بقايا القراءة

وداعا يا شباب..


hqdefault

قرأتُ قصة للكاتب الفرنسي (جاي دو موباسان) عنوانها (وداعا).. تبدأ هذه القصة بنقاش هادئ يدور بين صديقين في مقهى باريسي ليلا.. بعد أن تفرجا للحظات على أضواء وناس مدينة باريس من خلال الزجاج في صمت وهدوء. ثم شرع أحدهما في الحديث بأن أبدى ملاحظته لسرعة مرور الزمن وتقدّم السن الذي يهرول هرولة، وكيف ذهب ما كان يجده من حرارة الشباب وعنفوانه.. فوافق الثاني قولة صاحبه واستطرد في القول وتعمّق فيه، وكان مما قاله أن الإنسان لو كفّ عن النظر في المرايا لستة أشهر مثلا ثم نظر فيها على حين غرّة لوجد في وجهه اختلافا كثيرا !

ثم عرّج هذا المتكلم – بعدها – على ذكرى قديمة من ذكرياته، فيها أنه أُعجب – قبل اثنتي عشرة سنة – بشابة حسناء مليحة، حتى أنها ملكت قلبه تماما واستحوذت على كيانه اتسحواذا فكانت عنده بمثابة الشباب نفسه والنضرة عينها، ثم كان ماذا ؟

غادر مدينته لأسباب شخصية قاهرة وفي قلبه تلك الحسناء لا تزال، لا يكل من استرجاع ذكراها ولا يملّ من تذكّر مرآها. ثم بعد هذا بإثني عشر عاما استقل قطارا في أحد الأيام ليقضي بعض حوائجه، فركبت في المقصورة التي يجلس فيها امرأة سمينة تجرّ بناتا لها وتلهث من فرط الجهد.. كان هو يقرأ في جريدته غير مبال بشيء، ومرّ قسط من الزمان ساد فيه الصمت المطبق لتسأله تلك المرأة – بعد أن حدقّت فيه طويلا – إن كان يعرفها، نظر لها نظرة مستغربة، وأحسّ بعد تلك النظرة أن لذلك الوجه الممتلئ ألفة عنده ولكن ذاكرته لم تُسعفه بشيء يُفسّر تلك الألفة.. ثم إنها أخبرته ضاحكة أنها (هي).. الحسناء ذاتها التي كان يعرف !

يُصدم صاحبنا ويُصعق قلبه صعقا، حتى أنه يبكى أمامها بكاء مريرا، يقول بعدها مفسرا أنه بكى في الحقيقة شبابها.. بكى موتها ! لأن تلك الحسناء المحبوبة ولّت من غير رجعة !

ثم يأوي لبيته ذلك المساء ويتأمل وجهه في المرآة طويلا كما لم يفعل من قبل.. يتمعّن في شاربه ويتلمّس شعره، فيتذكر شبابه البعيد ويقول بأسى كبير: كنتُ كذلك يوما.. شابا. أما الآن فلستُ مجرّد عجوز بائس.. وداعا !  

قصة حزينة.. موضوعها ليس بالجديد ولا بالغريب، لكن طريقة طرح الموضوع وتقنية وصف مشاعر الأشخاص وأشجانهم وتنهداتهم وهم يتذكرون الذكريات البعيدة عميقة جدا ومؤثرة جدا، لاسيما وقد قرأت القصة – بعد أن انتقيتها اعتباطا – في مجلد ضخم يضمّ كل أعمال (موباسان) مجمهرة، مكتوبة بلغته الفرنسية التي كان يكتب بها. وهو – بعدُ – مجلّد فاخر، حواف أوراقه مذهبة، وحجمه ضخم يُشبه حجم سجلات البلديات القديمة، وخطّ الكلمات فيه أنيق جدا.. علاوة على المكان الذي قرأت فيه القصة، وهو المكتبة الوسائطية للدار البيضاء وهي منشأة هائلة مكونة من أربعة طوابق عامرة بالكتب من شتى الفنون.. وأما الزمان فكان مساء هادئا دافئا.. فاجتمعت هذه العوامل كلها لتسهل لي تذوق فن القصة القصيرة كما لم أعرفه من قبل.. حتى أزعم أني تشمّمتُ ما وراء السطور وتمكّنت من لمس ما يُريد الكاتب قوله بالضبط، فأصابني مما أصاب الشخصيات وأوجعني الذي أوجعهم، إلا أني لم ألبث حتى رجعت للقدر مفوضا الأمر كله للخالق العظيم الذي شاء أن نكون في هذه الدنيا وشاء لنا أن نمر – أغلبنا – من أطوار العمر المختلفة إلى أن نشيخ وتخور قوانا رويدا رويدا، ثم لا نعلم من بعد علمنا شيئا.. ونموت بقدر الله لنُبعث يوم البعث، فيقضي ربنا فيما بيننا بعدله ورحمته التي وسعت كلّ شيء.. سبحانه وتعالى.

رفعت خالد المزوضي

07-11-2015

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s