بقايا القراءة

بيت الحرير: مغامرة جديدة لشرلوك هولمز !


23997111

بيت الحرير (قضية جديدة لشرلوك هولمز) لكاتبها أنطوني هوروفيتز.. من أكثر الروايات البوليسية التي قرأتُ إثارة وتشويقا، قطعة فنية هي عالية المستوى عن عظمة العقل البشري، وما يمكن أن يصل إليه من دقّة في الملاحظة وترتيب للأفكار وحسن استعمال الذاكرة والتحليل الرياضي البارع لتفاصيل تافهة للتوصّل لاستنتاجات صادمة..

هو نجاح – برأيي – مبهر للكاتب هوروفيتز الذي أوكلوا إليه كتابة مغامرة جديدة لشرلوك هولمز.. التحري خارق الذكاء الذي ابتكره الكاتب الطبيب (آرثر كونان دويل) استنادا على شخصية واحد من أساتذته في الطب ، ويا له من تحدّ.. أن تكتب قصة جديدة لأشهر شخصية في عالم الأدب تقريبا ! حيث تنتظر رأي ملايين المعجبين بالشخصية والذين يحفظون تفاصيلها عن ظهر قلب.. فكانت النتيجة صادمة، فاقت كل التوقعات كما قرأت في خلفية الكتاب، وقد وجدت ذلك فعلا، كما قرأته.

حتى قالب القصة ذكي جدا، إذ اختار الكاتب أن يكتب مغامرته – كما هي العادة – بيد صديق شرلوك الوفي الدكتور (واطسون) على أنها قصة لم تُنشر، كُتبت بعد وفاة شرلوك ورأى الدكتور (واطسون) أن تُحفظ كمخطوطة ولا تُذاع إلا بعد مرور قرن من الزمان.. وهذا أحسن من أن يعيد (شرلوك هولمز) للحياة حتى يجري مغامرة جديدة !

وحتى ترجمة سعيد العظم وجدتها جيدة وتفي بالغرض.. وإن كان قطع الكتاب أطول من المعتاد قليلا، مما جعل مظهره غريبا بعض الشيء..

وغاية عجبي – الذي لم أستفق منه لحد الساعة – هو عن كيفية كتابة مثل هذه الأعمال في الحقيقة.. كمية مرعبة من الأوصاف والتفاصيل التي لن تجمعها إلا بشق الأنفس ! فأنت تتعب بمجرّد قراءتها وتخزينها بذاكرتك ومحاولة استدعاءها كلما دعت الحاجة حتى تقلبها بتمعّن عسى أن تهديك لحل بعض الألغاز التي تورطت فيها مع تتابع الصفحات.. فكيف بكاتبها نفسه ؟ كم فكّر ؟ كم عدّل ؟ كم استبعد الاستنتاجات البديهية التي قد تلوح لأي قارئ.. إنه لعمل رهيب بحق !

وباستثناء بعض العنف الدموي الذي فاق الحدود، ما يميز هذه الرواية هو كثافتها وتشابكها المتقن لحدّ الذهول.. فهي ليست لغزا كلاسيكيا: مشكلة واحدة كبرى بتفاصيل كثيرة، بل هي ألغاز كثيرة بقصص وشخصيات مختلفة، يلزمك أن تجد في كل مرة مفتاح لغز منها حتى تلج باب اللغز الذي يليه وتكشف الرابط وهكذا.. لكن الكاتب حافظ – مع ذلك – على الطريقة التي كانت تكتب بها الألغاز القديمة، خصوصا لحظة النهاية الشهيرة تلك، حيث يقول المحقق البارع بثقة: (اجلسوا جميعكم، إن لدّي الكثير لأقوله).. 

ربما تستنتج تفاصيلا بسيطة كطريقة هرب (هولمز) من السجن مثلا.. لكنك ستصدم تماما بالنهاية لما تكتشف أصل كل شيء على لسان هذا الرجل الطويل، الميّال للنحافة، معقوف الأنف، حادّ النظرات.. (شرلوك هولمز) أذكى محقق في تاريخ الأدب !

وكم راقني وصف صاحبه وكاتب سيرته الدكتور (واطسن) حين قال: (دع هولمز يرى قطرة ماء ويستنتج وجود المحيط الأطلسي، دعني أنا أراها وسأبحث عن حنفية، هذا كان الفارق بيننا !)

رفعت خالد المزوضي

30-06-2015

Advertisements

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s