مليكة


IMG_1829

(قصة قصيرة)

– 1 –

كان شابا لمّا يلج عتبة الثلاثين بعد.. أبيضا، طويل الهامة، معقوف الأنف، غليظ الشفتين، مليح الوجه، وقد زيّنته لحية قصيرة غير مكتملة على الذقن والعارضين..

كانت تبدو عليه أمارات الحزن أكثر الوقت، ويعكس مظهره دائما بعض اللامبالاة وقلة اهتمام بالهندام، ويظهر عليه شيء من الفقر والعوز.

يعمل بإحدى المكتبات الناشرة، حيث يسوق شاحنة إلى مدن مختلفة يوزع بها الكتب المطلوبة على المكتبات الكبيرة والصغيرة..

وهكذا يدخل منهكا – كل مساء – بيته البسيط بضاحية المدينة.. يريح جسده بعض الوقت فوق السرير المرتّب النظيف ليقوم، بعدها على مضض ملبيا نداء الجوع..

ثم تراه منحنيا يقشر الخضر وهو يكلم نفسه مُبتسما أو يعض على شفتيه متألما.. فهو اعتاد حياة الوحدة حتى صار يشك في مقدرته على تحمل الخلطة والجماعات، ويُثار خوفه كلما فكر في الانتقال من العزوبية إلى الزوجية  !

أمسك رأسه وقد شعر بصداع مفاجئ !

* * *

مُنتصف الليل إلا قليلا.. يُشعل المصباح الكهربي الصغير بركن مكتبه الخشبي، ثم يقوم ليغلق نور البيت، فيُسبغ ذلك الوجود الصغير باللون الأسود الوقور.. إلا هَالة شاحبة من الضوء تُحيط بالمكتب، تُغريك بالاحتماء بها من وحش الظلام..

يمشي إلى النافذة ليفتحها ويدعو الهواء المنعش للدخول حتى يؤنسه قليلا وينظف البيت من رائحة الطعام والملل..

يجر الكرسي بتراخ ليقتعده وهو يتثاءب.. رغبة شديدة بالنوم، إلا أنه اعتاد على مقاومتها..

مُسندا جبهته إلى قبضته اليُسرى.. كان مستغرقا في الفكر، وأزيز المصباح المحبب يرسم له دروبا لا نهاية لها، يركض فيها باحثا عما يريد.. ثم سرعان ما يعود لما يجد ما يُعجبه فيظهر ذلك في وجهه، إذ ينظر للورقة البيضاء بحدة بعد طول شرود، وينقلب ذاك التراخي إلى نشاط ويتحول ذاك النعاس إلى حماس وقّاد.. ثم يشرع في كتابة شيء أمامه بقلمه الريشة ذو الرأس الحاد.. فيسمع لذلك صوت خدش محموم  !

بعد ما يُقارب الساعة.. يطفؤ المصباح.. يعاوده الصداع، يبدو أنها الحمى.. يتلو بعض الأدعية ويغلق عينيه محاولا النوم.

* * *

– 2 –

صعد الشاحنة مُشيرا بيده إلى زميل له في العمل يودعه بابتسامة صغيرة..

الطريق السيار.. كم هو ملهم هذا الشريط الأزرق الأبدي، تمنى لو أمكنه ترك المقود وتدوين بعض الخواطر على مذكرته، ليعيد كتابتها في المساء.. لكن – أسفا – فيداه مشغولتان..

فكر بهذا وهو يحرك رأسه يمينا وشمالا في حسرة، وزاد من سرعة الشاحنة..

 أليس من المحزن أن نبيع أوقاتنا وعضلاتنا وذكاءنا وشبابنا لأرباب العمل مقابل المال ؟.. هذه الأوراق الكريهة والقطع الحديدية الباردة التي جعلت حياتنا لا تُطاق.. آه لو أمكنه تحصيل ما يكفيه من الرزق دون عمل ! إذا لاستفاد من حياته هو بدل أن يبيعها للآخرين..

توقف بمحطة بنزين وأخرج رأسه من النافذة يخبر العامل بمقدار ما يريد..

عاد يستند إلى الكرسي وزفر بملل وهو ينظر لعداد البنزين يتحرك بجنون..

مدّ يده ليشغل جهاز الراديو.. قلب الإذاعات.. موسيقى، موسيقى، موسيقى.. أليس لدى هؤلاء شيئا نافعا يقدموه للمستمعين ؟

انطلق من جديد يمخر الطريق الواسع أمامه.. وخطر له أنه وحيد أكثر من اللازم.. كيف يكون هذا، والحياة تعج بملايير من هذه المخلوقات الثرثارة ؟ أعجز أن يجد من له مثل طبعه ؟ لا يدري.. ربما لم يبحث كما يجب، لكن الذي يعلم أنه لم يُصادف واحدا بعد.. كل من حسبهم «أصدقاء» و«رفقاء» انصرفوا لأعمالهم وزيجاتهم.. وكل من كانت تجمعه بهم هواية الكتابة والشعر، تركوا هذه الأشياء للتفرغ لجني المال.. فلا وقت لديهم الآن لصداقة سخيفة من تلك الصداقات  !

