بقايا القراءة

الإحساس بالعمق..


2

 

“الشهود على حياتنا يتناقصون، ومعهم يتناقص التوثيق اللازم”.

هذه هي العبارة المحورية لرواية (الإحساس بالنهاية) لجوليان بارنز، والتي لابد أن يحسّ قارئها بالعمق الشديد، والتقعر البعيد في أغوار التأملات في النفس والحياة. ولاسيما في الذاكرة البشرية الغامضة، وفي التاريخ الذي نراكمه على مر السنين.

هي رواية غريبة ليست ككل الروايات، مكتوبة على طريقة (تيار الوعي) الحديثة التي شَهرها جيمس جويس بروايته الغريبة (عولس)، وهي تقنية تركز على ما يتبادر للذهن من أفكار وملاحظات، كما هي تقريبا، وقد لا تكون تلك الأفكار مرتبة بالضرورة، بل قد لا يكون لبعضها منطق أصلا ! كما تفكر في زمن الطفولة – مثلا – وأنت تتأمل التلاميذ يركضون خارجين من المدرسة، ثم فجأة تتذكر رائحة التفاح، وتذكر بعدها أن الموزة التي تناولتها قبل قليل لذيذة جدا ! هذا يبدو غير مترابط كثيرا، لكننا نفكر هكذا فعلا، والكاتب لم يكثر من هذا الشتات على كل حال، وإنما استعمله باعتدال وحذر، ولقد كان ممتعا في الحقيقة، كمثل ذاك المشهد الذي قبيل النهاية، حين كان البطل يتناول طعامه في أحد المطاعم وأخبره أحدهم بخبر صادم جدا، من شأنه تغيير مجرى الأحداث كلها، وبدل أن يعبّر البطل عن صدمته، وصف شرائح البطاطس التي يأكلها، وتمنى لو كانت أرق مما هي عليه لكي يلتذّ – أكثر – (بالقرمشة) وبطعم الملح !

الرواية كلها عبارة عن ذكريات رجل متقدم في السن، أتى عليها منذ أيام المدرسة مرورا بتجاربه العاطفية والإحباط الذي جاء بعدها، كل ذلك في حديث داخلي طويل متصل. وهي رواية (دافئة) إن صحّ وصفها بالدفء، وإن كان فيها بعض الأسى والإحباط، ولكنه نصّ تأملي هادئ وطويل، يُظهر مدى العمق الذي يمتاز به كاتبه. وحتى سخريته وحواراته عميقة جدا، تقرأ سطرا وتتوقف طويلا تتأمل ما قيل، وتمطّ شفتيك تعجبا كيف خطرت له الفكرة.

لطالما تمنيت أن يكون لي أصدقاء بهذا المستوى من العمق، واحد على الأقل.. يصدمك مرة بنظريته عن التاريخ، ومرة برأيه في تصرفات النساء، وهكذا.. عوض الكلام المعاد الذي يقتل التأمل فينا ويقتل الإحساس، حتى ننسى أننا كائنات مزودة بعقل قابل للتفكر والتأمل، ولسنا آلات للتنفس والمضغ والمشي في الأسواق فحسب !

رفعت خالد المزوضي

24-04-2017

Advertisements
شذرات

آلة الإنسان


779023ba2c099dec14bce54f833f459c

من الحُمق أن يسأل بعضهم عن الغاية من علم الرياضيات والحساب، أو قواعد اللغة والإنشاء، أو التاريخ وتراجم الأولين، أو الأدب والشعر وقصص الغابرين. لأن هذا الإنسان ما كان ليصل إلى ما وصل إليه اليوم لولا مشيئة خالقه ثم هذه التراكمات الهائلة عبر القرون للمعارف والعلوم والفنون والآداب والمهن والحيل.

في ماذا أفادنا الجذر المربع مثلا ؟.. في صناعة الحاسوب والطائرات والأقمار الاصطناعية، وهذا الهاتف المحمول الذي لا نفارقه آناء الليل وأطراف النهار ! وفي ماذا أفادنا الصرف والإعراب وحصص القراءة ؟.. في فهمنا ما يقول المذيع، وفي كتابة ما أكتبه الآن، وتدوين كل العلوم والآداب وحفظها للأجيال التي تأتي بعدنا، وفي امتلاكنا ناصية اللغة والتعابير، فنقول ما نريد بالحدة التي نريد، ونفصح عما نريد ونُغمض فيما نريد، ونُخصّص ونُعمّم ونستثني، ونُرسل المعاني المستترات، ونُزوّق الكلام حين ينبغي التزويق، ونختصره ونبتره إذا اقتضى الحال ذلك.

وهكذا ترى الإنسان كالآلة السحرية، تدخل إليها مواد متفرقة شتى، قد لا يكون لها في ذاتها أي فائدة تُرتجى، ولكن ما يخرج من الآلة بعدُ يُبهر الأنظار، ويَخلُب النُظّار.. فسبحان من خلق هذه الآلة، إنه لحكيم مُقتدر جبّار.

