياتنا حسابات وإحصاءات وأرقام وأغراض ومسببات ونتائج.. إلا الكون نفسه ؟؟ أين العقول ؟

ولكنه الكيل بمكاييل مختلفة.. (فهم) يُعملون عقولهم فيما يريدون، وإذا احتاجوا تحقيق مصالحهم، ويُعطّلونه إذا ما تعلّق الأمر بحقوق كبرى يجب أن يؤدوها لخالقهم كما جاء في رسالاته.. هنالك تجدهم صمّ بكم عمي لا يَعقلون !!

الغريب – كذلك – أنهم يسخرون !.. كيف يسخر مَن لا جواب له مِمن يملك الجواب المنطقي الوحيد ؟ أرأيتَ من قبل رجلا من العامة يقوم فيسخر من نظرية عالم في الفيزياء مُبرهَنٌ عليها بالميكرومتر والنانومتر، ثم تكون حجته ألاّ حجة لديه ؟ أرأيتَ لو قام هذا الرجل في وسط مؤتمر علمي رفيع وشغّب على العالم الذي يتكلم شارحا نظريته المُبرهنة، ماذا – ليت شعري – يكون حاله ؟ أتراهم يُصفّقون له ؟ أم أنهم يطردونه شرّ طردة، مشمئزين من غبائه وجهله ؟

أين العقول ؟

ولكن السياسة حجبت هذه العقول تماما، ومن أخطر (السّاسة) الشيطان نفسه عياذا بالله.. فقد ساس عقول أكثر البشر للطريق الذي يريد.. حقا كما وعد وتوعّد. فصارت (السياسة) هي دين أكثر البشر. فلا يقول أحدٌ منهم تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به أحدا.. بل يقولون تعالوا إلى تقاليدنا، تعالوا إلى حِلفنا، تعالوا إلى شركاتنا، تعالوا نستولي على المزيد من الأرض.. تعالوا نخطط لتقسيم جديد للقارات..

وكذلك عطّل الشيطان قواهم العقلية الأصلية، فهم في سكرة يعمهون، وأغراهم بذكاءات مادية محدودة ليست إلا (ظاهرا من الحياة الدنيا)، ففرحوا بتلك الألوان والشاشات والطائرات التي صنعوها.. ونسوا العقل الأولي الصافي، الذي أودعه الله فينا، والذي يعرف أنه مخلوق، ويقول بفصاحة لو كانوا يسمعون: (ماذا أراد مني خالقي ؟ وأين أنا مما أراد ؟).

فكم يسأل اليوم هذا السؤال من العالمين ؟ أم هل يقيمون مؤتمرات علمية ليناقشوا هذا السؤال البسيط ؟ هل يقدرون ؟ أو قُل.. هل يدعهم الشيطان يفعلون ؟

رفعت خالد المزوضي

05-06-2017

شذرات

قابلية الفتنة..


c3a9tincelle

يظن الكثير أن التظاهر والتجمهر في الشوارع إنما هو منبوذ ما علت فيه هتافات ودعوات تزعزع استقرار البلاد أو تدعو لمنكر من المناكر فحسب.. والأصل أن التجمهر – في ذاته – منبوذ ومنهي عنه في الشرع، لأسباب متعلقة بتعطيل المصالح وسدّ الطرقات وإشاعة الفوضى وتجرئة الدهماء على التمادي والتطاول على الممتلكات، وكذلك لأن فيه توفير المادة الخام لأي فتنة كانت.. حتى لا يبقى على من يريد شرا إلا أن يُشعل عود ثقاب ويرميه وسط الناس، فتستعر نار الفتنة، ويعلو لهيبها، فلا يدري أحد متى تخمد. يكفي – مثلا – أن يقوم أحد من المتظاهرين (لعدم التظاهر) أو من المتظاهرين الأصليين بضرب الآخر، حتى تصبح لدينا بداية جيدة لحرب أهلية حقيقية، وتتحرك الجاهلية القبلية في النفوس المريضة والقلوب الخربة، فتُسفك الدماء، وتُستباح الأعراض، وتَتصدّع البلاد، وتَظهر في حصنها الشقوق والثغرات، تَنسلّ منها خفافيش الظلام، والسّلاح الفتاك البارد، الذي تُفرغ ذخائره في ملاحم وبطولات كاذبة خاطئة.. ثم تدور سلسلة الانتقامات دورتها اللانهائية. حتى لقد تنقرض البلاد من الوجود ويقوم مقامها خلق جديد، يحملون اسما جديدا وعقيدة جديدة. فلا تكونوا وقودا للفتنة، وبيوتكم فالزموا. واتركوا الكلاب النابحة، فإن للبلاد شُرَطا و(مخزنا) سيكسرون عظام من (سخنت عليه عظامه)..

رفعت خالد المزوضي

05-06-2017