ليلتان وليلى


2337252715_76825646a3_z

(قصة قصيرة)

“ظهر الآن ثقبٌ كبير وسط الباب، وامتدّت يدٌ متلهّفة من خلال الثقب لتدير المقبض من الداخل إلا أنها وجدت الباب موصدا بالمفتاح، ولا مفتاح بعين الباب، فعلت زمجرة غاضبة، وواصل الفأس تكسير الخشب السميك..”

 

-1-

كانت صويحباتها يرقُصن حولها بعنف ويجذبنها بين الفينة والأخرى، لتنتبه من غفلتها وتمرح وترقص كما يفعلن. لكنها لم تزدد مع ذلك إلا سُهوما، وإن وزّعت الابتسامات يمنة ويسرة، فإنها لم تتحرك من مكانها إلا قليلا، كأن الزينة التي عليها تثقل رأسها فلا تستطيع حراكا ! لَم تدرِ لِم بدا لها كلّ شيء غريبا وقتها، فجأة لم تعد تفهم ماذا أتى بها إلى ذلك البيت المبهرج بالألوان، والفُرش، وقفاطين النساء المتلألئة، والعطور الخانقة، وأصوات الحليّ التي ترنّ كأنها شلاّل هادر من النقود المعدنية، وأصوات الأواني وهي تُقرع في المطبخ المجاور، من كؤوس وصحون وملاعق، وأقدام الخادمات وهي تضرب البلاط جيئة وذهابا، يُحضرن ما يُحضرن، ويحملن ما يحملن ؟.. ماذا يحدث ؟ وما كل هذه الفرحة ؟ بل متى كانت بهذه الأهمية الخطيرة – أصلا – حتى يحتفلون بها هذا الاحتفال ؟ وأين كان مخفيا هذا الحب والتفاني من قبل ؟

ثم تذكرت، وسط الضوضاء الصوتية والبصرية، كيف لم تكن ‘ترضى’ كلما دُعيت إلى عُرس من أعراس الزواج.. كل ذلك الكمّ من الغرور والتفاخر باللّباس والشعور المسرّحة، والحليّ الباهرة، وأطايب الأكل الذي يطوفون به في مواكب، كأنها المواكب الملكية ! لم تكن تَسلَم من الضّيق الذي يخنق أنفاسها، والألم الذي يغصّ به قلبها في مثل تلك المناسبات، وقتَ أن كانت في عداد العوانس البائرات – كما يصرّ على تسميتهن الناس – ولذلك كانت تجاهد نفسها جهادا كبيرا حتى لا تحسد المتزوجة، لِما علمت من خطورة الحسد على الحاسد والمحسود معا. فهل تُصدّق الآن هذا الفرح البادي في العيون ؟ أوَتسامى الجميع عن الحسد فجأة ؟.. لا تصدق !

– هيا قومي يا (ليلى)، وكفاكِ خجلا.. هذا عُرسك، أنسيتِ ؟

– شكرا حبيبتي.. أنا مرتاحة مكاني.

– قلت لك قومي..

– …

وكذا كانت تجابه ذلك الإصرارَ المقيتَ من بعض النّسوة، بإصرار حديدي مؤدّب من جانبها، على أن تلزم الكرسي لا تُغادره..

 * * *

ثم جاء وقت العشاء، فهدأت النساء قليلا وانقشعت الجُموع، وعادت كل ذات حليّ إلى مكانها، متبخترة في مشيها، تهزّ يديها وتخفضهما حتى تُسمِع صوت حليّها كل من لم يسمع، وتُري لألاءها كل من لم ير، حتى لقد يظنّ الرائي أنهنّ جميعا عرائس، إلا تلك النحيفة القابعة مكانها هنالك، تحت برقع أبيض شفاف.. فهي المدعوة الوحيدة للعُرس فيما يبدو !

كُنّ يلهثن من فرط ‘الفرح’، ويثرثرن، ويقهقهن ويتلّفتن بأعين كأعين الذئاب.. يحسبن عدد الوسائد، ويُقيّمن جودة الستائر، وسُمك البساط، ومدى التناسق بين لون المناديل وطلاء الحائط، ومعدّل ارتفاع الأرائك فوق مستوى البحر !.. إلخ.

