نصوص منقولة

الرزق مقسوم ولكن العمل له واجب


images

بقلم علي الطنطاوي، رحمه الله تعالى 

كل من في الوجود يطلب صيدًا … غير أن الشِّبَاك مختلفات

فمن كان أوسع حيلة، وأكمل وسيلة، أخذ حظًّا أكبر. هذا ما يراه الراؤون أما العارفون فيعلمون أنه مشهد من تمثيلية، والتمثيلية مكتوبة كلها قبل أن تُوَزَّع أدوارها، والأدوار وُزِّعت على أصحابها لتكتمل بها القصة، ويحصل بها المراد، فلا يستطيع ممثل أن يقول غير ما أُعِدَّ له، ولا يأخذ أكثر مما قُدِّرَ أن يأخذه. وأستغفر الله فما أضرب الأمثال من عمل البشر لِقَدَرِ الله، ولكن أُقَرِّبُ المسألة إلى أفهام القراء.

ما خلق الله حيًا من الأحياء، إنسانًا ولا حيوانًا إلا تعهد له برزقه، ولكن من الناس من وضع الله رزقه على المكتب أمامه، يقعد مستريحًا على كرسيِّه، ويُمسك قلمه بيده، فيجريه على الورق، ومنهم من وضع الله رزقه أمام الفُرن أو التَّنور، ومَنْ رِزْقُه في مصنع الثلج، هذا- أبدًا- عند حرارة النار، وهذا عند برودة الجليد، ومَنْ رِزْقُه مع الأولاد الصغار في المدرسة، أو العمال الكبار في المصنع، ومَنْ رِزْقُه وسط لُجَّة البحر فهو يغوص ليستخرجه، أو فوق طبقات الهواء فهو يركب الطيارة ليأتي به، ومَنْ رِزْقُه وسط الصَّخر الصَّلد، فهو يكسره ليستخرجه، ومَنْ رِزْقُه في باطن الأرض فهو يهبط إلى المنجم ليصل إليه.

 تعددت الأسباب وكثرة الطرق، وكُلٌّ إذا نظر إلى من هو أشق عملا منه رأى نفسه في خير. إنَّنَا جميعًا في سباق، فما مِنَّا إلا من يجد أمامه من سبقه، ووراءه من تخلف عنه، كُلُّ امرئ منا سابق ومسبوق, فإن كان من رفاق مدرستك، وأصدقاء صباك، مَنْ كان مثلك فصار فوقك، فلا تيأس على نفسك ولا تبكِ حظك فإن منهم من صرت أنت فوقه، فلماذا تنظر إلى الأول، ولا تنظر إلى الثاني؟ إنَّ الله هو الذي قَسَّم الأرزاق، وكتب لكل نفس رزقها وأجلها، ولكنه ما قال لنا اقعدوا حتى يأتي الرزق إليكم، بل قال لنا امشوا في مناكبها، وكلوا من رزقه، أي اعملوا فإن السماء -كما قال عمر العبقري- لا تمطر ذهبًا ولا فضةً، ولكن الله يرزق الناس بعضهم من بعض. لقد أقسم ربنا في كتابه بكثير من مخلوقاته، أقسم بالشمس وضحاها، وأقسم بالليل، وبالفجر فلما ذكر الرزق أقسم بذاته جل جلاله فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: 22، 23].


كلام الله حقٌّ وصدقٌ، ولكنه أقسم عليه تأكيدًا له، ثم أكده بمثال ظاهر لا يستطيع أحد أن يُنازع أو أن يشك فيه، هل تشك إذا نطقت أنك أنت الناطق؟ فجاء مِنَّا – بعد قول الله, وبعد تأكيده بالقسم، وبعد تثبيته بالمثال -من يشك في أن الرازق هو الله؟

نسمع كلَّ يوم قائلا يقول: (إن فلانًا قطع رزقي) إن رزقك لا يستطيع أحد أن يصرفه عنك ورزق غيرك لا يقدر أحد أن يوصله إليك (ما كان لك سوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك لن تناله بقوتك رفعت الأقلام وجفت الصحف).

وربما أعَدَّتْ لك زوجتُك الطعام، ووضعته على سفرتك، فلم تأكله لأنه مقسوم لغيرك، وربما وصل الدينار إلى يدك فلم تنتفع به لأنه رزق سواك.

