قصص رعب وتشويق

أوراق ودماء


أوراق ودماء

قصة قصيرة

 السبت 16 يونيو 87

وضعتُ وسادة خلف ظهري ومددت رجليّ على السرير حتى خرج عقباي من حافته كالعادة !

أضأت المصباح على يميني وحملت ذلك الدفتر المجعد العجوز الذي ليس له غلاف.. دفتر يومياتي، دفتر حياتي. لقد شارف على الانتهاء.. وأفكر في التوقف عن الكتابة نهائيا بعد ملئه.. إذ صرت ضعيف البصر، والتركيز على السطور مع محاولة تحسين خطي القبيح يكلفاني مجهودا ذهنيا لا بأس به.. ولكنها كانت تجربة رائعة أن أدوّن رواية حياتي بمغامراتها وأحزانها ومللها وقرفها ووحدتها.. وخطورتها التي أفهمها أنا فقط.. أما الآخرين، فحتى تمزقي أسفل قطار شحن لا يعدونه أمرا خطيرا !  

الهدوء التام يُشعرني بدوار لذيذ يحتل رأسي، بعد ساعات العمل تلك بمقر الجريدة.. ليس بالعمل الشاق.. ولكن من قال أن الجلوس على كرسي واحد لسبع ساعات متوالية نشاط مريح ؟

أما هنا فكل شيء ميت ! أعدك أن أعصابك سترتخي لدرجة التجمد !

هنا كل شيء غاف في قيلولة أبدية ! .. لن تسمع صوت السيارات.. لا يوجد أطفال يركضون صارخين، ولا دراجات نارية تثقب طبلة أذنك. لا شيء على الإطلاق !.. إن هذا الحي هادئ لدرجة تثير شيئا بداخلك لا تعرف ما هو !

انتقلت هنا حديثا.. منذ شهر تقريبا. هناك شخص أعزب مثلي يقطن بالشقة المجاورة، وإنه لغريب الأطوار حقا ! شعر أشعث، ملابس «لا علاقة !».. نظرات زائغة تحدّق في عوالم غير مرئية.. كل هذه الأشياء لا تجعلني أرتاح كثيرا.

كنت ألقي عليه التحية في المرات القليلة التي أراه فيها، ولكنه لا يرد.. ولا كلمة..  

يفتح الباب ببطء شديد وعيناه لا تفارقان السقف ! أصيح بنشاط متصنّع:

– السلام عليكم يا جار الخير..

– …

– الجو رائع اليوم.. ها ؟

– …

حسن، ولكن لماذا لا يُنزل عينيه من فوق ؟.. لا بد أنه مجنون، هذا أكيد.

المهم، ما عدا هذا الجار الغامض لا أعرف شخصا آخر هنا، ولم يسبق أن رأيت أحدا غيره بالعمارة ! بل الأكثر غرابة أني لا أسمع أي ضجيج يوحي بالحياة ! كتنظيف امرأة أمام باب شقتها مثلا.. أو صراخ أب على ابنه لأجل شيء تافه، أو أي حدث آخر من الأحداث المملة التي تحدث بأي عمارة في العالم ! 

*  *  *

هذا المساء، كنت أمام شاشة الحاسوب منهمكا في كتابة مقال طويل عن ظاهرة الطلاق في المغرب، حين توقفت فجأة عن النقر فوق الأزرار وشردت بذهني بعيدا…

لقد تساءلت بجدية هذه المرة عن سبب هذا الهدوء (المزعج) الذي يخيم على العمارة منذ إقامتي بها ؟.. إنها الوحدة الخانقة والصمت الرهيب الذي لم أعشه يوما قط.. لماذا لا تكتظ بالسكان كباقي العمارات ؟.. إن هناك آلاف الموظفين الذين يبحثون بلهفة عن شقة تأويهم.. آلاف الزوجات اللاّئي يصرخن في وجوه أزواجهن لكي يبحثوا عن شقق محترمة بدل الجحور المخيفة التي يعيشون بها !

