تأملات سلفية

كيف عرفتُ أن السّلفية هي الإسلامُ الصّحيح ؟


thread-540258_640.jpg

بسم الله الرحمن الرحيم..

لما سألني بعض من لا أعرفهم: (كيف اقتنعت أن السلفية هي المنهج الحق وكل فرقة تقول نحن الفرقة الناجية، كيف عرفت الفرقة الناجية بالضبط ؟.. فقط أريد جوابا كي أقتنع أكثر أنا الآخر)

قلتُ والله الموفّق: سؤال وجيه ومنطقي وإنه لمن حقّ كل أحد أن يسائل نفسه هذا السؤال وما أشبه من الأسئلة، وذلك ما توفّر في هذا السائل شرط واحد قد يتبدّى للمرء سهلا عند الوهلة الأولى إلا أنه – عند التحقيق – صعبٌ جدا إلا على من يسّره الله عليه.. وهذا الشرط هو التجرّد المطلق من هوى النفس والبحث الصادق الذي لا تشوبه شائبة عن الحق والحقيقة التي توافق فطرتنا التي فُطرنا عليها، إلى حدّ أن يقدر السائل على أن يصرخ في نفسه في أي لحظة فيقول لها: (اخرسي يا نفسي الأمارة بالسوء واتركي هذا الهوى، إنما الحق ما عند الله ورسوله وما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنهم وبشرهم بالجنة.. اخرسي قاتلك الله واسمعي وأطيعي، ذلك خير لك).. فهل كل أحد يستطيع هذا ؟ لا.. بل أكثر الناس – إلا من نجى الله – يريدون الحقيقة التي تناسبهم  وتُناسب ما بين أيديهم لا الحقيقة في حدّ ذاتها.. لأن هواهم لا يتحمّلها ونفوسهم التي اعتادت الكذب والمراوغة لن تستطيع معها صبرا !

والحق أنه لا إرادة مع ما أراده الله وارتضاه.. هذا يعرفه صاحب العقل السليم والفطرة الصحيحة دون سواه من الحمقى ومن فسدت فطرتهم.. يعرف أولوا الألباب أنهم مطالبون بالاستسلام التام للخالق العظيم والانقياد له على الدوام ما استطاعوا ذلك.. فإذا توفّر هذا الشرط الذي أخبرتك به وحضر في القلب واستقر فمرحبا وحيّهلا..

لن أطيل الكلام نظرا لزادي القليل في العلم وتجربتي المتواضعة في الاصطدام بالمناهج العديدة والمعاناة من التخبّط العقدي والحيرة الشديدة.. فأقول – والله المستعان – أن (كُلاّ يدّعي وصلا بليلاه) و (البينة على من ادّعى)، ومن طبيعة البشر الأنانية والجدال والتعنّت.. ولذلك فكل أحد سيقول أنه على حق، بل هل سمعت – من قبل قط – من يقول منهجي الذي أنتهجه باطل ومُنحرف ؟ فإذا كان أكثر الناس كذلك فلا تعتدّ بكلامهم إذا.. بل صمّ أذنيك عن صياحهم ونهيقهم وأعرض عن كتبهم وفكرهم واترك مجالسهم ومناظراتهم واسأل نفسك سؤالا واحدا ؟ ما هو المرجع ؟

فإذا عرفت أن للكون خالق وأن هذا الوجود ليس عبثا ولهوا، ثم إذا وُفّقت – بعدُ – للإسلام من دون سائر الأديان المحرفة والتي يعرف كل عاقل لامنطقيتها قبل حتى أن ينظر في نصوصها المحرفة.. إذا وصلت – بمشيئة الله – إلى مجرد الإسلام والعمل بفرائضه ما استطعت وترك نواهيه ما قدرت – فأنت إن شاء الله  على خير عظيم يستوجب شكرا عميما لا ينقطع للإله الذي وفّقك ونصرك ونجّاك ولم يرض لك الكفر ولم يرد لك الخلود في النار مع الكفار المشركين..

