سخّان الماء.. خطر الموت !


2.png

بقلم أخي توفيق إبراهيم (وفقه الله)

بسم الله الرحمن الرحيم.
في فصل الشتاء من كل سنة، نسمع قصصـا مأساوية لأشخاص قضوا بسبب سخانات الماء المنزلية، بل إن أسرا بكاملها انتهت حياتها بسبب سوء استعمال هذه السخانات، والسبب – في الغالب – هو عدم احترام شروط السلامة خلال تثبيت الجهاز في المنزل، وعدم إعطاء الأهمية اللازمة لصيانة هذا الجهاز، ما قد يؤدي إلى تسرّب الغاز واختناق سكان المنزل.

* أرقام مخيفة ! :
سجلت إحصائيات المركز الوطني لمحاربة التسمم واليقظة الدوائية، خلال سنة 2012، وقوع 2346 حالة تسمم بغاز (أحادي أكسيد الكربون)، توفي خلالها 21 شخصا. وهي تسممات تتزايد سنويا في فصلي الخريف والشتاء، خصوصا شهري دجنبر ويناير بسبب برودة الطقس التي تُلجِئ المواطنين إلى استعمال سخانات الماء أو غيرها من أجهزة التدفئة، التي تشتغل بالغاز أو الفحم “المجمر”. انتهى من إحدى الجرائد.
تتكرر أمثال هذه الوفيات سنة تلو أخرى، والسبب تسرب غاز (أحادي أكسيد الكربون) و (ثنائي أكسيد الكربون) الناتجان عن احتراق غاز البوتان في الهواء. 

* تفسير الذي يحدث:
يكمن التفسير العلمي لهذه الظاهرة في عملية احتراق غاز البوتان، التي تكون واحدة من حالتين:
الأولى: وهي الاحتراق الكامل، ويوجد عندما تكون كمية غاز ثنائي الأكسجين كافية لكل احتراق، حيث تكون نواتج هذا الاحتراق: الماء و غاز (ثنائي أكسيد الكربون)، وِفق المعادلة الكيميائية التالية:
2C4H10 + 13O2 ——-> 8CO2 + 10H2O
من خلال المعادلة يظهر أن كمية ثنائي الأكسجين تستنفـد بسرعة، لأننا نحتاج لاحتراق جزيئتين من البوتان إلى 13 جزيئة من الأوكسجين، و كذلك تَنتج كمية كبيرة من ثنائي أكسيد الكربون ( ثمان جزيئات).
يحسُن بنا هنا ذكر بعض مخاطر غاز (ثنائي أكسيد الكربون)، وهو غاز عديم اللون والرائحة، غير قابل للاشتعال، وهذا يعني أنه لا يُمكن إبراز وجوده، أو الإحساس به، وإنما يُكشف عنه بتفاعله مع ماء الجير، وعندما تُجاوز نسبته 10% في الهواء يُصبح خانقا، وهو من الغازات الدفيئة التي تسبب ما يُسمّى بالاحتباس الحراري، وما يهمنا هنا هو تأثيرات هذا الغاز على صحة الإنسان عند استنشاقه بكمية زائدة عن الحد كنتيجة لنقص التهوية، حيث تظهر الأعراض التالية: نبض قلبي سريع، تسارع في النفس، اختناقات، تشنجات عضلية، انثناءات في اليد، انخفاض في النشاط العصبي، واحتمالية ارتفاع في ضغط الدم، وأما إذا تسربت كمية كبيرة منه للجسم، فقد يحدث فقدان للوعي، وربما الوفاة !
وأما الحالة الثانية لاحتراق غاز البوتان: فهي الاحتراق غير الكامل، ويكون في حالة وجود كمية غير كافية من (ثنائي الأوكسجين)، وهو ما نُسمّيه (نقص التهوية)، ونواتج هذا الاحتراق بالإضافة إلى الماء و(ثنائي أكسيد الكربون)، ثمة الكربون (دخان أسود)، وغاز (أحادي أكسيد الكربون)، وذلك وِفق المعادلة الكيميائية التالية:
C4H10 + 4O2 ——-> CO2 + 5H2O + 2 C + CO
ما يحدث في هذا الاحتراق الناتج عن نقص ذرات الأوكسجين هو أن ذرات الكربون لا تجد الأكسجين الكافي لعمل روابط معه ، لذلك نلاحظ في النواتج الكربون مع ذرة واحدة من الأكسجين (غاز أحادي أكسيد الكربون CO)، وكذلك نجد الكربون لوحده (C )، لأنه لم يجد الأكسجين ليشكل رابطة معه. ولذلك تتناقص كمية الأكسجين في المكان المغلق، إذ إنه يحترق مع البوتان، ويستنشق الشخص المعرّض للخطر الكمية الأخرى من هذا الأوكسجين.

* الطّامة الكبرى ! :
وأما الطامة الكبرى، فهي إنتاج غاز (أحادي أكسيد الكربون) والكربون، فعوض أن يستنشق الإنسان الأكسجين يستنشق غاز (أحادي أكسيد الكربون)، وهو غاز سام، قاتل، عديم اللون والرائحة والطعم. اذ أنه صعب التعرف على وجود الغاز في الهواء، وكلما ارتفع التركيز ومدة التعرض لهذا الغاز، كلما ازدادت خطورة الأعراض السريرية، إذ أن 0.1 % من (أحادي أكسيد الكربون) في الهواء قد تكون مميتة خلال ساعة، بينما 1 % من أحادي أكسيد الكربون في الهواء قد تكون مميتة خلال 15 دقيقة، في حين أن 10 % من أحادي أكسيد الكربون في الهواء قد تكون مميتة خلال أقل من دقيقة !