نهضت عاقدا العزم على القيام بتحقيق حول هذا اللغز.. حياتي كلها تحقيقات على كل حال.

ارتديت معطفي بعد أن أطفأت الحاسوب وتأكدت من عدم وجود حريق مروّع بالمطبخ كما كانت تقول لي زوجتي دائما.. وخرجت..

الضوء شاحب بالردهة، إنه الغروب.. تذكرت أن المصابيح تالفة، فعدت إلى الشقة للبحث عن مصباح يدوي..

توجهت – على ضوء المصباح – إلى السلم الذي يقود إلى فوق.. وصعدت..

أسمع بوضوح صدى خُطواتي الثقيلة فوق الدرجات وتدفق أنفاسي المبهورة.. لقد شخت فعلا.. هييييه!.. ليت الشباب يعود يوما.. ليته يعود الآن!

الدرجات في حالة يرثى لها.. شقوق في كل مكان، ورائحة تصيبك باكتئاب مزمن !.. لو كانت هناك بعض المشاعل على امتداد الجدار لاكتمل مشهد رائع من فلم رعب رخيص !

لا أدري لم غيرت رأيي فجأة ؟ وكأن شيئا أرغمني على العودة لشقتي الحبيبة.. الجو قارس هنا، وإني لأسمع صوت المطر الغزير بالخارج.. نعم، أفضّل العودة.. ثم إني منهك ويجب أن أنام كي… فلأعد.

ولقد عدت فعلا لأضع وسادة خلف ظهري ومددتُ رجلي على السرير حتى خرج عقباي من حافته كالعادة ! و..

يبدو أن النوم قد جاء، أسمع طرقاته بوضوح.. فلأطفئ المصباح..

……

*  *  *

الأحد 17 يونيو 87

لقد كان هذا اليوم فظيعا بحق.. هذا يعني أنه كان أحدا ! أنتم أذكياء إذا  !

كان يوما بلا عمل، الشيء الذي جعل الملل يقيم عندي ضيفا.. دائما ذلك الهدوء المريب والذي لا أكسره إلا بصوت التلفاز أو بصوت الصنبور بالمطبخ وأنا أنظف الأواني..

مشكلتي الأبدية هي عدم وجود أصدقاء بحياتي !.. حتى أقاربي انقطعت زياراتهم منذ زمن سحيق.. ربما أنا شخص انطوائي فعلا !.. فأنا أبدو في الشارع كعميل مخابرات من شدة صرامتي !.. حتى إني – ربما – لن أثير كثير استغراب في نفوس المارة لو أخرجت مسدسا ضخما مزودا بكاتم صوت وشرعت أركض خلف أحدهم  !

*  *  *

بينما كنت في المطبخ منخرطا في تقشير الخضر والدندنة، سمعت صراخا عاليا… هذا غريب !!

إنها أول مرة أسمع فيها صوتا هنا !.. خَطوت ببطء في البهو.. ألصقت أذني بطرف الباب وأنا أُرهفُ السمع.. يبدو أن الصوت قريب من هنا.. فتحت الباب بحذر فاشتد الصراخ.. إنه قادم من شقة ذلك الرجل غريب الأطوار.. نعم إنه صادر من هناك  ! 

كنت أرمق الباب الأحمر المقابل محاولا تمييز الصراخ.. عندما انفتح فجأة وخرج الرجل أشعثا مسعورا ! يصرخ واللعاب يتناثر من فمه.. أغلق الباب بصوت مدوّ وهو يواصل العويل متجها نحو السلم، متجاهلا وجودي كعادته  ! 

ولكن مع من يتشاجر ؟.. أنا لم أسمع صوتا آخر! ثم أنا أعرف أنه أعزب وحيد كالبومة الأرملة ! أتراهُ مجنون فعلا ؟.. سَرَت قُشعريرة باردة بأطرافي.. وآثرت العودة لمتابعة تقشير البطاطس، فهذا أفضل من محاولة سبر أغوار هذه العمارة المريبة  !

