الإنسان.. هذا البائس المسكين !


man_at_crossroad_450

يُنفق الإنسان – هذا البائس المسكين – من عمره سنوات ذوات العدد حتى يتسنّى له إدراك حقيقة ما استطاع من ألغاز هذا العالم الذي أناخ فيه راحلته.. ويفهم ما يُطيق من غوامض نفسه البشرية التي تلهج بداخله وتلهث وتتلاطم فيها النوازع والشهوات تلاطم أمواج البحر العاتيات.. أما النفوس البشرية الغريبة الملثمة من حوله فيكاد ينعدم السبيل إلى سبر أغوارها !

وهكذا يذهب شطرٌ مهم من عمر هذا الإنسان في فضول الاكتشاف ولذة التجريب قبل أن ينتبه لنفسه وهو في منتصف العمر – أو يزيد – واقفا في مفترق طرق متشابك مُحيّر.. فيتلفّت خلفه بحسرة، كيف مضى كل هذا العمر ولم يُحقّق – بعدُ – شيئا من أحلام قلبه القديمة وأمانيه المتراكمة ؟.. كيف مضى ما مضى وهو يكاد يكون نكرة لم يترك لأقاربه وذويه ما يذكرونه به بعد رحيله، فضلا عن تركة تذكره بها الإنسانية جمعاء !

وكذلك يجد الإنسان – هذا البائس المسكين – نفسه أمام خيارات صعبة مُخيفة.. أيستمر في سيره مع السائرين دون سؤال عن الوجهة.. متغافلا، مُتظاهرا بأن الحياة رائعة وأن كل شيء على ما يُرام ؟ هل يسكتُ عما يعلمه من الحق الذي تكاد فطرته تُقسم على صحّته – لو ملكت لسانا مبينا – لينعم بالراحة وينجو من الجدال ويفلت من العداوات التي لا يفلت منها من أعلن الحقّ أبدا ؟.. هل يجرؤ ؟

هل يحافظ على علاقاته وصداقاته التي علق به بعضها منذ سنوات الجهل المطبق والغفلة العمياء ؟ أم يعيد النظر فيها ويُحقّق في حقيقتها بتجرّد وبلا تردّد حتى يخرج بحكم فصل قاطع ينفذه كما هو متوكلا على ربه، مُخلصا له كل الإخلاص ؟.. هل يجرؤ ؟

هل يبدأ رحلة طويلة، لا ضمان للعودة منها، لينقّب في كل حضارة وكل ثقافة وعقيدة وثنية كانت أم موحّدة، خرافية أم فطرية جِبلّية إنسانية ؟ أم أن عليه الاسترشاد بفطرته الأصلية وتغليب اعتقاده الأول الصافي الذي عرفه منذ عقل أنه كائن موجود، ومنذ كان يرفع وجهه الصغير البريء للسقف باحثا عن الخالق العظيم دون أن يأمره بذلك أحدٌ ؟.. فينطلق من هذه الفطرة السليمة التي خرجت معه من بطن أمه ويغسل يديه من كل الوثنيات ومن كل الحزبيات والمصادر غير السماوية حتى يختصر الطريق ويقصد إلى ما يريد مسارعا متعجّلا متمثّلا قول موسى عليه السلام (عجلت إليك ربّ لترضى).. هل يجرؤ ؟

هل يستطيع التحرّر من كل (الفكر) و(العقلانية) ونفايات أفكار الرجال وتحذلق الكتاب الذين قرأ لهم وسمع ويعود عودا جميلا إلى ما قبل التحوّل ؟.. (وما الحبّ إلا للحبيب الأولِ).. هل يجرؤ ؟

هل يخوض مع الخائضين ويلعب بقواعد لعبهم التي اخترعوها وأجمعوا عليها فيغشّ ويتلوّن ويكذب ويطمس الحقائق ويدور مع مصلحة جيبه حيث دارت ليكون ذئبا وسط الذئاب وليضع رأسه مع الرؤوس ويُنادي (يا قاطع الرؤوس) كما يقول بعضهم ؟ أم يشمّر للجدّ ويطلب الحقّ وحده حيثما كان بأمانة وهمة عالية مصفيا ما يتلقاه تصفية، مُغربلا ما يُقال له غربلة، مستعينا بكل ما آتاه الله من عقل ونظر ؟.. هل يجرؤ ؟

أسئلة كهذه وأخرى لابدّ أن تأتي كلّ بشري من البشر، عالمهم وجاهلهم، أبيضهم وأسودهم شبابهم وشيبهم.. كلّ تأتيه في زمانه، وفي مكانه بمشيئة خالقه.. ولو كانوا في بروج مشيّدة ! لأنه الإنسان حامل هذا العقل المعجزة الذي هو مناط التكليف وأداة الاختبار.. فليس بعد ذلك إلا مجتهد ومقتصد وظالم لنفسه وجبّار عنيد مستبد.. والله تعالى أعلى وأعلم من قبل ومن بعد.

رفعت خالد المزوضي

20-09-2015

Advertisements

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s