بقايا القراءة

بين القصرين


22

كان هذا الجزء الأول من الثلاثية التي يعدّها إتحاد الكتاب العرب على رأس أحسن مائة رواية عربية كُتبت على الإطلاق. والحق أنها رواية ضخمة في حجمها، إذ يفوق عدد صفحات أجزائها الثلاثة مجتمعة ألف صفحة، وضخمة هي كذلك من ناحية أدبها وكيف كُتبت. وهي – بلا ريب – واحدة من الروايات (الكلاسيكية) التي يُقاس عليها كل ما كُتب بعدها في بابها، من روايات اجتماعية. وهي، على بلاغة لغتها، ونَفَس كاتبها الطويل في الاستطراد الذي لا يُملّ، والتعمّق الذي لا يُزعِج، والتنقل الكثير بين الأحداث والشخصيات بحيث لا يكاد القارئ يُعلن استنكارا أو انزعاجا من (قلة أدب) مشهد من المشاهد أو خيانة من خيانات شخوصها، حتى يسحره تداعي الأفكار الحالم، أو استرسال التحليلات النفسية الذكية المعمّقة، أو طرافة الحوارات الطويلة التي بلغ بعضها إثنتا عشرة صفحة متتالية ! هي على هذا كله فيها ريح خبيثة لا يُخطئها أنف من يتذوق الجمال ويعرفه، ولولا إباحية بعض المشاهد التي تحسب أن كاتبها كان سكيرا عربيدا، زيرا للنساء، وبعض الأخطاء العقدية الفادحة في القسم بغير الله، وفي تعزيز الشرك به سبحانه وتهوينه، وذكر لأدعية أو آيات في سياق المزاح والسخرية، لولا هذا لاستحقت عندي لقب الرواية العربية الأولى.

رفعت خالد المزوضي

خواطر عن الكتابة

فلسفة الكتابة


purest-lake-in-the-world-lake

أعلم أننّي أكثرتُ الحديث عن الكتابة، ولكن ما حيلتي ؟ فإن مثلي كمثل طفل لمّا يحسن التعبير بعدُ، خرج لمهرجان مليء بالألعاب والمُتع التي تخلب ألباب الصغار، فعبّ من تلك السعادة الغامرة ما استطاع أن يعبّ، ثم عاد ركضا لبيته حتى يحكي لأهله عما رأى وسمع، ولكن أنّى له التعبير ؟ وأين تراه يجد الوصف الذي يسعفه ؟ فيريد لو يخرج لهم قلبه ليروا ما رآه، موثقا بالصوت والصورة.. ولكن هيهات. فيطفق المسكين يتلعثم ويقفز ويصرخ، ليقرب لهم الصورة ما وسعه أن يفعل، والأهل غارقون في ضحكهم، يسخرون من منظره الطريف. فكذلك أجدني لما أعود من عالم الكتابة، على تواضعي وقلة زادي، لا أعرف كيف أصف الذي رأيت، وإنما أجتهد ما استطعت، فأقول – مثلا – أنه مكان أشبه ما يكون ببحيرة طويلة لا نهاية لها، تحفّها الأشجار الباسقات، وماء تلك البحيرة من الصفاء بحيث ترى القاع البعيد تتراقص فوقه الظلال تراقص الأشباح، وأنتَ تنساب فوقه بقاربك، وتحتك تمرق أفواج السمك بسلام، والجو هادئ ساكن، يلفك بهدوئه وسكونه حتى تغدو جزءا لا يتجزأ من ذاك المشهد البديع، وطرفا لا غنى عنه من جمال تلك اللوحة الزاهية، فتلمس بأناملك الماء الهادئ كأنما تلمس الجمال نفسه، وترى وجهك على صفحته كأنما هو وجه روحك ذاتها، فتراه جميلا بلا سكرة من كبر، وتُلفي عقلك متوازنا، مرتب المنطق بلا ذرة من تكلف. ثم تجعل – وأنت على تلك الحال – تصطاد بقصبتك من تلك البحيرة الدافئة، فإذا السمك يخرج في هيأة كلمات.. فيا لجمال تلك البحيرة ويا لغرابتها ! كلا بل هو شيء آخر غير الجمال، ومفهوم مغاير لمفهوم الغرابة. لأن الجمال والسعادة والغرابة كلها معان محجوزة سلفا، ولا يمكن حشر هذا الشعور الفريد بجانبها، إذ أنه ليس من جنسها، ولا يمتّ إليها بسبب من الأسباب، إلا ما كان من قياس أو تشبيه، فالفرحة والراحة والطمأنينة والسكينة، كل أولئك مشاعر من نفس العائلة، عائلة السعادة. ولا يمكن أن ندخل عليها هذا الشعور الجديد، الذي ليس من عالمنا المعاش، والذي ورطت نفسي – يا ويحها – في وصفه وتحليله.

