مقالات فسلفية

السياقة بلا رُخصة


caution__student_driver_by_zedarean

هناك رُخصٌ لسياقة كل شيء، حتى الغواصات تحت الماء، والمكوكات في جنبات الفضاء. ولكن كم منا لديه رخصة لسياقة نفسه ؟

أوَلا تحتاج هذه النفوس لمقود ومكابح ومعدّل سرعات ؟.. يكفي أن تنظر للدهماء في الشارع، لترى سيارات تتسابق بتهوّر، وتطلق لأبواقها العنان وتسفك الدماء ولا تُبالي.. أين تعلّم هؤلاء السياقة من قبل ؟ أم أنهم أطفال وجدوا سيارات فاعتلوها فرحين، وانطلقوا بأقصى ما في جهدهم، لا يلوون على شيء !

بل انظر لنفسك قبل ذلك، ولأنظر لنفسي.. هل تعلّمنا يوما كيف نسوق أنفسنا ؟ هل علّمنا آباؤنا – غفر الله لهم وجزاهم الجزاء الحسن – ؟ هل تلقيتَ من قبل دروسا مفصّلة في تقنيات مراوغة الغضب، أو طُرق مناورة الشهوة ؟ أوَلسنا إلى (رخصة) في هذه الأمور أحوج منا إلى شهادة في (التسيير الربوي للشركات) ؟

إنها التربية الغائبة عند المربين قبل المتربين.. إنها الحلقة المفقودة التي قد لا تجدها – أحيانا – حتى مع توافر المعتقد الصحيح الذي هو أساس كل شيء ! والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ولكن النظرة من داخل المجتمع لا تشمل كل أبعاد الحقيقة، إذ قد تمّ التعارف على ثوابت وقواعد وعبارات وحركات وردود أفعال ما أنزل الله بها من سلطان، ولكنها عندنا صواب، ولا نكاد نرى الصواب في غيرها. ولذلك تتواتر هذه الأخلاقيات جيلا بعد جيل.. فيقلد الطفل أباه، ثم زميله في أقسام المدرسة، ثم أستاذه في مدرجات الجامعة، ثم كاتبه المفضل بين صفحات الكتب، أو هذا المغني أو ذاك الممثل، وربما شيخ مبتدع ضال مُضلّل.. فمتى يخرج الإنسان من الحلقة المفرغة هذه ؟ متى يتوقف ليسأل ويجيل النظر فيما حوله، وينتبه قليلا لما تعلّمه وما لم يتعّلمه، ويتأمّل هذه الفوضى حوله التي يُسمّونها حياة !

ولكنه غياب النموذج المقتدى، والمثال الذي يُحتذى، وهو ما جعلنا نقود بلا رخصة، ثم نظنّ – بعدُ – أننا نُحسن القيادة !

رفعت خالد المزوضي

خواطر عن الكتابة

قصة حب..


write-what-you-love

كلُّ إخلاص وراءه حبّ دفين، لأن الحبّ هو العزاء الأخير عندما تحلّ المدلهمّات، أو تبعُد الشُقّة ويحين وقت التضحيات. خطر لي هذا وأنا أتأمل في شأن الكاتب الذي لا يجني من كتابته درهما ولا دينارا، فيم تعبه ذاك، وفيم ضيعة وقته وشبابه، بدون أصحاب يؤنسونه في بيته الصامت كالقبر وهو يكتب كالمحموم ؟ ولكن.. كل كاتب له – ولابد – مع هذه الكتابة قصة حبّ.. قصّة نشأت رويدا رويدا منذ أيام الشباب الأولى، حين كانت تأكله الحيرة، فكانت الكتابة أنسه، وخير منها الأنس بالله. وكانت مما تداوى به من بعض أسقام الدنيا، ولا دواء إلا بإذن الله. فكيف ينساها بعدُ ؟ وهل الحبيب من الحبيب يشبعُ ؟ وكيف لا يكون لها مُخلصا ؟ والحبيب للحبيب مطيعُ.. بل لو كانت هذه الكتابة امرأة لطلب الكاتبُ يدها بلا تردّد !

رفعت خالد المزوضي

بقايا القراءة

ثم لم يبق أحد !..


and-then-there-were-none-hb

إنها الرواية رقم واحد لأجاثا كريستي كما يجمع أكثر القراء، وهي التي ستجد عنوانها أول ما ستجد في صفحة الكاتبة على الكودريدز، إنها (الماستربيس) كما يطلقون على أشهر وأفضل ما أبدعه يراع كاتب، وهي كذلك فعلا، إذ يصعب نسيان جوّ هذه القصة التي أعتقد أن كل قصص (من فعلها ؟) خرجت من رحمها، وحتى بعض حلقات المحقق (كونان) التي شاهدناها في طفولتنا لا شك أنها مستقاة منها، تلك الحلقات التي يكون القاتل فيها واحدا من الضيوف..

(جزيرة الموت) أو (ثم لم يبق أحد) هي رواية من الطراز العالي لملكة الإثارة والتشويق (أجاثا كريستي)، حيث عشرة أشخاص ما بين مدعوين وخدم في قصر بجزيرة غير مأهولة، يجدون أنفسهم وسط مأزق حقيقي، فالذي دعاهم للقصر مجهول، وهم منفيون في الجزيرة تحاصرهم الرياح والأمطار، والجرائم تحصدهم واحدا تلو الآخر وفق ترتيب معين بإحدى قصائد الأطفال المعلقة على الجدران. والقاتل والأسباب والمصائر، كل أولئك مجهول.. أما التفسير الختامي لكل ما جرى فهو ما سيجعل القصة لا تُنسى أبدا.

إني لا أعتقد أن أي محب للغموض والإثارة سوف لن يعثر على هذه القصة، أو يسمع عنها بطريقة أو أخرى..

رفعت خالد المزوضي