وفي انتظار أطباق العشاء، بعد الفراغ من خدمة غرفة الرجال، تنامى الهمس المشبوه، والضحكات المفاجئة التي تنفجر فجأة، كأن صاحبتها تريد أن يبلغ صوتها غرفة الرجال، حتى يعلم كلّ أعزب فيها مدى رقّتها وأنوثتها و’استعدادها’ ! أما العروس فقد نالت النصيب الأوفر من سهام العيون التي تُحدّق فيها من أظافرها إلى قمّة التاج الصغير الذي يُرصّع رأسها. ويالها من نظرات تلك النظرات ! لقد كانت المسكينة تجد لكل نظرة منها مثل الوخز في جسدها، كأنها أشواك التّين البريّ الدقيقة، فتتململ مكانها منزعجة، ولولا تحرّزها من ظنّ السّوء لترجمت كل تلكم النظرات إلى جُمل مُفيدة، واضحة..

– من تحسبُ نفسها هذه الأفعى حتى لا ترقص معنا ؟

– إنها ليست طويلة بالقدر الذي وصفوها به ! هيهي !

– يا لها من محظوظة بنتُ الذين.. !

– عرائس آخر الزمن !.. تبّا !

– اللّهم بارك..

– كُلكنّ تنلن أزواجا بالنهاية إلا أنا !.. حسنٌ، ستأتيني أخباركِ فيما بعد. فلتنتظري، إني من المنتظرين !

– …

وجاء الطّعام أخيرا ليقطع عليها سيل الخواطر، وبدأ الالتهام والازدراد ما إن لمست الأطباق ظهور الموائد، وانتبهتْ (ليلى) – العروس – ممتعضة إلى فرط الشراهة التي تأكل بها بعضهنّ، حتى كأنهن لم يرين من قبلُ أكلاً يُؤكلُ، وأخريات – على النقيض – يأكلن ببطء وعجرفة زائدة، ويمسحن أفواههن الملونة بحذر عقب كل لقمة، كأنهن مجبرات على الأكل عن غير شهية ! ولم تذكر (ليلى) الذي أكلته تلك الليلة، ولا كيف أكلته، وأنّى لها الذّكرى، وقد كانت في مرمى تلك العيون !

* * *

كان أغلب الذي سمعته عنه مُريحا ومُبشّرا بالخير، باستثناء بعض الروايات الغريبة، التي منها أن (يوسف) هذا لا يخرج من مسكنه مُطلقا ! ومنها أنه بلا أهل، ولم يسبق لأحد أن عرف عن أسرته شيئا يُذكر ! وكل ذلك لم تعدّه (ليلى) إلا محض تهويلات، وقدّرت أن بعض ما قيل إنما قيل عن حسد ! بيد أن الذي لم تستسغه في أمره – حين رأته أول ما رأته في بيت أهلها – هو عيناه اللتان لا ترمشان !

* * *

-2-

إنتهى العُرس، وزال مع انتهائه ذاك الدّافع الذي يحملُ العروسين على تلبية رغبات العائلتين والمجتمع، وآن الأوان لتلبية رغباتهما الآن.

في اليوم التالي، وفي منزله النائي الفسيح، كان (يوسف) بمنامته الزرقاء الخفيفة التي تلفّ جسمه الممتلئ، غارقا في الأريكة الجلدية، يُعدّل من عويناته بين الفَينة والأخرى، ويُقلّب صفحات كتاب بين يديه بسرعة غريبة !

أما (ليلى) ففي المطبخ كانت، تطبخُ القهوة كما طلب منها زوجها، متنقّلة بخفة جيئة وذهابا، وقد مال ثغرها بابتسامة دافئة فيها شيء من خجل، وهي تذكرُ أنها في منزل رجل غريب لأول مرة في حياتها، ولا أحد من أهلها يُنكر عليها ذلك ! ثم سرعان ما تنفضُ رأسها لتزيل عنه الفكرة الحمقاء، وتنشغل بحمل الأواني أو وضعها، أو غسل بعضها تحت ماء الصنبور اللاّمع، أو فتح ذاك الدّولاب أو غلق درج من أدراج الخشب الأسود الثمين، لتتوقف بغتة شاردة النظرات، وقد عاودتها الفكرة إياها، فتبتسم وتعضّ على شفتيها خجلا وفرحة.. أوَ يكون هذا الذي في الصالون الآن رجلها ؟ حلالُ لها أن تكلّمه وتلاعبه وتداعبه!  عجبا.. وهذا المنزل الجميل، أينقلب بين ليلة وضُحاها منزلها هي ؟ منزل (ليلى متوكّل) ؟.. عجبا، عجبا !

