مقالات فسلفية

الذي يبقى لك من الحياة


22

ما أقسى ذاك الشعور بالخيبة والغبن، حينما يبسُمُ قلبك بعد شهور من التلاحم مع امتحانات الحياة العسيرة ومفاجآتها الصّادمة، وتقلّباتها المريرة. التي أنستك ما يُسمّى المرح، وأنستك الابتسام وأنستك الفرح !

نعم ما أقسى ذاك الشعور وما أفظعه. ويكون ماذا لو تماسكتَ لئلا تغرق في بحر الحياة اللُجّي، فيضيع منك ما ضاع من العمر الثمين، والساعات التي تعدّ بالملايين ؟ يكون ماذا لو ملأت تلك الساعات بكل نافع مفيد ؟ وتملّيت بتفاصيلها الصغيرة، والتذذت بلذائذها، وشممت من عطرها وأريجها ؟

آه كم أليمة هي تلك الخيبة، ولكن لعلنا لم نكن نستحقُ ما نريد من ذاك النعيم المفقود، وكيف نستحقه وأعمالنا أعمالنا التي نعرف ؟ وقلوبنا هذه القلوب الملأى ببثور الآثام القبيحة ؟ نعم.. لعلنا لا نستحق، وخليق بنا أن نقنع بما وجدنا من راحة ولو كُدّرت، وما فضل لنا من مجالس هادئة ولو ندُرت، وساعات هنيئة ولو قصُرت، ورشفات دافئة ولو بردت، ولقمات مريئة ولو قلّت. أوليسَ ذاك من الرزق الذي فضّل الله به الناس بعضهم على بعض ؟ بلى وهو الرزاق العليم. يُعطي بالقدر الذي يعلم أنه أجدى بالنفع، ويمنع إذا اقتضت حكمته المنع. ثم لا مُعقب لحكمه إذا حكم. سُبحانه، جلّت قدرته وتقدّست أسماؤه وتعالى في عليائه.

رفعت خالد المزوضي

16-12-2016

مقالات نفسية

وحشُ الهوى


16830659_10210100113037989_196576856477403920_n

أشنعُ ما قد يسدّ على الإنسان طريقه هو وحشُ الهوى. فإذا أراد منك العقل شيئا، يريدُ القلب غير تلك الإرادة، ثم تكون الغلبة – في الأكثر – لهذا القلب الشقي. ولذلك نجترح من المعاصي ما لا يُعدّ ولا يُحصى، فنؤذي أبداننا ونحن نعلم، ونؤذي عقولنا التي أرادت بنا خيرا لو أعرناها سمعا، ونؤذي غيرنا بعدها. وأغرب من ذلك، أننا نأتي الفعل نعلم أنه خاطئ ولا يجوز، كأننا مجبورين على إتيانه ! فيدخن المدخن وهو يعلم فداحة ما يفعل، كأن السيجارة هي من تُدخنه، وهو يتدلى منها عاجزا ! والعين تنظر بنا للعورات، وتركض بنا الأرجل، وتتلوى ألسنتنا كالأفاعي لتنفث أفحش الكلام، وأظلم الأحكام..  حتى تقول هل بقي في الناس من يسوس نفسه ويقودها حق القيادة، كما كان عظماء أسلافنا يفعلون ؟ فإننا لا نقوى اليوم على ترك المال الحرام. وكان أسلافنا يتركون حتى المال الحلال في بعض الأحيان، بل ويتركون الأهل والولد والحياة جميعا، ويذهبون لمقارعة العدو وسط السيوف المُشهرة البرّاقة التي تفصل الرأس عن الجسد كما تنتبه العين بعد غفلتها ! فكيف كانوا يطيقون ؟ كيف ملكوا زمام أنفسهم وأوثقوا لجامها ؟ ومالنا نحن مغلوبون من أنفسنا قبل عدونا ؟

ولكنه زمن الإشهار.. فكل ما تراه أمامك – إلا ما شاء الله – إعلانات وإشهارات كاذبة، مبالغ فيها. نلبس أفخر الثياب لنخفي أنفسنا الجوفاء، ونتكلم لغات أجنبية لنذيع ثقافة وهمية. نكنس الغبراء أسفل البساط حتى لا يراها الضيف ولا تقال فينا الأقاويل.. لكن ما بيننا وأنفسنا خراب. حتى لا يكاد الواحد يطيق الخلوة مع نفسه التي بين جنبيه.

إنه الهوى.. أشنعُ ما قد يسدّ على الإنسان طريقه. وهو ما يُلجئنا أن نلبي طلبات النفس صاغرين، لاهثين، غافلين عن احتراق عود العمر حتى لا يبقى منه غير الرماد، فندرك أنّا لم ننجز إنجازا شخصيا أو إنسانيا نختم به رحلة وجودنا القصيرة، وينفعنا حين تُعرض الكتب للحساب، أو ينفع الناس من بعد رحيلنا. وإنما أكثرنا دمى تلبسها شياطين الهوى ما شاءت أن تلبسها وكيف شاءت. وتحشر رؤوسها الفارغة بما اشتهت من الأباطيل، وبقدر ما اشتهت.. كأنما البشر لافتات إشهار مُتنقلة، تبثّ صورا وأصواتا وعبارات زائفة مغلوطة، لا تندرج تحت أيّ قانون، اللهم إلا قانون الهوى !  

والله المستعان.

رفعت خالد المزوضي

07-12-2016