متابعة قراءة “فلسفة الكتابة”

مقالات فسلفية

العجز عن عدم الإفساد !


images

قال خالق كل شيء: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، إنّ إلى ربك الرجعى). وجاء في تفسير الطبري رحمه الله لهذه الآيات: (يقول تعالى ذكره: ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان أن يُنعِم عليه ربُّه بتسويته خَلقه، وتعليمه ما لم يكن يعلم، وإنعامه بما لا كُفءَ له، ثم يكفر بربه الذي فعل به ذلك، ويطغى عليه، أن رآه استغنى. إن إلى ربك يا محمد مَرْجِعَه، فذائق من أليم عقابه ما لا قبل له به). اهـ

إن تكبّر الإنسان وعُجبه بما في حوزته من ممتلكات ومعارف هي ضئيلة كل الضآلة إذا ما قيست بشساعة الكون لأمر عجيب كل العجب. واستغناؤه وأمنه، بل وسعيه لتقديس نفسه و(حقوقه) فوق كل اعتبار، لدرجة (الألوهية) أعجب من ذلك وأغرب ! وإذا ما أعملنا الفكر في ما صنع هذا الإنسان منذ فجر التاريخ، وما أنشأ فوق هذه الأرض وتحتها، وكذا رحلاته (الخجلى) في السماء حواليها، من دون أن نغفل – ونحن نتفكّر – أصل الأشياء ومصادرها، فسنجد حتى هذه المخترعات والمنشآت والحلول الذكية التي أثرى الإنسان بها حياته، ما هي إلا نتائج بسيطة لاستخدامه آلة جبارة عنده.. العقل. فما أصل هذه الآلة نفسها ؟ من ابتكرها ومن أودعها جمجمته ؟ أفتمّ تركيبها في معمل بالصين، فوق بساط متحرك يمرّ عليه الناس مفتوحي الرؤوس، فتضع يدٌ آلية عقلا في كل رأس، وتختم أخرى هذا الرأس مع فروة من الشعر، وعبارة (صُنع في الصين) ؟

متابعة قراءة “العجز عن عدم الإفساد !”

مقالات نفسية

الدائرة الأنثوية


womens-power-globe-female-earth-free-image-symbol-7961

لا أدّعي الإحاطة بطبائع البشر، ولا أقول لكم أني مبرأ من كل العيوب، ولكني قد أسردُ بعض ملاحظاتي التي عرضت لي مرارا، فكنتُ أُمسك عن الحديث عنها مخافة أن تكون مغلوطة أو فيها لبس ما لم أتبينه، ولكنها لمّا تُكثر الورود عليّ يصعبُ تجاهلها، فلا أشعر إلا وأنا أخبرها أحدا من أصحابي، أو أكتبها على ورق أمامي باندفاع وحماس، كأنما لأتخلّص منها ومن صُداعها ! وقد تكون بعض هذه الملاحظات بدهية، معروفة لدى أكثر الناس، ولكني لماّ عرفتها – أول ما عرفتها – من زاويتي الخاصة، وأسقطتها على تجاربي وما مرّ أمام ناظريّ في الأيام والليالي، صارت ذات شأن عندي، وإن بقيت عند البعض بدهية وتافهة.

