شذرات

ماذا كانت لتقول لنا لو ملكت لسانا مُبينا ؟


Animal_Logo_1

تأملتُ هذا المساء في مسألة انقراض فصائل من الحيوانات وتعمقت في التأمل حتى حزنت حزنا جمّا، ووجدت في نفسي من حرّ العاطفة ما وجدت.. لاسيما وقد رأيت صورا لحيوانات انقرضت حديثا ممن أمكن التقاط صور لآخر أفرادها.. فرأيت نوعا جميلا جدا من الدلافين – لونه وردي – وله فم طويل كالمنقار، قالوا أنه كان مسالما يعيش في منطقة قرب الصين لأكثر من عشرين مليون سنة – والله أعلم – فجاء هذا الإنسان ولوّث البحر فكان ذلك سببا لانقراض هذا الكائن الجميل بإذن الله.. وكذلك انقرض (الضفدع الذهبي) وهو نوع من الضفادع لونه كلون الذهب، قالوا كان انقراضه بسبب ثقب الأوزون.. وبالمثل ضاعت آخر أفراد نوع جميل من الحمام الزاجل بأمريكا في عشرينيات القرن الماضي بسبب الإفراط في صيده وذبحه من طرف الفلاحين الهمج، وكم التاع فؤادي وأنا أرى صورة آخر حمامة من ذلك الحمام بالأبيض والأسود، تنظر للعدسة كأنما تودعنا ! إنه – لمن تأمله – لموضوع حزين مقبض.. لأن انقراض تلك الكائنات يعني الاختفاء من على وجه البسيطة للأبد، إلا أن يشاء ربي شيئا.. ويستمر هذا الإنسان الظالم في إهلاك الحرث والنسل غير عابئ ولا مكترث بإخوانه من بني جلدته ولا بذوات الأكباد الرطبة من هذه الكائنات التي بعضها يقتات من فتات خبزنا، فماذا كانت لتقول لنا هذه البهائم لو ملكت لسانا مبينا ؟

رفعت خالد المزوضي

Advertisements
قصص رعب

الجنسية المستحيلة 3


desktop-1406691652

قصة مُسَلسَلة

-3-

التجلّي الثاني

إن قُدرات أعصابنا في تحمل الألم والخوف محدودة، وعقولنا لكي تعمل بكفاءة تحتاج وسطا ملائما ونفْسا معتدلة ونَفَساً منتظما..

وهذا الترف لم أكن لأملكه يومئذ.. فقد كنتُ – داخل بيتي – واقفا كالخشبة، شاحبا كالموزة.. يجثم على صدري ذاك الشعور الثقيل الذي هو أشبه شيء بالتجمد، كأنما يكفّ عقلك ويستسلم فجأة ثم لا يهمّه – بعدها – تحريك أعصابك وعضلاتك.. فلتتصرف لوحدك !

كنتُ أمام التجلي الثاني..

القط نفسه.. واقفا على فراشي، ينظر لي بثبات مفزع..

من أين دخلت هذه المصيبة ؟

أردتُ أن أصرخ.. أردتُ أن أفر بجلدي لكن هيهات.. فقد هجرني عقلي لا أدري إلى أين، ودخلتُ في غيبوبة مُصمتة وأنا بعدُ يقظان !

القط الأسود المفزع واقف على قائمتيه فوق فراشي ينظر لي في مشهد خالد لن أنساه..

بله كان يُخاطبني !

كنتُ أسمع كلامه داخل رأسي.. كلام لا صوت له !

وبدأ جبيني يتصبّب ماء باردا.. فقد كنتُ أعي ما يقول !

* * *

Continue reading “الجنسية المستحيلة 3”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 2


desktop-1406691652

(قصة مُسَلسَلَة)

-2-

الضمّادات !

في الأيام التي تلت (حادثة القط) تعكّرت نفسيتي كثيرا وحاولت إقناع نفسي بأن ما رأيته لا يعدو أن يكون هلاوسا وضلالات.. وإن ذلك لفي الإمكان، إلا أنه لا يريحني بحال من الأحوال، فليس لعبة ممتعة أن تتوهم رؤية قطّ واقف على رجليه، يبتسم لك – كالبشر – أنت بالذات  !

وكان رأي أسامة رأيا مباشرا قاطعا.. (احرق الكتب اللعينة!)

حسن، أعتقد أني لا أقوى على ذلك بعدُ.. وإن كانت فكرة الحرق هذه ستروق كثيرا للعجوز الشمطاء، صاحبة البيت..

