خواطر عن الكتابة

أنانية وتكبّر الكتّاب الهواة !


222

هي ملاحظة، و إن شئت قل رسالة للإخوة المولعين بالكتابة الذين عرفتهم لحدّ الساعة.. أما الذين لا يرون في الكتابة فائدة تُرجى ويعتبرونها ضياعا للوقت وبهرجة، فملاحظتي هذه مملة عندهم.. وإني لأنصحهم أن يوفروا أوقاتهم ولا يقرؤوها أصلا..

ربما لن يروق لبعضهم ما سأقول، لكني أقوله على كل حال، بعد أن حبسته في صدري سنوات كثيرة.. فقد طالما تمنيت أن أجد أخا، رفيقا للقلم، معوانا.. يهتم بما أكتب كما أهتم، وينصح لي كما أنصحه، ويتحمّس لمشاريع وأفكار إبداعية كبيرة.. كما يحبّ هاو الكرة اللعب مع من هم على مثل هوايته.. لكني وجدت – تقريبا – أكثر من تسعين في المائة ممن يكتبون لا يهمهم إلاّ ما يكتبون.. لن أتحدث عن الحسد والتنافس وما شابه، لأن تلك مسائل قلبية مستغلقة.. وإنما الذي أريد هو هذه الأنانية المهولة التي عند جل هؤلاء الشباب للأسف الشديد.. وإني لا أزكّي نفسي المذنبة، ولكني أقول ما أعرف أنه حق، وهو أني حاولت كثيرا مدّ جسور الصداقة والتعاون.. باقتراح الأفكار وقراءة الأعمال والتعليق المطوّل عليها، وإنشاء المجلات وتصميمها وبعث شيء من نصوصي، بل وحتى رسائل ورقية لبعضهم.. وبعد كل هذا لم أحصّل إلا على تجاهل وترفّع بغيض وكأنني أكلّم الرافعي نفسه أو دستوفسكي !

وكل ما أذكر أني نلته من مجهوداتي منذ أيام الثانوية هو علاقة خاطفة مع أحد أصدقائي المقربين حينئذ، حيث كنا نتبادل يومياتنا رأس كل أسبوع ونضحك مما فيها كثيرا، بل كنا نبعث لنفسينا الرسائل حتى داخل الفصل ! وكان كلّ منا يتشوّق لما يكتب الآخر، وكلّ يحسّ بأهمية تلك الكلمات التي خطّها زميله وما تحمله من المشاعر والتأملات.. لأننا كنا نقدّر عملية الكتابة ونعرف جماليتها.. ولكن قد طوى الزمان ذلك العهد، وتبدّل الصّديق أسوء تبدّل ممكن، وهو التبدّل العقدي ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أقول.. آسفا مما أقول: لاحظتُ أن أكثر الكتاب الشباب ممن عرفت يريدونك (معجبة) من معجباتهم أكثر مما يريديون صديقا وزميل هواية !.. وهذه الأنانية قد أزكمت نفسي – يعلم الله – وضاق بها صدري، وإني أعرف أن الوحدة في طريقي الطويل هي الحلّ والمخرج من كل هذا البلاء.. لكني ما قلتُ هذا إلا لأتحرّر منه بعد طول احتباس أتعبني.. قلتُه كي لا ألتفت إليه مرة أخرى أبدا.. والله تعالى المستعان.

رفعت خالد المزوضي

11-08-2015

خواطر عن الكتابة

الصيد في أعالي الأفكار !


الصيد في أعالي الأفكار

ليست الكتابة تلك السطور التي يسوّدها الصحفيون ليقبضوا أجورا ويشتروا أحذية لأبنائهم ! وليست هي مواضع الإنشاء السخيفة تلك التي كانت تُطلب منا في المدارس، لا.. ولن تكون ذلك الشعر العامي الركيك ولا حتى ذلك الهراء الفلسفي المسترسل بالفصحى الذي ينشره بعضهم في كتب مبتذلة كثيرة الألوان ويضعون على خلفياتها صورا تُظهر وجوههم الحالمة وهم يمسكون قلما فيما معناه (انظروا إلي.. ألست عبقريا ؟).

ليست الكتابة في شيء من ذلك أبدا.. لأن الكاتب إنما يكتب اضطرارا أكثر مما يكتب اختيارا واشتهاء.. فكما لا يمكنك ألا تتكلم إذا كان لك لسان !.. كذلك لا يمكنك ألاّ تكتب إذا كان لك قلم ! والفرق بين الأديب وبين هؤلاء كالفرق بين الأديب وبين من يبيع الأقلام !