ومن تلك الملاحظات التي لفتت انتباهي، وشغلت فكري طويلا فارق بين شخصية الرجل وشخصية المرأة ظاهرٌ بجلاء، إلى جانب الفروقات الكثيرة بينهما التي لا حصر لها، والتي يُريد (النسونجيون) تحييدها حتى يصير الجنسان جنسا واحدا. وذلك أن معاشر الرجال كثيرا ما يخرجون عن ذواتهم ليهتموا بشتى المواضيع مُهمّها وسفسافها، ولذلك انفرد الرجال بعلوم وآداب لم تطأها أقدام الإناث إلا فيما قلّ ونَدُر، بيد أن عالم النسوة – في سواده الأعظم – محصور داخل دائرة معروفة، بائنة حدودها.. ثرثرة، حب، زواج، غيرة، تحليل (ميكروعاطفي) للكلام والصمت، زينة، ممتلكات، أواني، أكلات، أخبار الجيران دقّها وجلّها.. إلخ. وهنّ في ذلك مُشتركات مهما أنكرن، فمكثرات ومقتصدات..

متابعة قراءة “الدائرة الأنثوية”

نصوص منقولة

فيمَ أكتبُ ؟


shutterstock_173678780-690x377

(نص منقول)

بقلم شيخ العربية العلامة أبو فهر محمود محمد شاكر (رحمه الله)

  إلى أخي الأستاذ الزيات

  السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وبعد، فقد دعوتني فاستجبت لك، رضى بك وعنك. بيد أني أجبتك ساخطاً على نفسي، والجمرةُ الموقدة أبردُ مسًّا من سخطةِ امرئٍ على نفسهِ. كُنْتُ عزمتُ أن أدع هذا القلم قاراً حيث هو، في سِنَةٍ لا تنقطع، يعلوهُ صدأٌ لا ينجلي. وظللت أياماً أسأل نفسي: فيم أكتبُ ؟ فيم العناءُ والنَّصب؟ علام أُزْهِقُ أيامي في باطلٍ لا ينقشعْ ؟ 

  بقي ما كتبته لك آنفاً مُعلقاً يوماً كاملاً، حتى خِلتني مُخْلفاً لك موعدي. والساعة ذكرتُ أمراً: ذكرتُ أني ختمتُ مقالاتي المُتتابعة في الرسالة، منذ خمس سنوات تقريباً، بسؤال آخر : (لمن أكتب؟). وقُلت يومئذ إني لم أحاول قط أن أعرف لمن أكتب ؟ ولِمَ أكتبُ؟ ولكني أُحِسُّ من سِرِّ قلبي أني أكتبُ، ولا أزال أكتبُ، لإنسانٍ من الناس لا أدري من هو، ولا أين هو. أهو حيٌ فيسمعني، أم جنين لم يولد سوف يُقدر له أن يقرأني ؟ و وصفت يومئذ شراذم السَّاسة الذين لوثوا تاريخ الحياة الإسلامية والعربية، في حيثُ كان الإسلام وكانتِ العرب. ووصفتُ رجال العلم المُتعبدينَ لساداتهم من أهل الحضارةِ الفاسدةِ التي تعيشُ بالمكرِ والحقدِ والفُجور. ووصفتُ أصحابَ السلطان في الشرق، وهم حُثالة التاريخ الإنساني، ووصفت أهل الدين، إلا من رحم ربك، الذين يأكلون بدينهم ناراً حامية. وزعمتُ أنِّي لن أيأس من رجل أو رجال تُوقظهم هذه البلوى المُطبقة المُحيطة بنا، فيدفعهم حُبُّ الحياة وحب الخير، إلى نفض غبار القرون عن أنفسهم.

  ثم ذكرت هذا الرجل الذي طواه الغيب إلى ميقاته، فأنا أكتبُ لهُ حتى يخرج من غمار هذا الخلق، وينفرد من هذه (السائمة)، ليقود الشعوب بحقها لأنه منها: يشعرُ بما كانت تشعر به، ويألم لما كانت تألم له، وينبضُ قلبهُ بالأماني التي تنبض به ضمائر قلوبها. رجل خلطت طينتهُ التي منها خُلق؛ بالحرية. فأبت كل ذرةٍ في بدنهِ أن تكون عبداً لأحد من خلق الله. يسير بين الناس، فتسرى نفسه في نفوسهم، وتموج الحياة يومئذ بأمواجها، ثم لا يقف دُونها شيء مهما بلغ من قوته وجبروته. وزعمتُ أن الشرق العربي والإسلامي، ينتظر صابراً كعادته هذا الرجل، وأننا قد أشرفنا على أمرٍ قد كتب الله علينا فيه أن نجاهد في سبيله، ثم في سبيل الحق والحرية والعدل، لأننا نحن أبناء الحق والحرية والعدل، قد أرضعنا الدهر بلبانها منذ الأزل البعيد.

