الجنسية المستحيلة 7 – الأخيرة


desktop-1406691652

الفصل الأخير

-7-

الكرسي والمرآة !

أين يكون المرء وهو يكتب ؟!..

أنظر للساعة على الحائط في رعب مستطير وقد رُدّت عليّ حواسّي فجأة.. فسمعتُ غليان الماء فوق الموقد وقد نُسّيته، إذ كنتُ أودّ شرب كأس أو كأسين من الشاي الرديء الذي ألِفته، لكن لا وقت الآن لمثل هذا الترف ؟

مستعجلا، منفعلا، مرتجلا – وقل ما بدا لك بعدُ من هذه الأوصاف – قمتُ أركض نحو المطبخ لأطفئ الموقد وأنا أُسقِط كل ما في طريقي كثور هائج لا يلوي على شيء..

ألهث وأركض وأتعثر..

أتعثر وأركض وألهث..

بقيتْ سبع وعشرون دقيقة على الموعد، وعليّ الخروج حالا..

وضعتُ بعجالة في حقيبة الظهر السوداء خاصتي، أشياء متفرّقة كنت أعددتها من قبل.. مسجل صوتي، خنجر طويل، مصباح يدوي، بطاريات احتياطية، غطاء، قارورتا ماء – ملأتهما من الصنبور طبعا -، عُلب سردين “معلبّ” وأشياء أخرى من هذا القبيل !.. ألستُ ذاهبا إلى بلاد الجان ؟

كدتُ أصطدم بالشمطاء في الدرج وهي تصعد مقوسة الظهر ببطء مثير للأعصاب..

– تبا لك أيها المنحوس.. ما الذي يُثير عجلتك إلى هذا الحد ؟ هل صرت عفريتا من الجن ؟

– تقريبا..

قلتُها ولم ألتفت لنظرتها من فوق كتفها وقد أثار حفيظتها ردّي الوقح..

– اذهب، أنا أريد لك كسرا في…

ولم أسمع تتمة دعوتها الخبيثة فقد كنتُ خارج البناية أشير إلى أول سيارة أجرة لاحت لي بلهفة كأنما هي آخر سيارة في العالم..

قلت وأنا أدلف السيارة بعنف:

– غابة (بوسكورة) من فضلك.. الآن !

– ولكني لستُ ذاهبا…

– الآاااااان !

* * *

غابة (بوسكورة) هي واحدة من الغابات الكبيرة في المغرب.. تقع في مشارف مدينة الدار البيضاء. وهي مزار للعائلات في نهايات الأسبوع، إلا أنها كثيرة الأدغال ومن السهل أن تتيه وسط أحراشها المتشابكة، وهي مكان جيد لمن أراد قتل أحدهم وإخفاء جثته !

توقفت السيارة ونزلتُ بثورة كما دخلتُ غير عابئ بشتم السائق وتذمره.. رميتُ من نافذة الباب ما في جيبي من مال دون أن أنظر كم كان ثم انصرفت، ولاشك أنه كان أكثر من الأجرة بكثير إذ أن وجه السائق استبشر وتهلّلت أساريره ثم انطلق بعربته البيضاء لا يلوي على شيء !

تبا لكم ولماديّتكم البغيضة !

نظرتُ في ميناء ساعتي.. ستّ دقائق متبقيّة !

أخرجت المسجل من محفظتي بلهفة.. وبدأت أركض، لا أدري إلى أين، إنما كنتُ أبذل قصارى جهدي كي لا أخلف الميعاد، فلا أذكر أني تخلفّت عن موعد في حياتي أبدا !

أركضُ وقد توغّلتُ وسط الأشجار الكثيفة.. رأيت أناسا هنا وهناك، أغلبهم كانوا يستعدون لمغادرة الغابة بعد نزهة يوم ممتعة..

موائد من خشب، سطول قمامة، كتل أحجار متكتلة وسطها حطب محروق، حيثُ أنضج الأهالي طعامهم.. ليتني جئت هنا للنزهة مثلكم !