وقفت لحظة مكورة قبضتيها على جنبيها، تتأمّل المطبخ الذي لم ترَ كل زواياه بعدُ.. فرأت ترتيبا فريدا، كل آنية في محلّها، وكلّ لون مناسب للزاوية التي هو فيها، بل ربما كان مناسبا لمستوى النور الذي يصله من زجاج النافذة الواسعة المطلّة على الحديقة، والتي ألقت بشعاع الشمس الذهبي على الموجودات، بعد أن كسر الزجاج السميك حدّته، وقصّت أغصان النباتات بالحديقة جوانبه، فلم يصل إلى أرضية المطبخ وجدرانه إلا مزخرفا، يصف حدود الأغصان وشكل أوراقها، وأجساد العصافير الصغيرة في حركتها وسكونها وتقافزها وغزلها، وأغانيها المطربة التي تملأ الجو بلا انقطاع..

– (ليلى) !

إرتبكت عند سماع النداء، فأفاقت من تأملاتها، وأسرعت في وضع الفناجيل والإبريق على الصينية النحاسية، وعدّلت من كسوتها ومن خصلات شعرها بحركات متوترة سريعة، ثم سعلت برقة لتعدّل صوتها كذلك، وصاحت:

– أنا قادمة..

خرجت من المطبخ بخفة، ومشت في الرواق الطويل الذي في جوانبه غرف كثيرة مغلقة، عرفت بعضها وجهلت البعض. ثم لما خرجت من الرواق، دارت على يمينها ليلوح لها البهو الشاسع، والأرائك الملونة المتناثرة، والثريا العملاقة وهي تتدلى من السّقف.. يجلسُ أسفلها مباشرة (يوسف) على أريكته، يواصل القراءة بنهم عجيب..

– إحم..

إلتفت (يوسف) لدى سماعه الصوت كأنما أفاق من سُبات ليرى (ليلى)، وهي تحمل الصحفة بأدب، مطأطئة الرأس، فابتسم لها ودعاها للجلوس..

– لماذا كل هذا الخجل ؟ أنت في بيتك الآن يا (ليلى) تفضّلي..

حوّلت بصرها مبتسمة في مزيد من الخجل، وتردّد صدى صوته بأذنها طويلا.. يا له من صوت رجولي عميق !-

– كيف وجدتِ المنزل الجديد ؟

سألها ثم مدّ يده ليحمل حبات من الفواكه الجافة بصحن يتوسّط الفناجيل، وعيناه معلّقتان بوجهها..

– جميل.. جميل جدا في الواقع.

أجابت وهي تتظاهر بالانشغال بحمل فنجالها، وتحريك الصينية فوق المائدة الزجاجية في غير ما داعٍ يدعو لذلك.

– جيد.. لازال أمامك الكثير لترينه..

ثم عاد لكتابه !

* * *

حاولت (ليلى) – طوال يومها الأول – التغافل عن ملاحظات جانبية بدت لها، حتى لا تعكّر صفو حياتها الجديدة، كقلة كلام (يوسف)، وكثرة قراءته. وإن كانت هي كذلك من مدمنات القراءة، إلا أنها تختار أوقاتا تراها مناسبة لتخلو بكتبها ورواياتها، وذلك حتى لا تهمل جانبا من جوانب الحياة، كذا علّمها أبوها، أستاذ اللغة العربية. ولكن (يوسف) ليس كمثلها في هذه الخصلة، كما لاحظت في اليوم الأول من زواجهما على الأقل. فهو يقرأ أثناء مجلسهما في الصالون، يقرأ وهو يتناول طعام الغذاء، بل كان يقرأ حتى في الفراش ليلة أمس ! وهي لا تفتأ تصبّر نفسها، وتنتظر في مثل الجمر كلمة منه تشجعها على الكلام.. ولكنه الصمت المطبق.

(لعله خجول مثلك)، كذا أجابت أمها وهي تحاورها على الهاتف بصوت هامس.. (إصبري يا بنيتي ولا تطلقي أحكاما منذ اليوم الأول، اصبري وسترتفع الكلفة بينكما رويدا رويدا إن شاء الله.. ولا تنسي النصائح التي..).

– حسن أمي.. هاهوذا قادم، سأنهي الاتصال الآن، وداعا.