لكنه ليس كل شيء.. فكما أن الإسلام دين وسطٌ ودين حق ويُسر وعدل وخير و رحمة وجمال وعفة من بين سائر الأديان المزورة والملوثة بهوى الناس ومصالحهم الشخصية، فكذلك وسط هذا الدين هناك فرق وجماعات زورت بعض أحكامه وحرفت بعض مقاصده لغايات ومصالح في صدورهم، أشهرها على الإطلاق الرغبة في الحكم، فجندوا لذلك كل ما يستطيعون من الآيات والأحاديث والكتب الفكرية والخطب والشرائط.. حتى خرجت علينا اليوم هذه العصابات المجرمة من الخوارج مثل داعش والقاعدة والنصرة وبوكو حرام التي جاءت كلها من رحم (الإخوان) لما انحرفوا وابتدعوا وسيّسوا الدين وحرّفوا الهدف العظيم الذي جاءت به الرسل والأنبياء وجعلوه دبر آذانهم وأبدلوه بكراس دنيوية ومصالح دنيّة وبطاقات انتخاب وشعارات (تطبيق الشريعة) و(عودة الخلافة) الجوفاء.. هذه الخلافة التي إن عادت سيكون من أولى واجباتها تأديب هؤلاء الحمقى والمجرمين.

وسط كل هذه الفرق والمناهج المبتدعة هناك – لاشك – لا يزال يوجد المنهج الأصلي الذي حفظه الله إلى قيام الساعة والذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وسماه (فرقة ناجية) ومن طبيعة الحال كل فرقة ستقول أنا هي.. ولكن هل هي هي حقا ؟ هل كل الفرق على ما كان عليه النبي وصحبه صدقا ؟ حتى يختلط علينا الأمر ونحير هذه الحيرة التي تُشمّ من سؤالك ؟

يكفي أن تنظر في القرآن والسنة المحفوظين – إن شئت – وفي سير الصحابة ومن صلُح بعدهم لتتأكد من ذلك بنفسك ويستريح له صدرك.. داعش – مثلا – يقولون نحن هي.. الفرقة الناجية، فهل في الكتاب والسنة وسير الصحابة والتابعين ما يفعلون ؟ هل كان رسول الله – بأمي هو وأمي – يأمر الصحابة أن يدخلوا بيوت الكفار القرشيين ويذبحونهم – غيلة – من الوريد إلى الوريد ؟.. هل هذا يمكن أن يتصوره أي مسلم سُقي قلبه بالإسلام وتذوّق مقاصده واستشعر أهدافه وغاياته ؟.. الشيعة، المعتزلة، الصوفية، الأشعرية، القدرية.. كلهم يزعمون أنهم الفرقة الناجية، ولكن هل هم كما وصف رسول الله الفرقة الناجية – ما كان عليه وأصحابه – أم هي مجرد دعوى جوفاء لا لب لها ؟ هنا – كما ترى – يكمن السؤال..

وعلى كل حال، أخشى أني خالفت قولي الذي تقدّم في عدم الإطالة، إلا أني أقول لك أنها مسألة (موافقة لفظية وفعلية واعتقادية للحق) وليست مجرد (موافقة لفظية) وكما يقولون (اعرف الحق تعرف أهله) فلو وجدت يا أخي منهجا (ولا أقول جماعة ولا حزبا) أقرب إلى ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام رضوان الله عليهم، من (السلفية) التي كانت منهج التابعين.. ابن سيرين والبصري ومن تبعهم من الأئمة الأربعة وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب وغيرهم واتصفوا بها فعلا، حتى كانوا يقولون (العلامة شيخ الإسلام السلفي ابن القيم) ومثل هذا.. فلو وجدت منهجا – كيفما كان مُسمّاه – هو أقوم وأثبت وأحق من هذا المنهج فلتأتني به وبأدلته الراسخة وأنا أتبرأ من السلفية وأتبعه معك.. أتراه التبليغ ؟ أتراهم الإخوان المفسدون ؟ أتراهم الصوفية المخرفون ؟ أتراهم البهائية ؟ أم الشيعة الزناة المجرمون ؟ من هم ؟..

