شذرات

إغتصاب لغوي !


%d8%a3%d9%84%d9%81-%d8%a8%d8%ad%d8%b1%d9%88%d9%81-%d9%83%d8%ab%d9%8a%d8%b1

ليس بعيدا انقراض الحرف العربي من كتاباتنا ورسائلنا اليومية. وإنه قد تأكّد عندي – منذ زمن – أن بني جلدتي لم يكونوا يستعملون الحروف اللاتينية اضطرارا كما كنت أظن من قبل، حين كان العثور على لوحة مفاتيح عربية للحاسوب أو الهاتف النقال أمرا لا يخلو من عناء. أما وقد صارت الهواتف الذكية اليوم متوفّرة عند أكثر الناس، وصارت لوحات المفاتيح المستعملة لكتابة الرسائل والدردشة أغلبها افتراضية، تدعم أكثر لغات الأرض، فقد زال العذر الواهي ذاك، وتبيّن أنّ عدم استعمال أكثر العرب للحروف العربية ليس اضطرارا في الحقيقة، وإنما كان ولا يزال اختيارا ! فبمحض إرادته يكتب أحدنا اليوم (Hmd) بدل (الحمد لله) و(CV ؟) بدل (كيف حالك ؟) و(Mrc) عوض (شكرا)، إلى غير ذلك من هذه الركاكة المقرفة التي تنبئ عن جيل تافه، لا ذوق له ولا لون ولا رائحة للأسف، كما تُنبئ عن خطر انقراض الحرف العربي من حياتنا اليومية في مستقبل السنين – لا قدّر الله – كما حدث مع الأتراك سابقا.. ولكن من يُبالي ؟

رفعت خالد المزوضي
Advertisements
شذرات

ألا نرتاح من الراحة ؟!


2c2056e3-ab37-4b18-b9a8-d9612c457040

ما أكثر حبّنا للهو والراحة واللغو والاستراحة ! بل هل تُرانا نفعل غير هذا ؟ فُسحة في مواقع التواصل، فُسحة في الهاتف الجوال، فُسحة في المقهى، فُسحة في العمل.. فُسحة مع إفطار الصباح وكذلك فُسحة بليل ! والمخيف أن أوقاتنا هذه التي نذبحها ذبحا، نحن مسؤولون عنها يوم القيامة فبماذا تُرانا سنجيب السؤال ؟ وأيّ عذر نختبئ وراءه فنتقي به العقاب، ويشفع لنا بين يديّ الحساب ؟ ليت شعري، إن هذا الموضوع لمن عينة تلك المواضيع التي نشعر بمثل الوخز في القلب كلما ذكرناها أو ذكرها بعض أصحابنا وإن ذكرا عارضا، أو صدح بها الخطيب من فوق منبره يوم الجمعة، ثم ننساها وكأنا لم نحط بها خُبرا ! ولكن الذكرى لابد نافعة للمؤمنين، فعسى هذه المقالة تنفع كاتبها وقارئها، أو أحدهما نفعا ما، وما لا يُنال كلّه لا يُترك جلّه بكل حال. والحمد لله الكبير المتعال.

رفعت خالد المزوضي

21-10-2016

مقالات فسلفية

حياة بلاستيكية !


%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9-%d8%a8%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%8a%d9%83%d9%8a%d8%a9

في عصرنا المالي بامتياز صارت كل فكرة من شأنها أن تدرّ دراهما مرحبا بها، فظهرت علوم جديدة مشتقة عن علوم، وبرزت اختصاصات داخل اختصاصات، وصارت المدارس تُدرّس ما لم يكن الأولون في حاجة لدرسه !

فالثقة في النفس لها دروس وكتب اليوم، مع ما في هذا المفهوم من تضخيم وتقديس للنفس البشرية التي هي دون ذلك بكثير. وصارت ثمة دورات في طرق إقناع الزّبون والتحايل عليه بكل سبيل ممكن، ودورات في ماهية القراءة، ومحاضرات تتساءل عن ما هو الكتاب ؟ وما المدينة ؟ وما الإنسان ؟ ولماذا نلبس الملابس ؟ وكتب لها عناوين على غرار (الأولوية للأولويات) ! وقد تجد لافتة تدعوك لحضور محاضرة بعنوان (ماذا يريد الطفل من أمه ؟)، وكأن هناك من يعتقد أن الطفل يريد من أمه حلا سياسيا للأزمة بين الهند وباكستان مثلا !

“كثرة القوانين تقتل القوانين” فعلا، كما يقول الفرنسيون عن الشيء إذا زاد عن حدّه، وهذا ما وقع في زماننا، فافتُعلت علوم ودراسات لا داعي لها من الأساس، إلاّ داعي الجيب.. حتى ما عادت للإنسان تلك الفسحة لاكتشاف الأشياء لوحده، وتكوين ذوق خاص ورأي من عند نفسه..