* الأعراض السريرية :
الأعراض السريرية للتسمم بأحادي أكسيد الكربون هي صداع، دوخة، غثيان، قيء، نقص في الرؤية، تعب، تشنج، اضطرابات في التصرف، سرعة الغضب، تشوش ذهني، إغماء، موت.
وتختلف الأعراض السريرية للتسمم بأحادي أكسيد الكربون حسب الحالة الصحية للمصاب وتزداد الخطورة بالنسبة للفئات التالية: المسنين، الأطفال حديثي الولادة والرضع، الجنين والنساء الحوامل، المصابين بفقر الدم، مرضى القلب والشرايين، مرضى الجهاز التنفسي، القاطنين بالجبال، المدخنين…
تأثير أحادي أكسيد الكربون على صحة الإنسان، هو أنه بعد امتصاص غاز أحادي أكسيد الكربون من خلال الرئتين، يتحد بشكل مباشر وسريع مع خضاب الدم، وهذا يرفع من مستوى (الكربوكسيل) في الدم، ويخفض من تركيز الأوكسجين الذي يصل إلى أعضاء جسم الإنسان، وخصوصا القلب والدماغ والعضلات. ويتعطل عمل الأهداب التي تعمل على تنظيف الهواء الداخل إلى الرئتين مما يؤدي إلى حدوث أزمة خطيرة في توازن الجسم، ينتج عنها تسمم، ومن ثم الوفاة.

* غلطٌ شائع :
يغلط بعض الناس عندما يربطون وفاة هؤلاء الأشخاص بتسرب غاز البوتان مع الماء، حيث لا يمكن أن يجتمع البوتان مع الماء، لأن لكل واحد منهما أنبوب خاص به.

* سببان :
والذي ننبه عليه: أن هناك سببين للاحتراق غير الكامل للبوتان: أولهما نقص التهوية، والثاني هو جهاز التسخين نفسه، الذي قد لا يستهلك الكمية الكافية من الأكسجين.

* الوقاية :
الحل – ببساطة – هو شراء جهاز تسخين بمواصفات عالمية، وجودة عالية، كما يجب أن يُركب بطريقة سليمة، وذلك بتوفير التهوية الكافية، فيوضع الجهاز خارج المنزل، أو في مكان به نوافذ مفتوحة، ويمكن إضافة أنبوب تهوية. وكذلك لا ينبغي وضعه في المطبخ أو الحمام، أو أي مكان ضيّق.
إذا كان لون زهرة النار – عند اشتعال الجهاز – أزرقا صافيا، فمعناه أن الجهاز يشتغل بطريقة سليمة ، يجب كذلك استشارة أخصائي لصيانة الجهاز. كما يمكن وضع جهاز كشف نسبة غاز (أحادي أكسيد الكربون) في المنزل، وهذا الجهاز يُسمى (gas melder) لكنه باهظ الثمن.

* جهاز بديل :
يمكن الاستغناء عن سخان الغاز هذا، واستبداله بالسخان الماء الذي يعمل بالطاقة الشمسية أو بالسخان الكهربائي مع الحذر في توفير عناصر السلامة والأمان عند التركيب والاستخدام، لأن هذا الأخير قابل للانفجار، وهذا مكمن الخطر فيه .
يُستحسن استبدال كلّ من صمّام الأمان السفلي، وعمود المغنزيوم كل سنة كحد أقصى – أو كلما دعت الحاجة – تبعا لمدى ملوحة ماء السخان، كما يجب دائما فصل التيار الكهربائي بشكل تام عن السخان قبل إجراءات الصيانة. ولا يترك السخان مشتغلا بدون ماء. وعند ملاحظة أن (الثرموستات) لا يعمل بشكل جيد – في حال ارتفاع كبير لحرارة السخان مثلا – فيجب استبداله بالنوع نفسه الذي يوصى به الصانع.

* الإسعاف :
إذا أصيب شخص ببعض الأعراض الناجمة عن استنشاق هذا الغاز، فيستوجب إبعاده عن مكان تسرب الغاز، وجعله في مكان به أكسجين كافي، ثم الاتصال – إن لزم ذلك – بسيارة الإسعاف على جناح السرعة، ليتم إمداده بالأكسجين الخالص، أو يُنقل لأقرب مستشفى، هذا مع إغلاق مصدر تسرب غاز (أحادي أكسيد الكربون).

وامتثالا لقول رسول الهدى – صلى الله عليه و سلم – كما في صحيح مسلم : ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ))، يأتي هذا الإسهام البسيط في شرح ملابسات هذه الظاهرة الخطيرة، التي هي سبب – بإذن الله – في حصد أرواح كثيرة حول العالم. وما علينا من شيء لو أخذنا بما سلف من الأسباب، كما أمرنا الشرع، إذ لا تعارض بين التسليم لأقدار الله وأخذ أسباب الحيطة والحذر، حتى لا نلقي بأيدينا إلى التهلكة.
أرجو أن أكون قد وُفّقت في ما كتبت، وما حملني على كتابته – إن شاء الله – إلا إرادة رفع اللبس عن إخواني من المسلمين، بحكم تخصصي في علمي الفيزياء والكيمياء، والحمد لله رب العالمين.

توفيق ابراهيم
أستاذ مادتي الفيزياء والكيمياء
02/11/2016

Advertisements

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s