رسائل

الرسالة الثالثة: من مجهول !


openletter

رسالة ورقية جاءتني من طالب أدب لا أعرفه كان أطلعه صديق لي على بعض ما أكتب..

الحمد لله رب العالمين..

أما الآن فإن الطبيعة ساجية والليل قد أرخى سدوله والسكون خيم على أرجاء الكون والناس لائذون بالبيوت، فلم يعد يسمع سوى بكاء هذا القلم على أعلام الأدب فوق هذه الصفحة التي نالت منها نوازل الزمن وعوادي الدّهر، فبكيت على الشعر والشعراء والأدب والأدباء.

فقد كنت أجد في نفسي راحة عُظمى حينما أجلس لأطالع قصة ألف ليلة وليلة أو سيرة سيف بن ذي يزن أو أشعار عنترة أو مقامات الهمذاني، وحين أختلف إلى مقابر الموتى التي تضم تحت ترابها أدب الغابرين وشعر المتقدمين، فأقف موقف الضراعة وأشعر بسكينة يحرسها الأمل ويخدمها الرجاء. أما الآن وقد علمت أن الأموات لا يستطيعون نفعا ولا ضرا، فشقيت حين علمت فأصبح كل ما أفكر فيه أن أعانق قصص الشباب المبدعين كقصصك فألتهمها التهاما علّي أجد فيها سلوى وتعزية.

صديقي الفاضل:

لقد سرّني اهتمامك بالكتابة إلى حدّ “التّماهي” فانصهرت في متونها انصهارا. كأنك تشكو ألما اشتدّ على صدرك أو فاجعة ألمّت بأمتك، فالأدب مرآة الأديب.. حتى أمست قصصك أشهى لديّ من مسرحيات أحمد شوقي وأشعار أبي العتاهية، لأنك تحكي عن تجارب ذاتية بريئة وهم يحكون عن تجارب “إيديولوجية” أملتها حب السلطة والجاه.. فالأدب لا يزور قلبا مشغولا بالرواتب أو عقلا يتلهف إلى المناصب أو إنسانا تتراوح نفسه بين ترقب المال وحب الجاه والسلطان. وقد صدق الشاعر الفرنسي حينما قال: (لا شيء يصنع العظماء مثل الألم).

أخي الفاضل:

تلهفت – فيما سبق – إلى معرفة التقنيات التي تُنير لك سراديب الكتابة، وتُقوّم قصصك فنيا، فاطلاعك عليها في الكتب التي تدرس القصص فنيا هو أفضل، والسبل إليها متعددة وأوفر، وأنت تستخدم مجموعة من التقنيات فطريا لكن الفطرة لا تكفي، فمثلا جاء في قصتك (بلا سائق): (كم كانت سعاد رومانسية لما عانقته وهي ترجوه عدم التأخر..) فهذه العبارة تضم تقنية فنية وهي تقنية “الاسترجاع” وتعني استرجاع أفكار ماضية وإقحامها في النص لتخطي الزمن السردي التتابعي الذي يُشعر بالملل والرتابة.

أما بالنسبة للمتن الحكائي (مضمون القصة) فإني لا أحكم عليه احتراما لميولات الكاتب ونزعته الفكرية. لكن ما يجب توخي الحذر فيه هو الخطأ النحوي، لأنه إذا تغيرت الألفاظ نحويا تغير المعنى، خذ معي مثلا الآية الكريمة (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) فإذا قمت برفع اسم الجلالة “الله” تغير المعنى، فأصبح الله يخاف العلماء، وأستعيذ بالله من هذا التعبير.

والحكاية الآتية خير دليل على ذلك:

قالت جارية لعالم النحو الأصمعي: ما أحسن السماء.. فقال: نجومها. فقالت: إني أتعجب ولا أستفهم. فقال: إذن قولي ما أحسنُ على وزن ما أفعلُ التي تُفيد التعجب لأن أحسنَ يُحسنُ بمعنى زيّن يُزيّنُ. وقد زيّنت النجوم السماء.

صديقي العزيز:

أما الآن فقد أخذت قسطي من الكتابة، والقلم يُلحّ عليّ كي أتوقّف تفاديا لإراقة المداد، ولقد همّني أن تضع خطواتك الأولى في سلّم الأدب. فأحللت قصصك محلّ العظمة والتقدير، فإن وصلت هذه المنزلة ورأيت الناس قد انقسموا في النظر إليك واتسعت مسافة الخلاف بينهم في شأنك فأعجبوا بك قوم حتى رفعوك إلى مرتبة الملك وحقدوا عليك آخرون حتى أنزلوا بك إلى مرتبة الخادم فاعلم أنك أصبحت رجلا عظيما.

والسلام

01-03-2006

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s