قصص رعب وتشويق

الجنسية المستحيلة 4


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-4-

ورقة التّوابل !

– … وضحك ضحكة لازلتُ أجد صداها إلى الآن !

كان أسامة يُحدّق بي باهتمام بالغ وقد أثارت القصة انتباهه..

جرع ما تبقى من شايه وقال طالبا المزيد وكأني أقصّ عليه حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة:

– ثم ؟

– ثم.. قفز الشيطان من النافذة كما لو كنا في الطابق الأرضي وليس في الرابع !

قلتها وعضضت على شفتيّ متنهدا بأسى قبل أن أواصل:

– نمتُ مكاني لا أذكر كيف، وليس في ذاكرتي بعدها إلا الشمس وهي تلسع وجهي بشعاعها ، ففتحت جفني المتلاصقين بصعوبة واستغرقت وقتا لأفهم من أنا وأين أنا ولماذا أنا.. الخ. ثم لما فهمت وجدتُني مرميا على الأرض كيفما اتفق، أعانق الثلاجة !

ضحك أسامة ربع ضحكة ثم تدارك نفسه بأن سعل وسألني بسرعة – ربما لينسيني أمر الضحكة -:

– نبيل.. أخبرني، هل أحرقت الكتب كما وصيّتك ؟

نظرتُ له نظرة ذات معنى.. ففهم جوابي من فوره وتأفّف قائلا:

– لا تلومنّ إلا نفسك يا أخي.. على كل حال، أنهِ ما تبقى في كأسك حالا.. المحاضرة بدأت فعلا.

* * *

تذكرون (روقية) حفيدة الشمطاء، تلك التي قدمت لي طبق السمك المقلي وابتسمت ابتسامتها التي ابتسمت.. تلك الابتسامة (الملغومة) ؟.. حسن، لقد وجدتُ رسالة لها أسفل بابي هذا المساء !

لا أعرف متى وضعتها هناك، وكل ما أذكر أني وجدتها لدى عودتي من الكلية هذا المساء بعد أن أنرت الغرفة مباشرة، فكانت أول شيء وقع عليه بصري..

ورقة شاحبة من أوراق الدكان التي تلفّ فيها التوابل ! حملتها بفضول ورميتُ محفظتي لا أذكر أين.. إذ مكان أي شيء في بيتي هو اللامكان !

فتحتُ الورقة، وكان أول ما شدّني رائحة العطر !

تبا !

* * *

أنهيتُ قراءة الرسالة بسرعة، فتوجهت رأسا إلى مكتبي غير عابئ بالجوع الذي يحتج في مصاريني رافعا لافتات (الخبز والحرية والكرامة الإنسانية) !

اعتدلتُ في جسلتي وأضأت مصباح المكتب، مع أن ضوء الغرفة ينير المكان أصلا.. ولكن من قال أني شجاعٌ بعدُ ؟ وهل من رأى وسمع ما رأيتُ وسمعت يذكر شيئا اسمه الشجاعة ؟

تناولت قلمي ذو الزر العزيز عليّ، وجذبت ورقة نقية مستوية من بين رزمة الأوراق البيضاء.. ثم شرعتُ أضغطُ زر القلم مرارا مفكرا، ومراجعا في عقلي ما أودّ قوله لها قبل أن أكتبه..

وكما هي العادة، وجدتُ كلمة البداية صعبة تاه فيها عقلي.. هل أبدأ بالبداية أم أذكر النهاية كي يُفهم الموضوع ومن ثمّ أرجع للبداية، أم أدخل لصلب المسألة منذ البداية وأترك بداية ما أريد إلى حين تحين النهاية فتكون بذلك البداية هي النهاية، أم.. لستُ أدري !

كنتُ أمعن النظر في مصباح السقف وأعبث بزر القلم.. وأسمع – بالخارج – الغيث المنهمر..

أذكر – ليلتها – أني نويتُ المبيت مع صاحبي، وإنما كان الذي أخّرني إلى تلك الساعة من الليل هو جوابي لهذا الخطاب الملتهب على ورقة التوابل !

وفجأة رأيت كلمة البداية على السقف فابتسمتُ.. وانحنيت على الورقة أخطّ عليها خطا..

* * *

كان مكتوبا في رسالتها:

” إليك نبيل:

لا تسأل كيف عرفت اسمك فإني أعلم عنك أكثر مما تعلم أنت عن نفسك !  نحن النساء فضوليات جدا كما ترى، أما إذا ما همّنا أمر أو رابنا شيء مُريب فإنا نتحول إلى أجهزة مخابرات ذات كفاءة عالمية !

اغفر لي هذه المقدمة السخيفة أرجوك، فإنما أستغل هذه الفرصة لأفضي بكل ما أودّ قوله لك حتى إذا لم يُكتب لنا اللقاء لا يبقى بعض الكلام رهين قلبي الهشّ المريض فيزداد مرضا على مرضه !

أما بعد..