إنما يكتبُ الكاتب الأصلي – قبل حتى أن يجيد اللغة ويعرف معنى الكتابة – ليكتب ببساطة.. يكتب لأن له تاريخا مع الكتابة، فهي صديقته في محنته ورفيقته في وحدته، وهو يعرف ملامحها وتعرفه.. كيف وقد كانت معه على الفراش في تلك الليالي القاسية الباردة، لما لم يجد بجانبه من يفهم مُراده ويكفكف بكفه عبراته أو يمدّ له – على الأقل – منديلا يمسحها به.. كيف وهو ولم يعرف من يعذره ويربّت على كتفه مُشجعا إلا ذلك الصوت العميق الغامض الذي يهمس في أذنه من لا مكان ويتجلى على أوراقه شيئا فشيئا، فيشمّ إثر ذلك عبق مداد ممزوج برائحة كبد يحترق ! كيف ولم يجد من ينصتُ بصمت واحترام لما يقول دونما تدخّل من أجل التدخّل أو مُعارضة متكلّفة أو سخرية سخيفة تزيده بلاء وحسرة.. كما وجد في القلم من أدب جمّ وصمت وقور وتفهّم صبور !..

إن هذه الكتابة منبرُ من لا منبر له، وهي كذلك فرس جموح صعب المراس يحتاج ترويضه لصبر عظيم وحب عميم.. والكتابة هذه مهرب جيد من الكآبة  -كذلك – ووقاية ممتازة من الجنون !

إنها ليست مجرد تسجيل للمشاعر حلوها ومرها فقط، وتدوين للخواطر جميلها وخبيثها فحسب.. بل إن الكتابة مكشاف خطير للمشاعر، وإنما يكتبُ من يكتب – في الحقيقة – ليفرغ مشاعره أمامه فيقلّبها تقليبا وينظر فيها مليّا ويروزها ويجسّها ويسّمعها وينتشيها.. يكتب ليفهم نفسه أولا قبل أن يكتب للأمّة فيغيّر فيها ما شاء الله له أن يغيّر.. يكتب بدافع الفضول والمغامرة قبل أن يصير صيّادا بارعا في أعالي الأفكار..

رفعت خالد المزوضي

25-08-2015

رسائل

الرسالة الثالثة: من مجهول !


openletter

رسالة ورقية جاءتني من طالب أدب لا أعرفه كان أطلعه صديق لي على بعض ما أكتب..

الحمد لله رب العالمين..

أما الآن فإن الطبيعة ساجية والليل قد أرخى سدوله والسكون خيم على أرجاء الكون والناس لائذون بالبيوت، فلم يعد يسمع سوى بكاء هذا القلم على أعلام الأدب فوق هذه الصفحة التي نالت منها نوازل الزمن وعوادي الدّهر، فبكيت على الشعر والشعراء والأدب والأدباء.

فقد كنت أجد في نفسي راحة عُظمى حينما أجلس لأطالع قصة ألف ليلة وليلة أو سيرة سيف بن ذي يزن أو أشعار عنترة أو مقامات الهمذاني، وحين أختلف إلى مقابر الموتى التي تضم تحت ترابها أدب الغابرين وشعر المتقدمين، فأقف موقف الضراعة وأشعر بسكينة يحرسها الأمل ويخدمها الرجاء. أما الآن وقد علمت أن الأموات لا يستطيعون نفعا ولا ضرا، فشقيت حين علمت فأصبح كل ما أفكر فيه أن أعانق قصص الشباب المبدعين كقصصك فألتهمها التهاما علّي أجد فيها سلوى وتعزية.

صديقي الفاضل:

لقد سرّني اهتمامك بالكتابة إلى حدّ “التّماهي” فانصهرت في متونها انصهارا. كأنك تشكو ألما اشتدّ على صدرك أو فاجعة ألمّت بأمتك، فالأدب مرآة الأديب.. حتى أمست قصصك أشهى لديّ من مسرحيات أحمد شوقي وأشعار أبي العتاهية، لأنك تحكي عن تجارب ذاتية بريئة وهم يحكون عن تجارب “إيديولوجية” أملتها حب السلطة والجاه.. فالأدب لا يزور قلبا مشغولا بالرواتب أو عقلا يتلهف إلى المناصب أو إنسانا تتراوح نفسه بين ترقب المال وحب الجاه والسلطان. وقد صدق الشاعر الفرنسي حينما قال: (لا شيء يصنع العظماء مثل الألم).

متابعة قراءة “الرسالة الثالثة: من مجهول !”