لازلت أركض وأرى الأشجار تركض باتجاهي هاربة من شيء ما !.. أتلفّتُ يمنة ويسرة وأنظر في ميناء الساعة كل عشر ثوان تقريبا..

ضغطتُ زر المسجّل الأحمر وبدأت أصف ما أشاهده بصوت لاهث راجف..

” أتوغل الآن أكثر.. لم.. لم أعد أرى بشريا.. المكان موحش.. جدا ! “

وهكذا لم أتوقف عن العدو، ما دمتُ لم أصل الساحة الكبيرة وسط الغابة التي (وصفها) لي !

الصمتُ صار كثيفا، صرت أسمع صوت خطواتي على الأوراق اليابسة أكثر وضوحا، حتى زقزقة العصافير المنعشة توقفت.. والأشجار كأنما ازداد طولها !  

توقفتُ ألهث.. وأنا مُنثنٍ على نفسي، أقبض على ركبتي..

بقيتْ دقيقة واحدة ! بل أربعون ثانية على وجه التحديد.. الآن تسعة وثلا.. ثمانية وثلاثون !

” أنا أريد لهذا أن ينتهي.. لا.. لا مزيد من الزيارات والرعب في حياتي، إما أموت هنا أو أعود سالما لبيتي.. لا أريد جنسيتهم، لا.. لا أريد خدمتهم، لا أريد كتبهم.. أعوذ.. أعوذ بالله من شرهم وكيدهم ! سـ.. ”

وهنا.. سمعت صوت الركض من خلفي !

تصلّبت عيني على حشائش الأرض، وتوقفتُ عن الكلام في المسجّل ثم التفتُّ ببطء أنظر أسفل إبطي !.. لا شيء هنالك سوى جذوع الأشجار الغليظة الواقفة وقفتها الأبدية..

وبعد قليل لمحته ! كأنه قزم ذو شعر طويل !.. ركض بسرعة لا تصدّق وتوارى خلف جذع من الجذوع.. هل كان لونه أسودا ؟

اللعنة ! السائل الدافئ إياه يسيل بهدوء على ساقيّ.. أدنيتُ المسجّل من فمي بيد راجفة وأنا منحنٍ لا أزال، وقلتُ بصوت خافت جدا:

” رأيتُ جنيا.. رأيته الآن… إنه وراءي !  “

* * *

صوتٌ خشن من خلفي قال بالدارجة المغربية أن “تقدّم” !

لم ألتفت وتقدّمتُ وأنا أتوقّع “الوفاة” في أيّة لحظة من فرط الرّعب.. جو شيطاني مريع يملأ المكان.. إنها نهايتي بلا شك !

وبعد مدة لا بأس بها وأنا أخطو بتهالك وأعصابي مجمدة تماما ونفسي مضطرب.. رأيتُ الساحة التي كنتُ عنها أبحث..

ساحة شاسعة مليئة بالحشائش الصفراء اليابسة، تُحيط بها جيوش الشجر في دائرة كبيرة.. وفي جنباتها كتل من العظام والأحجار مشكّلة رموزا عجيبة.. عرفتُ بعضها فيما قرأته في تلك الكتب !

وسط الساحة كان ثمة كرسيّ أخضر عتيق من تلك الكراسي المبطّنة المريحة، وكانت عليه مرآة ذات إطار مذهّب !

أي شيء هذا ؟..

توقفتُ عند مدخل تلك الساحة لا أقوى على إدارة رأسي إلى أي اتجاه.. خصوصا اتجاه الخلف، حيث يقتادني ذلك الشيء !

ربما تكون هذه محكمة من محاكمهم.. هذا قد يفسّر الكرسيّ بالوسط، فلعلّه يخصّ القاضي !

ثم بدأت أرى أشياء تتحرك على جنبات الساحة.. أقزام سود مثل ذاك الذي رأيت تخرج من بين الشجر وتتقدم بخطوات عجيبة إلى وسط الساحة..

