قصص رعب وتشويق

الجنسية المستحيلة 3


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-3-

التجلّي الثاني

إن قُدرات أعصابنا في تحمل الألم والخوف محدودة، وعقولنا لكي تعمل بكفاءة تحتاج وسطا ملائما ونفْسا معتدلة ونَفَساً منتظما..

وهذا الترف لم أكن لأملكه يومئذ.. فقد كنتُ – داخل بيتي – واقفا كالخشبة، شاحبا كالموزة.. يجثم على صدري ذاك الشعور الثقيل الذي هو أشبه شيء بالتجمد، كأنما يكفّ عقلك ويستسلم فجأة ثم لا يهمّه – بعدها – تحريك أعصابك وعضلاتك.. فلتتصرف لوحدك !

كنتُ أمام التجلي الثاني..

القط نفسه.. واقفا على فراشي، ينظر لي بثبات مفزع..

من أين دخلت هذه المصيبة ؟

أردتُ أن أصرخ.. أردتُ أن أفر بجلدي لكن هيهات.. فقد هجرني عقلي لا أدري إلى أين، ودخلتُ في غيبوبة مُصمتة وأنا بعدُ يقظان !

القط الأسود المفزع واقف على قائمتيه فوق فراشي ينظر لي في مشهد خالد لن أنساه..

بله كان يُخاطبني !

كنتُ أسمع كلامه داخل رأسي.. كلام لا صوت له !

وبدأ جبيني يتصبّب ماء باردا.. فقد كنتُ أعي ما يقول !

* * *

“الجنّ بالكسر اسم جنس جمعيّ واحده جنيّ، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستّر والاستخفاء. وقد سمّوا بذلك لاجتنابهم من الناس فلا يُرون، والجمع جِنّان وهم الجِنّة”.

__ لسان العرب بتصرّف

“يُقال: امرأة جنيّة، أي كالجنّ، إما في جمالها وإما في تلونّها وابتدالها.. كقول الشاعر مُدرك ابن حصين:

ويحك يا جنيّ هل بدا لك … أن تُرجعي عقلي فقد أنى لك

* * *

فجأة.. دبّت الحركة في أوصالي وارتعدتُ رعدة كبيرة شهقتُ بعدها شهقة كانت احتبست في حلقي حتى نُسيت إخراجها !

سقطتُ أرضا وزحفت للوراء باتجاه الباب مطلقا لعقيرتي العنان لتخرج كل الرعبّ الذي كاد يفجّر قلبي.. أصرخ بكل ما أوتيت من قوة.. وذلك الشيء هناك لا يتحرك أبدا.. فقط ينظر لي !

الضمادات ملقاة على الأرض بيننا.. هو القطّ عينه الذي كنتُ أعالجه منذ قليل، لكن لا أثر عليه لأيّ إصابات !

حملتُ أول ما صادفته يدي المرتعشة.. صندلا.. رميته به..

أخطأه..

حملتُ شيئا آخر.. لستُ أذكر ماذا كان، لعلّه قدر أو ما أشبه.. رميته.

وهذه المرة أصاب رأس القطّ فسُمع لذلك فرقعة قوية !

* * *

“نوع من الأرواح العاقلة المريدة المكلّفة على نحو ما عليه الإنسان، مجردون عن المادة، مستترون عن الحواس، لا يرون على طبيعتهم ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل، يأكلون ويشربون ويتناكحون ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة”.

* * *

جعلت ضربتي رأس القط يرتدّ بعنف إلى الوراء ثم يعود لمكانه، كأن شيئا لم يقع.. كأنما هو دُمية لا حياة فيها !

(هل تلك ابتسامة ما أراه على ثغره ؟)

ضربتُ بكل ما أمامي كالمجنون حتى أني فتحت الثلاجة ورميته بكل ما فيها.. هذا ولم أتوقف لحظة عن الصراخ، فقد أردتُ أن تسمعني المدينة بأكملها حتى يعلموا أنها مسألة حياة أو موت  !

فُتح الباب..

أطلّت منهُ الشمطاء.. وبدت خلفها حفيدتها روقية تضمّ إليها يديها مذعورة !

– ماذا هناك أيها المنحوس ؟.. ما بك تصرخ في هذه الليلة الليلاء ؟.. أيقظتني من سباتي عليك اللـ…

توقفت عن زعيقها، إذ رأتني أشير بفزع إلى السرير..

– ما ذاك ؟..

أشرتُ للسرير..

– لا أرى شيئا !.. لقد جُننت يا ولد !

* * *

(إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم)

__ الأعراف 27

* * *

كم قطة رأينا ما كانت – في حقيقتها – قطة ؟ كم كلبا ؟ كم دمية مسكونة حملناها ضاحكين لاعبين، وهي لم تكن بريئة إلى ذلك الحد ؟

ربما أنت تمرّ كل يوم أمام عائلة من الجن فيقول أحدهم للآخر.. هاهوذا قد جاء ثانية !

* * *

لا تسألني كيف فهمت هذا الذي فهمته مما قاله لي.. إن أمكن تسمية فعله ذاك قولا !

ومثلما أنك تعجز عن تفسير رؤيتك أشياء وسماعك أصواتا بل وطيرانك في السماء دون أن تبرح فراشك الدافئ، في هدأة الليل وعيناك مغلقتان ! أجد نفسي عاجزا عن إيجاد كلمات تفي بغرض الوصف وتحمل لك الصورة والشعور نفسه الذي أريد إيضاحه دون نقصان..

جرّب أن تضع على أذنيك سماعات وارفع الصوت جدا ! جرب أن تشغل صوتا بهاتفك ثم ضعه أسفل وسادتك وأغلق عينيك.. هل تسمع صدى الصوت القادم من لا مكان ؟ فلتخيل لنفسك الآن أن هذا الكلام الذي لا تميز مصدره بوضوح لا صوت له أصلا ولا لغة  !.. يكون ماذا ؟

حسن، لن ألومك إن لم تستطع تخيل ذلك..

* * *

من أصوات الجن..

الدَّوِّيّ..

العزيف..

الصنج..

الزّيزاء،

الزّيزيم !

* * *

(قال) أنه جني..

قال أنّي ناديتهم بعبارات لا يقولها إلا خواصّهم..

(هل صوت اصطكاك أسناني ما أسمع الآن ؟)

قال أن بعض ما تلوته ذلك المساء معناه أني أطلب أن يمنحوني جنسيتهم وإني بذلك أوافق على خدمتهم !

قال أن الكلام الذي تلفظتُ به لا مرجع عنه.. وأنه مرسول إليّ كي يضرب لي موعدا بعد عصر يوم الأحد القادم، وسط غابة مهجورة تقع في مدخل المدينة !

خيط من سائل ساخن كان يخرج من فتحة سروالي..

سكت بعدها طويلا ثم قال وسط عقلي – إن بقي لي عقل – أنه استمتع كثيرا بإفزاعي ووضع قرون الماعز في مطبخي !

قال كل هذا – دون أن يفتح فما أو يحرك ساكنا ! – ثم ضحك ضحكته المتحشرجة تلك – داخل رأسي – وقفز من النافذة بوثبة واحدة  !

ولم أضحك أنا.. بل أُغمي عليّ..

يُتبع..

رفعت خالد المزوضي

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s