بقايا القراءة

الجريمة والعقاب.. أو نفسية القاتل


12009367

أجدني عاجزا عن وصف ما قرأتُ، والتعبير عما فعلته بي هذه الصفحات التسعمائة، وإنه لشعور مزعج محرج.

هذا ليس (أدبا) من النوع المتعارف عليه، وإنما كتابة من نوع آخر. حتى لقد يمكن أن تُسمى باسم آخر خاص بها، وتكون مدرسة أدبية قائمة بذاتها، وهي فعلا تُعدّ كذلك عند أدباء العالم. سمّه إن شئت (أدبا نفسيا فلسفيا)، وهو أدب عميق غاية العمق، مُؤثر غاية التأثير، لا يمكن أن يتجاهله كل مُدمن على التأمل والتفكير. إنها ملحمة نفسية إنسانية هائلة لا تعرف كيف استطاع كاتبها أن يجمعها بين دفتي مجلد أو مجلدين. ثم إنك لن تعرف – كذلك – كيف أفلح هذا الكاتب العبقري – دستوفسكي – في جعل الكثير من الثرثرة الطويلة تبدو في نهايتها لوحات مذهلة لشخصيات إنسانية مثيرة للاهتمام والدراسة فعلا.

ولا أنسى ذلك الشعور الذي تملّكني – أثناء القراءة – بأن الكاتب لا يحرص أيّ حرص على إيصال أفكار بعينها أو نهاية مُحددة، بل إنك تشعر أنما يكتب لينقل أحداثا حُكيت له أو رآها رأي العين، بلا أدنى رغبة في إطلاق أحكام أو نقل آراء. وهذا غريب.. لأننا اعتدنا من الكُتّاب أن يَحملونا حملا – من خلال نصوصهم – إلى أحداث وأفكار ونهايات يريدونها بعينها.. تكاد تُحسّ بهذا بوضوح، وتستنتجه بجلاء من خلال تعابيرهم.. ولكن هنا شيء مختلف، هنا روايةٌ كأنما تُحكى بطلاقة من تلقاء ذاتها !

لاحظتُ أيضا أن (الأدب الدستوفسكي) لا يهتم بالاختصار، وإنما هو يشبه الحياة في انطلاقها وغرابة أحداثها، فيها المهم والتافه، العميق والسطحي.. فيها كل شيء، فهو يصف أشياء لا تتوقع أنها تستحق الوصف، ويصفها في آخر لحظة يمكن أن تحتمل الوصف، هو فقط لا يهتم.. كأنما يسخر من القارئ أو يتحداه.. وهو (عدم اهتمام) مدروس وعبقري، وليس (عدم اهتمام) نابع عن عجز أو جهل فيما يبدو. وكل ذلك الوصف والاستطراد والطلاقة (المطلقة) داخلٌ في شبكة مترابطة ومحبوكة بشكل لا يُصدّق ! ولن تجدها – أغلب الظن – عند كاتب آخر، ومن هنا تشعر (بأصالة) أدب هذا الكاتب، وتفهم أنه يحمل مشروعا أدبيا إنسانيا فكريا خاصا، وليس هو مجرد مُقلد يحمل قوالب جاهزة يضع فيها عجينه..

أتوقع أن الكثير جدا من الكُتّاب حاولوا تقليد (دستوفكسي) في طلاقته ونَفَسه الطويل في سبر وتحليل التصرفات والخطرات البشرية، ولكن بلا جدوى. وسرعان ما تتوجّس – في أعمالهم – التكلّف الشديد، وتُرهقك التشبيهات الرمزية التي تدّعي العمق، فتضرب عن تلك الأعمال المتحذلقة صفحا، ثم لا تسأل بعدها عن المزيد منها. ولكن هنا شعور رهيب بالأهمية والخطورة ينتابك وأنت تقلب الصفحات، بل حتى وأنت تُطالع – أحيانا – أحداثا عادية وثرثرة محمومة فارغة وغير مترابطة، حتى مع ذلك تحسّ أن أمورا مُهولة ستقع عما قريب، وتقع فعلا أمور مهولة صادمة قبل أن يتمكن منك الملل، ولا تكفّ المفاجآت عن الوقوع إلى آخر كلمة من الكتاب !

(الجريمة والعقاب) من أضخم وأعجب (الملاحم النفسية) التي قرأتها إلى حدّ الساعة – على قلة ما قرأت – باستثناء عبارات يسيرة تطعن في القدر، وفلسفات إلحادية خاطئة يندم عليها أصحابها فيما بعد ويتركونها.. رواية قاتمة هي، مع بعض الومضات الخاطفة من الأمل بين الفينة والأخرى.. حزينة ولكنها بعيدة – كل البعد – عن الإملال، بل هي أشبه بالروايات البوليسية التي تحبس الأنفاس في بعض جوانبها.. قطعة تحليلية نفسية نفيسة، تشبه تلك القطع (الدرامية) التي لا تُنسى، كرواية (البؤساء) لهيجو مثلا. هي فقط تحتاج بعض الصبر خلال المائة صفحة الأولى حتى تعتاد جو الرواية الغريب، وتألف الأسماء الروسية المعقدة الطويلة..

قصة شاب مثقف فقير، غريب الأطوار – كأغلب شخصيات دستوفسكي – يتورط في ورطة فادحة، فيعيش أياما عصيبة من الحيرة والخوف والجنون، وتحدث بموازاة ذلك أحداث ووقائع مترابطة كلها مع قصة الشاب البائس (راسكولنيكوف)، الذي لا تدري أتتعاطف معه أم تلعنه، أتمنحه – في نفسك – أملا أم تتمنى له (العقاب) الأقصى. وهكذا يضعك الكاتب في هذه الجدلية العسيرة، ثم إنه يشرح في الصفحات الأخيرة دوافع البطل لارتكاب خطأه، ويَبسُط فلسفته الغريبة، ويحلل كل ذلك تحليلا عجيبا دقيقا، كأنما هو عالم من علماء النفس الكبار. هنالك فقط فهمت لماذا أثرت أعمال دستوفسكي على علماء النفس من بعده، وعلى رأسهم (فرويد).

فما أعجب هذا الأدب الروسي، وما أعمق هذا الكاتب الذي عاش حياة بائسة مريضة بدوره، حتى وصفه بعضهم (بالموهبة المريضة) !

رفعت خالد المزوضي

14-05-2017

Advertisements

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s