ارتجف قلبي وكاد يبلغ مني الحلقوم.. ولما رأيتُ غاية ما أتحّمل، لما رأيتُ بطونهم الملساء التي لا (عورة) فيها !  ورأيتُ الشعر الطويل ورأيتُ المخالب، ورأيت الوجوه.. أغمضت عينيّ بقوة.

ركبتاي قد تتخليان عني في أية لحظة.. أعتصر المسجل في يدي كأنما أعتصر قلبي.. ليته كان يسجل الصور أيضا !

يقول لي الذي خلفي تقدّم فأتقدم بخطى مترددة وأنا مغمض العينين.. هذا ليس عدلا، لا ينبغي أن أرى هذا.. كنت أتوقع قططا فإذا بي…

” تقدّم “..

تعوّذتُ بالله في سرّي فصرخ الذي خلفي بجنون..

” أسكُت ! “..

إذا فهم كُفّار.. قاتلهم الله !.. وهل تكون تلك الكتب إلا لكفّار ؟

وهنا.. في وسط جحيم الرعب هذا الذي أُساق إليه حدث أغرب شيء وآخر ما أمكنني توقّعه..

صوتٌ مألوف قادم من وراءي.. يتلو القرآن !

أسامة !

* * *

ارتفعت تلاوة أسامة المتقنة للقرآن وهو يقترب من جهة الخلف.. ولما استدرتُ لم أجد الذي كان يقتادني ووجدتُ أسامة يمشى نحوي مهرولا بين خيالين.. خيال رجل ضخم وخيال جسد قصير ممتلئ. فأما الضخم فرجل لم أعرفه وأما القصير فكان بنتا لما حققتُ أكثر.. روقية !

ما حدث بعدها.. عجيبٌ غاية العجب ! هرب القوم الذين جاءوا بسرعة لا تُعقل وهم يولولون.. واهتزّ الكرسي مكانه وانقلب، وسقطت المرآة – التي لم أعرف ماذا كان المراد منها لحد الساعة – واشتعلت النيران في الكرسي.. حتى تفحّم بالكامل !

– أعوذ بالله من شرّ ما خلق.. أعوذ بالله العلي العظيم..

– بسم الله الرحمن الرحيم..

– هل أنت بخير يا بني ؟

قال هذه الرجل الضخم ذو الكرش الناتئ والشارب الكثيف:

– نعم.. نعم بخير، شكرا، شكرا..

– لا تبك فقد انتهى كل شيء..

مسحتُ عينيّ اللتان سالتا لوحدهما بالدموع تعبيرا عن الفرحة الكبيرة.. فرحة النجاة..

ابتسمت روقية وقالت بلطف:

– كل شيء بخير يا نبيل.. أقدّم لك عمي.. مصطفى

صافحت ذو الكرش وقلتُ له كلاما مرتبكا لا أذكره..

ثم تساءلت لما استفقت من صدمتي شيئا قليلا:

– ولكن كيف ؟..

وقاطعني أسامة الذي كانت علامات الخطورة على وجهه:

– هيا نغادر هذا المكان اللعين حالا.. نتكلم فيما بعد..

وفي سيارة العم مصطفى فهمت كلّ شيء..

بالأمس لما وجدتني روقية مغمى عليّ قرب الباب والمفتاح ملقى بجانبي.. نادت عمّها مصطفى الذي حلّ عندهم ذلك اليوم فحملني إلى بيتهم ليُعنوا بي، ونزلت بعد ذلك حاملة المفتاح لتدخل البيت في غيابي.. وهناك اكتشفت قصتي كاملة في الأوراق على المكتب، ولا شك أنها قرأت (اعتذاري) الذي لم أبعثه إليها، وهذا يوضّح ارتياحها و(مسامحتها) لي..

ثم راقبتني – كأي ّ بنت في العالم – إن كنتُ سأخرج للموعد المشؤوم أم لا.. قالت لي فيما بعد أنها لم تتوقع مني كل هذه (الشجاعة)، إذ قدّرت أني لن أذهب.. لكنها كانت أعدّت الخطة (باء) – كأي بنت في العالم أيضا – وأخذت رقم أسامة من هاتفي للطوارئ، بعدما عرفت من يومياتي أنه صديقي الوفي.. وأنه كان رقاني في ما سبق.

