بقايا القراءة

الهراء الأزرق


758856

لما رأيت وجه (أحمد مراد) أول ما رأيته قبل سنوات، رأيتُ ذكاء وتهذيبا ورصانة.. ولكن ما أكثر ما تخدع المظاهر ! فإني بعد أن قرأت أكثر رواياته التي أثارت ضجة وحققت نجاحا (تجاريا) ملفتا للأنظار، أعجب من نجاح مثل هذه الأعمال القذرة، وأتساءل كيف لذلك أن يكون ؟.. وإن كان بالرواية تشويق، ولكن هل التشويق وحده يكفي ليكون العمل ناجحا ويصنف مع العناوين الخالدة التي يفخر المرء بقراءتها واقتنائها مهما بلغ ثمنها ؟ هل تتحمس مثلا لقراءة مغامرات شيقة لعاهرة في بيوت الدعارة ؟ لا أعتقد أنك تفعل.. فكذلك هي الرواية التي أتكلم عنها..

الهراء الأزرق.. لن أتكلم عن الحوارات العامية الركيكة التي ينتصر لها فريق من الكتاب تحت دعوى أن الحوار باللغة المتداولة أقرب إلى التصديق، ولإنه يصعب تخيل فلاح أمي أو طفل صغير يتكلم عربية فصحى ! وهو رأي متهافت بنظري لأن العامية التي نتكلم بها نفكر بها أيضا.. فلماذا تنقل لنا أحاسيس الشخصيات وخواطرهم بالفصحى وتترجم حواراتهم للعامية ؟.. أليس هذا خلطا وتناقضا ؟ فلتكتب إما بالعربية أو بالعامية..

ثم ليس ذلك فحسب، فحتى النص العربي (الفصيح) تتخلله كلمات إنجليزية، وذلك ليقلد لغة العصر – زعم – حتى صارت الرواية فوضى عارمة من العربية والإنجليزية والعامية المصرية التي قد لا يفهم بعضها غير المصريين !

كذلك لن أتكلم عن الإفراط في ليّ العبارات من قبيل (لكم وجهه قبضتي) حتى يصعب أن تجد جملة معقولة وسط هذه العاصفة من الكلمات الشائهة.. كما لن ألتفت للتكرار المتعب والذي جعل الرواية تسمن من غير شبع ! فالبطل استيقظ مليون مرة )لتحرق أشعة الشمس عينيه وهو يحاول جاهدا الانتصاب على قدميه) الخ..

هذا عن شكل الرواية، أما مضمونها فثمة الفضيحة.. جنس ومخدرات وخمر وقمار وخيانة مبررة لامرأة متزوجة وقيء وبراز وكل ما تستفظعه الأنفس.. وقد حرتُ في سبب حشو الكاتب كل هذه القاذورات في الرواية ، فإما أن حياته الشخصية فيها كل ما ذكر فهو ينقل بذلك نسخة من حياة تُشبه حياته، وإما أنه يتمنى تلك الحياة من قرارة قلبه ! وهذا مستبعد، أو هو يتبنى مذهبا أدبيا ما من ضروريات النجاح فيه أن يحقن في نصه جرعات مشبعة من الجنس والكلام القبيح !..

أما هذه الحجة الواهية الشهيرة لبعض الكتاب والسينمائيين.. (ننقل لكم الواقع – بأمانة – كما هو)، وهي حديثُ الساعة عندنا بالمغرب الآن، عن فلم داعر أثار زوبعة عنيفة من الانتقاد لما عرضه من مشاهد وكلام فاضح.. من أغبى الحجج التي سمعت، فمتى كان كل الواقع يُفضح ويُنقل للعالم بأمانة ؟ من أين لهم هذه القاعدة ؟.. ألا تذهب للخلاء يا هذا ؟ فلتصور لنا نفسك وأنت تمارس نشاطاتك الطبيعية تلك وبالتفصيل الممل ما دام ذلك واقعا ؟ أي عبث هذا ؟

فرق بين خطأ الإنسان مع نفسه ومع ربه عز وجل.. وبين أن ينشر هذا (الأخطاء) الفاجرة الشاذة.. فرق كبير، وقد أمرنا – كما هو معلوم – بالستر إذا ابتلينا وليس بالافتضاح ! والجهر بالمعصية أكبر من مجرد المعصية !..

