فكرتان


theater-570-320x240

بسم الله الرحمن الرحيم..

هناك فكرتان تقضيان – وإن مُؤقتا – على كل مشكل دنيوي يعترض طريقي، وذلك ما تغلغلت إحداهما أو كلاهما بدواخلي وملكتا عليّ تركيزي وملأتا شاشة نظام تشغيلي حتى تتوارى خلفهما باقي “النوافذ” المبعثرة.. فتنحلّ – عندئذ – عُقد نفسي واحدة تلو الأخرى، وتنبسط أساريري تباعا.. وربما ضحكتُ على نفسي حتى الثمالة وتقلّصت الدنيا في ناظري حتى عادت مثل الحُثالة، وهزأت من التحديات أيّا كانت ومن الخسارات مهما بلغت.. كل ذلكم لا يهمني إذا ما حضرتني إحدى تلك الفكرتين.

فأما أولاهما فهي فكرة الموت.. مع أنها مُصيبة من أثقل المصيبات، ونائبة من النوائب التي تنقبض منها القلوب وتشمئز من ذكرها النفوس وتنتفض لدى سماعها العقول ثم تسدّ الباب دونها مذعورة، هذا الفناء الذي يقطع كل صِلاتك بالدنيا حتى لا يبقى من الأدلة على وجودك على ظهرها يوما إلا شهادات بعض من عرفوك.. إلا أن تذكّره والاصطبار على مرارته من شأنه أن يُضحكك – كما تُضحك البلايا – بعد أن يخيفك، ويُثير في نفسك العجب الذي لا ينتهي بعد أن يُقلق راحتك. وقد تُسائل نفسك – بعدها – مالي جزعٌ كل هذا الجزع ؟ وفيم هذا الرعب والقلق والفزع ؟.. فليذهب العمل والنكاح والمال والسيارة وكل ذلك النعيم الذي تصبو إليه كل خلية من خلايانا، وتلك المخاوف التي تعبث برأس كل أعزب عاطل.. فليذهب ذلك كله إلى غير رجعة.. إن كنتُ أنا نفسي سأفنى فلا بقيت هي.. ولا كانت !

وأما الثانية التي أُعمل فيها فكري أحيانا فهي أكثر غموضا من الأولى وأشدّ تعقيدا.. وهي أن تقول لنفسك (لم أعد أريد شيئا من هذه الدنيا) وتتخيل وجوها ترمقك باستغراب، تطلب تفسيرا لن تجود به.. والبعض يسأل بلهفة وكلهم تأكلهم الحيرة ويتململون من القلق.. ومنهم من يُشفق عليك إشفاقا ويسألك أن ترجع عن قولك وتهون على نفسك وربما جاد بعض الأحباب بدمعات ساخنات حزنا عليك، فيقول الواحد منهم (وا أسفاه عليك يا مسكين).. الخ.

أعلم أن هذا التهافت عليك لا يكون ! لكنها مسرحية قد يُخيّلها المرء لنفسه في بعض الأحيان لمّا تضيق عليه جدران الدنيا فتُأثر في نفسه عظيم الأثر، ويخرج منها مرفوع الرأس وقد ملأته (مهابة) وهمية ورِفعة عن الدنيا كأنما هو فارس نبيل مجهول عند الناس يضرب الأرض هائما على وجهه لا يُبالي..

هذا (الاستعلاء) على الدنيا هو ما أبحث عنه، وتلك الرفعة المهيبة عن المخاوف التي كان يخفق لها قلبك هلعا.. فإذا هي خسيسة تراها عند قدميك كالجرذان القذرة تفرّ منك مولولة..

ومثال ذلك.. المجاهد في سبيل الله، الأسد الشُجاع الذي يلبس لبوس الحرب ويخاطب زوجته بكلمات مقتضبات حازمات يوصيها بالأولاد خيرا، فتتعلق به المرأة المسكينة دامعة العين متهدجة العبارة، فيمضي هو رابطا على قلبه مستنكفا ومستعليا على هذا (الضعف البشري).. فتُجهش هي باكية، ويغلق هو الباب دونها بأدب في مشهد مؤثر ملتهب..

إنها محاولة جاهدة للتحرر من السلاسل التي قيّدْنا بها أنفسنا وقيّدَنا بها بنو جلدتنا الذين نجدهم حولنا في كل مكان.. تحرر من التعب الدائم والركض المستمر المستميت الذي نحياه كل يوم لنحقق بعض ما يتمناه الآخرون فينا، وفق مفاهيمهم هم عن النجاح والذكاء والعظمة.. تحرر – هو – من كل شيء دنيوي إلا العبودية لله العظيم، التي هي الأصل والهدف.. والتي ليس أمام من تحرر منها إلا التسلسل في أغلال عبوديات أخرى باطلة..

لهذا أرى التحرّر من هذه الأغلال التي ذكرت بين هاتين الفكرتين (رؤية الموت) و(الترفع عن الدنيا بما فيها).. ولعل غيابهما من أهم أسباب غياب السعادة المرجوة عند العالمين.. لأننا لا ننفك من مهام وواجبات ورغبات بعضها ما أنزل الله به من سلطان.. فمن فرض علينا – مثلا – أن نلبس كما نلبس ونضع ربطة العنق حتى نحقق الأناقة ؟.. ثمة مئات الطرق التي تجعل الإنسان أنيقا، فمن أين هذه القواعد التي صارت ضرورية ولازمة ؟ ولماذا نقبلها ؟

لا أحد سنّ لنا أن ندفع كذا وكذا في المهور.. لا أحد أوجب على كل إنسان أن يحشر في بيته تلفازا وجهاز استقبال فضائي.. لا أحد كتب علينا أن نشتري هذه الهواتف الذكية وإلا صرنا مثارة للشفقة والسخرية وفي تخلف عن الركب.. أيّ ركب ؟

وقد قال بعضهم كلمة لا أنساها: (عند الموت.. يتأكد الإنسان من الحقيقة التي طالما فر منها، وهي أنه كان وحيدا في هذه الدنيا !)

رفعت خالد المزوضي

29-11-2015

Advertisements

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s