قصص رعب وتشويق

الجنسية المستحيلة 1


desktop-1406691652

(قصة مُسَلسَلَة)

-1-

التجليّ الأول

إنه ولعي بالغرائب الذي قادني إلى كل تلك المصائب.. ولأنني إنسانٌ ملول جدا بطبعي لم أطق أن أحيا بالسطحية التي يحيا بها أكثر الناس، فكان أن انكببتُ على كُتب غرائب الأحداث و مصنفات عجائب الوقائع أبحث عن الجديد الذي لم يُخبَر والمجهول الذي لم يُسبَر، والمشكلات التي أعجزت عقول من قبلنا فتركوها متراكمة على عتبات التاريخ ومضوا في طريقهم متناسين..

قرأتُ الكثير من تلك الأشياء حتى تكدّست حُجرتي الصغيرة بمئات المؤلفات والمجلدات المهترئة.. وكنتُ – بين الفينة والأخرى – أسمع لوم المرأة العجوز التي أكتري غرفتها، تلقيه عليّ كلما أطلّت بوجهها المجعّد من نافذة البهو الصغيرة..

“يا هذا المنحوس.. ألن تكُفّ عن عادة تضييع النقود في التوافه، أنت تؤخر ثمن الكراء مدعيا أنك صعلوك لا مال له فأغفر لك، وأرجئ الموعد في كل مرة.. كريمة أنا، لكن للكرم حدود، فعندما أرى كتبا جديدة لم أرها من قبل في مزبلة كتبك هذه.. أعرف أنك تجمع المال.. كح كح.. انظر لبيتك أيها المنحوس.. ليس فيه شيء تقريبا، ألن تشتري دولابا، مكتبا، مزهرية.. كما يفعل الطلاب الحقيقيون ؟.. تبا لهذا الجيل المعتوه.. كح كح”

كذا.. ثم تمضي ببساطة !

عجيب أمر هذه العجوز الشمطاء.. كم تُشبه الساحرات في القصص الخرافية، مظهرا وجوهرا وكلاما !.. تنقصها فقط حبة كبيرة على الأنف وضحكة رفيعة مجلجلة !

ثم لماذا هذا التدخل السافر في الشؤون الشخصية ؟  لستُ ابنها ولا حفيدها – لحسن الحظ – لتمطرني بهذا القول الممل.. ولكن من يستطيع أن يردّ كلام هذه (المصيبة) أصلا ؟

يا هذه.. لا أريد دولابا ولا مزهرية ولا مكنسة كهربائية.. أريد كتبا !

* * *

الحق أني بالغت..

فقد جمعت الكتب التي قرأت في صناديق، ثم لما تكاثرت الصناديق ركمت بعضها فوق بعض ووضعتها حيثما اتفق.. ثم أتى اليوم الذي لم يعد فيه ثمة مكان شاغر تقريبا، وصار سريري محاصرا بالصناديق وأضحيتُ أنام كما لو كنتُ في مخزن سلع !

نعم.. قد بالغت، أعترف بذلك وأقرّ. والأدهى من هذا والأخطر هو نوعية الكتب التي بتّ أقرأ ! هذا مع ما سمعته من تحذيرات واحد من أصحابي المتدينين إلا أن عنادي وصلابة رأسي حجبا عني أكثر تلك النصائح..

كُتبُ السّحر والتعاويذ الغامضة بلغات عدة التهمتها.. وكانت شهيتي تتفتّح أكثر كلما أنهيت واحدا منها..

شيء ما استحوذني لا أدري ما هو.. حتى صرت أنسى الطعام، بل وأنسى النوم !.. ومع ذلك بقي صوت دفين يتردد بأرجاء عقلي من مكان سحيق، أسّمع فيه أحيانا بعضا من نصائح صاحبي تُعاد عليّ.. وأحيانا أخرى تأتيني مواعظ ووصايا لو كتبتها على الورق لحسبني من يقرأها زاهدا من كبار الزهاد..

ولكن هذا المكان المجهول الذي تأتي منه تلك الإرشادات مغلق في غرفة غير معروفة بداخل النفس البشرية.. لا يُسمح بأن تٌفتح لينتشر النور ويبدد ظلمة النفس.. فللهوى سلطان فعلا.. وهواي كان يفرض سلطانه عليّ – للأسف – ويرفع رايته على (أراضيه المحتلة) !

ربما كادت يدي أن تغلق المجلد مرة أو مرتين إلا أنها تتصلّب وتكفّ.. وكأنما هي ليست يدي.. ماذا يحدث لي ؟

* * *

في ذات ليلة غائمة ممطرة قمتُ من فراشي لأفتح النافذة وأتأمل المنظر الخارجي الهادئ..

ملأت رئتي من الهواء البارد ولامس وجنتي رذاذ المطر المحبّب.. تركت نصف النافذة مفتوحا حتى يتجدّد هواء الحجرة المستعمل وعُدت لمكاني..

إلا أني توقفت في طريقي فجأة، وقد انتبهتُ لأمر غريب رأيته وأغفلته !

تلك اللحظات من الحيرة الإنسانية التي يختلط فيها الوهم بالحقيقة.. ويتداخل الحلم بالواقع،  فتسأل نفسك (هل حقا رأيتُ ما رأيت ؟).. وكأن نفسك رأت وأنت لم تر !.. تلك اللحظات التي تشك في كونك واحدا !