لكن تلك الواقعة الغريبة، زلزلت نفسيتي زلزالا عظيما وعكّرت هدوئي الذي كنتُ أنعمُ به منذ أن استقرّت أحوالي الدراسية والسكنية أخيرا.. واكتشفت أني لستُ شجاعا كما كنت أظن، ولا قويّ الشخصية إلى ذلك الحدّ الذي حسبت.. هذا الضعف البشري الذي لا حدود له.. وإننا – في كل تجربة نخوض غمارها وتخوضنا – يتضح الفرق بين ما نريد أن نكونه وبين ما نحن عليه في الحقيقة !

أما الآن فصار خيال الشمعة التي أدرس عليها بالليل يُفزعني !  وصرت أغلق عليّ بيتي بإحكام عند منتصف الليل.. وأعتبر البهو خارج ملكيتي.. الحمام كذلك لا حاجة لي به، فلأبق في فراشي أحسن لي وأسلم..

أعرف أنني أرى أشياء غريبة الشكل تتحرك في ظلال الحائط وإن كان كل شيء حولي هادئا.. لكني لا ألتفت لذلك ولا أريد أن أصدّقه!

أعرف أن إطلال المرء من نافذته سلوك بشري عادي.. لكني منعته على نفسي إذا ما جنّ الليل.. فليلي لا يجنّ فقط.. بل ويجنّ جنونه كذلك !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 2”

قصص رعب

الجنسية المستحيلة 1


desktop-1406691652

(قصة مُسَلسَلَة)

-1-

التجليّ الأول

إنه ولعي بالغرائب الذي قادني إلى كل تلك المصائب.. ولأنني إنسانٌ ملول جدا بطبعي لم أطق أن أحيا بالسطحية التي يحيا بها أكثر الناس، فكان أن انكببتُ على كُتب غرائب الأحداث و مصنفات عجائب الوقائع أبحث عن الجديد الذي لم يُخبَر والمجهول الذي لم يُسبَر، والمشكلات التي أعجزت عقول من قبلنا فتركوها متراكمة على عتبات التاريخ ومضوا في طريقهم متناسين..

قرأتُ الكثير من تلك الأشياء حتى تكدّست حُجرتي الصغيرة بمئات المؤلفات والمجلدات المهترئة.. وكنتُ – بين الفينة والأخرى – أسمع لوم المرأة العجوز التي أكتري غرفتها، تلقيه عليّ كلما أطلّت بوجهها المجعّد من نافذة البهو الصغيرة..

“يا هذا المنحوس.. ألن تكُفّ عن عادة تضييع النقود في التوافه، أنت تؤخر ثمن الكراء مدعيا أنك صعلوك لا مال له فأغفر لك، وأرجئ الموعد في كل مرة.. كريمة أنا، لكن للكرم حدود، فعندما أرى كتبا جديدة لم أرها من قبل في مزبلة كتبك هذه.. أعرف أنك تجمع المال.. كح كح.. انظر لبيتك أيها المنحوس.. ليس فيه شيء تقريبا، ألن تشتري دولابا، مكتبا، مزهرية.. كما يفعل الطلاب الحقيقيون ؟.. تبا لهذا الجيل المعتوه.. كح كح”

كذا.. ثم تمضي ببساطة !

Continue reading “الجنسية المستحيلة 1”

قصص متنوعة

العجوز والمقهى


pexels-photo-large

(قصة قصيرة)

وضع النّادل الوسيم أمامي كأسَيْ القهوة والماء وجريدة اليوم، ثم ابتسمَ في أدب (تجاري) قبل أن ينصرف بخفة..

حملتُ كيس مسحوق السكر أتأمله بتراخ.. هذه الشعارات والأسماء والعبارات الإعلانية من قبيل (نحن الأفضل) تطاردنا في كل مكان.. متى – يا تُرى – كان سكرٌ أفضل من آخر ؟.. أعتقد أنهم لو كانوا يبيعون التراب لقالوا (ترابنا أفضل) !

مزّقتُ الكيس بعنف ساخرا مما كُتب عليه، ثم أفرغته بأكمله.. صوتُ الملعقة وهي تخلط الأبيض بالأسود في الفنجان حملني بعيدا، إلى أحلام اليقظة التي أدمنتها.. ولمّا أن عدتُ منها، واسترجعتُ وعيي وانتباهي جعلتُ أقلّب صفحات الجريدة بين يديّ فارّا من الإعلانات وعبارات (نحن الأفضل) إياها التي تطلّ عليّ من كلّ مكان.. تكاد تُخرج لي لسانها !

أغاظتني بعض العناوين وأثارت تعجبي أخرى.. فكان كل ما أقرؤه يُترجم فوريا على ملامح وجهي المجعدة وحاجبي الكثين.. وكنتُ بين الفينة والأخرى أدوّن عبارات تهمني على مذكرتي..  

