قصص رعب وتشويق

الجنسية المستحيلة 2


desktop-1406691652

(قصة مُسَلسَلَة)

-2-

الضمّادات !

في الأيام التي تلت (حادثة القط) تعكّرت نفسيتي كثيرا وحاولت إقناع نفسي بأن ما رأيته لا يعدو أن يكون هلاوسا وضلالات.. وإن ذلك لفي الإمكان، إلا أنه لا يريحني بحال من الأحوال، فليس لعبة ممتعة أن تتوهم رؤية قطّ واقف على رجليه، يبتسم لك – كالبشر – أنت بالذات  !

وكان رأي أسامة رأيا مباشرا قاطعا.. (احرق الكتب اللعينة!)

حسن، أعتقد أني لا أقوى على ذلك بعدُ.. وإن كانت فكرة الحرق هذه ستروق كثيرا للعجوز الشمطاء، صاحبة البيت..

لكن تلك الواقعة الغريبة، زلزلت نفسيتي زلزالا عظيما وعكّرت هدوئي الذي كنتُ أنعمُ به منذ أن استقرّت أحوالي الدراسية والسكنية أخيرا.. واكتشفت أني لستُ شجاعا كما كنت أظن، ولا قويّ الشخصية إلى ذلك الحدّ الذي حسبت.. هذا الضعف البشري الذي لا حدود له.. وإننا – في كل تجربة نخوض غمارها وتخوضنا – يتضح الفرق بين ما نريد أن نكونه وبين ما نحن عليه في الحقيقة !

أما الآن فصار خيال الشمعة التي أدرس عليها بالليل يُفزعني !  وصرت أغلق عليّ بيتي بإحكام عند منتصف الليل.. وأعتبر البهو خارج ملكيتي.. الحمام كذلك لا حاجة لي به، فلأبق في فراشي أحسن لي وأسلم..

أعرف أنني أرى أشياء غريبة الشكل تتحرك في ظلال الحائط وإن كان كل شيء حولي هادئا.. لكني لا ألتفت لذلك ولا أريد أن أصدّقه!

أعرف أن إطلال المرء من نافذته سلوك بشري عادي.. لكني منعته على نفسي إذا ما جنّ الليل.. فليلي لا يجنّ فقط.. بل ويجنّ جنونه كذلك !

أعرف أن بعض الأواني في المطبخ لم أستعملها في بعض الأيام ولم آكل فيها رأس الماعز.. ومن قال أني أحبّ رأس الماعز أصلا ؟ لكن أمور كهذه قد تحدث.. أن تجد قرونا وبقايا رأس ماعز.. هذا أمر طبيعي.. ولم لا تجد قرونا في مطبخك ؟

ربما هو حفيد الشمطاء من يستعمل الأواني في غيابي ويتركها متسخة كما هي.. أليس هذا ممكنا ؟ أخبروني أنه ممكن أرجوكم..

لماذا كل هذا الخوف إذا ؟.. ولماذا ترتعش يدي وهي تكتب هذه الكلمات بالذات ؟.. تبا..

* * *

هل أبوح لكم بسر؟.. أنا أخشى النساء.. لا أعلم إن كان يوجد في قواميس الطب مرض اسمه (فوبيا المرأة)، لكني أخافهن.. وكلما ابتسمن وتدللّن وخضعن في القول نما خوفي وازداد.. لا يمكن أن يكون هذا الذي أعرفه من نفسي إلا مرضا..

لماذا ؟.. لا أدري، ربما هي آثار قديمة حُفرت بذاكرتي.. ومن يدّعي معرفة النساء كلّ المعرفة ؟.. ألا يخيفك أن يقول كبار علماء النفس أنهم لا يفهمون المرأة تماما ؟.. ثم قل لي جريمة أو خطيئة واحدة ليست المرأة سببا أو طرفا أو نتيجة فيها وإن بشكل غير مباشر..

لستُ أكره النساء.. بل لأني لا أملك أن أكرههن أخافهن !

المرأة إذا لم تعرف مكانها الطبيعي في المجتمع فإنها تصير – ولابد – مشكلا من مشاكل الحياة العويصة وحبلا قاتلا من حبائل الشيطان وفتنة لنفسها وللناس جميعا  !

حبّ المرأة مشكل.. كُرهها مشكل.. غيرتها مشكل.. وماديتها وانطلاقها في مُتع الحياة كل أولئك مصيبة على الرجل ! إن لم يكن محظوظا..

كلا، لا أكره النساء، فهنّ شقائق الرجال طبعا.. ولستُ أطيق العنصرية بكل أنواعها، ولكني أرى وأسمع ما يحدث للناس كل يوم.. ومنهم من هو أفضل مني وأجلّ بآلاف السنوات الضوئية ! فلن أزيف الواقع لأجل أن أرضي خواطر بعضهم.