عُدتُ بخطى بطيئة إلى النافذة.. متمنيا أن تبتعد النافذة عني أو تجرني خطواتي للوراء !

وصلتُ للنافذة وأدخلت رأسي في إطارها ببطئ رهيب.. لا أريد أن أرى.. لكن يجب أن أرى !

نظرت أسفل البناية.. إلى الإسفلت المبلل..

وقد كان هناك.. كما حسبتني توهمت !

بردت أطرافي الدافئة دفعة واحدة !

عُدت برأسي إلى الداخل.. وانتبهت إلى أن شعر رأسي واقف تقريبا.. فركتُ عينيّ وفتحتهما عن آخرهما لأوسّع مُدخلهما..

كنتُ أتنفّس بصعوبة وبداخلي رغبة ملحّة بالصّراخ.. لكني اكتفيت بصفع دفة النافذة بعنف ثم غلّقتها بيد ترفرف..

تبا.. إنه هناك.. ينظر لي !

* * *

في صباح الغد، كنتُ جالسا بمقهى الكلية أرشف من كأس الشاي الساخن رشفات متتالية.. شارد الذهن، يجلس بجانبي صاحبي المتدين إياه.. أسامة.

ظل صامتا يرقب الفراغ مثلي، ثم إنه التفت إلي وحدجتني عيناه من فوق النظارة الطبية وثغره يتلألأ بابتسامته المعتادة الصافية وقال:

– ما بك يا نبيل ؟ أراك مذعورا اليوم.. هل رأيت شيئا مخيفا ؟

– تماما..

– أنا جاد في ما أقول..

– وأنا..

كنتُ أجيبه وسط شرودي دون أن أنظر إليه، فأشاح بوجهه عني ، وتنهّد بنفاذ صبر ثم قال:

– كم نصحتك أن تقلع عن النظر في تلك الكتب السوداء.. لكن رأسك الصّلب هذا سيجرّك لما لا تُحمد عاقبته يا نبيل..

رفعتُ رأسي هذه المرة ونظرت له بصمت.. رأيت لحيته الجميلة، ورأيت عينيه الواسعتين، فأيقنتُ فورا أنه على حق، وكأن بداخلي – وسط أحشائي – جهازا يكشف الحقيقة عليه زران أخضر وأحمر.. وكأني – الآن – بذلك الجهاز يتوهّج بأخضر جميل !

يجب أن أدع تلك الكتب اللعينة، إلا أفعل تقودني للجنون حتما !.. ولكن قبل ذلك عليّ أن أحرّر نفسي أولا من الهوى الغازي..

– نبيل ؟.. أنا هنا، هل تراني ؟

قالها أسامة ساخرا، ملوّحا بيديه..

أفقت من غيبوبتي والتفتّ أكتشف المكان كأنما أدخله أول مرة !

– نعم، نعم.. طبعا، ماذا كنا نقول ؟

– يا سلام.. سألتك هل رأيت شيئا مخيفا، قلتَ (تماما).. ماذا رأيت ؟

ارتعش لحمي لما انتبهتُ لسؤاله الذي ذكرني بمشهد البارحة ، فقلتُ له هامسا وقد بدا على ملامحي الارتباك:

– اسمع يا أسامة.. لم أنم البارحة، فقد كنتُ أقرأ إلى ساعة متأخرة من الليل في كتاب (شرح غريب المعان في لسان العفاريت والجان).. ثم بعد أن كلّ بصري وتعب ذهني من طول التركيز على صفحات الكتاب العتيق قمتُ إلى النافذة أفتحها لأتملّى بمنظر الغيث المنهمر..

رأيتُ  الحيّ الخلفي الهادئ غارقا في ظلمة باردة، وبقعة نور هنالك يضيئها عمود الإنارة الوحيد بتقطّع.. فرأيتُ أنصاف الأشياء كلّما أضاء ورأيتُ خيوط المطر تدكّ الأرض دكّا..

سحبت نفسا عميقا أنعشني ثم رفعت رأسي أنظر لصفحة السماء الداكنة، وقد حجبت الغيوم زينتها، والقمر يتراءى بصعوبة على هيئة بقعة رمادية مضبّبة..”

سكتَّ لبرهة ألتقطُ أنفاسي.. كنت أطيل الوصف لعلي أغير رأيي فلا أذكر الذي رأيت.. وأسامة ينظر بوجه يملؤه التساؤل..

واصلتُ همسي وأنا أدنو منه مسندا مرفقي على الطاولة:

–  تركت النافذة مفتوحة وهممتُ عائدا لحجرتي وكتابي قبل أن أفطن إلى أن عيناي التقطتا شيئا ما بين وهجات الضوء المتقطعة و…

– أوووه.. ماذا رأيت يا نبيل ؟ أنت تقتلني بوصفك هذا.. أسرع أرجوك فالمحاضرة بعد ثوان !

– حسن، حسن.. احم.. رأيت قطا.

– هل تعبث بي يا نبيل ؟..

– كلاّ.. لا أفعل.

بلعتُ ريقي ورفعتُ ناظريّ مركزا عليه وضاغطا على كلماتي قلتُ:

– رأيت قطا.. واقفا على قائمتيه الخلفيتين.. ينظرُ لي ويبتسم !

يُتبع…

رفعت خالد المزوضي

رأيان حول “الجنسية المستحيلة 1”

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s