حدثني الشيخ صادق المُجدّدي -رحمة الله عليه- الذي كان من علماء أفغانستان الكبار، والذي كان عميد السلك الدبلوماسي في مصر أيام الملكية زمنًا طويلاً, أنه كُلِّفَ يومًا بمهمة رسمية في البلاد الروسية، فخاف أن لا يجد فيها لحمًا ذبحه مسلم، ولا يجوز للمسلم أن يأكل ذبيحة شيوعي مُلْحِد لا يؤمن باليوم الآخر، فأمر فذبحت له دجاجتان كانتا في داره، وطبختهما زوجته ووضعتهما في سفرة (السفرة في الأصل زاد المسافر) حملها معه لتكون طعامه فلما وصل وجد في المدينة مسلمين، ودَعاه شيخٌ مسلم- يعرفه صالحًا- إلى الغداء، فاستحيَ أن يحمل الدجاجتين معه، ووجد على الطريق أسرة مسلمة فقيرة دَلَّوه عليها، فدفع الدجاجتين إليها.

فما استقر به المقام، حتى جاءته بَرْقِّية بأن المهمة قد أُلْغِيَتْ وأنَّ عليه الرجوع إلى أفغانستان. فكأنه ما سافر هذه السفرة، ولا قطع مسافة ألفي كيل، ولا حمل هذه المشقة إلَّا لأن الدجاجتين اللتين كانتا ملكه، واللتين طبختهما زوجته، لم تكونا رزقه، بل كانتا رزق هذه الأسرة المسلمة، في الأرض التي ابتليت بحكم الشيوعيين.

وقَرَأْتُ مَرَّةً للقاضي التنوخي (…) أن تاجرًا في بغداد، ضاقت به الحال، وقَلَّ في يده المال، وسُدَّت في وجهه أبواب الأعمال، فكان إذا أوى إلى فراشه رأى في منامه كأن هاتفًا( الهاتف في الأصل صوت تسمعه ولا ترى صاحبه) يهتف به: إن رزقك في مدينة القطائع في مصر، ويُّعَيِّن له البيت الذي فيه الرزق، والحارة التي فيها البيت. (…)

فلما تكرر هذا الهاتف واستمر يرى هذه الرؤيا جمع من المال ما استطاع جمعه، وسافر إلى مصر، وذهب إلى البيت الذي حدد في المنام، فإذا هو دار صاحب الشرطة (مدير الشرطة) فحسبوه جاسوسًا، وأمسكوا به وقرروه فلم يقر بشيء، لأنه لا يخفي شيئًا فوضعوا رجليه في الفلق (الفلق الذي يسميه الناس الفلقة أو الفلكة) وضربوه ليصلوا إلى إقراره، وهو يُقسم لهم أنه لا يعرف شيئًا وإنما هو منام رآه، وقص عليهم ما رأى فقال له صاحب الشرطة: إنك لأحمق أنا أرى من سنين مثل هذا المنام، وأسمع قائلا يقول لي: إن رزقك في بغداد، في الدار الفلانية في الطريق الفلاني تحت نخلة فيها، فأعرض عن المنام ولا أهتم به، ونَبِهَ الرجل إلى أن الدار التي ذكرها صاحب الشرطة هي داره، والنخلة التي عينها فيها , فقال لهم اتركوني فإنني أعود الآن إلى بغداد. وعاد وحفر تحت النخلة واستخرج منها جرَّة ممتلئة بالدنانير.

الرزق مقسوم، هذا حق نؤمن به ولكن لا بد من اتخاذ الأسباب. وقد ذهب الناس في أمر الأسباب مذهبين كلاهما يحيد عن الصواب، ولا يوصل إلى الغاية، فمنهم من ظن أنه ما دام الرزق مقسومًا فما علي إلا أن أقعد وانتظره فتركوا العمل ، واحتجوا بحديث عن رسول الله عليه الصلاة السلام: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا (أي جائعة) وتَرْجَعُ بطانًا» (أي ممتلئة بطونها) وغفلوا عن أن هذا الحديث حجة عليهم لا لهم، فالطير ما قعدت في أعشاشها وانتظرت أرزاقها ولكنها غدت وراحت، وهل تملك الطير إلَّا الغدوُّ والرواح؟