*  *  *

مع وقت الغروب – ولا أعرف لماذا هذا الوقت بالضبط ! – شعرت بنفس الرغبة إياها تدفعني للخروج ومحاولة صعود السلم إلى فوق، حيث لم يسبق أن ذهبت.. حيث أشعر أن هناك شيئا ليس على ما يرام  !

مرة أخرى أجدني أمام تلك الدرجات المخيفة.. إني لأتعجب لحالها !.. كيف تكون بكل هذا القِدم والعمارة لا يظهر عليها شبه ذلك ؟ بل إن شقتي تبدو حديثة وكأنها بُنيت منذ شهر فقط !.. ما تفسير كل هذا ؟

ارتقيتُ أول درجة ببطء شديد وأنا أنثر الضوء أمامي بحذر.. حتى الجدران لا تقل فظاعة  !

كلما صعدتُ أكثر زاد تشقّق الدرجات وطلاء الجدار، وكأنني – بتقدمي – أعود دهورا إلى الماضي !

( لماذا الذباب كثير هنا ؟)

وقبل أن أجد إجابة منطقية لتساؤلي التقط أنفي رائحة فظيعة ما إن وصلتُ إلى الانحراف الأول !

توقفت وأنا أشوه وجهي محاولا بذلك تطوير حاسة الشمّ لدي.. لقد كانت الرائحة شنيعة بكل المقاييس ! رائحة ثورية كما يقولون.. أمسكتُ أنفي وسعلتُ بشدة وأنا أبحث بعين مصباحي عن مصدر هذا الخُبث..

(واااااااااااااع ! )

كان هذا أنا الذي صرخت حتى ارتجّت الجدران من حولي  !

تبا !.. إنها جثة قط ملقاة أمامي.. مشوهة ! نعم كانت مشوهة.. عينان جاحظتان، طرف مبتور، والأمعاء مفقودة.. مخلفة فجوة فارغة وسط جسد الحيوان التعيس !

هذا ما جعل الذباب يحجّ هنا بنشاط إذا  !

بجنون حرّكت المصباح يمنة ويسرة علّني أرى شيئا آخر يشرح كل هذا.. وكانت النتيجة: لا شيء ماعدا المزيد من الشقوق والثقوب..

يجب عليّ مغادرة هذا المكان الشيطاني فورا..

*  *  *

الاثنين 18 يونيو 87

لا أرغب في الكتابة..

*  *  *

الثلاثاء 19 يونيو 87

لاحظ زملائي في العمل شرودي العميق وصمتي المطبق، وسألني أكثرهم عن السبب فاكتفيت بإيماءات من رأسي وابتسامات باهتة على ثغري.. بمعنى: «أرجوك، كف قليلا عن أسئلتك الوقحة !».

لم أنفك أحلل المشهد الذي رأيته يوم الأحد.. من ولماذا يقتل قطا بتلك الطريقة ؟.. ولماذا داخل مسكني بالضبط؟

*  *  *

عقارب الساعة تتحرك بكسل لتخبرني أنها السابعة مساءا..

كنت أشاهد برنامجا ما على التلفاز، لا أذكر موضوعه، فسهوي كان طاغيا، وقد عُكّر صفوي حتى أصبحتُ مثيرا للشفقة بحق !.. كنتُ – فقط – أرى مذيعا يحرك شفتيه ولا يكف عن الابتسام المصطنع..

بضغطة زر أطفأته ونهضت متثاقلا لأجوب الشقة ذهابا وإيابا.. شاردا، أحك لحيتي التي بدأت تتكاثف، والتي وجدتها لأول مرة على عكس ما كانت تقول زوجتي.. ليست قبيحة مطلقا ! إنه ليس مجرد شعر.. إنه سر لن نفهمه أبدا !.. ولم يكن الأنبياء – عليهم السلام – كلهم ملتحين هكذا صدفة !.. لو كانت شيئا مقرفا لكانوا أول من ينهون عنها لأنهم أعلى مرتبة في البشر على الإطلاق !