وما إن رأتي اليوم من نافذتها أركضُ ملهوفا في الشارع كي أوقف سيارة الأجرة وسمعتني ألفظ اسم الغابة حتى فهمت كل شيء، واتصلت بأسامة على الفور..

وجاء هذا على الأثر ليجد سيارة العم مصطفى (أبو كرش) تنتظر.. وكان الفرق بيننا حينها حوالي نصف ساعة !

قلتُ وأنا في المقعد الخلفي للسيارة:

– أشكر لكم جميعا.. أنا فعلا ممتن لجميعكم، وخاصة روقية.. أشكرها خالص الشكر على فضولها الكبير، فلم أتوقع يوما أن يكون الفضول مفيدا إلى هذا الحدّ !

وضحك الجميع..

* * *

” أتوغل الآن أكثر.. لم.. لم أعد أرى بشريا.. المكان موحش.. جدا ! “

– أغلق هذا الجهاز اللعين.. ألن تنسى بعد كل هذه السنوات ؟

قالتها لي روقية وأنا ممدّد على الفراش أمسك جهاز التسجيل بين يدي أتأمله بسهوم.. ثم قلتُ دون أن أزيل ناظري عن الجهاز:

– تذكرين ذلك اليوم يا حبيبتي ؟

التفتت باسمة من مكانها – أمام مرآة التزيين – وتساءلت:

– أي يوم ؟ تقصد…

– يوم كنا في السيارة مع عمك مصطفى..

تنهّدت وعادت بوجهها إلى المرآة وهي تقول:

– طبعا.. أذكره جيدا..

– لما نزلنا قرب منزلكم وبقينا لحظات صامتين، ثم رأيتك تضغطين على يد عمك ليتنحنح ويقول: “هل أنت خاطب يا ولدي ؟”

– ههه.. نعم، نعم.. أذكر.

– هنا احمرّ وجهك وأنزلت بصرك للأرض كأنك تطلبين منها أن تبلعك..

– ههه.. تقريبا

– فقلتُ أنا وقد فهمتُ كلّ شيء.. “كلا لستُ خاطبا لكن يبدو أني سأخطب للتو..”

وسكتُّ برهة وأنا أبتسم متذكرا، ثم استطردتُ:

– أوَ تدرين السبب الرئيس وراء زواجي منك يا روقية ؟

التفتت ممسكة أحمر الشفاه بيدها وهي تقول:

– ما هو ؟

– تلك البسطيلة العبقرية التي أعددتها ذلك اليوم..

ثم أقبلت تضربني بدلال وهي تضحك..

 

(تمت)

والحمد لله

07-04-2016

 

رفعت خالد المزوضي

Advertisements

2 thoughts on “الجنسية المستحيلة 7 – الأخيرة

  1. لديك خيال خصب وأسلوب ﻣﻤﻴﺰ ﻭﺭﺍﺋﻊ الأحداث ﻣﺸﻮﻗﺔ ﻭممتعة، النهاية السعيدة كانت مفاجئة للغاية ولكنها سريعة جدا ^_^… وفقك الله

    Liked by 1 person

    1. بارك الله فيكم.. أشكر لكم ^^
      أما النهاية السريعة فقد رأيتُ أن أجعلها كذلك حتى تصدم القارئ ثم لا يخرج من مفاجأتها سريعا.. النهايات البطيئة تجعلها مسطحة وليست (حادّة) كما أفضّلها، هذه النهايات (المسطّحة) يخرج منها القارئ كأنه خرج من وسط القصة حيث الأحداث عادية.. وإنما أحاول وضع النهايات التي تظل عالقة بالذهن أطول مدة ممكنة.. أن يريد القارئ المزيد خير من أن يقول (طيب.. أعتقد أن على الكاتب إنهاء القصة هنا !) ^^

      إعجاب

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s