ومن غير المسلمين من اتَّكَل على الأسباب وحدها، وظنَّ أن النتائج مَنُوطة- أبدًا- بها، لا تخرج عنها وغفلوا عن أن وراء الأسباب مسببًا ولم يتنبهوا إلى أنه طالمًا مات الرجل عن ولدين متماثلين صحةً وشبابًا، وقوةً وذكاءً، فاقتسما دُكَّانه، وإذا بأحدهما يُفتح عليه باب رزق لم يكن مُنتظرًا، تأتيه مثلا وكالة (شركة من الشركات الكبرى)، فلا تمرُّ سنوات حتى يصير من كبار أرباب الأموال، ويبقى الثاني على حاله.

وقد يكون في الغرفة الواحدة من المستشفى مريضان؛ مرضُهما واحد، وطبيبُهما واحد، والدواء الذي يأخذانه واحد، وإذا بأحدهما يرجع إلى بيته معافى، والثاني يحمل ميتًا إلى المقبرة.

ونحن لا نتوكل هذا التوكل الذي لم يأمر به الإسلام، نمشي في مناكب الأرض مشيًا لا نسعى سعيًا؛ لأن الله قال لنا في مجال الرزق: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [تبارك: 15], وفي مجال العبادة ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9] هذا هو الفهم الصحيح لمسألة الرزق.

فإن كنت تاجرًا فاعمل دائمًا على توسيع تجارتك، وعلى تكثير بضاعتك، وعلى زيادة دخلك ,ولكن لا تَغُشّ ولا تسرقْ ولا تحتكرْ ,وعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، ثم ارضَ بما قسم الله لك، فلا تأس على ما فاتك أسىً يملأ نفسك حزنًا واكتئابًا ولا تفرح بما آتاك فرحًا يطغيك ويخرجك عما يرضيه عنك.

وإن كنت موظفًا فاعمل على أن ترتفع درجتك، وأن يزيد مرتبك، لكن لا تسلك غير طريق الحق، ولا تضع كرامتك، ولا تخالف شرع ربك.
وإن اعترضتك العقبات فاعملْ على تخطي العقبات، وإن عرضت لك الشدائد، فلا تقلل عزيمتك الشدائد، فَرُبَّ شدةٍ أعقبها فرج، وضيق جاءت بعده السعةُ : ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].

حدَّث (ديل كارنيجي) في كتابه النافع الذي سماه مترجمه (دَعْ القلق وابدأ الحياة) ,وكان أولى أن يسميه: (دَعْ الْهَمَّ) فالذي يتكلم عنه مؤلف الكتاب هو: الهمُّ لا القلق.

والقصة أنها لَمَّا كانت الهجرة إلى غرب أمريكا، إلى الأرض البكر التي لم تمس خيراتها، ولم تستخرج كنوزها، باع رجل كل ما يملك وأخذ ما جمعه فاشترى به أرضًا في الغرب طمع أن تكون أرضًا خصبة، يستثمرها بزراعتها، ويجمع المال من ثمرتها، فلما بلغها رآها مملوءة بالحيات والثعابين، كلما قتل واحدًا منها رأى عشرة فكاد يَفْقِد من هول الصدمة عقلَه، ويهيم على وجهه مجنونًا، أو يعلق حبلاً في شجرة فيشنق به نفسه، ثم قعد يفكر فرأى أن هذه النقمة يمكن أن تنقلب نعمة، لأنه ما في الدنيا شيء إلا وفيه بعض النفع، وإن كان فيه كثير من الضرر، كالخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما. فهداه الله بتفكيره إلى أن يجعل الأرض لتربية الحيَّات والثعابين، يبيع منها للحواة (الحواة الذين يربون الحيَّات) وجاء بخبراء يأخذون جلودها لتصنع منها الحقائب والأحذية للنساء ويستخرجون سُمَّها ليكون منه ترياق فيه الدواء بعد أن كان منه الداء، فاغتنى من ذلك!! ولولا هذا التفكير لَانْتَحَرَ.