على كل حال.. لستُ حكيما جدا، لكني أعتقد أني كنت أبدو كفيلسوف كبير في لحظات تأمله..

لماذا كل هذا التعقيد ؟.. إن كان سيكون شيئا ماذا سيكون في النهاية ؟.. لا أظنك تتوقع عفريتا أو شيئا من هذا القبيل !

يا لك من أحمق، تافه !!.. أين رجولتك ؟.. هل تدع مشكلا سخيفا كهذا يفسد حياتك ؟.. تخيل لو لم تُطلّق زوجتك وكانت معك الآن.. أكنت ترضى أن تراك على هذا الحال ؟

خرجتُ من دوامة الأفكار على حين غرّة، فوجدتُ نفسي مسندا رأسي إلى باب المطبخ، أنظر لقدمي.. لكمت الباب بقوة متذمرا، ثم توجهت للصالون.. حملت المصباح اليدوي وخرجت..

وكأنّ يدا قوية تدفعني باتجاه السلّم… لم أكن أفكر حينها.. فقط كنت أتقدّم..

أذكر أن رأسي كان ساخنا وعيناي تحرقانني بشدة.. وأنا أرتقي الدرجات بحماسة لم أعهدها..

ثقوب.. شقوق.. لون الطلاء يتحول من الأبيض إلى الرّمادي الدّاكن !

كنت أترقب رؤية جثة القطة التي وجدتها أمس بعد الانحراف الأول مباشرة.. وأنا الآن قد تجاوزت انحرافين أو ثلاثة !.. أين هي ؟

تجنّبت التقعّر في التفكير لئلا أتراجع في قراري وأعود أدراجي، لأسقط من جديد في مستنقع الحيرة والشكّ..

سأصعد حتى السطح وليكن ما يكن.. لا أصدق كل ما يحدث هنا، ولن ترغمني قوة في هذا العالم على تصديقه.. حتى أقاويل الناس التي أسمعها تتطاير في الشارع حول هذا المسكن.. أقاويل عن أشباح أو خرافات من هذا القبيل.. بعضهم يقول أنه سمع أصوات حفر !.. ومنهم من يقول شيئا عن الخادمة التي تصعد الدرج ليلا، ورأسها يلامس السقف !.. ترّاهات كما تعرف..

انتبهتُ إلى كوني استغرقتُ في التفكير لدرجة أنستني كم طابقا صعدت وكم انحرافا اجتزتُ.. لكن ما زلزل شجاعتي وبث في قلبي الرعب والهول هي ساعتي التي تشير إلى الثامنة والنصف مساءا  !

لقد غادرت شقتي مع تمام السابعة والنصف.. أنا واثق من هذا ! ثم إني أعلم أنّ بالعمارة أربع طوابق فقط.. ولأني أسكن الطابق الثاني فإنه يتحتم أن يوجد فوقي طابقان لا أكثر !.. فأي شيء هذا ؟

إني لم أتوقف عن الصعود لحظة واحدة.. هذا يعني أنني صعدتُ… بالدرجات.. ساعة من الزمن…… ســاااااااعة !…

لا.. لا.. لا هذا ليس منطقيا بتاتا.. حتما هناك خطب ما بهذه الساعة اللّعينة.. تبا له من….

أوجمتُ بغتة.. فازداد الصّمت كثافة ووقف شعر رأسي  !

أظنّني سمعت صوتا أشبه ما يكون بتقاطر سائل.. نعم أظن هذا.. وكأن أحدا سكب الماء على الأرض..

بدأ المصباح يلعب لعبته اللعينة تلك.. ينطفؤ ويضيء بشكل متقطع يصيب بالجنون.. ضربته بكفي ضربات عصبية حتى هدأ، وبدأتُ أبحث عن مصدر الصوت..