حاول – من قبل – أن يتعرّف على شباب مثله يكتبون.. ليُصادقهم ويُشاركهم هوايته إلا أنه وجد كمية من الغرور والتنطع والسخافة أصابته بالغثيان فكره حتى الاقتراب منهم..

لكنه دائما يتساءل نفس السؤال.. أتراه لم يجد – فعلا – صديقا خالصا لأن الزمان الذي يعيشه سيء، إلا ما شاء الله، حتى صار اعتزاله المجتمع خيرا له.. أم أنه هو من.. لديه مشكل ما  ؟!

* * *

يصبّ الحليب السّاخن ويقضم قضمة من الخبز المحشو جبنا، وعيناه تنتقلان بسرعة بين سطور الكتاب الذي بين يديه.. إنه الجزء الأول من (العقد الفريد) للأندلسي..

من حسنات عمله القليلة بالمكتبة، أنه يستعير مجانا بعض الكتب الهامة ليقرأها وما كان ليقدر على ثمنها..

خرج في ذلك الأحد ليبتاع بعض حاجياته من أقرب دكان في حيه النائي الأشبه بالقرية منه بالحاضرة، وبينما كان يحث الخطى مطأطئ الرأس كديدنه، إذا به يرى بنتا من الجيران قرب الساقية، عليها خمار أسود.. كانت تئن وهي تزحزح جبة عملاقة مملوءة بالماء لترفعها فتنفلت من يدها في كل مرة..

توقف مكانه.. وتردد ساعة.. أيساعدها أم يواصل طريقه أم..

ثم توجّه ناحيتها فجأة، بخطوات عسكرية  !

ألقى السلام بطريقة مضحكة فشهقت هي إذ لم تره قادما، وتنحت في شيء من الخوف !

رفع الجبة – دون جهد كبير – ووضعها وسط عربة الدّفع.. ثم إنه همّ بقول شيء إلا أنه أحجم، وانصرف بخفة كما أتى دون أن يتلفّت..

ساد صمت غريب طويل في تلك الثواني التي حسبها ساعات !.. كان يمشي مسرعا في طريقه.. بل كان يفر في الحقيقة ! وكان قلبه يخفق دون أن يعرف لذلك سببا..

ثم سمع، بعد أن ابتعد قليلا عن الساقية، صوتا خفيضا رقيقا متهدّجا يقول: (شكرا سيدي) !

* * *

– 3 –

منذ ذلك اليوم تغير شيء ما بحياته..

يبدو أن هناك نداء خفي، لا نفهم كنهه، تُنادي به النساء الرجال.. تنظر إليها فتكاد تسمعها تقول (أعتقد أن زواجنا سيكون فكرة رائعة) !

تغيرت حركاته، تبدّلت مشيته، ازداد نشاط كتابته، وصار أكثر «خصوبة» وغزارة وعُمقا من ذي قبل.. حتى أنه كتب في الأيام القليلة التي تلت (حادثة الساقية) ثلث روايته تقريبا..

ينبغي أن يتقدم لها.. يجب أن يتقدم  !

صار يخطط في كل مكان ووقت.. ويعلم نفسه في المرآة كيف يبتسم، كيف ينحني.. كيف يتظاهر بالثقة والرزانة.. كيف يسكت ويصغي بإمعان دون أن تتبدّل ملامحه وتظهر مشاعره..

* * *

يتناول غذاءه بالمطعم شارد الذهن والمذيعة تقول:

(تزداد التخوفات كل يوم من هذا الفيروس الوبائي (إيبولا)، وقد تمّ تسجيل عشرة ملايين حالة لحدّ الآن في كل من…)

جرع من كأس الماء ثلاث جرعات تسبقها البسملة ويتلوها الحمد.. كما هي السنة، ثم مرر يده على فمه..

جميلة هذه الفاصولياء، وإن كان الناس في بلاده يضربون بها المثل على الفقر والبؤس !.. المشكل أن ثمنها – هي الأخرى – ارتفع هذه الأيام.. حتى البؤس صار غاليا  !

غادر المطعم المتواضع مبتسما.. هل – يا تُرى – تصبر معه هي على الفاصولياء ؟

* * *

عرف من خلال بحثه أن اسمها (مليكة)..

واقترب الموعد المنتظر.. يوم الأحد. إنه على بعد يومين من الآن.. الملابس التي سيرتدي جاهزة، أحضرها هذا المساء من المصبنة.. بل إنه أعدّ حتى أجوبة للأسئلة التي من المحتمل أن يطرحها الأب..

«كولو تمام» كما يقول المصريون..