أمَّا المُسْلِمُ فلا ينتحر أبدًا، ولا ييأس أبدًا لأنه يعلم أنها مهما سُدَّتْ من حوله الطرق، وتعذر عليه المسير وحاقت به الشدائد، فإن طريق السماء لا يُغْلَقْ أبدًا، وإن سُدَّت الأبواب كلها فإن باب الله مفتوح دائمًا فمدوا أيديكم إذا ضاقت بكم أبواب الرزق، أو حاقت بكم المصائب وقولوا: يا رب!

إن كنت في ضيق تبحث عمن يُقرضك ألفًا فجاءك “شيك” بعشرة آلاف أكنت باقيًا على ضيقك؟! هذا صكٌّ من أكرم الأكرمين يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2، 3].

فإذا أردتم مخرجًا من ضيقكم فبتقوى الله، وإذا أردتم رزقًا من جهة لا تعرفونها فبتقوى الله، وتقوى الله فيها من بعد ذلك كله اطمئنان النفس، واطمئنان النفس أعظم نعم الحياة.

والدنيا لا تخلو من المصاعب ومن المتاعب. (…)

خُلِقْتَ على كَدَرٍ وأنت تريدها … صفوًا من الأقذار والأكدار؟

ومُكَلّفُ الأيام ضدّ طباعها؟ … مُتطلب في الماء جذوة نار!!

فإذا دَهَمَتْك مصيبة فلا تقنط ولا تيأس من رحمة الله وابدأ من جديد، فلقد ذكروا في ترجمة يحيى النحوي وكان أيام الفتح الإسلامي لمصر، أنه رغب في طلب العلم فلم يفلح فيه فكاد ييأس واضطجع يفكر فرأى نملة تحاول أن تصعد الجدار فإذا بلغت ذراعًا أو ذراعين سقطت فعاودت الصعود ثم سقطت، فعاودت الصعود، فعد عليها أربعين مرة حتى وصلت إلى أعلى الجدار واجتازته!! فأخذ من النملة درسًا وعاود الجد والتحصيل حتى نجح. (…) 
الرِّزْقُ مَقْسُومٌ، فما كان لك سوف يأتيك على ضَعفِك، وما كان لغيرك لن تناله بقوتك ، ولكن اذكر دائمًا أن الذي كتب لك هذا الرزق أوجب عليك العمل. وأن التوكل على الله لا يكون بترك الأسباب، والأعرابي الذي ترك ناقته على باب مسجد رسول الله- عليه الصلاة والسلام -طليقة ودخل عليه، فافتقدها, لَقَّنَه الرسول درسًا من دروسه النبوية التي تظل إلى يوم القيامة نبراسًا لكل من أراد أن يهتدي بها في ظلمة الحياة فقال له: «اعقلها وتَوَكَّل».

فالله هو المعطي وهو المانع, وما يمنع الله أحدًا شيئًا إلا عَوَّضه بشيء خير له منه، وكم من إخوة عرفناهم رُبُّوا في بيت واحد من أُمِّ واحدة وأب واحد، وكم من رفاق في المدرسة الواحدة بل على المقعد الواحد، صار هذا غنيًا وغدا ذلك فقيرًا، لأسباب أدركنا بعضها وغاب عنا علم بعض، فليذكر الذي اغتنى أنه كان يمكن أن يكون هو الفقير، وأن يحتاج إلى أخيه، فليعامله الآن بما كان يحب أن يعامله به.

وليذكر الذي يعطي أنه لا يعطي أحدًا إلَّا رزقه، كالمعلمين في المدرسة، أو الموظفين في الدائرة، يُوَكِّلُون أحدهم أن يقبض لهم رواتبهم، فإذا أوصلها إليهم، لا يكون قد من بها عليهم. فالذي يعطي غيره إنما يوصل إليه رزقه الذي كتبه الله له ولكن الله جعل إيصاله على يديه ليعطيه على ذلك أجرًا من هذا الراتب.

وليكن المال عبدًا لصاحبه ولا يكن صاحب المال عبدًا لماله، فقد وَرَد «تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار».

وما مالك؟ ليس مالك الذي تملكه، ولكن لك منه ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت.

فيا أَيُّها القراء إن الرزق مقسوم، والعمل واجب، والتوكل لا يكون بترك الأسباب، والله هو المعطي وهو المانع.

Advertisements

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s