كفّ عن الارتعاش أرجوك.. أنت تربكني، تبا !

صار الظلام كثيفا والتنفس صعبا بهذا الدرج الضيق، واصلت الصعود وفي رأسي تحوم عشرات الأسئلة.. أولها، أين أنا ؟

هاهو مصدر الصوت.. إنه شيء ينسكب من الدرج.. إنه سائل ما.. ما هـ…. دم ؟؟ دم ؟؟؟

إنه دم !.. كتمت صرخة ذعر وتراجعتُ بقوة حتى أوشكت أن أسقط على قفاي ثم بدأت أنزل مهرولا، متوقعا السقوط في أي لحظة.. كانت رجلاي تسبقان تفكيري..

أركض.. أركض.. وأنا أميز حواف الدرجات بصعوبة !..

ألهث.. ألهث..

هل سأركض ساعة حتى أصل أم ماذا ؟؟

كلا.. ها أنذا قد وصلت.. بعد ثلاث انحرافات أو أربعة وصلت..

غريب.. هل صعود مسافة معينة أطول من نزولها إلى هذا الحد ؟؟ أم أني جُننت ؟

أخرجتُ المفاتيح لاهثا وأنا أنظر خلفي ثلاث مرات في الثانية تقريبا  !

دخلتُ وأحكمت غلق الباب، ثم أطلقتُ صرخة من فرط التوتر..

وفي المطبخ حشرتُ رأسي تحت الصنبور وأنا ألهث مثل لهاث الكلب..

* * *

لازال شعري مبللا.. أنا الآن في فندق قريب من سكني، فقد قررت المبيت هنا إلى الغد حتى أنظر ما أنا فاعل..

حملتُ حقيبة صغيرة.. بعض الملابس الداخلية، فرشاة أسنان، مقص أظفار، منشفة ودفتر يومياتي العتيق..

أكتب بيد راجفة.. والتلفاز أمامي يعرض صورا بلا صوت، أريد بعض الهدوء.. لا أريد سماع شيء، لا أريد الأكل.. سأنام.. سأنام كثيرا، فعقارب الساعة تشير الآن للثالثة بعد منتصف الليل.. لابد أن أنام.. لن أذهب للعمل غدا.. أنا مريض.. سأجن.. سأنام.. سأجن.. سـ

* * *

الأربعاء 20 يونيو 87

جاء معي رجلان من الأمن.. صعدنا لفوق ولم يكن هناك شيء !

مرضتُ بعدها وارتفعت حرارتي.. وطبعا المصائب لا تأتي فرادى، فمن الجميل أني أمر من أزمة مالية خانقة بعد دفعي لبعض الديون.. ولأجل ذلك ولكي أجد ما أسدّ به رمقي لبقية الشهر لا يمكنني البقاء في الفندق..

وهكذا تجدني مستلقيا على السرير ببيتي، معصّب الرأس، ثائر الشعر..

تُصبحون على خير..

* * *

السبت 23 يونيو 87

لم أكتب هنا قبل يومين.. ولم أكن لأكتب لو وجدتُ آدميا واحدا يؤنسني ولكني أدمنت هذا الدفتر العجوز.. ماذا أفعل ؟

على كل حال.. ساءت حالتي كثيرا بعد ما وقع خلال هذين اليومين..

تريدون معرفة الذي وقع ؟ حسن لكم ذلك..

سمعتُ صوت خدش بالباب الليلتين الماضيتين.. وصوت أنين لا أدري مصدره.. كذلك أجد أظفارا متسخة بالحمام.. وبعد منتصف الليل أسمع حوارات باللغة الأمازيغية بالبهو وضجة.. كأن هناك أسرة تعيش معي !!

هل يكفيكم هذا ؟ طيب.. أما أنا فلم أعد أطيق النظر إلى المرآة فقد أصبحتُ أشبه شيء بالغوريللا..