متابعة قراءة “فيمَ أكتبُ ؟”

شذرات

هُم أمنُهُم مُقَدّم..


max_geller-620x412

قمع عنيف لمظاهرات أمريكيين ضد نجاح ذلك المهرّج “ترامب”، ولا حديث ثمة عن (حقوق الإنسان) وما أشبه من تلك الموالات التي صدعوا بها رؤوسنا.. هُم أمنهم مُقدّم، وأمننا نحن منهار، مُهدّم ! أفلا نبعث نحن أيضا بطائراتنا وجنودنا لتقصفهم، وتهدم العمارات فوق رؤوسهم بحجة الانتصار لحقوق الإنسان، ورغبة الشعب المقموعة ؟ أم أن ذلك حلال لهم، وعلينا محرم ممنوع ؟ أم تراهم من جنس آخر فوق مستوى البشر ؟ ولكنهم قوم – على مكرهم – يعرفون مصالحهم كل المعرفة، ويحسبون خسائرهم بالدولار والسنتيم قبل كل خطوة يقدمون عليها، أما نحن – هدانا الله – فلا معرفة ولا حكمة ولا حتى مكر الذئاب عندنا، وإنما نعاج نحن، نُساق إلى المذابح مذعنين صاغرين كلما اشتهى ذابحونا لحومنا ليفترسوها وأصوافنا ليتدفأوا بها.. ولو تمسكنا بديننا وجماعتنا التي وصانا الله ورسوله بالتمسك بها لما أصابنا ما أصابنا، والله المستعان.

رفعت خالد المزوضي

كتابات بعض إخواني

الربيع العربي !.. ماذا بعد؟


4708434_max

بقلم أخي العزيز (توفيق إبراهيم)، وفقه الله

  بسم الله الرحمن الرحيم
 الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد وآله وأصحابه. أما بعد:
 قال الله عز وجل: [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا] (الحشر 7)، وقال صلى الله عليه و سلم ((ألا إِنِّي أُوتِيتُ الكِتابَ ومِثْلَهُ معه)) (صحيح الجامع 2643 )، مثله معه يعني السنة النبوية الصحيحة، وقال أيضا صلى الله عليه و سلم : ((تركتُ فيكم أمريْنِ لن تضلُّوا ما تمسَّكْتُم بهما : كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِه))، (التوسل 16)، وقال صلى الله عليه و سلم: ((فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ الراشدين المَهْدِيين، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ وإيَّاكم والأمورَ المُحْدَثاتِ؛ فإن كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ)) (صحيح ابن ماجه 40).
  يخبرنا الله سبحانه و تعالى ونبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بضرورة التمسك بالكتاب و السنة في جميع أحوالنا من يسر وضيق وفرح وحزن و عدل وظلم، وجميع مسارات الحياة في هذه الدنيا الملعونةٌ، الـملعونٌ ما فيها، إلا ذكرُ اللهِ وما والاهُ، وعالمٌ أو متعلمٌ، كما جاء في الحديث النبوي المعروف.
  إذا نحن اعتصمنا بحبل الله المتين فزنا وأفلحنا دنيا وآخرةً، لكن هذا الفوز لا يروق للملل والنِّحل الأخرى التي على غير ديننا، حسدا من عند أنفسهم. ولذلك فهم يكيدون ليل نهار لهذه الأمة في شتى مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، من خلال افتعال (الفوضى الخلاقة) – كما يسمّونها – وحقن الشر الذي يسري بين أفراد المجتمع المسلم الواحد، حتى صرنا على خلاف قول رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم: ((مَثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم، مَثلُ الجسدِ. إذا اشتكَى منه عضوٌ، تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى)) (مسلم 2586)، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((المؤمِنُ للمؤمنِ كالبُنيانِ، يشُدُّ بعضُه بعضًا. ثم شبَّك بين أصابِعِه)) (البخاري 6026)، وقوله صلى الله عليه و سلم ((والجماعةُ برَكةٌ، و الفُرقةُ عذابٌ)) (صحيح الجامع 3014)، والأحاديث في هذا كثيرة، تحثُ جميعها على الاجتماع والجماعة، وتُدين الفرقة و الخلاف. متابعة قراءة “الربيع العربي !.. ماذا بعد؟”