أما رأيي – لنخرج من هذه الفوضى التي نعيشها في الأسر والشوارع – أن على النساء الكفّ عن دراسة الفيزياء والرياضيات والإقبال على دراسة حقيقة دين الإسلام الذي لا يعرف أكثرهن منه حتى طريقة الوضوء، ويدرسن بعدها معنى الأنوثة و(الذكاء العاطفي) بدل علوم الحواسيب و(الذكاء الاصطناعي).. لأن الأنثى هي زهرة الحياة التي حباها الله بهذه المواهب الفريدة التي قد لا يفقه الرجل فيها حرفا.. ولأن بمقدور هذه المرأة أن تزوّد أولادها ورجلها بقبلة واحدة فيها الدواء كله  ! فكيف بالطبيب إن جهل الطب وعدم الدواء ؟ وما نفع فصاحته – بعدُ – وعلمه في الحساب ؟

تخيلوا !.. حتى سبب اهتمامي بالماورائيات امرأة !.. وذلك أني شككت مرة في أمر واحدة من الطالبات في كليتي، شككتُ في أن تكون سحرتني لأنها تحبني بجنون كما قال لي بعضهم !.. المرأة لوحدها سِحر، فكيف بالمرأة الساحرة ؟

بدت عليّ بعض أعراض السحر فعلا.. فهرعت أطلب الرقية من صاحبي العزيز أسامة، وبعد أن شُفيتُ – إلى حدّ ما – أردتُ معرفة هذه الطّرق الشيطانية لأحذَرها وأحذّر منها، فكان أن اشتريتُ بعض الكُتب الممنوعة، وليتني لم أفعل، فقد كانت بداية إدماني الذي لم أتخلص منه لحدّ الساعة..

لماذا أحدثكم عن النساء ؟.. نعم، أتذكر الآن، إنها حفيدة الشمطاء (روقية) التي طرقت بابي اليوم لتقدم لي صحنا من السمك المقلي.. وابتسمت لي تلك الابتسامة غير العادية..

ابتسامة المرأة مشكلٌ كذلك  !

* * *

في مساء صموت، بينما أراجع درسا في تشريح الصدر إذا بشيء يرتطم بالنافذة المطلّة على الشارع !

أفقتُ من سهوي ونظرت للنافذة بجزع.. أي شيء ؟ ألن يكفّ هذا الجنون ؟

“نبيل!”

أحدهم يناديني.. قُمتُ لأفتح النافذة مُخالفا قرار المنع الذي اتخذته في حق نفسي..

إنه البائع في دكان الحيّ.. مُراد. قذف شيئا ما على نافذتي على سبيل النداء المهذّب !

– ماذا هناك.. مراد ؟

– أهلا دكتور.. كيف حالك ؟ بخير ؟ كيف هي صحتك، لا بأس ؟ العائلة ؟ كل شيء بخير ؟..

– الحمد لله.. ما الأمر ؟

– هل تدرسون عن الحيوانات أيضا في كلية الطب ؟.. أحتاجك في أمر عاجل.. انزل !

– آآ.. ليس تماما.. ما ذاك ؟

– قطّ مسكين صدمته سيارة مسرعة.. لازال يتنفس..

– …

– انزل فورا !

ما قصتي مع القطط هذه الأيام ؟

لم أجد بدّا من النزول.. فنزلت.

وبالأسفل وجدته قد حمل القط إلى جانب الطريق..

وضعتُ بعض أدوات الإسعاف جانبا وانحنيتُ أنظر للقط المصاب.. لا داعي لوصف المشهد. كل ما في الأمر أن هناك دماء وبعض العظام المكسورة.. الأهم أن نَفَسُه لازال يتردّد..

– سأتركك تنجز مهمتك يا دكتور.. جُزيت خيرا.

قالها وانصرف.. ليعود بعد ثوان راكضا..

– هل تحتاج شيئا ؟

– لا، شكرا.. عندي كل شيء.

أجبته وأغلقت ياقة المعطف.. البرد شديد..

وحدي مع القط التعيس.. أضمّد مكان الجرح وأحاول جبر بعض الكسور مع ما في ذلك من صعوبة..

كان المسكين يئنّ بتهالك.. و..

ولم يحدث شيء.. وقفت أنظر لما صنعتُ.. هناك قطع جبن بجانبه، ولكن شهيته ليست في أوجها الآن طبعا..

انصرفت..

* * *

المشكل الآن ليس في القط.. المشكل في هذه الضمادات المتسخة.. ماذا تفعل في حجرتي ؟؟

ألقيت علبة الأدوات وأمسكتُ رأسي مصدوما..

ماذا يحدث لي ؟ هل جُننت ؟

مشيتُ بحذر إلى الثلاجة الصغيرة.. أخرجتُ منها قنينة الماء الزرقاء.. وشربتُ كثيرا، فما عاد بحلقي ريق يُبلع !

وهنا.. أحسستُ (بوجود) ما في الغرفة !.. تعرفون هذا الشعور ؟.. شيء ما أضيف إلى ذرات الهواء.. أحدهم يُشاركك التنفس لأن كمية الأوكسجين تنفد بسرعة !

التفتُّ خلفي، وهنا.. فقدت أصابعي سيطرتها على القنينة، فسقطت من يدي محدثة صوتا حادا !

فقد كنتُ أمام.. التجلّي الثاني !

يُتبع…

رفعت خالد المزوضي

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s