أنا فقط لا أستطيع تخيل بنت صغيرة مولعة بالقراءة تحمل بين يديها هذه الرواية وتنظر في تلك العبارات.. أي وجه عندك يا مراد وأنت تكتب هذا الذي كتبت ؟ ألا تستحيي يا أخي ؟ وأنا أجزم أن العاهرة لا تستطيع نشر أخطائها وخطاياها كما فعلت.. فكيف تنشر هذا أمام أعين إخوانك وأخواتك في العالم أجمع ؟.. هل تريد الشهرة وأن يقال (جريء) و(أول من كتب فن الثريلر والإيروتيك بجرأة في الوطن العربي ؟ والله لن يغني عنك أن يقولوا ذلك أمام الله.. شيئا

أما عن سوء أدبه مع ربه ودينه – إن كان له دين – فذلك أشد ما أثار غيظي في روايته القبيحة، وهذا ما سأذكر أمثلة عليه مأخوذة بالحرف من نصه:

– “ربي لم لم تخلق آدم بلا ضلوع ؟” (لا يسأل الله كما يسأل صانع في ورشته !)

– “ذنب.. سأكفر عنه فيما بعد” (لا يلعب مع الله.. الله يغفر لمن أذنب بجهالة وغلبة هوى وتاب بصدق.. أما هذا التلاعب فسوء أدب قبيح مع ربنا)

– “لعن الله (مايا) إلهة الكيمياء !” (لا إله إلا الله..)

– “ربنا بيكلمك ؟ – طبعا، ده السميع البصير، لا يخفى عليه شيء”.

(وهذا كذب وافتراء على الله.. متى كلمك الله يا كذاب ؟)

– “أحللت لنفسي الخمر والنساء والقمار والقناطير المقنطرة من الحشيش والكيمياء المقدسة !”

(وبصرف النظر عن تركيب العبارة على وزن الآية المعروفة وهذا فقط قبيح غاية القبح، فإن العلماء مجمعون على أن المستحل كافر..  فالمسلم الذي يشرب الخمر – مثلا – يكون عاص فاسق ولكنه لا يكفر عند أهل السنة، أما “المستحل” الذي يقول الخمر حلال، أو “أحللته لنفسي” يكفر ولو لم يشربه.. لأنه يكذب الله. فانظر إلى هذه الجرأة القاتلة، واسأل الله السلامة والعافية).

– “أحيانا أتساءل لم حرّم ربي المخدرات ؟”

(وهذا علاوة على كونه سوء أدب مع الله، فإنه لا يستقيم حتى في منطق الرواية، إذ كيف لدكتور في الطب العقلي أن يسأل عن ضرر المخدرات ؟ وطفل في الرابعة قد يجيبك عن أضرار المخدرات العقلية والجسمية ؟)

– “أنا يونس في بطن حوت كافر لن يلفظني عند جزيرة”

(بل أنت سكير حقير، وعلى يونس الصلاة والسلام)

– “الرب والشيطان أمر نسبي !!”

(كذا قال.. عليه من الله ما يستحق)

– “انتظرت الملكين أن يأتيا ولم يفعلا تأخرا.. سيسألاني عن إلهي ورسولي وديني ولن أجيب عمدا..”

(بل المخذول لن يجيب حتى لو أراد.. فمن يضلل الله لا هادي له يا مراد)

وأقول منهيا تعليقي هذا عن الرواية، أستغفر الله مما قرأت.. وهداك الله يا أحمد وردك إلى رشدك ووفقك للانتفاع بالعقل الذي رزقك ونفع غيرك.. أقول لك – وأنا متأكد إن شاء الله – لن يعترف بك الأدب يوما يا أحمد ما دام همك الأول الشهرة والسينما ولو على حساب الأخلاق والدين.. فإنما الأدباء الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا !

رفعت خالد المزوضي

01-06-2015

أضف تعليقا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s