ومما تغافلت عنه كذلك، عيناه اللتان لا ترمشان ! فقدّرت أنه خطبٌ يُصيب العينين، وأن لا بأس بذلك، فمن ذا الذي يخلو من العيوب والغرائب على كل حال ؟ أليس ظفر إصبع رجلها الكبير معوجّ، حتى لتخجل من المشي أمامه عارية القدمين ؟ صبرا إذا، والله المستعان. يكفيها وسامته، وإن كانت وسامة ‘سمينة’ بعض الشيء، وشعره الأملس الفاحم، وكتفيه العريضتين، وصدره العامر، وإن كان به قصر. ولكن دينه وأدبه، وملاحته التي لا تخطئها عين تشفع له بالتأكيد.

جال بذهنها كل هذا وهي تغسل أواني الغذاء في المطبخ الفسيح الذي بدأت تحبه. تُرى أين هو الآن ؟ هل مازال يقرأ ؟ ربما يكون في غرفة المكتب، وقد أخبرني أمس عند أول دخول لنا عن روتينه اليومي، وكيف أنه يحب الاختلاء بنفسه بعد الغذاء في مكتبه الخاص.. ما هو عمله بالمناسبة ؟ أهو صحفي أم محام، أم كاتب ؟.. لا تذكر بالضبط، فقد سمعت عنه روايات متنافرة، غير أنه كتومٌ جدا، يصعب أن تظفر منه بجواب شاف. ولكن صبرا.. سأحفظ عدد جواربه ذاتها مع الأيام !

هنا دوّت الصرخة !

صرخة عرفت فيها صوته.. فانزلق كأسٌ من بين أصابعها المرتخية، وتناثرت شظاياه فوق بلاط المطبخ !

* * *

-3-

في غرفة المكتب الفسيح التي زيّنتها رفوف ملأى بالكتب من شتى الأحجام والألوان، وزربية فارسية حمراء فاقع لونها قد بُسطت على أرضيتها، ومزهريات ضخمة مزخرفة بزخارف لها لون الذهب قد وُزّعت بعناية ودقة على جنباتها، وأريكة طويلة من الجلد البني استقرت بالموازاة مع الحائط الذي تملأه الرفوف، حتى يجلس عليها من أراد القراءة. وخلف المكتب الأسود الفخم بنهاية الغرفة، كان يبدو جذع (يوسف) الذي تهالك على كرسيه، ممسكا رأسه بأسى واضح. وكان ظاهرا أنه ينتحب بصمت من اهتزاز منكبيه المستمر، ويداه اللتان تجففان عينيه كل حين.

تعالى طرقٌ خفيضٌ على الباب، ولكن (يوسف) لم يُحرك من جلسته، بل لم يبدُ أنه سمع شيئا أصلا. توقّفت الطرقات المستحيية، لتعود بعد حين أقوى مما كانت، فأوحت بتوجّس صاحبها وتنامي شكّه وخوفه. فلما أن لم يُجدِ الطّرق شيئا، دار مقبض الباب الدائري المذهّب ببطء، وانزاح الباب الأسود قليلا ليظهر خلفه وجه (ليلى) وقد اصفرّ من الفزع.. 

– (يوسف) ؟

دخلت الغرفة وهي تمسك صدرها متوجّسة، تنظر يمنة ثم يسرة. حتى استقرّ بصرها على ضالّتها فشهقت..

– (يوسف) ؟.. ما بك عزيزي ؟

تقدّمت في الغرفة، مركّزة نظرها على مشهد زوجها الذي يمسك رأسه في صمت، وهي تلتفت من حين لآخر لتفهم سبب صراخه، وترمق – في نفس الآن – الغرفة الراقية التي تراها أول مرّة.. عجيب ! كل هذا الكمّ من الكُتب ! لابد أن أفاتحه في الموضوع لاحقا، سيُجنّ الرجل من كثرة القراءة !

– (يوسف)، هل تسمعني ؟

مدّت كفها تهزّه بلهفة وقد تضاعف خوفها..

– هه ؟ ماذا ؟.. ماذا تفعلين هنا ؟

تفاجأت (ليلى) من ‘تفاجئه’.. وفي مشهد سريع لمحت صورا مبعثرة على المكتب، قد كان غارقا في تأملها وهو يبكي، فاستطاعت أن تلاحظ فيها خطوطا عامة.. هناك رجل وامرأة في وضعيات خادشة للحياء. وقبل أن تستطرد في استكشافها لتلك الصور، انتبه (يوسف) لاتجاه نظرها، فجمعها تحت ساعديه بحركة سريعة.. وصاح:

– ألا تعرفين معنى الاستئذان ؟

– لقد.. لقد طرقت الباب، ولمّا لم تجبني..

