بقايا القراءة

طيبون أم خبيثون ؟


27339914902044993307

حدّثني يوما صديق لي مولع بالكتب إلى حدّ بعيد، في معرض كلامنا عن كُتّاب المغرب ومدى شهرتهم وعالميتهم، فقال مُستنكرا (ألا تعرف مبارك ربيع ؟) فأجبته على خجل أن لا، ولم أكن قرأتُ له من قبل.. فمرّ عليّ منذ ذلك الحين زمان واسمُ الكاتب مُسجّل بذاكرتي أحرص على إبقاءه بها حتى لا يتبخّر كعادة الأسماء معي، لعلّي أصادف كتابا له فأقرأه..

وقد كان، إذ برز لي اسمه ذات صباح على إحدى رفوق خزانة بلدية أتردد عليها أحيانا.. فتوقفتُ عنده والتقطته أناملي بفضول وأنا أتأكدّ من الاسم جيدا.. كتابٌ عتيق هو طُبع في الثمانين من القرن الميلادي الماضي، رواية متوسطة القطع، متوسّطة السّمك عليها عنوان غليظ باللون الأحمر.. (الطيبون). فانصرفتُ من فوري قبل أن تسقطُ عليني على كتاب أشهى أو غلاف أبهى فأغير رأيي كعادتي !

ما يجدر ذكره هنا أن الرواية فازت في سنة 71 بجائزة أدبية ما على مستوى المغربي العربي.. فكان هذا مما عجّل قراءتي لها، وقد وجدتها عند الختام متوسطة الجودة كقطعها وسمكها !.. وقد تعجّبتُ للحظة من سبب فوزها بالجائزة إلا أني خِلتني – بعدها – قد عرفت السّبب فزال عندها العجبُ..

السّبب في الخمسين صفحة الأخيرة، فقد أجاد الكاتب فيها وأفصح ببراعة عن دواخل الأشخاص النفسية وتذبذب قلوبهم ما بين الحزن والقرح والسكينة والفرح، ولولا هذه الصفحات التي بلغت من التركيز النفسي مبلغه لكانت رواية ضعيفة عندي، ولما حازت على الجائزة الأولى في المغرب العربي..

الرواية – على العموم – واقعية جدا، بل مغرقة في الواقعية.. لا أحداث شيقة فيها تقريبا، وإنما خليط من مناجاة داخلية لشاب بمرحلة التعليم العالي حول المواضع المعتادة لمن هو في مثل هذا السن.. وحوارات عادية مملة لطلاب اختلفت آراؤهم السياسية والفلسفية، وأحاديث عائلية معتادة حول أفراد من العائلة ظهروا بعد طول غياب، وإرث وأراض فلاحية تلاعبت بها أيادي ماكرة الخ.. كأنما هو أحد المسلسلات السخيفة.

أما ما أثار غيظي وإحباطي فهي فلسفة البطل/الكاتب التي يُشمّ منها رائحة الإلحاد ودخان الزندقة.. فالرجل – عامله الله بعدله – سبّ القدر وسخر منه غير ما مرة،  وهزئ بكتب السلف وبالأخلاق الفاضلة وقال أنها حجة الضعفاء وحيلة السفهاء.. كما أكثر من ذكر الحانات، وحاول (تخبيب) امرأة متزوجة على زوجها وإقناعها بالتطليق منه لينكحها هو !

فأين هم (الطيبون) وسط كل هذه النفوس الشائهة  ؟ أليس حريّ بالكاتب أن يسمي ما كتب (الخبيثون) ؟!

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s