وأما جواب السؤال المنطقي.. لماذا لا أغادر البيت حتى الآن ؟ فهو أني أصبحتُ كالمخدّر.. قد مررت من كل الرعب.. أما الآن.. مرحى.. هيهووو.. أنا أحب هذا المكان.. هل يضايقكم هذا ؟ هل يضايقكم يا شلة الأغبياء.. يا قوم الجبناء ها ؟ هههههه..

صوتُ خطوات بالبهو.. تسمع ؟؟ ههههه

والآن أراها.. أراها جيدا.. إنها فتاة.. نعم.. أراها الآن من مكاني، فباب غرفتي مفتوح..

فتاة نعم.. هههه..

فتاة تمشي على أربع !…

ههههههه…

الأربعاء 27 يونيو 87

هذا من قبل أن أكون.. وهو معي ههههههه

هو معي الآن ههههههه..

(بقعة دم)

هو ليس جميل.. ليس جميل.. هو معي

له أسنان هههههه

دم دم…. هههه.. ألعب الغميضة.. أهرب.. هو يتبعني ههههههه

(بقعة دم)

أين المفتاح أين المفتاح ؟.. لم أجد المفتاح.. الباب الباب.. أين المفتاح ؟

ههههه..

أنا مجروح أنا مجروح.. أنظر.. هههههه

(بقعة دم)

لااااا…..

يجرني يجرني ههههه.. ودا…

(انتهى)

* * *

حسنٌ.. أنا توفيق، أستاذ جامعي.. وجدتُ هذا الدفتر قبل أسبوع بمكان شعبي مليئ بأكوام النفايات..

أثار انتباهي منظر ورقاته المجعدة.. ودفعني فضولي الذي لم يدعني منذ طفولتي لقراءة أي ورقة أعثر عليها وأي صفحة جريدة وأي إشهار..

هكذا حملته وأنا أنظر حولي.. وضعته في كيس بلاستيكي لكثرة العفن الذي يغطيه.. وذهبتُ به إلى منزلي..

قرأته رغم الخط الرديء، وكلما قلبت الصفحات الصفراء المجعدة زاد ذعري.. لاسيما النهاية المجنونة والتي تتخللها بقعُ دم جافة، قد اسودّ لونها..

أطلعت زوجتي على ما وجدتُ فنصحتني برميه وأخبرتني عن اللعنات التي تتناقل وتخاريف أخرى.. وطبعا يصعب أن يصدق هذا رجل علم مثلي..

تاريخ اليوميات يعود إلى خمس وعشرين سنة مضت !

المكان مجهول.. ورغم أن أسلوب الصحفي لا بأس به ورغم اختياره لأسلوب الحكي التفصيلي يبقى ما حدث مجهولا.. إلا أن شهيتي في البحث عن هوية هذا الصحفي ومكان الواقعة لا زالت متّقدة وتحقيقاتي قائمة مع فريقي الذي يتشكل من رجال أمن وأساتذة ومحلل نفسي وباحث في المخطوطات.. وقد وقفنا على بعض النتائج لكنها تحتاج مزيدا من التمحيص.. ولا زالت أسئلة كبرى مطروحة.. مثل سبب خلو العمارة والحي من السكان ؟ وذلك الجار المجنون الغامض ؟ وأسئلة أخرى..

وهأنذا أنشر هذه الواقعة لجمهور القراء ليبحثوا معي.. واعلموا أني نشرتُ ما يخص الواقعة بالضبط متغاضيا عن اليوميات الأخرى.. فالدفتر ضخم جدا.. لم أنته منه بعد.. ولعلي أنشر جزءا ثانيا فيه تفاصيل أخرى.. لأني واثق من أن اليوميات تحتوي على معلومات تكشفُ هوية صاحب هذه الأوراق والدماء  !

انتهى

رفعت خالد المزوضي – 2007

رأيان حول “أوراق ودماء”

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s