– أخرجي الآن.. أغربي عن وجهي !

جاهدت (ليلى) لابتلاع الإهانة المفاجئة، وهي تنسحب من وراء المكتب حيث كانت تقف بجانبه، وتوجّهت للباب خافضة الرأس وقد ابتلّت عيناها. وقبل أن تعبر الباب، حاولت أن تلطّف الجو ما استطاعت:

– لقد سمعتُ الصرخة، ففزع قلبي وحسبت أن مكروها أصابك…

وخرجت قبل أن تسمع جوابا.. وأغلقت الباب.

* * *

ما أقسى الحياة ! نظن دوما أنّا سنصير يوما إلى راحة ورغد في العيش يدوم ما دام لنا عمر، ولكن ذلك لا يكون. أم ثمة هناك سعداء ينالون هذا الرغد ؟ لا أدري.. الله تعالى أعلم بكل شيء. ولكن لمَ يصدّعون رؤوسنا بتلك الأمثلة الواثقة، كقولهم (إعمل يا صغري لكبري) أو أي مثال معناه (من كافح في صغره ارتاح في كبره) ؟ هل يتخذوننا هزؤا ؟ من ذا الذي يخترع هذه الأمثال ؟ آه لو أمسكته، لأوسعنّهُ ضربا بعصا المكنسة على أمّ رأسه !

كانت (ليلى) غارقة في خواطرها هذه، وهي على سريرها، تُسند ظهرها لخشبة السرير العريضة المزركشة، وترمق صورة وجهها المتجهّم بالمرآة.. أهكذا يكون شهر العسل ؟ أم أن وجهها هذا ليس وجه عسل ؟ أم لعلّ صديقاتها كنّ يكذبن عليها كلما وصفن ليالي (ألف ليلة وليلة) تلك التي يقضينها مع أزواجهن ؟

ثم تذكرت بسرعة سبب هذا التشبيه الذي خطر ببالها، فقد كان (يوسف) يقرأ منذ الأمس في مجلد من مجلدات (ألف ليلة وليلة) بنهم جنوني.. وكأنه أنسبُ وقت لهذا الهراء، أفّ !

حملت هاتفها الذكي من على المنضدة وقد ضاقت ذرعا بخواطرها الكئيبة، وعبثت للحظة بإصبعها النحيف فوق شاشته، قبل أن تذهب لأيقونة (السمّاعة الخضراء)، ففتحت التطبيق الشهير، واختارت من اللائحة الطويلة صديقتها (ريم) التي تضع صورة رمزية لها وهي بكامل زينتها، تضمّ فمها بخلاعة، لتقبّل كل من يرى صورتها !

مطّت (ليلى) شفتيها وحركت رأسها استياء من تهوّر صديقتها التي طالما نصحتها أن تتعقل، إلا أن ظاهرة وجه (منقار البطة) هذه، قد اجتاحت الكثير من فتيات العالم كالطاعون، فصرن كالدمى التي لا عقل لها..

– (ريم) ؟ أنت هنا ؟

لم تخيّب (ريم) ظنها، فهي (هنا) دائما وأبدا، فسرعان ما ظهرت على الشاشة عبارة (ريم تكتب حاليا..) فانتظرت بملل أن تنهي كتابتها..

ولما طالت ‘كتابة’ (ريم) واستطالت، أطلقت (ليلى) من بين شفتيها تعليقا ساخرا بصوت خفيض مُنهك: (كأنك ستكتبين النشيد الوطني !)..

– (ليلى).. عروستي الجميلة، كيف هو شهر عسلك ؟

وأتبعت عبارتها بسطر من القلوب الحمراء، والقطط والعرائس إلخ..

– بخير حبيبتي.. ماذا عنك ؟

– أنا أحاول المراجعة لامتحان ‘الباك’ كما تعلمين.. سأجن يا أختي، لم أتوقع أن الأمر كارثي إلى هذا الحد !

– صبرا سيمر كل شيء بسلام، وتنجحين بإذن الله، ونأكل في بيتك الحلوى ونشرب العصير وأذكرك بأيام المراجعة هذه فتضحكين..