حييتُ وجها أعرفه مرّ مُسرعا أمامي..

وضعتُ الجريدة بملل، وحملت المذكرة أنظر لما كتبتُ، وأطرق الطاولة بقلمي مفكرا..

ثم أخرجتُ أوراقا بيضاء وشرعت أكتبُ نصا طويلا مستعملا بعض ما استخرجته من إحدى المقالات..

تذكرت القهوة فجأة، لابد أنها بردت.. تناولت الفنجان ومددت رقبتي لأريحها قليلا، فطالعني منظر رجل بعيد يقتعد مقعدا قبالتي ويحمل قلما على ما يبدو، وفنجان قهوة باليد الأخرى.. وكان يمدّ رقبته هو الآخر !

Continue reading “العجوز والمقهى”

شذرات

لماذا كل هذا الغلّ ؟


ksa-flag-620x330

حتى قبل فاجعة منى بأرض الحرمين كنتُ أشمّ دخان الغلّ هذا بين عناوين المقالات العريضة التي تنتهي بعلامات تعجب خبيثة.. وكنتُ أشمّه في أفواه الكثير من الناس كلما تكلّموا عن السعودية، والخليج عموما.. كمية من الغلّ والسخرية تثير العجب ! وقد يقول قائلهم.. هؤلاء الأثرياء المدللون يفسدون بناتنا ويتكبرون علينا بأموالهم.. من هم هؤلاء الذين يفعلون هذا ؟ آالسعوديون كلهم ؟ أم حفنة من الشباب الطائش ؟ وأي بلد هذا الذي ليس فيه شباب طائش ؟ وماذا يفعل شبابنا في أوروبا يا ترى ؟ ماذا تفعل بناتنا ؟ وي كأننا نحن أعفّ الناس وأطهرهم ؟ وي كأنّا لو امتلكنا أموالهم وثرواتهم لوزعناها على الفقراء وأعيننا تفيض من الدمع ؟.. ما أرى ذلك إلا كرها مبطنا للإسلام من بعض المنافقين، يخرج من قلوبهم المسمومة رأسا إلى أفواههم فيلفظون مثل هذه الألفاظ، أو هو الحسد أعمى أبصار آخرين وبصائرهم ! ثم هذه الفاجعة الأليمة، رحمة الله على من كانت سببا في وفاته، ألم تحدث بقدر من الله ؟.. وسواء أكان تقصيرا أم شيئا مخططا يعلم الله خبيئته.. فهو قدر على كل حال، وما كان إلا ليقع شئنا أم أبينا، فلا يبقى لنا إلا الصبر والاحتساب وقول ما يرضي الإله من القول، وكذلك نحث على محاسبة كل من قصّر أو كان سببا مباشرا كيفما كان بعدل وحكمة وبلا استثارة للقلاقل وبلا مظاهرات وثورات شيطانية.. كذا علينا التثبت أمام كلام القنوات المغرض المشبوه الذي يصوّر السعودية بصورة هي أقبح من صورة الصهاينة، حتى لا نكون من الشامتين بإخواننا من السنيين في أرض الإسلام والسنة – حرسها الله – كما يفعل شياطين الشيعة ومن معهم..

رفعت خالد المزوضي

خواطر عن الكتابة, شذرات

لن يجدوه أبدا !


reading

لكل كاتب بداية، وهي دائما بين صفحات قصة أطفال بسيطة مضحكة.. لكنها – على بساطتها – مهمة بالغ الأهمية، إذ جعلت ذلك الطفل الفضولي يتذوق لذة جديدة ما كان يحلم بها، وربما انقدحت في لاوعيه منذ ذلك الحين فكرة الكتابة.. هذه اللعبة الغامضة التي يمارسها أناس غامضون فيخرجون لنا هذه العوالم السحرية الخيالية.. ومن ثمّ تجد هذا الطفل يبحث بين صفحات القصص الملونة عن المزيد، وسرعان ما تراه – وقد كبر – يبحث بين صفحات كتب أكثر سمكا وجدية.. يبحثُ عن ذلك العمل الكامل الذي يشفي غليله فلا يجده.. وربما هذا أهم الدوافع التي تدفع أكثر كتاب العالم ليكتبوا ما يكتبون.. إنهم يبحثون في دواخلهم عن ذلك العمل المفقود بعد أن لم يجدوه في كتب من قبلهم.. يبحثون عن العمل الذي لم يكتبه أحد بعد.. وأعتقد أنهم لن يجدوه أبدا !

رفعت خالد المزوضي