رفعت خالد المزوضي
27-03-2017
مقالات فسلفية

مشروع الحياة


2016-05-07_data-analysis-is-the-prerequisite_blackboard-600x343

في كل أطوار الحياة، وخصوصا في الطور الانتقالي الذي قد يعيشه المرء فيما بين الدراسة والعمل فائضٌ من الفراغ وفائضٌ من الوساوس، وفائضٌ من كلام الناس وفائضٌ من المخاوف والكوابيس. وكل تلك تُشوّش عليه، وتحجُبُ عنه النظر السديد، فلا يرى إذا مدّ بصره إلاّ فوضى من الأشياء والكلمات التي لا معنى لها، حتى يتعذّر عليه المسير فيقف حائرا متخبّطا، ويسأل في ماذا بقاؤه على قيد الحياة ؟

في خضمّ كلّ ذلكم يبقى المفروض على هذا الإنسان أن يواصل كفاحه في (مشروع الحياة) الذي هو أهلٌ له، متوكلا على الله جلّ في علاه وحده، غير عابئ بأكثر المشاريع والآراء التي تعجّ حوله. ولا مستمع لكثير مما يقولُ أهل زمانه، فإن كثيرا مما يقولون إما مُثبّط من المثبّطات أو مضيعة للأوقات، والقليل منه النافع المفيد.

في هذا الطوّر بالذات الذي يسمّونه (البطالة)، يكون المرء قد قارب النضج العقلي والعاطفي، فلا هو في المراهقة المشتعلة، ولا في عجز المشيب. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ثم هو غير منشغل بالمناهج الدراسية، ولا منخرط في مهمات وظيفية.. ولذلك يمرح الشيطان بجنبه ويرتع، عياذا بالله. فيوسوس له الوساوس، ويصنع له الأوهام والكوابيس.. يُضخّم هذا ويهوّن ذاك، ويزيّن هذه ويُقبّح تلك. فيغيب وسط هذه الزوابع مشروعُ حياته الذي كان يُمنّي النفس به، ويستعدّ له منذ سنوات.. ويختلط عليه كل شيء، وتكثر الطرائد أمام عينيه، ويتوهمّ الغنائم في الأفق كما يتوهّم الماءَ من ضاع في الصحراء. ثم يُسقط بين قدميه، ويكون كمن قيل فيه (تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراشٌ ما يصيد) !

هنالك وجب التشمير والصمود الكثير. هنالك القتال والجهاد.. جهادُ النّفس قبل كلّ عدوّ، وقتالُ الجزع واليأس. وما هو – آخر الأمر – إلا طورٌ قد خلت من قبله أطوار، والله المستعان على كل حال.

 

رفعت خالد المزوضي

05-04-2017

مقالات نفسية

فنّ الاستمرار


في صغري كان إذا صرخ في وجهي أحد المعلمين أو لكزني بيده في إحدى حصص المراجعة انقبض قلبي، وتملّكني ذاك الشعور القاسي الذي يجمع بين الصّدمة والإحباط والخجل والحزن والغضب !.. ثم لا أعرف بعدها كيف أستمر في ما كنتُ فيه من قراءة أو استظهار. حقا لقد كانت لحظات عصيبة.. ومنذ ذلك الحين وأنا أتساءل كيف يستمر الناس في ما يفعلون ؟ كيف ينسون ؟ كيف يتصالحون أصلا ؟ كيف تُجبر المزهرية إذا انكسرت وصارت أشتاتا ؟.. لم أكن أعلم. واليوم قد فهمتُ أنها خَصلة تُعلّم، ومهارة تُكتسب، وعادة يتعوّد عليها من كان محظوظا، وحَظِيَ بالتربية اللازمة، وإلا فإنها من أعسر الدروس التي يُمكن أن تتعلمها من تلقاء نفسك. وقد ينتُج عن غيابها إذا غابت ما يُسمّى (بالفجور عند الخصام) والذي هو من صفات المنافقين عياذا بالله.

وهذا الفن – فنّ الاستمرار – يحتاجه المرء في علاقته مع نفسه وإلا هلك في واد من وديان الحياة المقفرة، ويحتاجه – بعدُ – في العلاقات كلها التي تربطه بالبشر. فأما أصحاب هذا الفن فيجيدون طلب الاعتذار عند وجوبه، ويجيدون قبوله. وأما غيرهم فعلاقاتهم لا تكون إلا سلسلة من النهايات المفجعة ! وستلاحظ أهل هذا الفن كيف يغيرون المواضيع بيُسر وسلاسة، وينسون الخلافات الحادة بعد دقائق من نشوبها، كأنهم ينقلبون أطفالا لا يعقلون شيئا ولا يعون ! أو كأن ذاكرتهم قد أصابها تلف فهم لا يذكرون !

إنه فن النسيان الرحيم، الذي يرحمك من أحزان أنتَ في غنى عنها، وسلسلة مناوشات وانتقامات لم يكن من داعٍ لها. وأزمات ومصائب قد عفى الزمان عنها. فطوبى لمن حاز هذا الفنّ الجميل.

رفعت خالد المزوضي

03-2017