– إن شاء الله يا حبيبة قلبي ونور عيني وحبي الكبير (قلوب).. ولكن خبّريني ما أخبار العريس الوسيم، هه ؟

– ومالك وماله ؟ إياك أن تزيدي خطوة واحدة.. إن كُنتِ ساعدتِ في لمّ شملنا مشكورة، فلا يعني هذا أن تتقاسميه معي..

– هاهاها.. كم أنت مسمومة، ما أردت إلا السؤال يا أختي.

هنا انفتح باب الغرفة بهدوء، ودلف (يوسف) بوجه باسم، غريب..

تجاهلت (ليلى) الهاتف رغما عنها فسقط على الفراش المبعثر، وظلّ وجهها معلّقا بوجه رجلها، تتأمل ابتسامته التي أزالت عنها طبقات متراكمة من الهم والشك، فشعرت بصدرها المكلوم ينشرح بعض الانشراح، وبجسمها يخفّ بعض الخفّة حتى كادت تقفز من السرير وتصيح بسرور، لولا أن تمالكت نفسها وتظاهرت بالرزانة والهدوء..

تعالى – فجأة – صوت رسائل (ريم) غير المقروءة، فقطع الصمت الذي ساد للحظات، وانتبهت (ليلى) بانزعاج لهاتفها، فطفقت تحاول إسكاته..

– من تكلمين ؟

قالها (يوسف) بهدوء وهو محافظ على ابتسامته العميقة، ثم جلس بمحاذاتها على السرير، فارتبكت ودفعت إليه الهاتف بسرعة ليعاينه، كأنما تدفع عن نفسها كل ريبة..

– هه !.. مجرد صديقة من صديقاتي، تسأل عن حالي..

أمسك الهاتف يتفحّصه بفضول، ويقرأ الرسائل المكتوبة بشفتين قاسيتين، وعيناه اللتان لا ترمشان تبرقان على وهج الشاشة ببريق مريب ضاعف من شكها وخوفها وحيرتها، هي التي توقعت أن يرفض الاطلاع على الرسائل إحسانا للظن بها. ولكنها حاولت تجاهل هذا التصرف المفاجئ بأن قالت، متظاهرة بالهدوء:

– كيف أنت الآن ؟ هل هدأت ؟

– نعم أنا بخير حال.. إنما أردتُ الاعتذار عمّا بدر مني من انفعال قبل قليل..

وكانت هذه الكلمات كافية لتنسى كل شيء كان منذ ليلة العرس، فابتسمت ابتسامة عريضة صادقة، ورنت إليه بإعجاب لحظة قبل أن تخفض عينيها خجلا وهي تقول:

– لم تفعل إلا الخير يا.. سي (يوسف) !

* * *

على ضوء شاشة هاتف نقال، ترمي رجلان – انتعلتا خفين قطنيين – خطوات حذرة بالبهو الطويل المظلم، ثم تعبران الصالة الفسيحة، وتمرقان بين أثاثها الضخم الذي يتراءى في الإضاءة الخافتة كأنه رجال من الجن وقفوا بصمت يحرسون المكان.

لقد تأخر (يوسف) عن الفراش حتى امتلأ قلب (ليلى) فرقا وخوفا عليه، فرأت أن تقوم لتنظر ماذا أخره، والساعة قد جاوزت الرابعة.

وقفت أمام باب غرفة مكتبه، هل تدخل ؟ تخشى أن يكون مستغرقا في عمله أو قراءته فينفجر في وجهها غضبا كما فعل هذا المساء، ولكن لا خيار ثمة أمامها غير الدخول.

كان الظلام يعمّ كل شيء بالغرفة، إلا بقعة تشعّ بضوء أزرق فيروزي ناحية المكتب، رجّحت أنها من جرّاء ضوء الحاسوب. فتقدمت بحذر وهي تتلفت حولها بخوف ضاعف من برودة أطرافها، حتى أنها لم تجد القدرة لتناديه باسمه.. ذلك الخوف من الظلام الذي لم يفارقها منذ أيام الصبى.

اقتربت من المكتب ووجدت عنده (يوسف)، حاطاّ رأسه على ساعديه، يغطّ في نوم طويل. لحظت وجهه الممتلئ الغافي على ضوء الشاشة الأزرق، وبجانبه على سطح المكتب الزجاجي كانت علبة دواء مقلوبة، حملتها وسلطت عليها ضوء الهاتف فقرأت ما يشير لحبوب منومة.. إذا فهو يعاني من الأرق، المسكين. لعلّ هذا سبب إصابة عينيه اللتين لا ترمشان..

