قصص رعب وتشويق

الجنسية المستحيلة 6


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-6-

طبّاخة ماهرة !

الأحد..

بقيت خمس ساعات تقريبا على أذان العصر، ثم يحين الموعد الذي تعرفون.

مساء أمس، لما أغمي عليّ قرب الباب، وقعت مصادفة غريبة بعض الشيء.. فقد كان آخر ما علق بذاكرتي هو منظر الباب ويدي التي تحمل المفتاح تحاول معالجة القفل.. ثم الضباب على عيني، فصوت ارتطام زلزل رأسي، فألم حاد بصدغي الأيمن.. ثم الظلام.

فتحتُ جفنيّ مقاوما ذاك الخَدَر الثقيل، فإذا بي في غرفة لا أعرفها.. كانت هناك لمسة أنثوية واضحة بالمكان، ورود وخيوط ملونة تتدلى من الأركان.. رائحة بُنّ قوية، أصوات نسوة تأتيني من مكان ما.. فلما أصختُ السمع ميّزتُ صوتَ شابة رفيع، وصوتَ امرأة أخرى تكلمها قدّرتُ أنها عجوز !

تلمّستُ رأسي فوجدته مضمّدا، فزاد تعجّبي وتساءلتُ أيّ شيء حدث لي ؟.. ثم حاولت الاعتدال، فجلستُ، فانتبهتُ أول مرة إلى السرير المتواضع الذي أضطجع فوقه وإلى ملاءته البيضاء النظيفة، بل إني انحنيتُ أشمّها فوجدتها معطّرة ! وقبل أن أستنتج شيئا دخل آخر شخص أتوقّع دخوله.. روقية !

تجمّدتُ لما تراءت لي بقامتها المتوسّطة الممتلئة بعض الشيء، وكانت تلبس لباسا فضفاضا محتشما أكثر مما عهدتُه بها.. وأذكر – كذلك – أنها كانت تبدو فاتنة جدا، أنثى جدا !

– مــَ.. ؟

قالت مجيبة وابتسامة خفيفة على ثغرها:

– صه.. أنت في منزلنا، فقد وجدناك مُغمى عليك على عتبة بابك، الحمد لله أنك بخير وصحة جيدة.. هناك جُرح صغير بصدغك الأيمن لكني اعتنيت به، فلا تخف..

سكتتْ برهة تنظر لي بشرود باسمة، وسعادة كبيرة تطلّ من عينيها، كأنما انتظرت هذه الفرصة طويلا.. انتظرت أن يُغمى عليّ !

وهل تُراها نسيت جوابي لخطابها ؟

أذكرُ عينيها الواسعتين الآن جيدا وهي ترمقني بصمت.. كانتا تقولان أشياء كثيرة لا أفهمها.. ربما عرفتُ شيئا من لغة الجن لكني لم أعرف لغة النساء بعد !

ثم إنها استطردت لمّا انتبهت إلى مبالغتها في الشرود:

– على كل حال.. أنت هنا منذ حوالي ساعة تقريبا، هل تذكر ماذا حدث ؟ هل تشعر بالجوع ؟

ارتبكتُ ولم أعرف أيّ سؤال أجيب، فقلتُ شيئا قريبا من:

– نعم، أقصد لا.. لا أذكر الذي وقع، ونعم.. أشعر بجوع، أقصد.. لا بأس.. يمكنني أن..

ضحكت ودارت ضحكتها ثم قالت:

– لا تخجل، انتظر.. ستذوق طبقا مذهلا حضّرته لك..

وانصرفتْ بخفة !

* * *

بقيتْ ثلاث ساعات تقريبا على.. خراب بيتي !

كانت هذه الحادثة “المرعبة” ليلة أمس السبت – أقصد حادثة الاستيقاظ في بيت روقية ! – أما اليوم فالجو غائم ولونُ السماء رمادي مُبقّع، والرياح تتحرك في كل مكان كأنما تحذر الناس من خطب جلل.. أم لعلّها تحذرني أنا بالذات !

أسمع زئيرها بالخارج من مكتبي العتيق هنا، بجانب مصباحي العجوز مقوّس الظهر الذي يتقطّع ضوءه في كل مرة حتى أخبطه بكفي فيمتثل لي ويذعنُ مرسلا ضوءه الدافئ الأصفر..

كنتُ أكتب رسالة لا أدري لمن !

قلتُ في مطلعها:

” بسم الله الرحمن الرحيم

إلى كل من يقرأ هذه الكلمات.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله والصلاة والسلام على محمد رسول الله.. أما بعد..

اعلم – غفر الله لي ولك – أني تورّطتُ في أمور خبيثة، وركبتُ هوى نفسي إلى أبعد حدود، وفرّطت في جنب الله كل التفريط حتى لم يبق بيني وبين اليأس الخالص إلا قاب قوسين أو أدنى.. ذلك اليأس البارد الشرير الذي يغرينا الشيطان لنلقي بأنفسنا في عُبابه..