أما الطامة الكبرى أن هذه الاجتهادات المتحذلقة طالت حتى دين رب السماوات والأرض الذي ارتضاه لعباده، فخرجت علينا قراءات جديدة للقرآن، وتفسيرات عصرية لسنة العدنان عليه أزكى صلاة وسلام. فأين يذهب هذا الإنسان ؟ وهو حيثما تلفّت يجد عشرات القوانين ؟ وماذا يأخذ أم ماذا يدع في هذه التفسيرات والقواعد التي تلاحقه حيثما يمّم وجهه ؟

خلاصة المقال أن إنسان هذا الزمان قد ابتعد في طريقه جدا عن الفطرة الأصيلة وأصول الأشياء، لمّا انبهر بالعلوم الحديثة، وشغف قلبه سنا بريق الدرهم والدينار.. فصرنا نحيا حياة لا كحياة الأسلاف الساخنة الطريّة، التي كانت لها رائحة الرّوض الممطور.. فصارت حياتنا اليوم باردة، وصارت ورودها الاصطناعية تفلة من غير عطور ! فكأنها (حياة بلاستيكية) مُعلّبة، ومكتوب على علبتها: (تعلّم قوانين الحياة الجديدة في عشرة أيام بدون معلّم) !

رفعت خالد المزوضي

21-10-2016

قصص رعب

ممنوع دخول البشر !


%d9%85%d9%85%d9%86%d9%88%d8%b9-%d8%af%d8%ae%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b4%d8%b1

(قصة قصيرة)

-1-

ألقيتُ بثقلي فوق الكرسيّ الدوّار، وقد وضعتُ قدح القهوة بجانب لوح المفاتيح..

هي جلستي الليلية المعتادة أمام شاشة الحاسوب، بعد الفراغ من العشاء الأسَريّ البسيط، وبعد كلام يسير نتجاذب أطرافه حول مكان المخيم القادم، أو تداعيات القصف السوري لسوريا ! أو لغز اختفاء صندوق النفايات من مكانه برأس الحي، أو ارتفاع سعر البصل وعلاقته بالربيع العربي.. أو أيّ موضوع آخر من وحي الساعة أو إلهام الملل. بعدها أصعد الدّرج بحماس إلى الطابق الثاني، حيث بيتي العزيز وحاسوبي الحبيب، وليلة أخرى من الليالي الطويلة المفعمة بالمحادثات الماتعة، واللقطات المضحكة، والأخبار الغريبة، والفضائح المريبة.. وهلمّ جرا.

أما البيتُ فمبعثر غاية البعثرة، يُذكرني – دوما – بالأطلال كلما ألقيتُ عليه أول نظرة، كما تذكرني كلمةُ (الأطلال) به إذا سمعتها أول مرة. ربما لو دخل عليّ الآن مجنون ليلى لدمعت عيناه، وجلسَ على كومة من ثيابي يبثّ هواه لليلاه، وينشد بيتا خالدا يذكرُ فيه كلمة (أطلال) !

حاولتْ أمي – وبعدها أختي – فهم هندسة بيتي، وسط كل هذه الفوضى ولكن كان ذلك بلا جدوى. حاولا العثور على حلّ جذري لترتيب ملابسي وجواربي ودفاتري، ولكن هيهات. فما كانت محاولاتهما إلا (كناطحٍ صخرةً يومًا ليُوهنها، فلم يضرها وأوهن قرنه الوعلُ)  !

وأما هذا الحاسوب الذي أجلسُ أمامه الآن، وأكتبُ عليه ما تقرأون، فأمره عجيب لا ينقضي منه العجب.. فلكأني به يختزل أكثر دنيانا وراء شاشته. يمتصّها امتصاصا من الهواء، ويشربها من الحيطان فتسري منه في الأمعاء.. أو يلتقطها من الأثير لاقطٌ مثبّت بداخله، كأن داخله بسعة السماء ! وتأتي أنتَ لتُلقي بجسمك عبر الشاشة، وتسبحُ هنا وهناك بلا قيد كالحوت في البحر.. أو تُطلّ على هذا البلد أو ذاك من مكانك، كأنما تطلّ من شرفة برج عاجيّ، ثم إذا ما سئمت أو أضجرك المنظر، غلّقت النافذة، وقصدت شرفة أخرى. أو تراك تُبحر بسرعة البرق تحت المحيطات، كأنما أنت عِفريت أزرق ! فتصل الطرف الآخر من العالم قبل أن يرتدّ إصبعك من لوح المفاتيح  !

Continue reading “ممنوع دخول البشر !”