هل أوقظه لأذهب به للفراش ؟ لعله يغضب إن فعلت.. ولكن ماذا كان يصنع في الحاسوب على كل حال ؟

تحوّلت قبالة الحاسوب الأنيق بحذر، ودققت النظر مليا في شاشته، إنها صفحة بريده الإلكتروني.. لعلها شؤون تخصّ عمله الذي لا تعرف شيئا عنه بعد. ولكنها فضولية كأي امرأة في الدنيا، ثم هي زوجته ويهمها أن تعرف عنه أكثر. شجعتها هذه الفكرة فمدّت إصبعا نحيفا فوق رأسه الغافي، وضغطت بكامل الحذر على رابط (الرسائل المرسلة)، ثم اختارت أول رسالة في القائمة. رسالة إلى صديق فيما يبدو، مختصرة وخطها صغير، لم تفلح في قراءته من مكانها، فاشرأبّت بعنقها قليلا إلى الأمام، وبدأت تقرأ بلا صوت وهي تضيّق عينيها:

“… أعلمُ، وأنا على اتفاقنا الذي اتفقنا عليه.. إلا أنّي أريد أن أمضي معها يوم غد على الأقل ! هذه لم أر مثلها من قبل.. سأتناول حبوب النوم حتى أنهي الليلة بسلام” !

* * *

-4-

” أريد أن أمضي معها يوم غد على الأقل !”

لم تتوقف هذه العبارة عن التردد بذهن (ليلى) طوال اليوم التالي. وقد قررت أن ترجع لبيتها حتى يتضح ما كان خفيا، ولكن فضولا هائلا أقعدها في فراشها منذ عودتها من غرفة المكتب وحتى طلعت الشمس، تفكر كيف تسبر أغوار هذا اللغز الجديد. بكت كثيرا ومسحت عينيها في كل مرة لتزيل عنهما الغمامة وتواصل التفكير العبثي، كأنها سيارة تشق طريقها وسط الأمطار الهاطلة، فتمسح مسّاحاتها الزجاج الأمامي كل حين حتى يتراءى أمامها الطريق مجددا. وهكذا كانت تمضي في طريق من الفكر لا نهاية له، حتى توقفت فجأة على صوت الباب يُفتح..

– صباح الخير..

تبّا لابتسامته المؤدبة..

– صباح الخير..

– هل استيقظت منذ مدة ؟

– نعم.. أعني، منذ قليل..

– تعالي إذا فالإفطار جاهز.. كان عندي عمل عاجل بالليل لذلك نمت في مكتبي..

– اه..

– تعالي.. أنا أنتظرك.

تبا لك.. قالتها وقامت على مضض، لتضع رجليها الصغيرتين في الخف القطني. مرّت جوار المرآة الكبيرة وتأمّلت وجهها الشاحب وعينيها الخاملتين، ثم خرجت.

تناولت الإفطار بصمت، متظاهرة بتتبع ما يُعرض على التلفاز بتركيز.. كانت يده اليمنى ترتعش وهو يحمل حبات الزيتون السوداء، استطاعت ملاحظة ذلك من خلال نظراتها الجانبية الخاطفة.

– مالك صامتة ؟

– هه ؟ لا شيء.. فقط لم يكن نومي البارحة مريحا، لذلك تجدني متوترة قليلا..

– سوف تعتادين المكان الجديد..

– نعم..

– هل تعجبك برامج الحيوانات، أراك مركزة ؟

– نعم كثيرا..

– أوه !

– …

– حسن، أتمنى لك فرجة ممتعة، سأنصرف لإنجاز بعض المهام..

– ما عملك ؟

فاجأه السؤال المباغت، فتوقف ونظر لها مبتسما برهة من الوقت ثم قال:

– سأخبرك لاحقا !..

* * *

ترددت كثيرا في إخبار أمها، أو أي أحد آخر.. أختها، صديقتها (ريم)، وفضّلت على ذلك الكتمان حتى تستبين الأمر. وقد ظلت طوال اليوم في غرفة النوم تحزم حقائبها، وتعيد في ذهنها الحوار المرتقب معه عشرات المرات، ولما ضاق صدرها بما رحُب حملت الهاتف، وقصدت إلى صديقتها (ريم) تكاشفها السر.

كتبت (ريم) معقبة بعد أن حكت لها (ليلى) كل شيء:

– أحقا ذلك ؟

– نعم، أقول لك رأيته بأم عيني.