مقالات فسلفية

السياقة بلا رُخصة


caution__student_driver_by_zedarean

هناك رُخصٌ لسياقة كل شيء، حتى الغواصات تحت الماء، والمكوكات في جنبات الفضاء. ولكن كم منا لديه رخصة لسياقة نفسه ؟

أوَلا تحتاج هذه النفوس لمقود ومكابح ومعدّل سرعات ؟.. يكفي أن تنظر للدهماء في الشارع، لترى سيارات تتسابق بتهوّر، وتطلق لأبواقها العنان وتسفك الدماء ولا تُبالي.. أين تعلّم هؤلاء السياقة من قبل ؟ أم أنهم أطفال وجدوا سيارات فاعتلوها فرحين، وانطلقوا بأقصى ما في جهدهم، لا يلوون على شيء !

بل انظر لنفسك قبل ذلك، ولأنظر لنفسي.. هل تعلّمنا يوما كيف نسوق أنفسنا ؟ هل علّمنا آباؤنا – غفر الله لهم وجزاهم الجزاء الحسن – ؟ هل تلقيتَ من قبل دروسا مفصّلة في تقنيات مراوغة الغضب، أو طُرق مناورة الشهوة ؟ أوَلسنا إلى (رخصة) في هذه الأمور أحوج منا إلى شهادة في (التسيير الربوي للشركات) ؟

إنها التربية الغائبة عند المربين قبل المتربين.. إنها الحلقة المفقودة التي قد لا تجدها – أحيانا – حتى مع توافر المعتقد الصحيح الذي هو أساس كل شيء ! والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ولكن النظرة من داخل المجتمع لا تشمل كل أبعاد الحقيقة، إذ قد تمّ التعارف على ثوابت وقواعد وعبارات وحركات وردود أفعال ما أنزل الله بها من سلطان، ولكنها عندنا صواب، ولا نكاد نرى الصواب في غيرها. ولذلك تتواتر هذه الأخلاقيات جيلا بعد جيل.. فيقلد الطفل أباه، ثم زميله في أقسام المدرسة، ثم أستاذه في مدرجات الجامعة، ثم كاتبه المفضل بين صفحات الكتب، أو هذا المغني أو ذاك الممثل، وربما شيخ مبتدع ضال مُضلّل.. فمتى يخرج الإنسان من الحلقة المفرغة هذه ؟ متى يتوقف ليسأل ويجيل النظر فيما حوله، وينتبه قليلا لما تعلّمه وما لم يتعّلمه، ويتأمّل هذه الفوضى حوله التي يُسمّونها حياة !

ولكنه غياب النموذج المقتدى، والمثال الذي يُحتذى، وهو ما جعلنا نقود بلا رخصة، ثم نظنّ – بعدُ – أننا نُحسن القيادة !

رفعت خالد المزوضي

خواطر عن الكتابة

قصة حب..


write-what-you-love

كلُّ إخلاص وراءه حبّ دفين، لأن الحبّ هو العزاء الأخير عندما تحلّ المدلهمّات، أو تبعُد الشُقّة ويحين وقت التضحيات. خطر لي هذا وأنا أتأمل في شأن الكاتب الذي لا يجني من كتابته درهما ولا دينارا، فيم تعبه ذاك، وفيم ضيعة وقته وشبابه، بدون أصحاب يؤنسونه في بيته الصامت كالقبر وهو يكتب كالمحموم ؟ ولكن.. كل كاتب له – ولابد – مع هذه الكتابة قصة حبّ.. قصّة نشأت رويدا رويدا منذ أيام الشباب الأولى، حين كانت تأكله الحيرة، فكانت الكتابة أنسه، وخير منها الأنس بالله. وكانت مما تداوى به من بعض أسقام الدنيا، ولا دواء إلا بإذن الله. فكيف ينساها بعدُ ؟ وهل الحبيب من الحبيب يشبعُ ؟ وكيف لا يكون لها مُخلصا ؟ والحبيب للحبيب مطيعُ.. بل لو كانت هذه الكتابة امرأة لطلب الكاتبُ يدها بلا تردّد !