مقالات حرة

هاتف الأمل !


telephone-call-tree

هل حدث أن جاءك هاتف من حيث لا تحتسب، فنزل على قلبك بردا وسلاما.. إذ رنّ فجأة فتنبهت عيناك بعد غفلتهما واستيقظ عقلك بعد استرخاءه، ثم تجدُ المتصل صديقا عزيزا قد طال بينكما الأمد، فيتكلم ما شاء الله أن يتكلم، وإذا به – في معرض كلامه – يجيب على الأسئلة الحائرة التي كانت تعصف بك قبل قليل، وينسف المخاوف التي كانت تنهشك أطراف النهار وآناء الليل.. وتحسّ كأنه يربّت على كتفك بصوته العزيز دون أن تطلب شيئا من ذلك، بل دون حتى أن تفصح عن المشكل الذي يشغلك.

لله الحمد، كم كنت اليوم محبطا، كسيف البال يائسا من الناس ومما كنت أؤمّل منذ سنوات.. أنظر لحالي وأقول ما قيمة هذا الذي أبغي ؟ ولماذا يكتب الواحد في هذا المجتمع ولمن يكتب ؟ وماذا سيطاله من هذه الكتابة أصلا ؟.. ربما لو رمى الإنسان هذا القلم لكان خيرا وراحة من الجهد النفسي الذي يحمله الكاتب بين جنبيه في كل حين.. فلبثتُ أتهادى بين هذه الخواطر المؤلمة حتى أستفقتُ على نفسي لأجدني مطأطئ الرأس، أكتب نصا طويلا حادّا أهجم فيه على جلّ الكتّاب الشباب الذين عرفتُ، وأذمّ فيهم عجرفتهم وأنانيتهم وألومهم على اكتفائهم بما يكتبون وفرحهم بمعجبيهم ومعجباتهم، دون أن يفكروا في التواضع ولو قليلا، فيلتفتوا لإخوانهم ويتعاونوا معهم بإسداء النصح وبحث مشكلات أدبنا المعاصر وتحديات الكاتب الشاب إلى آخر تلك المسائل التي تهمّ كل كاتب وأديب..

متابعة قراءة “هاتف الأمل !”

خواطر عن الكتابة, شذرات

الكتابة..


vol.29_p.23_718278602

” من أميز ميزات الكتابة أنك فيها سيّد نفسك وأميرها، تكتب متى شئت وأنّى أحببت، ثم تنتهي حيثما رأيت النهاية أجدى وأنسب، ولك ما رأيت. لا مواعيد للتسليم تُؤرقك ولا مشرفا بليد المزاج يُزعجك بطلب أو نقد أو كيت وكيت.. فقط أنت والقلم في مغامرة من مغامراتكما التي تكشفها رويدا رويدا وإن لم يكن كاتبها إلا أنت.. تلوح لك معالمها مع كل كلمة تُخَطّ وكل سطر يُمطّ وكل شطر من بيت.. ثم لا تزال متقدّما في رحلتك مع القلم لا تلويان على شيء، تمدّه أنت بالفكرة إذا عجز ويرويك هو بالمداد قطرة بقطرة كلما ظمئت.. حتى إذا وصلتما إلى نهاية المسير، حيث نقطة مدوّرة كبيرة ليس بعدها بعد، فتقول له حينها، باسم الثغر.. انتهيت. “

__ رفعت خالد

بقايا القراءة

طيبون أم خبيثون ؟


27339914902044993307

حدّثني يوما صديق لي مولع بالكتب إلى حدّ بعيد، في معرض كلامنا عن كُتّاب المغرب ومدى شهرتهم وعالميتهم، فقال مُستنكرا (ألا تعرف مبارك ربيع ؟) فأجبته على خجل أن لا، ولم أكن قرأتُ له من قبل.. فمرّ عليّ منذ ذلك الحين زمان واسمُ الكاتب مُسجّل بذاكرتي أحرص على إبقاءه بها حتى لا يتبخّر كعادة الأسماء معي، لعلّي أصادف كتابا له فأقرأه..

وقد كان، إذ برز لي اسمه ذات صباح على إحدى رفوق خزانة بلدية أتردد عليها أحيانا.. فتوقفتُ عنده والتقطته أناملي بفضول وأنا أتأكدّ من الاسم جيدا.. كتابٌ عتيق هو طُبع في الثمانين من القرن الميلادي الماضي، رواية متوسطة القطع، متوسّطة السّمك عليها عنوان غليظ باللون الأحمر.. (الطيبون). فانصرفتُ من فوري قبل أن تسقطُ عليني على كتاب أشهى أو غلاف أبهى فأغير رأيي كعادتي !

ما يجدر ذكره هنا أن الرواية فازت في سنة 71 بجائزة أدبية ما على مستوى المغربي العربي.. فكان هذا مما عجّل قراءتي لها، وقد وجدتها عند الختام متوسطة الجودة كقطعها وسمكها !.. وقد تعجّبتُ للحظة من سبب فوزها بالجائزة إلا أني خِلتني – بعدها – قد عرفت السّبب فزال عندها العجبُ..

متابعة قراءة “طيبون أم خبيثون ؟”