– وا مصيبتاه..

– بل وا مصيبتاه أنا..

– لعلك أسأت الفهم يا (ليلى)..

– إشرحي لي إذا، فعقلي عاجز تماما..

– ماذا أقول لك ؟ إصبري حتى تفاتحيه الموضوع على الأقل.

– أين هو أصلا ؟ هل سمعت من قبل بشهر عسل كهذا ؟ هل هذا هو الزواج الذي صدّعت به رأسي ؟

– صبرا.. ربما هو أيضا لا علم له بشؤون الزواج، وسيتعلم مع كرور الأيام..

– لن تكون هناك أيام أخرى معه، من يقول ذلك القول في أول يوم، ماذا عساه يقول بعد سنة ؟

– …

– أينك ؟

– مكاني.. أفكر في مشكلك..

– فكري يا أختي، سأعود بعد قليل، انتظريني..

– حسن.

* * *

– (ريم).. هل أنت هنا ؟ إن الأمر عاجل !

– نعم يا (ليلى)، ما ذاك ؟؟

– أنا في ورطة يا أختي.. الرجل قد جُنّ..

– يا نهار أزرق !

– ذهبتُ للمطبخ لأشرب، فوجدته حاملا سكينا طويلا، يمشي جيئة وذهابا في الصالون ويقول كلاما مبهما لم أتبينه.. لم يرني، فهربتُ راجعة للبيت، وأغلقتُ الباب بالمفتاح..

– سكّين ؟ ! أين أنت الآن بالضبط ؟

– بيت النوم يا (ريم)، أكتب لك من مكاني بالسرير..

– اتصلي بأحد أفراد عائلتك..

– لحظة..

ركّبت (ليلى) رقما بسرعة، ثم وضعت الهاتف على أذنها، وانتظرت قليلا.. لكن بلا جدوى..

– لا جدوى.. ليست هناك شبكة.

– كيف ؟ وكيف تحدثينني إذا ؟

– لا أدري.. هناك شبكة (ويفي) فيما يبدو، وهي غير مرتبطة بخط الهاتف.. لا أدري !

– …

– ماذا أفعل يا (ريم) ؟

– …

– (ريم) ؟ أنا أسمعه الآن يحاول فتح الباب بقوة.. (ريم) ؟

– نعم ؟

– نعم ؟ أنا أوشك على الموت يا (ريم).. أطلبي النجدة.

– …

– (ريم) ؟

– هل لازال هناك ؟

– لا، توقف.. ربما ذهب ليحضر شيئا يكسر به الباب.

– …

– مالك يا (ريم) تسكتين ؟ أطلبي النجدة، أنا في خطر ! هاهو قد عاد.. يا مصيبتاه ! إنه يضرب الباب بفأس.. يثقب الباب !

– …

– ريييم ؟

– حسن، مادام الأمر وصل هذا الحد فلتسمعيني جيدا، أمّا الصور التي وجدتِ فهي تخصّ زوجة (يوسف) الأولى التي ضبطها تخونه مع صديق له، وقد صورهما قبل قتلهما، ثم مرض نفسانيا بعدها حتى أصيب بالأرق، فلا ينام إلا ليال قليلة في الأسبوع، حتى أن عينيه لم تعودا ترمشان..

– ماذا ؟ كيف.. ؟

– كيف عرفت ؟ حسن.. سمّني شهرزاد إن شئت، أنا خامس زوجة من زوجاته اللاتي تزوجهن لينتقم من خلالهن من جنس النساء جميعا كما فعل شهريار، وجثثهن موجودة في مبردات كبيرة بالغرف المغلقة..

ظهر الآن ثقبٌ كبير وسط الباب، وامتدّت يدٌ متلهّفة من خلال الثقب لتدير المقبض من الداخل إلا أنها وجدت الباب موصدا بالمفتاح، ولا مفتاح بعين الباب، فعلت زمجرة غاضبة، وواصل الفأس تكسير الخشب السميك، وانطلق صراخ (ليلى) الحاد..

– … أنا شهرزاد يا (ليلى)، وحيلتي في النجاة أني واعدته بجلب العذارى والتستّر عنه ووضعت حياتي رهن ذلك، وأنا التي كان يراسل بالبريد ليلة أمس.. آسفة، لكني اتخذت قراري يا صديقتي..

وانفتح الباب !

إنتهى

رفعت خالد المزوضي

13-01-2017

4 thoughts on “ليلتان وليلى

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s