بقايا القراءة

في قبو دستوفسكي


25034660

” أنا رجل مريض.. أنا إنسان خبيث. لستُ أملك شيئا مما يجذب أو يفتن. أحسب أنني أعاني مرضا في الكبد. على أنني لا أفهم من مرضي شيئا على الإطلاق، ولا أعرف على وجه الدقة أين وجعي. وأنا لا أداوي نفسي، ولا داويتُ نفسي في يوم من الأيام”.

بهذه الكلمات افتتح (فيودور دستوفسكي) “غريبته” – ولا أقول رائعته – المسماة (في قبوي) أو (رسائل من تحت الأرض) أو (في سردابي) أو غيرها من تلك العناوين التي صدرت بها الترجمات العربية لهذه الرواية الشهيرة التي كتبها (دستوفسكي) وهو يشهد احتضار زوجته الأولى.. فهي رواية غريبة كُتبت في ظروف غريبة، ويعدّها البعض أهم وأعمق أعمال الكاتب على الإطلاق. وقد قرأتُها بترجمة (سامي الدروبي)، في بداية المجلد السادس من الأعمال الكاملة لدستوفسكي التي عرّبها، وإني أعتقد – والله أعلم – أنها كانت ترجمة ماتعة فصيحة مُتقنة، يصعب أن تجد أجود منها..

خلال قراءتي لهذه “الغريبة” – التي لم أقرأ قبلها شيئا يشبهها تقريبا – مررتُ من أطوار نفسية عديدة.. ملل، إحباط، تشويق، انتظار، تفاجؤ.. بل كدتُ أرمي الرواية جانبا في أكثر من مناسبة لما استبد بي الملل وبلغ مني النكد ما بلغ – كدتُ أرميها مجازا إذ أني قرأتها في الحقيقة على شاشة حاسبي ! – لاسيما خلال الثلث الأول من الرواية الغارق في فلسفة سوداوية تخنق الأنفاس، حتى لربما خُيّل لقارئها أنه يجلس داخل زنزانة مريض عقلي ينصت لثرثرته الليلية المحمومة، فلن يرتاح من هذا العذاب النفسي الكريه إلا إن هو غادر الزنزانة الكئيبة المظلمة رأسا وبلا تردد، ليستنشق الهواء البارد ويرى الخُضرة من جديد فيتذكر أن الحياة ليست سيئة إلى هذا الحد !

متابعة قراءة “في قبو دستوفسكي”