خواطر عن الكتابة

إفهموني إن استطعتم !


indice-puntato1

ربما تأثّرتُ بعض التأثّر بطريقة أحد الكتاب الواضحة والممتعة في آن لإيصال الأفكار والمعاني، وهي على مباشرتها المفرطة أحيانا وهزالتها البلاغية غالبا، تمتاز ببعض الذكاء والدهاء في جلب انتباه القارئ كليا، وطرد كل ملل يمكن أن يراوده، أو ُشبهة عدم فهم، أو إغراق في الوصف السّاذج الذي يجعل من الكاتب كالطفل الخجول عندما يقف أمام زملائه في القسم، يستظهر ما يحفظه من دروس بجدية مبالغ فيها، وقد شبّك ساعديه فوق صدره، ودفن ناظريه في حذائه.. أفينتبه التلاميذ لما يقولُ أو يستفيدون ؟

وقد كانت من حسنات هذا (التأثر) أن بدأت أكوّن – بحمد الله – ذائقة أميز بها جودة الأفكار والأساليب.. تلك الحاسّة التي تجعلك تفرق بين حساء جيد وآخر رديء. حتى إن كانت المكونات هي المكونات، والتوابل نفسها في الحسائين، ولكن شتاّن بين هذا وذاك، ويا بُعد ما بينهما  !

لا أريد بكلامي هذا اللغة والأسلوب، بقدر ما أريد وضوح التعبير. فالرمزية أسلوب من أساليب الكتابة الفذّة بلا شكّ، إلا أنها لعبة صعبة وتقنية دقيقة غاية الدقة، ومن لا يجيد استعمالها كيفا وكما سينتهي به الحال إلى كتابة أطنان من الجمل المتحذلقة التي لا أول لها ولا آخر. وهذه ملاحظتي حول كثير من الشباب الكتاب. بل حتى أكثر من يخرجون علينا في التلفاز ويدعون أنهم كتاب وشعراء. تجدهم يقلدون (غادة السمان) و(أحلام مستغانمي) ومن شاكلهما في ما يكتبون من هراء عاطفي، ثم لا يجيدون حتى التقليد.

وحتى لو كانت الفكرة جيدة والمشاعر ثاقبة، ثم أخرج الكاتب ذلك في شيء هلامي ضبابي، لم يصل مراده للقارئ. فلا يمكننا وصف هذا إلا بالفشل. فشل الكاتب الذريع في استعمال أدواته التي يجيد لفعل ما يجب فعله، كما يفشل النجار إذا لم يصنع نافذة مناسبة للزبون. إلا أن الكاتب لا يعترف بهذا الفشل، بل يقول أنا عبقري زماني ولكن أين من يفهمني ؟.. وهكذا يمضي حياته في خطّ التفاهات التي لا يفهمها أحد ولسان حاله يقول: (إفهموني إن استطعتم). هذا على اعتبار أنه يفهم أصلا !

ولكن الكاتب المجيد يضمن – في المقام الأول – وصول المعنى ثم بعد ذلك يزوّق الكلام ما شاء من التزويق، ويضيف إليه ما يحب من الرموز والتشبيهات. أما أن يبدأ بالترميز المتذاكي ويطلب من الناس أن يفهموه قسرا، فهذا كمثل الرسم التجريدي الغريب الذي يحير فيه أساتذته ويختلفون، فضلا عن المشاهد المسكين الذي يتهم نفسه بالغباء لأنه لم يفهم منه شيئا يُذكر ! وكمثل السكر لا يظل حلوا مهما استزدت منه، وإنما إذا جِزت قدرا مَعلوما فلتسكب الفنجان في أقرب مصرف للمياه، لأن القهوة ستصير حينئذ سائلا مقززا لا معنى له.

وهذا في رأيي سبب من أسباب عزوف قومي عن القراءة، بل ربما كان سببا في إقبالهم على اللغات الأجنبية الأخرى كذلك وهجرهم لغتهم الأم، لغة القرآن المعجز.. أبلغ وأحكم ما قد يقرأه قارئ على الإطلاق. فيتهمون العربية – وا حسرتاه – بالقصور بسبب هؤلاء السفهاء، هذه اللغة الرائقة التي حملت كلام الخالق، وقد تحدّى – سبحانه – المنكرين أن يأتوا بمثل ما قيل بها  ! فأين هم من التحدّي ؟

ولكي أضمن – أنا الآخر – وصول فكرتي للقارئ، والتي كان موضوعها (وصول الفكرة للقارئ) !.. أضرب مثالا لهذه التعابير المتحذلقة التي يكفي أن تسمع أن كاتبتها (غادة السمان) أو أيا كان من تلك الأسماء التجارية المروّج لها، حتى تتهم نفسك بالتقصير والعجز اللغوي: (الحبّ كزهور الربيع التي تلطمها آهات الذات، بل هو آثار وجدان خلّفته سيول الحنين المهزوم. بل هو الحب، بصمات الكيان المرّ) !

إفهموني إن استطعتم !

رفعت خالد المزوضى

Advertisements

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s