رفعت خالد المزوضي

بقايا القراءة

ثم لم يبق أحد !..


and-then-there-were-none-hb

إنها الرواية رقم واحد لأجاثا كريستي كما يجمع أكثر القراء، وهي التي ستجد عنوانها أول ما ستجد في صفحة الكاتبة على الكودريدز، إنها (الماستربيس) كما يطلقون على أشهر وأفضل ما أبدعه يراع كاتب، وهي كذلك فعلا، إذ يصعب نسيان جوّ هذه القصة التي أعتقد أن كل قصص (من فعلها ؟) خرجت من رحمها، وحتى بعض حلقات المحقق (كونان) التي شاهدناها في طفولتنا لا شك أنها مستقاة منها، تلك الحلقات التي يكون القاتل فيها واحدا من الضيوف..

(جزيرة الموت) أو (ثم لم يبق أحد) هي رواية من الطراز العالي لملكة الإثارة والتشويق (أجاثا كريستي)، حيث عشرة أشخاص ما بين مدعوين وخدم في قصر بجزيرة غير مأهولة، يجدون أنفسهم وسط مأزق حقيقي، فالذي دعاهم للقصر مجهول، وهم منفيون في الجزيرة تحاصرهم الرياح والأمطار، والجرائم تحصدهم واحدا تلو الآخر وفق ترتيب معين بإحدى قصائد الأطفال المعلقة على الجدران. والقاتل والأسباب والمصائر، كل أولئك مجهول.. أما التفسير الختامي لكل ما جرى فهو ما سيجعل القصة لا تُنسى أبدا.

إني لا أعتقد أن أي محب للغموض والإثارة سوف لن يعثر على هذه القصة، أو يسمع عنها بطريقة أو أخرى..

رفعت خالد المزوضي

بقايا القراءة

القضية الكبرى !


18216940

فعلا إنها (القضية الكبرى) ! كما هو عنوان إحدى ترجمات هذه الرواية، وهي من أروع وأبدع الروايات البوليسية التي قرأت، ولعلها رقم واحد حتى الآن. ولا أريد الجزم، حتى إذا ما قرأتُ رواية تفوقها إتقانا لا تتكرر في مراجعاتي (المرتبة الأولى) لأحسن روايات الألغاز في نظري..

أنا – وكما قلت في مراجعتي لرواية بيت الحرير الرائعة – لا أعرف كيف يكتبون أدب الألغاز هذا ! أعتقد أن معاناة كتابة رواية واحدة من هذا اللون كمقدار معاناة عشر روايات مما يكتبه الروائيون. وإنّ أتعاب رواية عادية واحدة لجديرة بحمل وصف (معاناة) !

كمية مرعبة من التفاصيل والترابطات، ثم عليك ألا تجعل السرد مملا، أما الأدهى من كل ذلك هو استبعاد الاستنتاجات الطبيعية التي يمكن أن يهتدي إليها كل قارئ، أما إذا ما أردت التربع على عرش الأدب البوليسي مكان (أجاثا كريستي) فعليك أن تستبعد الاستنتاجات التي يهتدي إليها أذكى الناس ! باختصار يجب أن تكون عبقريا لكتابة مثل هذه الرواية المتكاملة، والتي تدور أحداثها الماتعة في ردهات قصر فخم لإحدى الثريات، حيث ستقع جريمة نكراء ذات ليلة، وسيشهد أكثر أهل القصر لحظات ضحيتها الأخيرة وهي تحتضر متشنجة، وأما الذي ارتكب هذه الجريمة فقد ارتكبها مع معاون له بأخفى الطرق التي يمكن أن تخطر على بال.

وهذا المجرم ذكي جدا بحيث يستحيل استنتاج هويته خلال مجريات القصة، كما يستحيل رؤية بقعة في جذر أذنك، حتى لو نظرت في المرآة متفحصا، ما لم يخبرك بها محقق بلجيكي عبقري.. قصير القامة، مفتول الشارب، غريب الأطوار، خفيف الحركات، سريع الانفعال، حادّ النظرات.. اسمه (هركيول بوارو) !

رفعت خالد المزوضي