إنما أكتب لكم – أيّا ما كنتم – رغبة مني ومحاولة لترك صوتي الأخير مسجّلا – فمن المتوقّع أن ينقطع صوتي للأبد بعد ثلاث ساعات من الآن – أسجلّه لعلّه يجد عيونا قارئة وقلوبا حاضرة وعقولا رشيدة.. ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، كما يقولون !

إن مصيبة الجنس البشري – فيما أرى – هي ثقته العمياء في نفسه، هذه الثقة البغيضة التي هي عند الناس محمودة، يُفخر بها.. نثق في أنفسنا فنعصي الله، نثق في أنفسنا فنشعل الحروب العالمية، نثق في أنفسنا فنأكل أموال الفقراء، ونرمي بالباطل أقواما أبرياء، ونزوّر ونغش ونمكر.. نفعل كل ذلك ونحن (نثق في أنفسنا) !

لو كانت نفوسنا تستحق هذه الثقة وهذا التبجيل، فلماذا يا تُرى نعيش في الشقاء ؟ لو كانت نفوسنا كما نظن بحيث تستأهل هذا التقديس فلم أرسل ربنا الأنبياء ؟ ولماذا نستفتي العلماء ؟ وفيم تضرّنا رُفقة الخبثاء ؟

إن هذه (الثقة) – يا إخواني – هي ما سببت لي كل الشرور، وهي ما جعلتني أردّ النصائح وأصر على غيي وضلالي البعيد.

كنتُ أهوّن من أمر الشيطان اللعين، وأضعّف كيده حتى أجعله أسفل حذائي، ناسيا احترافه مهنة الوسوسة، وفنّ التكفير ، ومهارات الدعوة للشرك والبدع التي دمّر الله بها القرى منذ فجر التاريخ..

أوَ تظنون – يا من تثقون بأنفسكم القوية – أنكم بمأمن عن الشرك والكفر ؟.. أتظنون ذلك حقا ؟ إذا فأنتم مخطئون يا أصحابي، مخطئون لحد مخيف ! … “

* * *

عليّ أن أعترف أن روقية طباخة ماهرة.. فقد التهمتُ الطبق الذي جلبته لي بوحشية ما إن اختليتُ به، بعد أن غادرتْ هي البيت بخطى سريعة خجلى !

أيّ بهارات استعملت هذه العبقرية ؟ إنها ما نسمّيه عندنا (بسطيلة)، وهي فطيرة رقيقة محشوة بأنواع اللحم والأرز وأشياء أخرى.. وكانت التي أكلتُ محشوّة بقطع لذيذة من السمك، مذاقها يشبه خليطا من الجبن والعسل واللحم والمثلجات، إن وُجد خليط مثل هذا !

ما لم أنتبه له إلا متأخرا هو أنها كانت تطلّ عليّ بعين لا ترمش من فتحة الباب.. إذن فقد رأت مقدار وحشيتي وأنا آكل.. رائع !

قمتُ بعدها مترنحا وشكرتُ لروقية وجدّتها الشمطاء العابسة صنيعهما.. وقد حاولت روقية أن تستبقيني – طبعا – بدعوى أني متعب جدا، لكني رأيتُ بزاوية عيني الشمطاء وهي تقرصها لتكفّ عن لطفها !

دخلتُ بيتي.. ولم أجد القط ! وهذا في ذاته حدث غريبٌ يحدث لي اليوم.. فمنذ متى لم أجد  ذلك القط أمامي ؟.. إن هذا حقا غريب !

* * *

” … يا أيها المتعجرفون الذين يثقون في أنفسهم الثقة العمياء، لا تتبعوا خطوات الشيطان كما فعلت، ولا تقربوا العالم الذي دخلته وتورطتُ فيه فعلقت.. إني لكم ناصحٌ أمين.

يا أيها الناس احرقوا كل كتب السحر والشعوذة.. ابتعدوا عن عتبة الجان فإن ما وراءها مروّع لا تريدون رؤيته أبدا..

لا تقرؤوا تلك التمائم والتعويذات الشيطانية في بعض الكتب، فقد تطلبون الحصول على (جنسيتهم) أو (اللجوء السياسي) عندهم وأنتم لا تشعرون !..

يا أيها الناس… “

توقفت عن لغوي المحموم، وهدأت يدي عن الكتابة بسرعة كالمجنون وأنا أكاد ألهثُ من الإجهاد النفسي، ثم نظرتُ ببلاهة للساعة التي نسيتُ أنها (تتكتك) فوق رأسي دون توقف..

يا للهول.. بقيت نصف ساعة !

يُتبع 

رفعت خالد المزوضي

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s