جلس إلى مكتبه بعد وجبة خفيفة من الطماطم والبيض.. ورفع قطعة من البلاستيك بيضاء على شيء فوق المكتب.. فإذا بها آلة كتابة عربية.. أهداها له اليوم صديق قديم، يعرف ولعه بالكتابة وهذه الآلات القديمة..

ارتسمت على ركن فمه ابتسامة صادقة، رائعة.. ودسّ بحماس ورقة بيضاء في فتحة الآلة العلوية.. عدّل المسطرة، وتأمل بعض الوقت بعض الأزرار وجرب بعضها.. قبل أن يبدأ في النقر ببطء محاولا تذكر مكان كل حرف يمر عليه..

ثم انطلق الصوت الرتيب مدويا وسط سكون الحجرة..

طق طق طق طق..

إن عقله لمليء بالكلمات، وقلبه كذلك..

يكتب، يكتب.. امتلأت الصفحة.. كتب بذيلها رقم 215 وأخرجها، ليقلبها..

وحتى خارج البيت كان يُسمع صوت النقر بوضوح..

طق طق طق طق..

القمر مكتمل والجو صحو منعش، ولا شيء يرى أو يسمع في الأفق إلا أخيلة البنايات الفقيرة وشبح بعيد لحارس الحي يمشي في تؤدة ممسكا عصاه الغليظة..

كانت جميلة وهادئة تلك الليلة.. ربما من أواخر أيامه الجميلة، على الإطلاق !

طق طق طق طق..

* * *

وفي اليوم التالي كان كل شيء مفاجئا وصادما..

يذكر فقط أنه قرر في الصباح، بعد أن تناول الإفطار أن يعرج على حافلة التبرع بالدم التي استقرت قبل يومين على مدخل الحي.. إنها أول مرة يعطي فيها دمه..

عملوا بعض التحاليل الروتينية.. وبغتة انعقد حاجبا الطبيب، وبدا عليه الارتباك..

بعد اتصال هاتفي غامض، جاء رجال يلبسون البياض ويضعون أقنعة واقية.. حملوه بعنف دون مقدمات..

نظر إليهم بذعر متسائلا.. ولكنهم لم يكونوا ينظرون ناحيته، كانوا مشغولين.. وكأنه غير مرئي، وكأنه كلب شريد التقطه مكافحو الكلاب الضالة ووضعوه في القفص غير عابئين بنباحه..

إنه الإيبولا طبعا !

* * *

قاموا بحجزه..

بكى.. تصبّر، حاول صفع خده ليفيق من الكابوس.. لكن يبدو أنه الواقع للأسف.. ولم يكن ممن يتسخّطون على الأقدار..

تذكر الصداع الذي كان يأتيه قبل أسبوع والحمى.. ربما لو تنبه مبكرا لأنقذ الموقف..

وبعد ثلاثة أيام عصيبة بدأت أعصابه ترتخي، وزحف الشحوب على وجهه حتى أرداه مقفرا أصفرا..

لحسن حظه السيء، كان يحمل مخطوط روايته في محفظته.. وهكذا أمكنه أن يمارس في آخر أيام حياته أكثر ما يحب في الدنيا.. الكتابة.

كتب كثيرا جدا.. حتى أن القلم نفذ مداده فأتم الكتابة بالقلم الأحمر الذي يصحح به عادة.. ثم نفذ القلم الأحمر فأتم بقلم رصاص صغير.. وبه كتب كلمة النهاية..

ثم مات بعد أربعة أيام من إنهاء الرواية الضخمة.. مات ولم يتسن له مراجعتها ولا حتى كتابة اسمه عليها..

فيما بعد.. أثارت الرواية ضجة هائلة في الأوساط الأدبية ولم يتم التعرف على كاتبها أبدا.. ورغم ذلك فازت بجائزة أحسن رواية ذلك العام !

كان اسم الرواية.. (مليكة) !

رفعت خالد المزوضي

11 – 2014

Advertisements

12 thoughts on “مليكة

  1. شكرا لك.. ربما كنت حزينا حين كتبتها فجاءت النهاية كذلك.. أما الآن فيصعب تغييرها لأنه يصعب تغيير القصة بعد أن يتقادم عليها العهد، فإنها تصبح كالقطعة الواحدة..

    إعجاب

    1. ربما قصة أخرى أحسن.. لأني كما أخبرتك من (العبث) تغيير النهاية بعد أن عُرفت بها القصة.. كأني أقول لك لم يفشل هتلر ولم ينتحر بل انتصر في الحرب العالمية الثانية وسيطر على العالم الخ.. هذا مضحك وغير جدي.. القصة إذا نُشرت ومر على نشرها زمان ليس باليسير فإنها تكون بمنزلة الطلقة النارية التي خرجت وانتهى الأمر، أو الماء الذي انسكب من الصنبور وجفت الأرض.. لا سبيل إلى إرجاعه للصنبور مرة أخرى.. هذا ثم نفسيا..

      إعجاب

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s