رأيتك أول ما رأيتك في ذلك اليوم من بداية السنة لما فتحت لك جدتي الباب.. تذكر ؟ كنتُ أقشّر البصل في المطبخ وأنفخُ في ملل.. فسمعتُ الباب يُفتح وصوتا ذكوريا يتكلم.. فكان عليّ لزاما أن أختلس نظرة من وراء الباب – كأي بنت في العالم – ورأيتك تكلم جدتي باستحياء، تسألها بيتا للكراء.. وعلى وجهك ابتسامة مشرقة كالشمس.. فأحببتك.

نعم، بهذه البساطة.. منذ تلك اللحظة أحببتك، وحتى اللحظة التي أكتب لك فيها هذه الكتابة على ورق التوابل – ويدي مبتلة بماء الطماطم – خُفية عن جدتي الفظة التي تغطّ في نومها الأسطوري الطويل، وتشخر شخيرها المرعب !

أحببتك يا نبيل.. هل تفهم ؟ أحببتك ولا تسألني كيف ذلك ولا لماذا أرجوك.. لأني يأست من البحث عن إجابات لمثل هذه الأسئلة التي دوّختني طوال أربعة أشهر كاملة.. أحببتك وكفى..

ماذا فعلت بي يا هذا ؟.. هل ألومك لأنك جئت عندنا أم ألوم نفسي وفضولي الذي دفعني لأن أتجسّس عليك من خلف باب المطبخ أم أفرح لكل هذا أم ماذا أفعل، أخبرني.. “

* * *

” سمعتُ البارحة صراخا رهيبا قبيل منتصف الليل، وقد كنتُ أستحم وقتها مثل أي بنت في العالم، وكانت جدتي – مرة أخرى – تشخر في نومها الأبدي.. فخرجت مفزوعة، ملفوفة بالمنشفة والماء يتقاطر من جسدي على البساط، ما سيجعل جدتي بعدها تسبني وتبصق في وجهي !

أيقظتها وأخبرتها بأمر الصرخة وأنها تصدر من عمارتنا لا شك في ذلك.. فقامت حافية القدمين تتأرجح من سكر النوم وما إن لمست قدماها المجعدتان البساط حتى صاحت إذ وجدته مبتلا، فسبتني سبّا مقذعا ولم تنس أن تبصق في وجهي طبعا !

مسحتُ وجهي غير سعيدة ونزلنا من فورنا نتفقد الأوضاع مع باقي الجيران.. وكم التاع قلبي لما علمتُ أن مصدر الصرخة كان بيتك المُضاء، وكنتَ أنت تواصل صراخك لا تزال، وتنشج نشيجا سالت له أدمعي خوفا وحزنا..

حاولت جدتي فتح الباب بأصابعها النحيفة فلما عرضتُ عليها المساعدة لكزتني بمرفقها حتى لقد كادت تثقب صدري !

وكان ما رأيت عند انفتاح الباب هو منظرك منطرحا على الأرض في وضع رهيب !.. تنظر باتجاه النافذة بعينين جاحظتين، ولما أن سألتك جدتي عن سبب كل هذا الصراخ الذي أيقظها أشرتَ إلى السرير.. ولم يكن ثمة حيث تُشير شيئا ذا بال، باستثناء النافذة المفتوحة والستار الذي تعبث به الرياح !

تجمّدتُ مكاني وضممت إليّ جناحي من الرهب والبرد الذي يهبّ من النافذة المفتوحة.. ولولا أن جرتني جدتي وهي تقرصني بأصابعها المعوجة لبقيت هناك للأبد !

ثم عدنا نعدّ أدراج السّلم وجدتي لا تكفّ عن قولها (جُنّ الولد.. جُنّ الولد !)

ما بك يا نبيل ؟ هل جننت فعلا ؟.. “

* * *

لازلتُ أكتبُ.. وقد اقتربتُ من إنهاء جوابي على الرسالة..

* * *

” نبيل.. أعرف أنك تُعاني.. لكن بم ؟

كل ما فيك – يا حبيب – يشي بمعاناة نفسية عنيفة.. لكن ما تكون ؟

هل تريد أن تعرف بعض أخباري ؟.. أنا أدرس بالسنة الثانوية الأخيرة، أعيش مع جدتي هنا لأن قريتنا ليست فيها ثانوية.. ليتك ترى كيف أعيش معها يا نبيل.. أسوء عشرة قد تخطر على بشري، حتى أنها لا تناديني إلا إذا أتبعت اسمي بسُبة معتبرة !

إني أموت كل يوم هنا يا نبيل.. ولو شئت أن أهرب معك لأي مكان آخر فأنا.. موافقة.

(أرجو أن تترك لي ردا أسفل المزهرية..)

ر.ر

* * *

أنهيتُ جواب الخطاب أخيرا.. وكان فيه:

“قرأت رسالتك.. وليس ما ذكرتِ فيها من شأني، ولا أحبك”.

سلام

يُتبع…

رأي واحد حول “الجنسية المستحيلة 4”

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s