وأختم كلامي – أخي المبارك – بتذكيري لك.. ليست المسألة أسماء، فلا مشاحة في الاصطلاح، وليست المسألة في حفنة من الشيوخ نتعصّب لهم كما يقول البعض، لا والله.. فلا معصوم بعد النبي وكل يؤخذ من قوله ويُرد إلا المصطفى صلوات الله عليه، وقد مات ولا يملك نفعا ولا ضرا.. إنما نهي مسألة أخرى فانتبه لها.. إنها البحث عن أصح طريق – وهي واحدة – توصلك لمنهج خاتم الأنبياء والمرسلين – عليهم الصلاة والسلام أجمعين – فإذا وفقك الله لحب كلامه وكلام نبيه وغرس في قلبك احترام من ينقلون إرث النبي وهم العلماء الربانيون ستميزهم رويدا رويدا وستظهر لك المناهج جليا.. هذا ينتسب للإخوان، هذا صوفي، هذا مخلط يتنازل عن الأصول التي كان عليها الأئمة الأولون – نصرة لحزبه الذي ينتمي له سرا أو جهرا – الخ.. وبعدها سترى الحق وسترى أهله بإذن الله. وإذا علمت من النصوص أن الخير لا ينقطع والحق لا يختفي إلى قيام الساعة.. بقي أن تعرف أهل هذا الحق. ولا تقل يكفيني الكتاب والسنة، سأصل إلى الحق وحدي.. هذا ليس في الإمكان، لأن قدرتك البشرية محدودة بالزمان والمكان، فلا يمكن أن تقفز من فوق سلسلة الأئمة والتابعين والصحابة لتصل لمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسأله.. ثم هو ميت أصلا، صلى الله عليه وسلم. وإن كان الصوفيون – الأغبياء – يدّعون تكليمهم لرسول الله يقظة حتى وليس مناما ! ولكن الله اختص هذه الأمة – من دون سائر الأمم قبلنا – بعلم الرواية وعلم الرجال والجرح والتعديل وبه حفظ الدين من الضياع وإلا ما وصلتك طريقة الصلاة وكل أحكام دينك.. فلابد من الارتباط بمن نقل لنا القرآن، وهم الصحابة الكرام عن طريق من بعدهم من التابعين وتابعي التابعين إلى علماء هذا العصر الذي نعيشه الآن.. وهم موجودون بفضل الله، ولا نتعصّب لهم ولا ندّعي أنهم معصومون، بل يصيبون ويخطئون ولكن فضلهم عظيم بإذن الله في نصرة هذا الدين، فنعرف مكانتهم وننزلهم فيها بلا إفراط ولا تفريط.. فأما من انحرف منهم فإنا نتركه لأنه ليس مقصودا لذاته وإنما المقصود ما أخبرتك آنفا..

كل هذا إذا أردت فقط.. وأوصيك ونفسي بالاهتمام بكتب الأئمة الأولين المجمع عليهم، وبخاصة متون صغيرة جمعت أكثر العلم وأهمه في العقيدة وغيرها.. مثل (الأصول الثلاثة) و(نواقض الإسلام) لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، و(أصول السنة) للإمام أحمد بن حنبل.. وهي نصوص قصيرة يقرأها من يريد في ساعة من الزمان إن شاء الله، ولمن أراد أن يستزيد فدونه كتب الشرح المتوفرة بحمد الله.. هكذا يحدد المرء عقيدته التي يحيا عليها قبل كل شيء، قبل السياسة والنزاعات الفكرية التي لا تنتهي.. وأوصيك كذلك ونفسي – الأمارة بالسوء – بدعاء جليل إن شاء الله وهو (اللهم اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).

هذا والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله على خير المرسلين محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

رفعت خالد المزوضي

16-12-2015

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s